مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
مبدأ الشورى في السياسة الشرعية
مبدأ الشورى في السياسة الشرعية
السبت 20 أبريل 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

مبدأ الشورى في السياسة الشرعية

25/ 12/ 1423هـ

26/ 2/ 2002م

بقلم/ محمد الصادق مغلس

لمجلة (المنتدى)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

الشورى في الأمور العامة والخاصة:

فإن الشورى مبدأ إسلامي أصيل ومن صفات المؤمنين الدائمة التي وصفهم الله بها في سورة الشورى فقال تعالى: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}،[الشورى:36-39].

وهذه السورة مكية مما يدل على أن صفة الشورى لا تخص أمور الدولة فقط، ففي مكة لم يكن للمسلمين دولة، ومع ذلك كان المدح للمؤمنين باتصافهم بالشورى، فهي صفة ملازمة للمؤمنين في أحوالهم المختلفة العامة والفردية بحيث لا يقدِم أحد منهم على أمر من أموره كتجارة أو سفر أو زواج أو غير ذلك إلا بعد مشورة. وكذلك أي مجموعة منهم أو كيان أو دولة فإنهم يعتمدون مبدأ الشورى في سائر قضاياهم. ويؤيد هذا المعنى أن قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى} ورد فيه لفظ (أمر) مفرداً مضافاً إلى الضمير فهو يفيد العموم كما في الأصول، فيعم كل أمر ذي بال سواء أكان خاصاً أم عاماً.

وفي سورة آل عمران أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه فقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]، وهذا الأمر للنبي الكريم المعصوم بالوحي يعني فيما يعني التوجيه بالأولى إلى ولاة الأمر من بعده وهم غير معصومين ولا ينزل عليهم الوحي بأنهم لابد أن يشاوروا من معهم في أمور المجتمع والدولة، ولا يستبدوا بالرأي، وتلك المشورة واجبة عليهم كما ذكر العلماء.

والشورى تضع أمام المستشير عدة خيارات فيستطيع أن يختار أمثلها وأفضلها، لأن الإنسان مهما بلغ من العلم والسن والتجربة والقدرة فإنه يظل قاصراً، وقد ينتبه غيره إلى ما لم ينتبه هو إليه.

وقد كان عليه الصلاة والسلام وهو نبي المسلمين وإمامهم وأسوتهم كثير المشاورة لأصحابه في القضايا العامة، فقد شاور أصحابه في الخروج إلى العير في يوم بدر، وعمل بمشورة الخروج إلى أحد في يوم أحد، وشاور يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة فأبى عليه ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وشاور أصحابه في أن يميل على ذراري المشركين يوم الحديبية، فقال له الصديق: إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين فأخذ بقوله، وكذلك كان يشاور في القضايا الخاصة، فقد استشار علياً وأسامة في فراق عائشة، وقد ذكر هذا وغيره ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية التي في سورة آل عمران.

ومعلوم أن الفرد يخسر كثيراً عندما يكتفي برأيه ولا يستشير، وكذلك الأمة تخسر كثيراً عندما يستبد ولي أمرها برأيه وحده، قال الشاعر:

إذا بلـغ الرأي المشورة فاستعـن *** برأي لبيبٍ أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً *** فرِيشُ الخوافي قوةٌ للقـوادم

وقال الآخر:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به *** رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

فيم تكون الشورى؟

تكون الشورى في الأمور الاجتهادية، لأن الآراء والاجتهادات لا تكون إلا حيث لا يوجد نص من كتاب أو سنة، أما إذا وجد نص بيّنُ الدلالة فإنه لا اجتهاد مع النص، ويوجد كذلك اجتهادٌ في النص لفهمه إذا لم تكن دلالته بيّنة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسولُهُ أَمْرًا أَن يَكونَ لَهمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:36]. ولذلك عندما تخوض بعض المجالس النيابية التي أعطت لنفسها حق الاجتهاد والتشريع في تجويز بعض المحرمات القطعية كالربا، أو في تعديل بعض الواجبات القطعية ونسخها كواجب الأخوة، وواجب موالاة سائر المؤمنين والالتزام بتكافؤ حقوقهم، فتقوم هذه المجالس بتشريع التفريق بين سائر المؤمنين بقوانين المواطنة والجنسية مثلاً ونحوها، فإن هذه المجالس تكون قد وقعت في المحظور، وخرجت عن دائرة الاجتهاد والشورى إن كانت أهلاً لذلك، ودخلت في دائرة التشريع بما لم يأذن به الله.

وفي الحديث المتفق عليه أن عمر رضي الله عنه عندما أراد دخول الشام في أيام الطاعون جمع المهاجرين الموجودين للمشورة فاختلفوا، ثم جمع الأنصار فاختلفوا، ثم جمع مسلمة الفتح فاتفقوا على ألاّ يدخل عمر الشام وأن يرجع بالناس، فأخذ عمر بمشورتهم، وما كانوا يعلمون بوجود نص في الموضوع، فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فذكر لهم نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنع الدخول إلى أرض الوباء لمن كان خارجها، ويمنع الخروج من أرض الوباء لمن كان داخلها، وذلك أرقى ما وصل إليه الحجْر الصحي في عصرنا، فلما علم عمر بذلك حمد الله على أن ما توصّل إليه بالشورى لم يكن مخالفاً للنص النبوي. وهذه من الفروق المهمة الرئيسة التي تفترق بها الشورى الشرعية عن الديمقراطية الوضعية، ففي الديمقراطية تجد النواب يحللون ويحرمون ويشرعون دون مراعاة لشرع أو نص.

كما تكون الشورى كذلك في اختيار ولي الأمر، لأن الاختيار والمفاضلة بين المؤهلين لولاية الأمر هو أيضاً من الأمور الاجتهادية، وفي المتفق عليه أن عمر رضي الله عنه جعل اختيار الخليفة بعده شورى في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله وهو عنهم راضٍ، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.

من هم أهل الشورى؟

أهل الشورى في أمور الدولة هم أهل الحل والعقد ويشملون العلماء الحائزين شروط الاجتهاد، وأهل الوجاهات، وأهل الاختصاصات كالاقتصاديين والعسكريين والسياسيين، ومرجعية الجميع إلى العلماء، فأهل الوجاهات وأهل الاختصاصات بمثابة الفنيين يشرحون ما عندهم للعلماء، ثم يكون الرأي النهائي للعلماء، لأنهم أصحاب الفتوى في الشرعيات وأهل الذكر، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل:43].

والعلماء هم وحدهم الذين يميزون بين ما فيه نص فلا تجوز فيه الشورى، وما لا نص فيه، أو فيه نص قابل للاجتهاد في فهم معناه فتجوز فيه الشورى، وهم الأقدر على تنزيل النصوص على الواقع بعد شرح الواقع لهم أو معايشتهم له، ومن ذلك تنزيل الشروط الشرعية المطلوبة في ولي الأمر، أي تنزيلها عليه عند اختياره، ولا يمكن أن ترتقي درجة الاختصاصيين والوجهاء إلى درجة العلماء في كل ما له ارتباط بالشرع فيصوتوا جميعاً، إلا إذا كان الاختصاصيون والوجهاء هم أيضاً من العلماء، تماماً كما لا يصوت الممرضون مثلاً والفنيون مع الأطباء عند إجراء العمليات الجراحية. والرسول عليه الصلاة والسلام جعل العلماء كما في الحديث الصحيح وحدهم ورثة الأنبياء دون مشارك، ورفع الله درجتهم على من سواهم فقال: {يَرْفَعِ اللهُ الذِينَ آمَنوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلونَ خَبِيرٌ} [المجادلة:11]، وفي البخاري أن القراء كانوا أصحاب مجلس عمر شيوخاً كانوا أو شباناً. والمقصود بالقراء العلماء.

وهذا فرق آخر هام من الفروق العديدة بين الشورى والديمقراطية فالقرار في الشورى المتعلقة بالأحكام الشرعية هو للعلماء العدول المجتهدين، وفي الديمقراطية لا يفرقون بين عالم وجاهل ولا بين عدل ومجروح، بل ولا بين مسلم وغيره فيستوي الجميع في التصويتات سواء في الانتخابات أو تحت قبة المجلس، والله يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكمْ كَيْفَ تَحْكُمونَ} [القلم:35-36]، ويقول: {قلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمونَ وَالذِينَ لَا يَعْلَمونَ} [الزمر:9].

وإذا كانت الشورى لا تتعلق بقضية شرعية بل ببعض الترتيبات مثلاً، أو ببعض الحقوق، فيمكن مشاورة المختصين، أو إجراء استفتاء مع أصحاب الحقوق، كما حدث من الرسول عليه الصلاة والسلام عندما استشار في الخروج إلى بدر والخروج إلى أحد، وكما حصل منه استفتاء أصحاب الحق كما في غنائم هوازن.

ويمكن مشاورة المرأة إذا كانت مؤهلة، والاستفادة من رأيها، ولكن مع مراعاة طبيعتها وأنها عورة، فيأخذ رأيها قريبها أو زوجها كما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأي أم سلمة في الحديبية كما في البخاري، أو الاتصال بها من وراء حجاب أو بالمراسلة، أو بأي طريقة ليس فيها حرج شرعي على المرأة أو اختلاط. وأما التصويت في اتخاذ القرارات أو اختيار ولي الأمر فلا دخل للمرأة في ذلك حتى لو كانت عالمة مجتهدة لأن الله يقول: {الرِّجَالُ قَوَّامونَ عَلَى النِسَاء} [النساء:34]، النساء. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» [رواه البخاري] وغيره، والنساء كالقوارير، والمرأة ضعيفة ناقصة في العقل والدين يسهل خداعها والتأثير عليها مهما بلغت من العلم، وهي عاطفية سريعة البكاء والارتباك، تهتم بالحلية وتنشأ فيها، ولا تبين عند الخصام، وتهتز طبيعتها عند الحيض والنفاس وعند الرضاعة والوحام، فالبعد بها عن صراعات السياسة، وتركها تهتم بمملكة بيتها ـ وهي راعية فيه ـ هو الأصل ، ولم تشترك امرأة في بيعة الخليفة أو حضرتْها على مدار تاريخ الإسلام.

وعندما اختار الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة اثني عشر نقيباً لم يكن للنساء تمثيل في تلك النقابة رغم حضورهن.

ومعلوم أن أمر المرأة ليس بيدها، فولايتها إلى زوجها أو أبيها أو الأقرب من عصبتها، ولا تخرج إلا بإذن، وهي في ذلك قريبة من العبد وبسبب ذلك ارتفعت عنهما عدد من الواجبات كالجهاد والجمعة والحج، وبالنسبة للحج يجب على المرأة إذا توفّر المحْرَم، فكيف يُرتهن أمر الأمة، أو جزء مهم منه إلى من ولايته بيد غيره؟! وإلى من يحتاج إلى استئذان عند خروجه؟ فتكون النتيجة ضياع الحق العام -لو سلمنا بحق المرأة في التولية والولاية- لمجرد عدم الإذن ممن يملكه.

إن الأصل في الحقيقة من خلال السوابق الشرعية أن أهل الحل والعقد في الدولة لا يتخذون قرارات حتى وهم رجال باستثناء قرار اختيار ولي الأمر عند شغور موقعه، أو عزله عندما يوجد مبرر شرعي لذلك، والذي يتخذ القرارات كما سنذكر بعد قليل هو ولي الأمر نفسه بعد أن يستطلع آراء أهل الحل والعقد ويستشيرهم عندما تكون الحاجة داعية لذلك.

هل الشورى ملزمة؟

لقرارات المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية وما يماثلها من المجالس في نطاق الأحزاب والتشكيلات صفة الإلزام ولو ظاهرياً، وفي الحقيقة فإن هذه المجالس تتشكل ابتداء وفق رغبة مركز القوة الذي ينتمي إليه ولي الأمر أو المسئول الأول، ويتدخل هو في هذا التشكيل بصورة مكشوفة أو ملتوية، وكذلك يكون صدور قراراتها فيما بعد تبعاً لتلك الرغبة؟ لأنه لا يصل عادة إلى مركز المسئول الأول إلا من له ثقل حقيقي أو عصبية كافية، وهذا الثقل أو العصبية يلقي بثقله بدوره على تشكيل المجلس وقراراته فتكون صفة الإلزام من المجلس للمسئول صورية لا أكثر، ويكون العكس في الواقع هو الصحيح مهما غالطت الشعارات.

والإسلام دين واقعي يمنح ولي الأمر بعد اختياره صلاحياته كاملة، وإن أوجب عليه المشاورة فإنه لا يجعل عليه وصاية ولا يكلفه التصنع لأهل الشورى ثم يلجئه إلى التحايل في اختيارهم وفي إصدار قراراتهم، بل يجعل الأمر إليه صراحة وفي وضوح في اختيار مجلسه الذي يستشيره، واختيار ما يناسب المصلحة من قرارات المجلس أو اجتهاداته على الأصح، لأن الخلفيات والمعلومات الكثيرة التي تصب عند المسئول الأول من كل اتجاه تجعله أقدر على التمييز بين الخيارات واتخاذ القرار الأكثر سداداً، ولا يستطيع المسئول في كل الأحوال أن يطرح كل ما لديه من خلفيات على أهل الشورى، تماماً كالقائد العسكري الذي يستفيد من مستشاريه ولكنه غير ملزم بآرائهم ولو أجمعوا عليها، لأنه قد تكون عنده خلفيات ليس من الضروري أو من المصلحة أن يعرفوها، ومع هذا يسمح للقائد في كل الأنظمة أن يتجاوزهم باتخاذ القرار مع أن نتائج ذلك في الحرب أخطر بكثير من النتائج في أحوال السلم. وهذا القائد العسكري إنما هو موظف عند المسئول الأول، فكيف تعطى للموظف (القائد) صلاحيات أوسع من صلاحيات المسئول الأول الذي منحه الوظيفة؟! هذا في المنطق البسيط، أما في منطق الشرع فإنه لم ترد في أقوال الفقهاء السابقين، وقد حكم الإسلام أكثر من ألف سنة، وأقام أعظم حضارة شهدها التاريخ لم يرد إلزام ولي الأمر بأن يوكل اختيار أهل الشورى إلى الناس، وإلزامه بأن يخضع بعد ذلك لقراراتهم، وتحديد أغلبية معينة لاتخاذ تلك القرارات، وتحديد مدة لذلك المجلس، بل وتحديد مدة للمسئول الأول، كل هذا وغيره من الكلام النظري لم يرد إلا في أقوال بعض المعاصرين تأثراً كما يبدو بالفكر الديمقراطي، وتمشياً مع ما مشى عليه أهل الكتاب حتى لو دخلوا جحر الضب، ومع ذلك بقي الكلام نظرياً ولم يكن له خط من التطبيق الهادئ في الواقع رغم مرور عشرات السنين على انتشار هذا الفكر في بلاد المسلمين.

إن السوابق من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في الأخذ بنتائج الشورى لا تدل على الإلزام في الأخذ بهذه النتائج، وإنما تدل عند فحصها بعيداً عن المؤثرات على أن الأخذ كان بناء على اختيار المسئول وحسب المصلحة التي ترجحت لديه، والآية الكريمة واضحة في الإلزام بالشورى للمسئول دون الإلزام بنتيجة محددة وأنه يعزم بعد ذلك على الخيار الأمثل ويتوكل على الله، وليس بالضرورة أن يكون هذا الخيار هو ما رآه المستشارون {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159].

إن الأخذ بنتائج الشورى من الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه ولا تعني دوماً عند التحقيق موافقة أهل الشورى إنما هي مجرد أفعال، وليس معها أقوال أو صيغ آمرة، والفعل وحده كما هو معلوم في الأصول لا يدل على الوجوب.

ثم إنه لا يصلح عقلاً ولا شرعاً إنشاء ولايتين تتنازعان السلطة في وقت واحد، الأولى ولاية المسئول الأول والأخرى ولاية أهل الحل والعقد.

إنه بمجرد أن يختار أهل الحل والعقل ولي الأمر تصير له الولاية كاملة غير منقوصة، ويصبح على الجميع طاعته بمن في ذلك أهل الحل والعقد، يقول عليه الصلاة والسلام: «ومن يطع الأمير فقد أطاعني» [متفق عليه].

والنصوص في ذلك كثيرة ، فكيف يأتي بعد ذلك من يقول إن على ولي الامر أن يطيع مجلس شوراه في أحوال كثيرة وبترتيبات معقدة، مرة بأغلبية الثلثين، ومرة بالأغلبية المطلقة، وأحياناً هو يدعو المجلس، وأحياناً يجتمع المجلس بدعوة من غيره.. إلخ التفصيلات؟ مما يوجد التنازع ويجعل ولي الأمر وهو من بيده المال والقوة والإعلام يسعى إلى تدجين هذا المجلس ويجعل كل تلك الصلاحيات له والتفصيلات مجرد ديكور، فلماذا نصنع أسباب الصراع التي تفضي إلى الديكتاتورية المطلقة بأيدينا؟ ولماذا لا نسلم من البداية كما دلت نصوص الشرع أن أهل الحل والعقد هم رعية من جملة الرعية عليهم السمع والطاعة، ولكنهم ملزمون بأن يمحضوا النصح لولي الأمر، وعليه إذا تبين له أن الحق معهم أن يأخذ به ديناً وشرعاً ليس للأغلبية ولكن لأنه الحق. أليس هذا خيراً من الإلزامات الجوفاء؟ والشكليات المستوردة التي تكلف الأمة الكثير وليس لها في الواقع أيّ أثر إيجابي؟

إذا أدركنا هذه الحقيقة وهي غائبة اليوم عن كثير من الناس وسعينا للعمل بها فسوف تستريح المجتمعات الإسلامية والتشكيلات التي فيها، فالمسئول بدلاً من صرف الإمكانات لاختيار الموالين له ولمركز القوة الذي ينتمي إليه، وبدلاً من صرف الطاقات للصراع من أجل ذلك، ثم للترتيب من أجل أن تكون القرارات متمشية مع سياساته، أليس الأولى أن يختار مستشاريه كما فعل السلف الصالح بحسب اجتهاده وفي وضوء الضوابط الشرعية، ويتم التسليم له بذلك حتى يقل اندفاعه في الهوى، ويكون مراعياً مراقبة الله له، إذ المفترض فيه الصلاح، ثم يختار من مشورتهم بعد ذلك ما يتفق مع المصلحة مراعياً مراقبة الله له أيضاً؟ أليس هذا هو الأولى بعد التجارب المريرة التي خاضتها الأمة ولم تنجح في واحدة منها.

إن القول بأن الصلاح قليل في الولاة فلابد من وضع القيود عليهم بالأنظمة والضوابط والإلزام بنتائج الشورى، إن هذا القول غير واقعي، فالقيود لا تصنع الصلاح إذا كان مفقوداً، ومصادر القوة التي تجتمع بيد المسئول هي التي تصنع سياساته وليست القيود، بل إن هذه القيود تفتح المجال واسعاً أمام المسئول لأنواع التحايل والخداع والتمثيل وإهدار المقدرات، وتطبيع الناس على التجاوزات وتسويق التملق والمجاملات والمداهنات ويكون ذلك سبباً في فتنة المسئول وفتنة الطبقة والبطانة التي حوله.

وأما القول بأن الغرب قد نجح في إيجاد الاستقرار عبر تلك القيود والنظام الديمقراطي، فالرد على ذلك بأن أوضاع الغرب غير أوضاعنا وعندهم قوى ضخمة متوازية في مجتمعاتهم وتسمح بها ديانتهم المحرفة، وهذا التوازن يوجد ذلك الاستقرار المظنون، وكثيراً ما يطيح هذا الاستقرار عندما لا يوجد ذلك التوازن بين القوى الحاكمة والقوى المعارضة.

أما في مجتمعنا المسلم فلا يُسمح إلا بقوة واحدة برأس واحد، والأصل أن المؤمنين جميعاً إخوة، ويشكلون كياناً واحداً، والاجتهادات الفرعية الموجودة فيه لا تفرق هذا الكيان، فلذلك ليس مسموحاً بإيجاد تعددية عقدية حقيقية، وعليه فلابد أن تختلف أنظمتنا تبعاً لديننا وأوضاعنا، ومن أجل ذلك لم تنجح الأفكار المستوردة على مدى أكثر من قرن في إيجاد كيان في بلاد المسلمين شبيه بأي كيان في الغرب، مما يدل على أننا مهما أوغلنا في جحر الضب فلن نصل إلى نتيجة مريحة، وأن الخير لنا في أن نقتفي تعاليم ديننا بدقة ومنهج سلفنا الصالح وخير القرون، وأنه لا يمكن لأحد أن يأتينا بجديد على ديننا يُصلِح به أوضاعنا، لأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولن يكتشف أحد بعد ألف وأربعمائة سنة لهذه الأمة ما لم يكن قد عرفه أسلافها لها من الخير، والله المستعان.

وقد يقول قائل هذا تنظير للاستبداد، ونقول له: إن الإسلام علّمنا ألا ننازع الأمر أهله إلا في حال الكفر البواح، وما دام ولي الأمر في دائرة الإسلام فننصحه ونشير عليه، ونقول كلمة الحق أمامه ولو كلفنا ذلك التضحية فهذا محلها.

ولكن ولي الأمر إذا اطمأن إلى عدم المنازعة فإنه سوف يستمع في الغالب إلى كلمة الحق وينتفع بالمشورة، ويفتح المجال لإصلاح قلبه وقلوب الناس ويأمن من يقوم على ذلك ما دام سلطانه لا يُمَس فيكون ذلك سبيلاً للصلاح العام، وأما المنافسة على الولاية، وهي في النهاية كرسي واحد لا يتعدد، فإنها لا تأتي بخير وتسفك بسببها الدماء بلا جدوى، وليست أصلاً من مقاصد حَمَلة الدعوة إلى الله وغاية الأمر في باب الشورى أن ما يتوصل إليه أهل الشورى اجتهاد، وما يكون عند الحاكم إذا لم يقتنع برأيهم اجتهاد آخر، فأي الاجتهادين يرتفع به الخلاف شرعاً؟ لا شك أن الفقهاء يقولون إن حكم واجتهاد الحاكم يرفع الخلاف، والبقية وإن كانوا أهل الشورى هم رعية لابد أن يسمعوا ويطيعوا، أما القول بأن اجتهاد أهل الشورى ملزم للحاكم فهذا ما لا يقول به أهل الفقه الدقيق، وهذا ما يثير رد الفعل عند الحاكم وقد يدفعه إلى تكميم الأفواه وتجفيف الشورى والوقوع فعلاً في الاستبداد، والشواهد كثيرة، ونسأل الله السداد والرشاد وأن يهدينا إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه، وبالله التوفيق..

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: