بسم الله الرحمن الرحيم
أكل لحم الظربان
الحمد لله رب العالمين الهادي إلى سواء السبيل، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
يقول السائل الكريم: ما حكم أكل لحم الضربان، وما هي فوائده إن كان حلالا؟
الجواب: الأخ السائل بارك الله فيك، وزادك من خيري الدنيا والآخرة، ووفقك لنيل المقصود، وبعد:
اعلم أخي الحبيب ما يلي:
أولاً: أن الظَّربان -بفتح الظاء مثل القطران-: حيوان فوق جرو الكلب من رتبة اللواحم والفصيلة السنورية -قيل: يشبه القرد، وقيل: على قدر الهر، وقيل أصغر منه-، أصلم الأذنين -له صماخان بغير أذنين-، قصير اليدين، وفيها براثن حداد، وفكه قوي، وذو أنياب حادة، طويل الذنب، مجتمع الرأس، طويل الخطم، قصير القوائم وسميكها، شرس، حاد الطباع، لا يخاف، ويهاجم عند التعرض له، ويتميز بجلده السميك المرتخي، وشعره الخشن القصير، ولون جسمه أسود، ويوجد بياض يخالطه سواد من بداية جبهته إلى بداية ذيله، ومشهور عنه أنه يهاجم الحيوانات الأكبر منه حجماً كالأغنام والحمير، منتن الرائحة، كثيرة الفسو، وقد عَرف الظربان ذلك من نفسه، فجعل ذلك سلاحاً له، فيقصد جحر الضب، وفيه بيضه وصغاره، فيأتي أضيق موضع فيه فيسله بذنبه ويحول دبره إليه، فيفسو حتى يغشى على الضب أو يخرج، فيأكله ثم يقيم في جحره حتى يأكل صغاره، وربما ظفر الناس به، فيضربونه بالسيوف فلا تعمل فيه حتى تصيب طرف أنفه؛ لأن جلده مثل القد(1) في الصلابة، ومن عادته أنه إذا رأى الثعبان دنا منه ووثب عليه، وله قوة في تسلق الحيطان في طلب الطير، ويتوسط الهجمة من الإبل، فيفسو فيها فتتفرق تلك الإبل، فلا يردها الراعي إلا بجهد، ولهذا سمته العرب مفرق النعم، كما يسمى ظرمبان، وظرمبون، ومن أسمائه أيضا الغريري؛ لوجود الغرة -البياض في مقدمة الرأس- وآكل العسل؛ لأنه شره لأكله، والجمع ظربى وظرابين وظرابي(2).
يعيش في المناطق الحارة، فيتواجد في: أفريقيا كلها ما عدا الشمال الأفريقي، وكذلك الجزيرة العربية، والشام، والعراق، وإيران، والهند، وتركمنستان، وباكستان، ويأكل: السحالي، والفئران، والطيور، والحشرات، والثعابين، وحتى ثعبان الكوبرا السوداء السام؛ لأن جلده السميك الصلب يتحمل عضات الحيات، وهو حفار جيد بمخالبه الطويلة، ويأكل أيضاً النباتات، وجذورها، والثمار، وبيوض الطيور، ومشهور عنه أكل العسل، ولذلك فهو يتعاون مع طير العسل، إذ يتبع طير العسل(3) حتى إذا وجد بيت النحل قلبه وخربه وأكله ليترك البقايا من الشمع والعسل لطير العسل(4).
ثانياً: هذا الحيوان التي هذه صفاته يعد أكله من المحرمات؛ للآتي:
1- لأن هذا الحيوان من السباع العادية، وقد ثبت في السنة الصحيحة عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع»(5).
وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير»(6)، وهذا النهي للتحريم بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام»(7).
قال ابن عبد البر: (هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته وهذا نص صريح يخص عموم الآيات)(8)، يريد قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[الأنعام:(145)]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[النحل:(115)].
والناب السن التي خلف الرباعية وجمعها أنياب(9)، والسبع: المفترس من الحيوان الذي له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترسها، هذا قول الأزهري، وقال غيره: السبع من البهائم العادية ما كان ذا مخلب، وفي المفردات سمي بذلك لتَمام قوته(10).
وقال ابن فارس: (سبع: السين والباء والعين أصلان مطردان صحيحان: أحدهما في العدد، والآخر شيء من الوحوش)(11).
قال الإمام ابن قدامة: (وكل ذي ناب من السباع وهي: التي تضرب بأنيابها الشيء، وتفرس)(12).
وقال الإمام زكريا الأنصاري: (ولا ذو ناب من سباع وهو: ما يعدو على الحيوان، ويتقوى بنابه)(13)، وقد سبق في تعريف هذا الحيوان بأنه ذو ناب يعدو به على الحيوانات، ويتقوى، بل إنه يهاجم الحيوانات الكبيرة والخطيرة.
2- لأنه حيوان خبيث، قال أبو سليمان الغنويُّ: (الظَّربان أخبثُ دابَّةٍ في الأرض وأهلَكه لفراخ الضَّبّة)(14).
والله تعالى يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾[الأعراف:(157)].
قال الإمام الدميري: (الظربان -بفتح الظاء المشالة مثل القطران-: دويبة فوق جرو الكلب، منتنة الريح كثيرة الفسو... وحكمه: تحريم الأكل؛ لاستخباثه ولا يدفع ذلك قول ابن قتيبة: العرب تصيد الظربان فيفسو في أكمامهم؛ لأنهم لا يسمون صيداً إلا المأكول)(15)؛ لأن الضابط في استطابة العرب قول الإمام النووي: (وما لا نص فيه إن استطابه أهل يسار وطباع سليمة من العرب في حال رفاهية حل وإن استخبثوه فلا)(16)، فصيد أمثال هذه المستخبثات من بعض العرب للضرورة، أو من أهل حاجة وفقر، أو من غير أصحاب الطباع السليمة لا يخرجه عن المستخبثات المحرمة، ومن ناحية أخرى لو سلمنا بأن العرب كانت تصيده للأكل من أهل اليسار وتستطيبه -وهذا لا يسلم به- فإن هذا جاء على خلاف نصوص الشرع كما ظهر من أدلة السنة كما سبق في الدليل الأول.
فإن قيل: يقدح في ذلك ما ورد من النصوص في إباحة بعض المستخبثات كالثوم، وكسب الحجام، وإذا وجد خبيث غير محرم كان ذلك نقضا في العلة لا تخصيصاً.
فالجواب بالآتي:
1- بأن ما أخرجه الدليل يخصص به عموم النص ويبقى حجة فيما لم يخرجه دليل، فما ثبت أنه خبيث كان ذلك دليلاً على تحريمه، وما أخرجه دليل يخرج عن كونه محرما كالثوم وكسب الحجام، ويبقى النص حجة فيما لم يقم دليل على إخراجه، كما هو الحكم في جل عمومات الكتاب والسنة، ويخرج منها بعض الأفراد بمخصص، وتبقى حجة في الباقي.
2- الذي عليه أكثر العلماء على أن النقض تخصيص للعلة لا إبطال لها(17).
قال في مراقي السعود:
منها وجود الوصف دون الحكم سمــــــاه بالنقــــض وعـــــاة العلم
والأكثــــرون عندهــــم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح(18)
ومثل له بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الحشر:3-4]، قالوا: فهذه العلة، التي هي مشاقة الله ورسوله، قد توجد في قوم يشاقون الله ورسوله مع تخلف حكمها عنه(19).
وبالتالي فأكل لحم هذا الحيوان حرام، أما صيده للاستفادة من بعض أجزائه في الصناعة كالجلد وغيره من الصناعات فجائز بعونه تعالى، وفق الله الجميع لطاعته، وأسأل من الله تعالى أن يهدينا جميعاً المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يصرف عنا الخبائث، ويرزقنا الطيبات، وأن يأخذ بنواصينا جميعاً للبر والتقوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
إعداد/ محمد نعمان البعداني
21 شعبان 1430
الموافق له 12/ 8/ 2009
مراجعة الدكتور/ قسطاس إبراهيم
_______________
(1) القد: الشيء المقدود، والسير يقد من الجلد لخصف النعال أو نحو ذلك، وإناء يتخذ من جلد، والقَدُّ: السَّوْطُ، والقد: سمك بحري ضخم من فصيلة الحوت يؤكل لحمه ويؤخذ من كبده زيت يتداوى به. انظر: تاج العروس (9/ 12)، والمعجم الوسيط (2/ 718).
(2) حياة الحيوان الكبرى (2/ 147) (148)، والمصباح المنير (2/ 384)، ولسان العرب (1/ 570) (571)، والمعجم الوسيط (2/ 575)، ونقلاً عن موقع: www.alsirhan.com.
(3) آكل العسل: هو طائر ويغلب عليه اللون الأخضر والبني مع علامات بيضاء أو صفراء على رؤوسها، ويعيش في الغابات في مستوطنات كبيرة، يتغذى برحيق زهور الأشجار بشكل أساسي، وفى بعض الأحيان تأكل هذه الطيور الديدان والعناكب والفواكه، وآكل العسل اسم عائلة من الطيور تتألف من حوالي (170) نوع، ويعيش في أستراليا وغينيا الجديدة، كما يوجد أيضاً بعضها في جزر هاواي وفي بعض الجزر الأخرى في المحيط الهادئ، ويعيش في جنوب قارة إفريقيا نوعان من هذه الطيور ويسمى هناك بطيور السكرَّ، نقلاً عن موقع: http:/ / ar.wikipedia.org/ wiki.
وموقع: http:/ / beehouse.maktoobblog.com.
(4) نقلاً عن موقع: www.alsirhan.com، وموقع: www.canaryfans.com
(5) أخرجه البخاري في صحيحه (5/ 2179) برقم: (5444)، ومسلم (3/ 1533) برقم: (1932).
(6) أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1534) برقم: (1934).
(7) أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1534) برقم: (1933).
(8) المغني لابن قدامة (9/ 325).
(9) لسان العرب (1/ 776)، والعين (8/ 381).
(10) تاج العروس (21/ 168)، والمعجم الوسيط (1/ 414).
(11) مقاييس اللغة (3/ 128).
(12) المغني (9/ 325).
(13) فتح الوهاب (2/ 334).
(14) الحيوان (6/ 371).
(15) حياة الحيوان الكبرى (2/ 148).
(16) منهاج الطالبين (1/ 143).
(17) أضواء البيان للشنقيطي (1/ 536)، (537).
(18) المصدر نفسه (1/ 529).
(19) تتمة أضواء البيان للشيخ عطية محمد سالم (1/ 34).