بسم الله الرحمن الرحيم
هل تقدم الأم على الأب في الطاعة
السؤال: هل هناك فرقٌ وتفاوتٌ في طاعة الأم على الأب علماً أن لي صديق يفضل أمه على أبيه ويطيعها أكثر من أبيه، فإذا نصحته أجاب لي بقوله: أبي لم يتعب علي ولم يدرسني بينما أمي تعبت وسهرت وجاعت فما نصيحتكم بارك الله فيكم؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اعلم أخي الكريم وفقك الله للخير والهدى! أن بر الوالدين من الواجبات الشرعية التي أمر بها القرآن الكريم والسنة النبوية، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾[الأحقاف:15].
قال ابن كثير رحمه الله: (أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما)(1).
وقد شفع القرآنُ الكريمُ عبادةَ اللهِ وعدمَ الإشراكِ به سبحانه بوجوب برهما والإحسان إليهما فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾[الإسراء:23].
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾[النساء:36].
وقال عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾[الأنعام:151].
كما أن عقوق أحدهما أو كليهما كبيرةٌ من الكبائر، والكبائر من موجبات النار إن لم يتب صاحبها ويرجع إلى الله، فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً. قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين -وجلس وكان متكئاً فقال-: ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت»(2).
وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف" قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة»(3).
فدلت الآيات على وجوب البر والطاعة للوالدين، وأما سؤال الأخ -وفقه الله للخير هل هناك فرقٌ وتفاوتٌ بين طاعة الأم والأب؟
فأقوال أهل العلم في ذلك على النحو الآتي:
1- تقديم الأم، وهو مذهب الجمهور، قال القاضي عياض: (وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب).
وقد نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر(4).
والصحيح أن المسألة ليست محل إجماع، بل فيها الخلاف المذكور.
2 أنهما سواء، وهو الظاهر من قول الإمام مالك، قال رجل لمالك: (والدي في بلد السودان كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك فقال له مالك: أطع أباك ولا تعص أمك)(5).
قال ابن حجر: (قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء، كذا قال وليست الدلالة على ذلك بواضحة)(6).
وهو قول بعض الشافعية(7).
3 الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر، قال الإمام احمد: (للام ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ، وقال أيضاً: الطَّاعَةُ للأب، وللأم ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ)(8).
وقد دلت الآياتُ الكريمة والأحاديثُ النبوية على تأكيد حق الأم فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾[لقمان:14].
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾[الأحقاف: 15].
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾[الإسراء:23].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أبوك»(9).
قال القرطبي رحمه الله: (فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات، وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان، وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب)(10).
فوصَّت الآياتُ القرآنيةُ ببر الوالدين ثم أفردت الأم ببيان ما تجده من مشقةٍ تتفرد بها عن الأب، وذلك في قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ وعند قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾.
ولكن ينبغي ألا يكون ذلك مدخلاً للشيطان في الاستهانة بحق الأب وعدم الإحسان إليه بحجة أن الأمَّ هي التي حمَلت وولِدت وأرضعت، ليس ذلك صحيحاً لأنك حينئذٍ تكون عاقاً لوالدك ومخالفاً لقوله تعالى بعد أن وصَّى ببرهما ثم خص الأم ببيان ما تفردت به من المعاناة: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾[الإسراء:23]، وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾[لقمان:14].
فالمبالغة بالتذلل للأم والحنو والشفقة عليها وإكرامها بالعطية لا يخل بحق الأب وليس فيه عقوق بل يُفرِح الأب ويُؤنسه، بل إن الأبَ يدرك حاجةَ الأمِّ إلى مثل ذلك، وقد يكون رضاه في مثل ذلك.
وطاعتهما إنما تكون بالمعروف وليس من المعروف طاعة أحدهما في عقوق الآخر ومخالفة أمره.
(حكى الباجي أن امرأة كان لها حق على زوجها، فأفتى بعض الفقهاء ابنها بأن يتوكل لها على أبيه فكان يحاكمه ويخاصمه في المجالس تغليباً لجانب الأم، ومنعه بعضهم من ذلك قال؛ لأنه عقوق للأب، والحديث الصحيح إنما دل على أن بره أقل من بر الأم لا أن الأب يُعق)(11).
ولكن قد يتزاحم الأمر عندك مما يجعلك تأخذ برغبة أحدهما، فالذي ينبغي فعلُه هو المقاربة والتسديد والعمل بما فيه المصلحة وأن يسعى في ترضيتهما.
فإذا كان الأخ الذي أشار إليه السائل يزيد في بر أمه والإحسان إليها مع بره بأبيه وطاعته، فإن ذلك من البر الذي حث عليه الشرع المطهر، وهو ما دل عليه حديث أبي هريرة السابق، قال النووي رحمه الله عند شرحه للحديث: (وفيه الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق في حمله ثم وضعه ثم إرضاعه ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك)(12).
وإذا كان يقدم أمر أمه على أمر أبيه وطلبه فليس صحيحاً، فالطاعة أخص من البر، إذ أن البر يتناول جميع ما فيه إحسان إلى الوالدين، والطاعة تكون عند الطلب وإن كانت وجهاً من وجوه البر والإحسان إلى الوالدين، وهذا ما فهمه الأئمة من العلماء كما هو واضح في مذهب الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة، قال الإمام احمد: (للام ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ، وقال أيضاً: الطَّاعَةُ للأب، وللام ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ)(13).
فإذا لم يتمكن الابن من الاستجابة لأمريهما فكما ذهب الإمام أحمد تكون الطاعة للأب، ويقوي ذلك أن الأم يجب عليها طاعة زوجها بالمعروف ففي تحريضها للابن بالقيام بطلبها المخالف لطلب الأب خروجٌ عن طاعة الزوج الذي أمرت بطاعته وجُعِلت له القوامة، وقد يؤدي ذلك إلى سوء معاملة الأب للأم، ويكون مدخلاً للشيطان في السعي للتفريق بينهما، وهذا لا يتنافى مع حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق ذكره، لأن بوسع الولد الإحسان إلى الأم بوجوهٍ عديدةٍ من وجوه البر والإحسان.
مرفق ناجي مصلح ياسين
8/ 11/ 2008م
_______________
(1) تفسير ابن كثير (4/ 200).
(2) صحيح البخاري (2/ 939)، برقم: (2511)، صحيح مسلم (1/ 91)، برقم: (87).
(3) صحيح مسلم (4/ 1978)، برقم: (2551).
(4) فتح الباري (10/ 402).
(5) الفروق مع هوامشه (1/ 263).
(6) فتح الباري (10/ 402).
(7) فتح الباري (10/ 402).
(8) إعلام الموقعين (4/ 359).
(9) صحيح البخاري (5/ 2227، برقم: (5626)، ومسلم (4/ 1974)، برقم: (2548).
(10) تفسير القرطبي (10/ 239).
(11) الفروق مع هوامشه (1/ 263).
(12) شرح النووي على مسلم (16/ 102).
(13) إعلام الموقعين (4/ 359).