بسم الله الرحمن الرحيم
أثر الإيمان في القضاء على تفرق المسلمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
التآلف الحقيقي للقلوب إنما يكون بالإيمان بالله عز وجل، فهو الذي يؤلف بين القلوبِ المتناكرة، ويجمع شمل الطوائفِ المتناحرة، قال تعالى: )وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( [الأنفال:63] وقد كان بلا نزاع الإيمان بالله الأساس في قوتهم، وهو الأثر الفاعل في وحدة الأمة،نبين ذلك من خلال المباحث الآتية.
المبحث الأول: معنى الإيمان
1- معنى الإيمان في اللغة: قال ابن فارس: الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما: الأمانة، والآخر: التصديق، والمعنيان متدانيان، وأما التصديق: فقوله تعالى: )وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ([يوسف:17] أي: مصدقٍ لنا(1).
2- معنى الإيمان في الشرع: اعتقاد بالجنان وإقرارٌ باللسان وعمل بالأركان(2).
المبحث الثاني: أثر الإيمان في القضاء على عوامل الفرقة.
تبين لنا أن عوامل الفرقة تتمثل في الآتي:
-
اختلاف العقيدة وتباينها.
-
تعدد الدول والقيادة في البلاد الإسلامية.
-
عدم مراعاة أدب الخلاف.
-
عوامل أجنبية.
-
التقليد في الباطل.
-
التعصب.
وللإيمان أثر عظيم في القضاء على عوامل الفرقة يتبين لنا ذلك من خلال المطالب الآتية.
المطلب الأول: أثره في توحيد العقيدة [إذا وحدت الأمةُ ربَّها توحدت].
من أعظم النعمِ التي من الله بها على المسلمين أن دينَهم هو الدينُ الصحيح الذي أراده اللهُ لهم ودلهم عليه، ويظهرُ أثرُ هذه النعمةِ عند النظر إلى غيرهم من اليهود والنصارى والوثنيين الذين يتخبطون في غياهيبِ الظلام ولن يجدوا نوراً يهتدون به مالم يدينوا بدين الإسلام، وكذلك المنافقون والزنادقة الذين اطمأنت قلوبُهم بالكفر وبعدت عن الإيمان، وظهر نفاقُهم وزيغُهم عن الهدى بمحاربتهم لدين الله والصدِ عن الهدى الإلهي تحت مسمياتٍ واهيةٍ ومزاعمَ كاذبة، وإذا كان الجامعُ لهؤلاء الذين أخطؤا الطريق وظلوا السبيل إنما هو عقيدة المصالح والمطامع والأهواء والشهوات سواءً اتخذوا لتحقيقها العصبية القومية أو الطائفية أو العرقية أو غيرها من الوسائل الدنيئة والطرق الوضيعة، فإن المسلمين يجتمعون على عقيدةِ التوحيد والسير على نهج الدين القويم، ويستمدون عقيدتَهم من القرآنِ الكريم والسنةِ النبوية وفق ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم وفهمَه الصحابةُ والتابعون ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
"وأما المصالح المشتركة فهي وشيجة تلتقي البهائم على مثلها حين تلتقي على العشب والكلأ والماء فتكون قطعاناً متآلفة بعضها مع بعض متعادية مع من يهدد " مصالحها المشتركة " من القطعان الأخرى! "(3)
فلن تقومَ للمسلمين دولةٌ ولن ترتفعَ لهم رايةٌ ما لم يعتصموا بعقيدة التوحيد التي دعا إليها الإسلام، "إن طريق التمكين لا بد فيه من وحدة الصف الإسلامي، ووحدة الصف ليس لها من سبيلٍ إلا الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح مصدرُه القرآن والسنة، والطريق لفهم القرآن والسنة هي طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، والتابعون لهم بإحسان، ومن سار على طريقهم ونهجهم إلى يوم الدين".(4)
اهتم الإسلام بالعقيدة منذ الوهلة الأولى فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم والأمة تعبد الأصنام وتقدس الأوثان، منهم من قد اتخذ سبعاً من الآلهة كما كان حال حُصين عندما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم:كم تعبد اليوم إلهاً ؟ قال: سبعة، ستاً في الأرض وواحداً في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك ؟ قال الذي في السماء(5)،ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد وحولَه ثلاثُ مئةٍ وستون صنماً، فجعل يطعنها بعودٍ كان معه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"(6)
إن الإيمان هو الأساس للبناء فإذا صح الأساس قام البناء، ونَبذُ الشرك بجميع مظاهرة من أعظم متطلبات الإيمان" لقد ظل القرآن الكريم ينزل ثلاثة عشر عاماً في مكة في موضوعٍ واحدٍ، هو العقيدة ومقتضياتها، لأنها هي الأساس الذي سيقوم عليه ذلك البناء الضخم، "(7).
المطلب الثاني: أثر الإيمان في قيام دولة الإسلام ووحدة القيادة المسلمة.
لقد ظهر لبعض أبناء الإسلام أن الدين لا يعتني بأمر الدولة وتنظيم جميع شؤونها، سواءً كان ذلك منهم بلسان المقال، أو بلسان الحال كأن تجدَ البعضَ لا يعير ذلك اهتماماً ولا يسعى للعمل في رأب الصدع والبناء من أجل سيادة الدين وظهوره، وكان لدعاة العلمانية الأثرُ الواضح في إبعاد الدين عن الدولة، فلم يزل أعداءُ الإسلام في تآمرٍ على الإسلام والمسلمين، يكيدون لهم ويتآمرون عليهم، ويسعون جاهدين لخلق الشبهات وبث الأكاذيب لصد الناس عن دعوة الحق، وإبعادهم عن طريق الهدى، ومن شبهاتهم التي زعموها وأكاذيبهم التي يرددونها، أن الدين لا دخل له بحكم الناس وإدارة شؤونهم، بل أضعفوا من رسالة المسجد وجعلوا الكلام عن كثيرٍ من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة سياسةً يجب محاربتُها والوقوفُ ضدها، وأن تُطهرَ المساجدُ من ذكرِها، وقد بين دينُنا جميعَ ما تحتاجُه البشريةُ والتي من أهمها وعلى رأسها أمر الحكم، وتكلم علماءُ الشريعة عن ذلك مستنبطين ما يقولونه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم."وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في دينهم ودنياهم"(8) فالإسلام نظامٌ شاملٌ يتناول جميعَ مظاهر الحياة، فهو دولةٌ وأمة، وخلقٌ وقوة، وجهادٌ ودعوة، كما أنه عقيدةٌ صادقة، وعبادةٌ صحيحة سواءً بسواء(9).
المطلب الثالث: أثر الإيمان في القضاء على التقليد في الباطل.
وإذا كان التقليد في الباطل من عوامل تفريق الأمة وتمزيقها فإن التحرر من التبعية الباطلة والتحرر للحق واتباع الدليل لمن أعظم العوامل في توحيد المسلمين، إذ أن الجميع يحتكم إلى الكتاب والسنة ويُعمِل عقلَه وبصيرته في ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بعيدا عن التقليد والمحاكاة التي تجعله معتقدا بقول فلان أو علان من الناس معرضاً عن الآيات والسنة النبوية والأدلة البينة والبراهين الواضحة، إن التجرد للحق يجعل المسلم أكثر اعتزازاً بدينه وإسلامه، وكما أن التقليد يكون فيما بين المسلمين فإن من أعظم ما طرأ على أبناء الإسلام هو تقليد ومحاكاة غير المسلمين، فكان له أثرٌ بالغٌ ووقعٌ أليمٌ على وحدة المسلمين، وإذا ما نظرنا إلى أثر الإيمان في علاج هذا المرض الأليم والداء العضال عرفنا أهمية التخلي عن هذا الخلق السقيم في توحيد وجمع صف المؤمنين.
1- إن من أوصاف المؤمنين التي وصفهم الله في كتابه العزيز اليقين لا المحاكاة والتقليد، قال تعالى: )والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ([البقرة:4]
2- إن الإيمان يدعو الإنسان أن يتحرر من رق العبودية للآخرين، و يكون عبداً لله رب العالمين، فبإيمانه يتبع الدليل والبرهان وينبذ التقليد الأعمى، ومن عوائق الإيمان عند المشركين اتباع العوائد التي ألفوها وورثوها عن آبائهم، وذمهم القرآن على هذا العمل المقيت، فقال: )وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ([الأعراف:28].
3- القرآن يدعو إلى التدبر وإعمال العقل والنظر في الأدلة: قال تعالى: )أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا([ محمد:24 ] .
4- وإذا كان من مظاهر تفريق المؤمنين بالنسبة للتقليد في الباطل طاعة الكبراء والزعماء والسادة المتبوعين طاعةً عمياء دون النظر إلى دليل أو برهان، فقد عالج الإيمانُ ذلك علاجاً شافياً يجعل المؤمن حريصاً على اتباع الحق والبحث عنه دون كلل أو ملل، وبلا مداهنةٍ أو وجل، فجعل طاعة أولياء الأمر واجبةً على المؤمنين ما لم تكن في معصية، وعند الاختلاف يكون التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحذر من الاتباع المطلق و التقليد في الباطل، وبين أن مصير صاحبه إلى الجحيم والعياذ بالله فقال تعالى: )يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا* وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا* رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً([الأحزاب:66-68]. ولذا استحق المقلد في الباطل ضعفاً من العذاب زائداً على غيره من أهل الضلال الذين لم يكونوا مقلدين كما هو واضحٌ في قوله تعالى: )حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُون(َ[الأعراف:38],
5- ومما ظهر في الأمة من الافتراق والاختلاف هو الأخذ بأقوال أحد الرجال من العلماء المجتهدين والدعاة المصلحين أخذاً مطلقاً، والتسليم لما ذهب إليه ورآه وإن جانب الصواب، مع تحقير الآخرين وتضليلهم دون النظر في الدليل والبرهان، ولا يخفى ما جنى ذلك على الأمة الإسلامية من التفرق والتشرذم، واستغلال الأعداء لذلك بالكيد والتآمر وتوسيع دائرة الخلاف والشقاق بين المسلمين، و ما هذا إلا لضعف الإيمان والبعد عن هدي القرآن، ولقد عالج الإيمان ذلك الداء يظهر لنا من خلال النظر في الكتاب والسنة:
لقد فضل الله أهل العلم ورفع من قدرهم فقال: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ([المجادلة:11], وأوجب طاعتهم في غير معصيةٍ:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً([النساء:59] قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية:)وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ( يعني: العلماء، والظاهر- والله أعلم-: أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء...أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله"(10).
ومع عظيم قدرهم ووجوب طاعتهم فلا يجوز تقليدهم دون نظرٍ إلى دليلٍ أو برهان فالطاعة المطلقة إنما تكون لله ورسوله، فالاهتداء إلى الحق إنما يكون بإعمال العقل وما أعطي الإنسان من أدواتٍ للعلم، لا بالتقليد والاتباع المجرد عن الدليل والبرهان، بل المخالفة لكتاب الله أو سنة الرسول-صلى الله عليه وسلم-، والعدول عن ذلك إلى أقوال الغير، يعرض العبد لعذاب الله –عز وجل-قال الله تعالى: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ([النور:63] "أي: عن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان"(11).
ولهذا فإن أهل التقوى من أرباب العلم يؤكدون على عدم اتباعهم في كل ما يقولون إلا ما وافق الكتاب والسنة.
المطلب الرابع: أثر الإيمان في القضاء على التعصب:
حرم الإسلام العصبية وأغلق بابها إغلاقاً محكماً، فحرم التعصب بالباطل لشخصٍ أو عشيرة أو قبيلةٍ أو منطقةٍ أو زعامةٍ أو هيئةٍ أو لونٍ أو جنس أو بلدٍ أو لأي مظهرٍ من المظاهر العصبية، ودعا إلى التوحد والألفة والمحبة ونبذ الخلاف والفرقة، على النحو الآتي:
1- حرم التعصب وإن كان قد يظهر للإنسان أنه من الغيرة على دين الله عز وجل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما يهوديٌ يَعرض سلعته أُعطي بها شيئاً كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجلٌ من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم إن لي ذمةً وعهداً فما بال فلانٍ لطم وجهي فقال: "لم لطمت وجهه" فذكره فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى رُئِي في وجهه ثم قال: "لا تفضلوا بين أنبياءِ الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى آخذٌ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي ولا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن متى"(12) 2- الانتماء إلى دين الإسلام والعمل من أجل الإسلام ينبغي أن يكون عن صدقٍ وإخلاصٍ بعيداً عن العصبية والحمية التي تعد مظهراً من مظاهر الجاهلية،عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غضباً ويقاتل حميةً فرفع إليه رأسه، فقال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل"(13) ويقاتل غضباً أي لأجل حظ نفسه، ويحتمل أن يفسر القتال للحمية بدفع المضرة، والقتال غضباً بجلب المنفعة.(14)وقيل الحمية: هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن عشيرته(15).
3- تفاضل الناس على أساس التقوى والعمل الصالح، فأهل الإيمان لا يفضلون أحداً على أحدٍ إلا بالتقوى؛ لأن الإسلام أمر بذلك وجعله ميزاناً في الحكم على البشرية، قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( [الحجرات : 13].
المطلب الخامس: أثر الإيمان في القضاء على اتباع الهوى[الإيمان يدعو إلى اتباع الشرع وينهى صاحبه عن اتباع الهوى].
لا يخلص قلب المؤمن ويتحقق فيه الهدى والخير ما لم يتخلى عن الهوى، فإن المؤمن أبعد الناس عن داعية الهدى، كما أن المشركين يتخبطون في الضلال والعمى، وقد دعا الإسلام إلى نبذ التعصب، وفي الانقياد لأمر الإسلام أثرٌ عميق في توحيد المسلمين، من خلال الآتي:
1- الإيمان يمنع الإنسان من أن يتبع الهوى، أخبر الله أن اتباع الهوى يمنع من الاستجابة لداعي الإيمان، وأنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، ومن كان هذا حاله فما أعظم بغيه وظلمه لنفسه وفي حق ربه، قال الله- تعالى-: )فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ([القصص:50].
2- نهى الله عن اتباع الهوى في كل الأحوال، وإن كان ظاهره مصلحة الأبوين في حال فقرهما أو غناهما فقال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً([النساء:135] "فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق وعلى الجور في الحكم إلى غير ذلك"(16) من الأعمال التي تفرق المسلمين وتوجد العداوة بينهم.
3- حذر القرآن من اتباع الهوى وأنه سببٌ الظلال والردى، والهلاك في الحياة الدنيا والآخرة، قال المولى جل وعلا: )يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ([ص : 26] وقال تعالى: )فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى([طه : 16]ولمحمد بن عبد الله بن مناذر:
خير ما اجتن به المرءُ التقى فاتخذها عُدةًً دون العدد
وأرى الشهوة مفتاح الردى فاجتنبها وانأ عنها وابتعد(17)
4- مثل الله من يترك الهدى ويتبع الهوى بأخس الحيوانات، فصوره بأبشع تصوير، وعيره أسوأ تعيير، قال الله تعالى: )وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ *وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( [الأعراف:175-176].
قال ابن القيم- رحمه الله-: فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه وتأمل ما تضمنته هذه الآية من ذمه وذلك من وجوه:
أحدها: انه ضل بعد العلم واختار الكفر على الإيمان عمداً لا جهلاً.
ثانيها: أنه فارق الإيمان مفارقه من لا يعود إليه أبداً فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخ الحية من قشرها.
ثالثها: أن الشيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه، ولهذا قال فأتبعه الشيطان ولم يقل تبعه فإن في معنى اتبعه أدركه ولحقه.
رابعها: أنه غوى بعد الرشد، والغي: الضلال في العلم والقصد وهو أخص بفساد القصد والعمل، كما أن الضلال أخص فساد العلم والاعتقاد،
خامسها: أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه؛ لأنه لم يرفع به فصار وبالا عليه فلو لم يكن عالما كان خيراً له وأخف لعذابه.(18)
5- جعل الله من يتبع هواه بمنزلة من يعبد غير الله من الأوثان والأصنام، فقال: )أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً([الفرقان:43] وقال: )أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ([الجاثية:23] قال ابن عباس و الحسن و قتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، وقال عكرمة: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه، فإذا استحسن شيئا وهويه اتخذه إلهاً (19).
قال علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان:
رب مستورٍ سبته صـبوةٌ فتعرى سترُه فانتهـكا
صاحب الشهوة عبدٌ فإذا غلب الشهوة صار الملكا
وقد أنشدوا لابن المبارك:
ومن البلاء وللبلاء علامة أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواته والحر يـشبع تارة ويـجوع (20)
6- من يتبع هواه ليس أهلاً للطاعة والاتباع، بل لدناءة همته وسقوطها تنفر منه النفوس الأبية وتأبى اتباعه، قال ابن القيم- رحمه الله-: «متبع الهوى ليس أهلاً أن يطاع ولا يكون إماماً ولا متبوعاً فإن الله -سبحانه وتعالى- عزله عن الإمامة ونهى عن طاعته أما عزله فإن الله -سبحانه وتعالى- قال لخليله إبراهيم: )إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ([البقرة:124] أي: لا ينال عهدي بالإمامة ظالماً، وكل من اتبع هواه فهو ظالم، كما قال الله تعالى: )بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم( وأما النهي عن طاعته فلقوله تعالى: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً([الكهف : 28]»(21).
7- المؤمن يبتغي الجنة التي يحصل عليها برضوان الله ولن يكون إلا بنهي النفس عما تهوى، قال تعالى: )َأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى([النازعات:40].
8- اتباع الهوى، من المهلكات التي تهلك صاحبها، عن انس بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"ثلاث مهلكات: شحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه من الخيلاء، وثلاث منجيات: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفاقة، ومخافة الله في السر والعلانية"(22).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات، فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه...الحديث"(23) أي: موقعات لفاعلها في المهالك(24)
9- العاجز المفرط من يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني، كما روى أبو يعلي شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنى على الله"(25).
إعداد: مرفق ناجي مصلح ياسين.
مراجعة: رياض عيدروس وعبد الكريم الفهدي