الفصل السادس
توحيد صفوف الدعاة
" كلمة التوحيد تجمعنا ودار الإسلام تأويينا ولن تزيد المذاهب الفقهية والآراء المحكومة بضوابطها الشرعية عن أن تكون حجرات في بيت الإسلام الكبير ".
سعيد النورسي رحمه الله تعالى.
تمهيد:
الوحدة الإسلامية مطلب عزيز، وهدف نبيل، وغاية يتطلع إليها المخلصون من أبناء هذه الأمة، وهي قبل ذلك كله وصية الله لنا في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ، فقد تواترت النصوص قرآناً وسنة تدعو المسلمين إلى الوحدة والائتلاف، وتحذرهم مغبة الفرقة والاختلاف، وأحسب أن الظرف التاريخي الذي تمر به الأمة الإسلامية الآن قد نبه فريقاً من العلماء العاملين والقادة الإسلاميين إلى ضرورة التفكير العميق والعمل الجاد من أجل الوصول إلى صيغة تجمع الصف وتوحد الكلمة وتخرجنا من دائرة الخلاف، إذ لا يصح شرعاً ولا عقلاً أن نرى العدو يرمينا جميعاً عن قوس واحدة ويحشد قواه ويؤلب الرأي العالمي علينا، ويريد أن يغير ثقافة المنطقة ودينها وهويتها تحت غطاء الديمقراطية ورعاية الأقليات وشعارات إنصاف المرأة وحقوق الإنسان، بينما نحن شعوباً وحكومات وهيئات وجماعات مشتغلون بقضايا لا ترقي إلى مستوى هذه التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، وقد قال الله تعالى : ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:46]، ولذا كان لزاماً على كل غيور على وحدة الأمة وتماسكها والتئام صفوفها أن يبحث أولاً سبل وحدة القيادات العلمية والفكرية والدعوية فيها ، لأجل هذا هذه محاولة لتقديم رؤية علمية وعملية لوحدة الدعاة والعلماء في الأمة ، نسأل الله تعالى منه العون والتوفيق ، فإن أصبت فمن الله وحده وإن أسأت فمن نفسي والشيطان ، والحمد لله رب العالمين .
مباحث الموضوع
المبحث الأول : الضرورة الشرعية لاجتماع وائتلاف الدعاة
المبحث الثاني: الوسائل العلمية والعملية لوحدة الدعاة والعلماء
المبحث الأول
الضرورة الشرعية لاجتماع وائتلاف الدعاة
ينبغي النظر في هذا السياق إلى الأهمية الشرعية والدعوية لوحدة الدعاة إلى الله تعالى في مسيرة إحياء الأمة ونهضتها ، وفق نصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، رضوان الله تعالى عليهم ، وما تقتضيه ضرورات الواقع الدعوي لفئات العاملين والدعاة إلى الله تعالى ، نتناول هذا الموضوع من خلال المطالب التالية :
المطلب الأول: دلائل الكتاب العزيز على وجوب الوحدة والاجتماع
المطلب الثاني: دلائل السنة الشريفة على وجوب الوحدة والاجتماع
المطلب الثالث: فهم السلف الصالح والقرون المفضلة لضرورة الوحدة والاجتماع
المطلب الأول
دلائل الكتاب العزيز على وجوب الوحدة والاجتماع
قال الله تعالى: ﴿ وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ [المؤمنون: 52] ، وقوله جل جلاله: ﴿ إنَّ اللَّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ [ سورة الصف: 4]، وقوله جل جلاله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .[ آل عمران: 103]
ونهى عز وجل عن الفرقة والشقاق في قوله جل جلاله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [ الأنعام: 153] وقوله جل جلاله: ﴿ وأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال: 46] وقوله جل جلاله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَـاتُ ﴾ [ آل عمران: 105] .
والآيات في وجوب وحدة المسلمين أكثر من الحصر يدخل في عمومها دخولاً أولياً دعاة الإسلام وحاملو لواء الملة .
المطلب الثاني
دلائل السنة الشريفة على وجوب الوحدة والاجتماع
من الأحاديث:
حديث النعمان بن بشير «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر»(1).
وفي صحيح مسلم وغيره: عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم «المؤمنون كرجل واحد. إن اشتكى رأسه، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»(2) .
وحديث مسلم : «إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا»(3). وذكر منها: «أنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»(4).
وجاء في السنة النبوية من الأحاديث والأحكام الصارمة في هذا ما يتعجب منه الإنسان، منها على سبيل المثال قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ فارَق الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جاهلية»(5).
وأخرج مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيامَةِ لا حُجَّةَ لَهُ»(6). والمعنى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بالغ في التحذير من الخلاف والفرقة، والحث على الاجتماع والوحدة؛ بحيث أن من خالف ذلك لقي الله -جل جلاله- يوم القيامة وليس له حجة، وحديث مسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما «مَنْ مات وليس في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(7). وكذلك الحديث الثالث الذي رواه مسلم عن عرفجة -رضي الله عنه: «إنه ستكون هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ- أي: أحوال وفتن- فمَنْ أراد أن يُفَرِّقَ أَمْرَ هذه الأُمَّةِ وَهِي جَمِيعٌ فَاضْرِبُوه بالسَّيْفِ كائنًا مَن كان»(8).
وهذه الأحاديث الواردة وإن كانت واردة في جماعة المسلمين التي لا يجوز الخروج عليها ، إلا أنها تبين الضرورة الشرعية لوحدة المسلمين واجتماع كلمتهم ، ورص صفوفهم .
المطلب الثالث
فهم السلف الصالح والقرون المفضلة لضرورة الوحدة والاجتماع
يقص علينا تاريخ التشريع الإسلامي مسطراً أروع مواقف الاتفاق، على قواعد وثوابت منها: لم ينعزل فقهاء السلف عن الأحداث العظام، مؤثرين البعد والسلامة أو متنسكين متزهدين أو يائسين قانطين، لا بل كان شعارهم « من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»(9)، ديدنهم النشاط والمشاركة والتفاعل سواءً في عهد أبى بكر رضي الله عنه أو في عهد بقية الخلفاء الراشدين, فالفرد منهم وإن لم ينصب في منصب إداري أو قضائي أو عسكري إلا أن هديه رضي الله عنه كان التفاعل مع الأحداث، والسهر بجانبها وبذل كل الجهد ليؤدي دوره في الإصلاح والتغيير وفي ترشيد المسيرة وتسديد الأعمال والممارسات، مؤدياً ما عليه من مسئوليات تجاه الدولة وتجاه الأمة. غير مبالٍ بمنصبٍ رفيع أو دونه لا يمنعه من التفاعل والمشاركة والتعاون البناء وفى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «.. وطوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله إن كان في المقدمة كان في المقدمة وإن كان في السَاقة كان في السَاقة إن استأذن لم يؤذن له وإن يشفع لم يشفع..»(10).
ومن الأصول والقواعد الثابتة في هديهم في جمع الكلمة ولمِّ الشتات أن المصلحة الإسلامية العليا هي الهم الأكبر والأصل الذي يجب أن تنحني إليه كل فروع المسائل الفقهية وغيرها، ويحرم أن ينطلق أي موقفٍ إلا من خلف مصلحة الإسلام والمسلمين الكبرى، فلا يتقدمها رأي ولا يُصغى لاجتهاد أو رأي لا حظ له ملموس في وحدة الدولة والأمة، وإزالة عوامل التوتر والتشنج في علاقات المسلمين وخصوصاً علاقات أهل الحكمة من العلماء أصحاب الدور الأكبر في تجاوز الأزمات وسكون الفتنة.
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل تنصيب إمام على المسلمين وجد الصحابة أنهم أمام خلافٍ لا بد له من فقهٍ عميق، يواجه منهجاً ورأياً يهدد المصلحة الإسلامية العليا والوحدة الإسلامية ، إنها الفتنه بين الخليفة والمعارضين , فقد خلق هذا الخلاف جواً من الاضطراب والتخلخل في تماسك ووحدة الكيان الإسلامي، وفي ظل هذه الأجواء المضطربة الحادة، يظهر فقه السلف في الاتفاق، وتتفتح الآفاق، وتنهض العزائم، ولم ينعزل فقيهٌ ولا عالمٌ عن الأحداث، ولم يفر أحد عن الميدان, وإنما قام كل بواجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه المعنيُّ الوحيد، حفاظاً علي تماسك الكيان الإسلامي، وعلى سلامة تطبيق منهجه الرباني في الاتفاق، من قبل الخليفة والولاة والأمة، فالكل يحاول تهدئة الأوضاع والعلاقات المتشنجة لكي لا تحدث الفتنة وتتوسع فيتمزق الكيان الإسلامي.
ونضرب مثالاً واحداً من هدي السلف وحرصهم على الاتفاق والوحدة في مسائل الحلال والحرام:
هدى السلف في الاتفاق في مسائل الحلال والحرام:
لقد كان لنكاح المتعة، المنسوخ حكمه مثالاً لاتفاق السلف رضي الله عنهم، وأنموذجاً يحتذى به في تجاوز الخلاف بأقل قدر من المشورة والمعالجة المبنية على الدليل الشرعي من الأصلين الكتاب والسنة، فقد أفتى ابن عباس بجوازه، بيد أنه سرعان ما رجع عنه لما ناظرته الصحابة فيه وأبانوا له الدليل، وبعد أن سرت بفتواه العامة، ورجز بها فحول الشعراء:
يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس *** هل لك في رخصة الأطراف آنســة
"وما كان لينتهي أمر هذا المسألة التي تبيح الفروج والعروض وتصبح في قاموس التاريخ، لولا رغبة السلف في الاتفاق المبني على الدليل، والمستند إلى الفقه المستنير، بعيداً عن الممارسات المتشنجة والداعية إلى التباغض والعداء, والمشجعة علي التمرد والعصيان، ولاشك أن أكبر أسباب الاختلاف المبررات المبنية على رمال التأويل والتفسير بالرأي المذموم. "(11) .
المبحث الثاني
الوسائل العلمية والعملية لوحدة الدعاة والعلماء
توطئة:
يجب في هذا الخضم الهائل من تمزق الأمة وتشتتها أفراداً وجماعات وأحزاباً ودولاً ، أن ينظر العقلاء والمصلحون وقادة الرأي والفكر في الأمة إلى الوسائل والأسباب لجمع الكلمة ووحدة الموقف، ولم الشعث ، وصنع القرار المؤثر في نهضة الأمة وإحيائها من جديد ، وفق خطط وبرامج علمية وعملية تكفل سير الأمة نحو الالتئام والتكامل والتكافل ، وثمة أسباب كثيرة لوحدة الدعاة إلى الله تعالى ينبغي أن يسلكها الدعاة نحو يوم الوحدة والاجتماع المنشود ، من أهمها:
1) القناعة بمبدأ وحدة الجماعات الإسلامية :
ينظر البعض إلى مسألة وحدة العاملين للإسلام أنها من الأمور التي لا ينبغي طرقها ، لأنه يرى مثلاً أن بقية الجماعات – سواه – جماعات هامشية لا تمثل تياراً مؤثراً في الأمة ، أو لكون جماعته هي الجماعة الوحيدة القادرة على النهوض بمشروع الأمة بمفردها ، كونها الجماعة الأشمل والأكمل والأقدر ، أو كونها الأكثر أتباعا للهدي النبوي ، أو أكثرها تنظيماً وإعداداً ومراساً ، أو إلى ما إلى ذلك، ولا يبنغي بالتالي الالتفات إلى هذا الفتات أو ذاك من هؤلاء العاملين للإسلام، إن صح التعبير.
وهذا مع أنه تفكير غير سليم وسطحي يمجه العقلاء ، فضلاً عن الساسة والحكماء ، فضلاً عن أبجديات النصوص الشرعية والدلائل القرآنية والتوجيهات النبوية التي تأمر الأمة – كل الأمة- بالوحدة والاجتماع ، في أول سور القرآن العظيم ، والتي خاطبت الأمة بصيغة الجمع لا بصيغة الفرد، كما قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة:5] وعشرات النصوص الشرعية الداعية والحاثة على الوحدة والاجتماع، مما لا يخفى على مسلم ، مما لا ينبغي أن نطيل فيه كونه من المعلوم من الدين بالضرورة ، لكن نشير إلى أن هذا أمر يرفضه كل عاقل في عالم التكتلات السياسية والمنظمات الاقتصادية والجمعيات العلمية ، في دنيا الوحدة وعالم التكتلات ، ومثل هذا القول كمثل قائل نحن لا نحتاج إلى أصابع اليدين فهي هامشية ، بل نحتاج إلى القلب والأمعاء فهي آلات لا يمكن لجسم الإنسان الاستغناء عنها ، بخلاف ما عداها من الأعضاء ، وينسى هذا المسكين أنه لا يستطيع القبض أو البسط إلا بأصابع وعضلات ، فهي أجزاء أصيلة وضرورية في جزء آخر هام وضروري .
ولهذا ما أصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين شبه أعضاء الجسم الإسلامي بأعضاء الجسم الإنساني فقال صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر»(12).
ألا فليعلم الدعاة إلى الله تعالى أن العمل الإسلامي عمل متكامل كالبناء ، وأنه لا بد من التعاون والاستعانة فيه وأنه لا بد وأن يشارك الجميع في هذا البناء الهائل والضخم ، وأن الإسلام لا بد وأن يحمله كل أبنائه ، فالخطوة الأولى نحو التوحد والوحدة القناعة والاستعداد الذهني والنفسي لهذه الحقيقة .
2) ضرورة الحوار الإسلامي الإسلامي:
يأمر الإسلام بالتحاور مع الديانات والعقائد المختلفة كما قال تعالى: ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت:46]
إن الحوار مبدأ إسلامي دعا إليه الإسلام وأرسى أصوله وقواعده من أول يوم للرسالة حتى مع الكافرين والمعاندين ، فما بالنا اليوم لا نعتمده لبناء العلاقات بين الإخوة والأحباب الذين تجمعهم رابطة الأخوة ، وتوحدهم هموم الدعوة ، نفتح أبواب الحوار على مصراعيها وبلا قيد ولا شرط للحوار الإسلامي الأمريكي ، والحوار الإسلامي الأوروبي ، والحوار حتى مع الفاتيكان والباباوات والأحبار والقسس والرهبان ، ونغلق أبواب الحوار مع بعضنا .
إنه لا عتب ولا عيب أن نفتح الحوار على مصراعيه مع كل أحد كائناً من كان ، لكن لِمَ لا نرسّخ هذا الخُلق وهذا السلوك وهذا التعامل مع بعضنا حكومات وشعوباً وهيئات ومنظمات وأحزاباً، لِمَ نفهم الحوار فقط أنه مع العدو دون الصديق ومع الغرباء والمحتلين دون أبناء الوطن الواحد والشعب الواحد ، ولِمَ نتحاور مع أعدائنا ونتحارب ونقتتل مع أنفسنا وشعوبنا ؟!! ولِمَ نتحاور مع الغزاة والمحتلين بوجوه ملؤها البشاشة والبهجة والسرور وتعلوها الابتسامة البريئة والضحكات اللطيفة فيم نتحاور مع بعضنا بلغة الرصاص وأفواه المدافع وعلى أنغام المتفجرات.
أليست هذه إشكالية عربية وإسلامية أكثر من عويصة لم نستطع بعد تجاوزها- وتجاوزها العقلاء غيرنا قبل عقود من الزمان - وتئن منها أمتنا على مدى قرون طوال ،إنها مشكلة فهم ووعي أكثر من أي سبب آخر ، فيما العالم اليوم كله من أقصاه إلى أقصاه بمختلف فئاته وثقافاته ودياناته ولغاته وأعراقه وأعرافه آمن وأسلم بالحوار والنقاش ديناً كحل أقرب لفض الخصومات والنزاعات .
إن الواجب على دعاة الإسلام فتح كل أبواب الحوار واللقاءات والمنتديات الفكرية فيما بينهم، وتوسيع دائرة الحب والإخاء ، وفتح آفاق التعاون والتآزر بين فصائل الدعاة إلى الله تعالى ، وأقترح عملياً لهذا " إنشاء منتدى للعلماء والدعاة" من مختلف فصائل التيارات الإسلامية للقاء والحوار ، تشرف عليه جامعة الإيمان ، كونها صاحبة المشروع في هذا المضمار .
3) الاجتماع على محكمات الشريعة:
كما يسميها العلماء، التي أجمع عليها السلف الصالح، وقبول الخلاف فيما اختلفوا فيه؛ فنتفق ونُجمع على ما أجمعوا عليه من محكمات الشريعة، ونقبل الاختلاف فيما اختلف السلف الصالح فيه؛ فإذا ثبت أن الصحابة -رضي الله عنه- قد اختلفوا، أو الأئمة من السلف الصالح، فلا تثريب ولا غرابة أن يقع هذا الاختلاف فيمن كان بعدهم.
وهناك أشياء تناقض هذا المعنى، وهي كثيرة؛ منها:
أولًا: تنزيل النصوص على غير وجهها واعتبار أن الأحاديث الواردة بلزوم الجماعة تنطبق على جماعة خاصة أو تنظيم معين، أو حزب أو طائفة، فهذا لاشك أنه قلب للحديث النبوي من كونه دعوة للمسلمين للاجتماع على هذه السلطة العامة المتفق عليها إلى أن يكون اختلافًا؛ فكل طائفة أو جماعة أو حزب يعتبر هذه الأحاديث خاصة به، ويلزم الناس بالاتفاق عليه وبيعته وطاعته وأتباعه، ويعتبر أن مَن ليس كذلك فقد نزع يدًا من طاعة، وخلع ربقة الإسلام من عنقه، وإن مات على ذلك فميتته جاهلية، ويلقى الله يوم القيامة ولا حجة له، إلى غير ذلك مما يقع للناس كثيرًا، وهذا مصداق ما أخبر الله -سبحانه و تعالى- به: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [المؤمنون:53]. فكل طائفة أو جماعة ترى نفسها واجبة اللزوم واجبة الإتّباع، ولا ترى هذا الحق لغيرها
محكمات الشريعة:
المحكم في المعنى اللغوي يشمل ثلاثة معانٍ:
الأول: أن هذا المحكم محفوظ لا يمكن تغييره ولا تبديله، فتقول: هذا شيء محكم. أي: ليس بمنسوخ، فهو ثابت لا يمكن تغييره، ولا استبداله.
الثاني: الواضح البيّنُ المفسَّر الذي ليس فيه غموض ولا خفاء.
فهذه المحكمات مع كونها ثابتة مستمرة؛ فإنها واضحة ظاهرة سهلة الفهم، سهلة القبول، سهلة التلقين لعامة الناس.
الثالث: كون هذه المحكمات أصولًا ثابتة، ومراجع ترجع إليها الفروع، ويعاد إليها ما خرج منها؛ فهي أصول ثابتة يتفرع عنها أشياء أخرى.
فهذه المحكمات التي نطلب أن يكون الاتفاق عليها، وليس على غيرها، هي المسائل الواضحة البينة الأصلية التي جاءت بها الشريعة الربانية، وأجمع عليها الصحابة -رضي الله عنه- والسلف الصالحون؛ من وجوب عبادة الله -جل جلاله- وتحريم الكفر والشرك والنفاق، وتحريم الظلم والربا والفواحش، ومن أركان الإسلام الخمسة المعروفة، وأصول الإيمان الستة المعروفة، وقواعد الأخلاق التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل جاء بها الأنبياء كلهم؛ كوجوب الصدق وتحريم الكذب، ووجوب العدل وتحريم الظلم، ووجوب البر وتحريم العقوق، وما أشبه ذلك.
ومن ذلك جوامع المنهيات الثابتة في القرآن والسنة، كما في حديث السبع الموبقات(13), وغيرها.
ويتحقق من خلال هذه المحكمات أمران عظيمان:
الأول: المحافظة على الدين، على الإيمان بالله -سبحانه و تعالى- والملائكة، والكتب، والرسل، والنبيين، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وما يتعلق بذلك كله، والمحافظة على طاعة الله -جل جلاله- بتطلب رضي الله -سبحانه و تعالى- عن المسلم في الدنيا، وتحقيق النجاة في الدار الآخرة من النار، ودخول الجنة.
وهذا يتحقق للمؤمنين المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون، وهم الذين يتحقق لهم هذا الأمر على سبيل التحقيق، ولا يتحقق لغيرهم.
الثاني: المحافظة على الدنيا، وهذا ما يعبر عنه علماء الأصول بحفظ الضروريات الخمس التي لابد من حفظها وهي: حفظ الدين، والعرض، والمال، والنفس، والعقل.
وكل الأوامر الشرعية والنواهي فهي تدور حول تحقيق هذه الأشياء الخمسة، وهذه الأشياء تتحقق للمؤمنين ولطوائف من غير المؤمنين ممن عمتهم رحمة الإسلام؛ كالذين يقعون تحت سلطة الإسلام أو يدفع الله -جل جلاله- عنهم بالإسلام بعض الضرر، والتاريخ زاخر بالأخبار، كما قال سعد بن محمد بن الصيفي المعروف بـ حيص بيص:
مَلَكْنا فكان العفوُ مِنّا سجيَّةً *** فلَمّا مَلَكتمْ سال بالدَّمِّ أَبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الأُسَارَى وطالما *** غَدَونا على الَأْسرَى نَعفُّ ونَصْفَحُ
فَحَسْبُكُمُ هذا التَّفاوُتُ بينَنا *** وَكُلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ
ومن أمثلة المحكمات ما رواه الترمـذي وغيره عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: « من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد -صلى الله عليه وسلم - فليقرأ هذه الآيات: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾» [ الأنعام:151-153](14).
ولذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن كعب الأحبار أنه قال: «كان أول ما نزل من التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت في آخر الأنعام»(15)، وهي ما يسمونها بـ "الوصايا العشر"، وعليها مدار الرسالات السماوية، والرسل صلى الله عليهم وسلم جميعًا- اتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء، ومما اتفقوا عليه هذه الوصايا العشر التي عليها مدار صلاح الدين والدنيا، وأما ما اختلفوا فيه، فمن الفروع في الأحكام، والحلال والحرام، وغير ذلك من المسائل المؤقتة القابلة للتغيير والتبديل والنسخ، ولهذا قال ابن عباس، رضي الله عنهما: إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام:151](16).. فكأنه سئل عن قول الله -جل جلاله-: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [آل عمران:7]. فأجاب بذلك.
ومثل ذلك ما رواه الطبري في تفسيره 3/172 أنه قال- يعني ابن عباس: المحكمات هي الثلاث الآيات التي هاهنا: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ [ الأنعام:151 ] إلى ثلاث آيات والتي في بني إسرائيل: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [ الإسراء:23] .
إلى قول الله -سبحانه و تعالى-: ﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء:39]. فهذه الآيات فيها تحديد للمحكمات والقطعيات والضروريات التي عليها مدار الاجتماع، ومدار وحدة الكلمة.
والمحكمات الواردة في هذين الموضعين من القرآن الكريم عشرة:
أولًا: وجوب عبادة الله وتحريم الشرك به.
ثانيًا: وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما.
ثالثًا: وجوب حفظ النفس، وتحريم القتل بغير حق سواء كان قتلًا للقريب كالأولاد، أو للبعيد.
رابعًا: تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، الفواحش الظاهرة كالزنا، وشرب الخمر، والربا وغيرها، والفواحش الباطنة كالفواحش القلبية مثل: الغل، والحقد والحسد والنفاق، وغيرها من المعاني الباطنة، ومثله ما يقع في الخفاء من الفواحش.
خامسًا: حفظ المال وأداء الحقوق فيه للمحتاجين، ومن ذلك عدم العدوان على أموال اليتامى وغيرهم.
سادسًا: وجوب الوفاء بالعهد والميثاق، سواء كان عهدًا مع الله -سبحانه و تعالى- أو عهدًا مع خلقه، وكلما كان هذا العهد أوثق كان الوفاء به أعظم.
سابعًا: وجوب العدل- وهذا من أعظم الأصول- في الأقوال والأعمال، ووجوب الوزن بالقسط؛ ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن:9].
ثامنًا: تحريم الكبر، وتحريم الأخلاق المذمومة كلها بعامة، والأخلاق المذمومة تُعْرَفُ بالشريعة، وبالعقل، وبالفطرة.
تاسعًا: وجوب إتباع صراط الله المستقيم، وتجنب السبل المضلة؛ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام:153].
عاشرًا: تركُ قَفْوِ الإنسان ما ليس له به علم، واستشعار الإنسان المسؤولية عن السمع والبصر والفؤاد واللسان: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء:36] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الرسل كلهم- عليهم الصلاة والسلام- متفقون في الدين الجامع، في الأمور الاعتقادية والأمور العلمية كالإيمان بالله تعالى والملائكة والكتاب والنبيين... إلى غير ذلك، وكذلك الأصول العملية كالأعمال المذكورة في سورة الأنعام؛ فهذا من الدين الجامع الذي اتفق عليه الرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام(17).
إنه لا يكفي أن يعتقد هذا دعاة الإسلام ويكتبوه في كتبهم وبرامجهم بل لا بد أن يظهر هذا في مواقفهم المعلنة إزاء الحوادث العامة المتجددة يومياً ، وأن يظهر اتفاقهم هذا إزاء قطعيات الإسلام ومحكمات الدين والملة ، وألا تتباين رؤاهم حول هذه القطعيات والمحكمات الإسلامية .
ومن التجارب الإسلامية الجديرة هنا بالذكر والإشادة في هذا المقام ، اجتماع الجماعات الإسلامية كلها إخوان وسلفيون وصوفيون ...في معركة الدستور اليمني ، عام 1990م ، حيث اجتمعت كل الفئات الإسلامية على معارضة ومقاطعة الدستور العلماني ، الأمر الذي أفلحت فيه هذه المقاطعة ، وتمكن الإسلاميون والقوى الخيرة في بلاد اليمن من تعديل الدستور وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء .
وأيضاً: هناك تجارب لمجموعات إسلامية تجمعت على هدف واحد كما حدث في السودان في الجبهة الإسلامية للدستور التي جمعت الإخوان المسلمين وأنصار السنة والمتصوفة وكل الإسلاميين من أجل إقرار الدستور الإسلامي وهناك تجربة جبهة الميثاق الإسلامي وحديثا هناك تجربة التيار الإسلامي في جامعة الخرطوم .
وحالياً تقتضي المرحلة الصعبة التي تمر بها الأمة الإسلامية ، أن تجتمع كلمة الدعاة والفصائل الإسلامية على كلمة سواء تجاه القضايا المصيرية الكبرى في الأمة مثل ، قضية فلسطين والعراق وأفغانستان ، وقضية الأسارى المسلمون في سجون المحتلين والبرابرة الأمريكان والإسرائيليين ، وقضايا الإصلاح في الوطن العربي والإسلامي ، والعدالة الدولية في الإسلام ، وقضايا العولمة وتأثيراتها على الأمة الإسلامية ، وبحث السبل والوسائل والطرائق الكفيلة بمواجهة أمواج العولمة العاتية التي تستهدف قيم الدين وأركانه وقواعده وأصوله المحكمة ، وأن تتأخر القضايا الجزئية والتفصيلية قليلاً ، لتجتمع الكلمة على المحكمات والقطعيات الشرعية أولا .
4) التأسيس لوحدة الصف :
لا بد أن تتبع القناعة بوحدة الصف الإسلامي خطوات عملية مدروسة نحو هذا الهدف النبيل، ومن هذه الخطوات:
1- لا بد أولاً من إيقاف كل أنواع وأشكال المهاترات بين صفوف الدعاة ، ونشر ثقافة الحوار، والصبر على المسلمين ، وتعليم جاهلهم واحترام وتوقير عالمهم ، وأن السباب والمهاترات ليست من الإسلام في نشئ وأنها ليست هي الحل .
2- تبادل الكوادر والمؤهلات العلمية والمنح الدراسية والمقاعد الدراسية ، وتبادل المحاضرين وأساتذة الجامعات ...، بناءاً على أساس الأخوة الإسلامية ، وألا تظل المؤسسات الدعوية أو التعليمية حكراً على جهة أو اتجاه معين ، وإن كان من كلمة إشادة في هذا المقام ، فيسرني أن أشيد بتجربة جامعة الإيمان الرائدة في هذا السياق حيث تضم بين جنباتها كل أبناء المسلمين بمختلف اتجاهاتهم الدعوية ، وجنسياتهم ، ولم تغلق أبوابها دون أحد ، أو تعرض فيها أحد من الطلاب أو العاملين أو المدرسين للاضطهاد بسبب انتمائه الفكري أو الدعوي ، وهي بهذا إذ تسلك هذا المنهج الرائد لهي تدعوا كل الفصائل الإسلامية والدعاة إلى الله تعالى ليحذو حذوها ، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء .
3- إنشاء مجلس أعلى للتنسيق والمتابعة بين الدعاة ، يبحث القضايا والمستجدات على الساحة المحلية والدولية وتحديد المواقف الإسلامية إزاءها ، كما يتولى فض الخلافات والنزاعات إن وجدت ، يشرف عليه نخبة من العلماء الأتقياء يمثلون رضا وقبول كل التيارات والأطياف الإسلامية، على أن تنظم اللائحة الداخلية حدود واختصاصات ومهام وأعمال هذا المجلس .
4- إنشاء صحيفة أو موقع إلكتروني يهتم بوحدة الدعاة والتأليف بينهم وتجميع رؤاهم ، والدعوة إلى الأخوة الإسلامية ، يمثل الملتقى والنادي والحديقة الفكرية التي يلتقي فيها الدعاة إلى الله تعالى .
5- تبادل الزيارات بين الدعاة ، وأن تنسق الدورات التعليمية والمخيمات التربوية ، لمختلف الفصائل الإسلامية ، يتولى تمويلها والإشراف عليها ، المجلس الأعلى المشار إليه سابقاً .
6- تبادل الكتابات والأقلام الدعوية ، وذلك بأن تخصص الصحف الإسلامية حيزاً منها للأقلام الحرة ، لأولئك الذين ليسوا من نفس الفصيل أو الاتجاه ، وذلك لغرض نشر معاني الإخاء والحوار الإسلامي المنشود .
7- إنشاء الجمعيات الخيرية التعاونية المشتركة .
8- الاجتماع حول بعض الشخصيات التي يجتمع عليها الإسلاميون بمختلف اتجاهاتهم الفكرية وهي بذلك تساهم في وحدة العمل الإسلامي بملاحظاتها وفتاواها ، والواجب هو أن يكون مجلس يضم هذه الشخصيات الإسلامية وغيرها يهتم بقضايا العمل الإسلامي ومعالجة مشكلاته ، بتقديم الفتوى والنصيحة والمشورة .
9- عقد مؤتمر سنوي يجمع فصائل العمل الإسلامي يتم فيه الاتفاق على المهمات والسياسات العامة للسير يوقّع عليها أمراء هذه الجماعات أو نوابهم ، وأقترح لندوتكم المباركة هذه أن تكون هي نواة هذه المؤتمر المنشود وتحت رعاية جامعة الإيمان – حماها الله تعالى - .
"انتداب طائفة من الإسلاميين العاملين لبذل جهد إصلاحي بين الفصائل الإسلامية ؛ ليس ـ كما يظن البعض ـ كتابة على الرمال أو نطحاً للجبال؛ فهذا من تسويلات الشيطان وتحريشاته العنيدة، بل إن مجهودات المصالحة لا بد أن تعود بخير؛ لأن الله ـ تعالى ـ قال في شأن الزوجين: ﴿ وَالصُّلْـحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]؛ فما بالنا بخيرية الصلح بين جماعتين أو اتجاهين أو أكثر أو أقل؟! إن إصلاح ذات البين لا بد أن تكون له آثاره وثماره، وقد يكون نصيب المصلحين، ما يعود على أشخاصهم هم من نفع وبر فضلاً عن دفع الشر والضر؛ فالله ـ تعالى ـ يقول: ﴿ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، فهل يُزهد في هذا الأجر العظيم، وهل يفرط حريص على الخير في تلك الفضيلة الكبرى التي جاء الخبر المعصوم بأنها الأفضل بين الأفضل من الأعمال؟ قال صلى الله علية وسلم : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى! قال: صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»,(19).(18)
------------
(1) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 5/2238, برقم: 5665, ومسلم في صحيحه 4/1999, برقم: 2586, واللفظ له.
(2) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 4/1999, برقم: 2586, وأحمد في المسند 4/276, برقم: 18456.
(3) ـ أخرجه مالك في الموطأ 2/990, برقم: 1796, ومسلم في صحيحه 3/1340, برقم: 1715.
(4) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1340, برقم: 1715, وأحمد في المسند2/327, برقم: 8316.
(5) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 6/2588, برقم:6646, ومسلم في صحيحه 3/1477, برقم: 1849.
(6) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1478, برقم: 1851.
(7) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1478, بر قم: 1851.
(8) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1479, بر قم: 1852, وأبو داود في السنن 2/656, برقم: 4762.
(9) ـ سبق تخريجه في الصفحة 29, الحاشية:22.
(10) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1075, برقم: 2730, والترمذي في سننه 4/182, برقم: 1652.
(11) هدي السلف في الاتفاق . د. يوسف محمد صديق ، نقلا عن شبكة المشكاة الإسلامية بتصرف .
(12) ـ سبق تخريجه صفحة:85, الحاشية: 74.
(13) ـأخرجه البخاري في صحيحه 3/1017, برقم: 2615, ومسلم في صحيحه 1/92, برقم: 89.
(14) ـ أخرجه الترمذي في السنن 5/264, برقم: 3070, وقال: هذا حديث حسن غريب, والبيهقي في شعب الإيمان 6/207, برقم: 7918, والطبراني في المعجم الأوسط 2/43, برقم: 1186, وضعف الألباني إسناده.
(15) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 7/258.
(16) ـ رواه سعيد بن منصور في سننه (493- تفسير) وابن أبي حاتم في التفسير 2/592(3168) والحاكم 2/347.
(17) وحدة الصف لا وحدة الرأي سلمان بن فهد العودة . بتصرف 2/2/1426 ، 12/03/2005 ، نقلاً عن موقع الإسلام اليوم .
(18) ـ أخرجه أبو داود في سننه 2/697, برقم: 4919, من حديث أبي الدرداء, والترمذي في سننه 4/663, برقم: 2509, وأحمد في المسند 6/444, برقم: 27548, والبخاري في الأدب المفرد 1/142, برقم: 391, وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/44, برقم: 2814.
(19) ـ مجلة البيان تغيير الخطط في مواجهة خطط التغيير (2) فقه الوفاق .. متى نحييه..؟! د. عبد العزيز كامل