مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
الطريق إلى الأمن الحقيقي
الطريق إلى الأمن الحقيقي
السبت 20 أبريل 2013

الطريق إلى الأمن الحقيقي

يقف البشر اليوم على حافة الهاوية والانهيار، إذ تعج المجتمعات البشرية بالفتن والمحن تحيط بها المخاوف والمزعجات وتقلقها المخاطر التي تتمثل في القتل والجوع والأمراض الأسرية والنفسية والاجتماعية.

إن الناس في هلع ورعب وشقاء وتعاسة من جراء ما يهدد وجودهم وأعراضهم وأموالهم، وما يهدد دينهم، والجميع يبحث عن الأمن والرخاء والاستقرار والهدوء النفسي والمجتمعي .

وقد صاحب هذه الحالة البائسة حملة إعلامية ماكرة خبيثة مضللة من الكفار وأذنابهم المنافقين عبر وسائل إعلامهم المختلفة، وذلك بقلب الحقائق، والتلاعب بالمصطلحات، والتلبيس على الناس في معنى الأمن ومفهومه ووسائله، ومعنى الإرهاب وطرائقه، وجاءوا بزخرف من القول غرورا ليصرفوا الناس عن الأسباب الحقيقية للمخاوف وذهاب الأمن والاستقرار، فأبعدوهم عن الأسباب الحقيقية لاختلال الأمن في حياة الأفراد والمجتمعات والدول والتي ذكرها الله لنا في كتابه الكريم، وفصلها تفصيلاً وبينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إن الله تعالى حين أوجد آدم وإبليس على هذه الأرض التي هي حلبة الصراع وميدان المعركة بين الحق والباطل بيّن سبحانه أسباب الأمن والسعادة والفوز والفلاح وربط ذلك بطاعته واتباع رسله، وهداه الذي أنزله عليهم، وجعل الخوف والغواية والضلال والشقاوة والهلاك في الابتعاد عن منهجه وتنكب طريقه، فقال سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِما يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يؤْمِنْ بِآياتِ رَبهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: 123].

إن أسباب الأمن والرفاهية والسعادة في الدنيا والآخرة إنما هي في اتباع هدى الله وطاعته وإن تعكير الأجواء والوقوع في الخوف والقلق والضيق والضنك إنما هو في الإعراض عن ذكر الله، وقد وضح الله تعالى في آيات كثيرة أن البشر إن أرادوا الخروج من عيشة الضنك والخوف والهلع فما عليهم إلا أن يدخلوا في السلم كافة ويتركوا الكبر والجهل والإعراض عن عبادة الله وطاعته كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:96]، وقال عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكمْ إِنهُ كَانَ غَفاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكمْ جَناتٍ وَيَجْعَلْ لَكمْ أَنْهَاراً﴾[نوح: 11]، وقال عن هود عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:52].

وقال سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:16].

فالذي يعبد الله تعالى ويعظمه ويوحده هو الآمن المطمئن وهو السعيد العزيز، والمشرك المعرض عن عبادة الله وطاعته وتوحيده هو الخائف الرعديد المضطرب الساقط من سماء الإيمان والتوحيد إلى مستنقعات الشرك والكفر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:31]، ومن كانت هذه حاله وصفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل إلى الأرض عادة إلا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه.

غير أن الكفار والمشركين من شياطين الإنس والجن صوروا الأمر على غير حقيقته وذلك بجعل الحق باطلاً والباطل حقاً وكذبوا وخادعوا كما أخبر الله عنهم بقوله الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذِينَ لا يُؤْمِنونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفوا مَا همْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:112].

إن هؤلاء الشياطين من الإنس والجن يصورون الاستقامة على أمر الله والاهتداء بنوره سبحانه وتحقيق العبودية له بأنه سبب الخوف والإرهاب، لقد بيّن الله سبحانه في هذه الآية الكريمة أن تضليل شياطين الإنس والجن للناس بأقوالهم المزخرفة المضللة لا تنطلي إلا على من ضعف دينه وإيمانه بالآخرة وإلا فإن المؤمن الحق الذي رضي بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ورسولاً لا يصغى لهذا المكر والباطل ولا يرضاه ولا يقبله وإنما يرفضه ويأباه ويكفر به ﴿فَمَنْ يَكْفرْ بِالطاغُوتِ وَيؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:256].

إنهم يقولون لنا إن أردتم الأمن والاطمئنان فالغوا القرآن من مدارسكم وجامعاتكم وأشيعوا الانحلال وأفسدوا المرأة وأغلقوا معاهد ومدارس التعليم الشرعي، وحاربوا العلماء والمصلحين، وتفرقوا ولا تتحدوا واقتتلوا ولا تصطلحوا، إن هذا لشيء عجاب والأعجب منه الاستجابة لهم وطاعتهم وتنفيذ مطالبهم.

إنهم يرون الرزق والحياة والصحة والأمن منوط بالشرك والكفر والتكذيب والإعراض، إنهم يخوفون البشر من المخلوقات ويدعونهم إلى الشرك بالله، وذلك بالخوف من المخلوق المربوب الضعيف ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

إنهم يجعلون الشرك والكفر والتمرد على الله هو سبب التقدم والتطور، وسبب الرفعة والعزة ولقد حاور إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة والسلام وحاجّ قومه المشركين وأبطل شبهاتهم كما أخبرنا الله في كتابه بقوله: ﴿وَحَاجهُ قَوْمهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبي شَيْئاً وَسِعَ رَبي كلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:80].

إن الشياطين اليوم يحكمون العالم بالخداع والكذب والتضليل، وإذا كانت الحروب العسكرية ليست الميدان الوحيد للنزال والصراع، وليست الوسيلة المضمونة للغلبة على المسلمين، وليست هي الأداة المقبولة لدى الشعوب وفي المواثيق الدولية نظرياً على الأقل، فإن هناك ميداناً آخر للنزال والصراع هو ميدان الفكر والإعلام، والدعاية والتشويش والتشويه والصورة القريبة لهذه الحرب الجديدة التي نراها اليوم ونعيش أحداثها، هي هذه الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين بإلصاق تهمة الإرهاب والتعصب والأصولية والتشدد بعد أن أسقطوا على هذه الألفاظ كل نعوت الشر والسوء، وقد كان اليهود وراء نشر هذه المصطلحات وإشاعتها، ثم وجدت قبولاً عند الدوائر المعادية للإسلام والمسلمين، وانتقلت بعد ذلك عن طريق العدوى والتقليد الأعمى إلى وسائل الإعلام العربية بعد انتشار الصحوة الإسلامية المباركة وعودة الأمة إلى دينها بعد رحلة الضياع والتيه والتغريب، وحين يشيع الأعداء هذه التهم عن المسلمين يدخل الإسلام والمسلمون في قفص الاتهام، ويضطرون لإنفاق الجهد والوقت في الدفاع عن النفس، والعمل على نفي التهمة بكل الوسائل والأساليب على جميع المستويات، ويستتبع هذا مواقف التبرير والتنازل والتمحل ويومئذ يفرح الأعداء الماكرون

بنجاح المخطط الذي أتقنوا تنفيذه حيث تبادلوا المواقع مع المسلمين ووقفوا موقف الهجوم علينا وهم الغارقون في الوحل والطين والضالعون في الجريمة والمفسدون في الأرض بكل ألوان الفساد الديني والخلقي والسياسي والاجتماعي والأسري بل إنهم هم المفسدون للبيئة وللحياة الفطرية والطبيعية التي أنعم الله بها على خلقه ونشروا الفساد في البر والبحر والجو.

لقد أراقوا الدماء وخربوا وأسرفوا وانتهكوا كل الحرمات واستباحوا الأموال والأعراض وخربوا القيم والأخلاق، وأهلكوا الحرث والنسل وهذه جرائمهم وأفعالهم شاهدة ناطقة في فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان والصومال والنيجر ونيجيريا وفي كل مكان.

إن البشرية اليوم تعيش في قلق ورعب حقيقي من هذا الإرهاب الذي تمارسه القوى الصليبية والصهيونية والمتحالفين معها من أهل الأوثان والنفاق والبشرية المرعوبة الخائفة تبحث عن ملاذ تجد فيه الأمن والطمأنينة ولن تجد للأمن طعماً ولا للحياة استقراراً وسكناً إلا في ظل الدين الحق دين الله الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85]. إن حماية الناس من أن يفتنوا في دينهم وعقيدتهم هو الأمن الحقيقي الشامل الذي ينعم في ظله البشر فيجدون الأمن والأمان وقد غاب مفهوم الدين الحق عن حياة كثير من الناس، وقد أسهم شياطين الإنس والجن من الكفار والمنافقين في تغييب هذا المفهوم حيث لم يضعوا للدين وحمايته أي اعتبار في تحقيق الأمن مع أن الله تعالى قد علمنا وأفهمنا في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله الكريم أن أي خلل في أمن الناس فمصدره الخلل في دينهم وإيمانهم فبضعف الدين والإيمان أو غيابه يحصل اختلال الأمن في بقية ضروريات الإنسان من نفس ومال وعقل وعرض.

إذا غاب الدين والإيمان سفكت الدماء المحرمة واستبيحت.

وإذا غاب الدين والإيمان انتشرت الجرائم المنظمة والعصابات.

وإذا غاب الدين والإيمان ظهرت الفواحش وانتشر الزنا واللواط.

وإذا غاب الدين والإيمان نهبت الأموال وسرقت واغتصبت.

وإذا غاب الدين والإيمان قطعت الأرحام وفشى العقوق والحرمان.

وإذا غاب الدين والإيمان ظهر الظلم والجور واختفى العدل وضاع الحق.

وإذا غاب الدين والإيمان تفكك المجتمع وسقط وانهار وتناحر واقتتل.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن» [أخرجه البخاري في صحيحه].

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمونَ * الذِينَ آمَنوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82].

فإن البشرية إذا استقامت على الإيمان والتوحيد حصلت على الأمن والطمأنينة وسعدت في الدنيا والآخرة وأما إذا تمردت وأعرضت وأشركت بالله ما لم ينزل به سلطاناً وافترت على الله وحاربت دنيه ورسله فإنها تكون قد حكمت على نفسها بالهلاك والخسران وجنت على حاضرها ومستقبلها وتعرضت لمقت الله وعذابه في الدنيا والآخرة ومن نتائج ذلك:

أنها تكون مهددة في حياتها بالخوف وعدم الأمن ؛ لأن الأمن والطمأنينة والسكينة إنما هو من نصيب المؤمنين الموحدين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهمُ الْأَمْنُ وَهمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82].

أما الكافر المشرك فلا تراه إلا خائفاً قلقاً من مصيره في المستقبل، خائفاً على نفسه من الآفات والأمراض، وخائفاً على مستقبل دنياه، ولهذا نجد أن أسواق التأمين تزدهر في المجتمعات التي لا تؤمن بالله ولا بلقائه، التأمين على النفس وعلى الممتلكات لعدم الأمن وعدم التوكل على الله الذي بيده كل شيء وإليه المرجع والمآب .

ومما يجنيه البشر من الشرك والكفر المعيشة الضنك حيث يجمع الله عليهم الهموم والغموم، وإن ملكوا جميع وسائل الراحة وأصناف المتاع، ونحن نرى كثرة المنتحرين إنما هي من نصيب الذين كفروا واستمتعوا بمتع الحياة .

ومن مظاهر الضنك والقلق ما نراه في حياة الكفار من إسراف في أصناف الأثاث وأنواع الأسفار، كل ذلك من أجل الاستمتاع بالحياة، وبعضهم يغيب وعيه بشرب المسكرات والمخدرات علها تخفف مما رماه الله به من الضنك والشقاء فيزاد شقاء إلى شقاء وتزهق أنفسهم وهم كافرون بائسون.

المشرك الكافر يعيش جاهلاً وإن حمل أعظم الشهادات، فالكافر بالله هو الجاهل بل هو أعظم الجهل؛ لأن الكافر يجهل ربه وخالقه، يشاهد هذا الكون الذي خلقه الله وأبدعه ويرى من نفسه عظيم الصنعة وجليل الخلقة، ثم يجهل من خلق هذا الكون، ومن ركب نفسه، أليس هذا من أعظم الجهل؟!

الكافر والمشرك يعيش ظالماً لنفسه، ظالماً لغيره ؛ لأنه عبد غير الله وصرف العبادة لغير مستحقها، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه و﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13]، وهو ظالم لمن حوله من البشر والمخلوقات لأنه لا يعرف لذي حق حقه فهو ظلوم جهول غشوم كما قال تعالى: ﴿إِنهُ كَانَ لَا يؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ لا يؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة:33،34].

المجتمعات البشرية حين تتمرد على الله وتكفر به وتشرك معه غيره تكون قد عرضت نفسها لمقت الله وغضبه في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلبِهِمْ فَمَا همْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:45]، ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد:31].

ونحن نشاهد ما ينزل الله من مصائب وقوارع بالذين كفروا براكين وأعاصير وفيضانات وثلوج وأمراض وانهيارات في الأخلاق والاقتصاد وما هم بمعجزين، فالكفار صفقتهم خاسرة وسعيهم خائب، إنهم يخسرون أنفسهم التي يجمعون لها ويخسرون أهليهم الذين عاشوا معهم على الكفر ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:15].

إن من يعيش في هذه الحياة عيشة البهائم لا يعرف ربه ولا يدري ما غايته ؟ ولا يعلم أين مصيره؟ بل غايته أن يأكل ويشرب وينام وينكح .. فأي فرق بينه وبين البهائم بل هو أضل منها كما قال الله جل ثناؤه في هؤلاء: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:179]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:44].

أيها المسلمون: استمسكوا بدينكم واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، ولا تغتروا بتقلب الذين كفروا في البلاد فمتاعهم قليل وشقاءهم كبير، وعما قليل سيمحون من الأرض ويحشرهم الله يوم القيامة في صور الذر يطأهم أهل المحشر بأقدامهم جزاء تكبرهم وفسادهم ثم تكون النار مثوى لهم فلا يتسرب إليكم الشك أو الضعف والوهن أو الحزن والشعور بالدونية بل كونوا كما أراد الله لكم أن تكونوا ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:139].

والحمد لله رب العالمين..

إعداد الدكتور حيدر الصافح

تخريج : عبد الكريم علي الفهدي

 
العنوان: الطريق إلى الأمن الحقيقي
 
العداد: 26
 
الحجم: 303.00KB
اعتماداً على1تقييم  
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: