حكمة الشارع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1)
مقدمة:
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا, والصلاة والسلام على من أرسله الله بالحق بشيراً ونذيرا, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا.. نبينا محمد وآله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..وسلم تسليماً كثيرا..
أما بعد:
فَلِمَا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمية كبيرة، في حياة الأمة أفراداً ومجتمعات, وَلِمَا له من منزلةٍ رفيعةٍ عند رب الأرض والسماوات، فقد جاء هذا البحث في بيان أمره، وعظيم مكانته، وعلو شأنه، والتذكير بعظيم فضله, وعلو منزلته، وأجر القائم به، والمقدم عليه، والتعرف على آثار العمل به, والتشجيع على إفشائه، والحث على فعله، والترغيب في سلوك طريقه، وبالمقابل بيان خطر التهاون فيه، أو الرغبة عنه، أو التغافل عن إقامته، أو الإعراض عنه، وكذلك التحذير من تركه، وعدم الاهتمام به، أو نسيانه، والانشغال عنه، والتحجج بحجج واهية لإيجاد الأعذار للتنصل من إيقاعه وإعماله، وما يحصل من تبريرات للتهرب من السعيِّ فيه.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد الدائم المفروض على كل مسلم، وهو أصل مهم من أصول الدين, ولا قيام لشريعة الإسلام إلا به وهو «القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي ابتعث الله لها النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد»(2).
فكم نحن بحاجة ماسة إلى إقامة هذه الفريضة العظيمة في زمنٍ ضاعت فيه الكثير من الواجبات, واسترسل الناس في الوقوع في وحل المعاصي والهفوات, وانساق البعض أمام أتباع الهوى والشهوات, فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة خالق الأرض والسماوات, وقلما تجد في بعض البلدان والمجتمعات مؤمن قائم بأمر الله تعالى لا تأخذه في الله لومةُ لائم ولا تثنيه الأباطيل والشبهات.
هذه الفريضة العظيمة التي تعد من أعظم خصائص هذه الأمة, فبالقيام بها نالت شرف القيادة والريادة من بين سائر الأمم, وبالتمسك بها علا شأنها عند ربها, وفرضت هيبتها أمام أعدائها, ولا يزال الخير باقياً في هذه الأمة ما بقي فيها الآمرون بالمعرف والناهون عن المنكر.
وفي هذا البحث سنتطرق إلى بعض فضائلها, وآثار القيام بها, وعواقب تركها, علنا ندرك حكمة الشارع من فرضها وإيجاب القيام بها, وقد احتوى البحث على أربعة مطالب على النحو التالي:
المطلب الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان حكمه, وفيه:
أولاً: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اللغة والاصطلاح.
ثانياً: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثالثاً: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عيني أم كفائي.
المطلب الثاني: فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفيه:
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة الأنبياء جميعاً.
ثانياً: أنه من أخص صفات المؤمنين ودليل على صدق إيمانهم واستجابتهم لخالقهم.
ثالثاًً: أنه سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم.
رابعاً: أنه يكفر الخطايا.
خامساً: أنه من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار.
المطلب الثالث: الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفيه:
أولاً: إقامة الملة والشريعة وحفظ الدين والعقيدة لتكون كلمة الله هي العليا.
ثانياً: إقامة الحق وانتشار العدل ورفع الجور والظلم بين العباد.
ثالثاً: يزيل عوامل الشّرّ والفساد ويثبّت معاني الخير والصّلاح في الأمّة.
رابعاً: يبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين.
خامساً: يشد ظهر المؤمنين ويقوي عزائمهم ويرغم أنوف المنافقين ويضعف معنوياتهم.
سادساً: التمكين في الأرض والنصر على الأعداء.
سابعاً: التحقق بصفة الخيرية.
ثامناً: رفع العقوبات والنجاة من العذاب.
تاسعاً: انتفاع الخلق وإقامة الحجة والشهادة عليهم.
عاشراً: استنزال الرحمة من الله.
حادي عشر: الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
ثاني عشر: إصلاح حياة الأمة بجميع جوانبها, ومن أمثلة ذلك: (الجانب الديني, الجانب الاجتماعي, الجانب الأخلاقي, الجانب السياسي, الجانب الاقتصادي, الجانب الصحي, الجانب الإعلامي).
المطلب الرابع: عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفيه:
أولاً: ظهور الذنوب والمعاصي وانتشار جميع أنواع المنكرات.
ثانياً: استعلاء أهل الشر والفساد وسيطرة الأشرار على مقاليد الأُُمور.
ثالثاً: انتفاء وصف الخيرية عن الأمة.
رابعاً: الهزيمة أمام الأعداء.
خامساً: سبب لعنة الله.
سادساً: نزول العقوبات العامة.
سابعاً: عدم استجابة الدعاء.
ثامناً: الخسران في الدنيا والآخرة.
تاسعاً: إفساد حياة الأمة بجميع جوانبها ومن أمثلة ذلك: (الجانب الديني, الجانب الاجتماعي, الجانب الأخلاقي, الجانب السياسي, الجانب الاقتصادي, الجانب الصحي, الجانب الإعلامي).
ولنبدأ مستعينين بالله عز وجل بشرح هذه النقاط والتفصيل فيها فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد..
المطلب الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان حكمه
أولاً: التعريفات في اللغة والاصطلاح:
المعروف لغة:
قال ابن منظور: «المَعْرُوف ضدُّ المُنْكَر والعُرْفُ ضدّ النُّكْر يقال أَوْلاه عُرفاً أَي مَعْروفاً والمَعْروف والعارفةُ خلاف النُّكر والعُرْفُ والمعروف الجُود وقيل هو اسم ما تبْذُلُه وتُسْديه ... قال الزجاج المعروف هنا ما يُستحسن من الأَفعال »(3).
المعروف اصطلاحا:
يطلق المعروف على كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه, وهو اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة اللّه والتّقرّب إليه، والإحسان إلى النّاس، وكلّ ما ندب إليه الشّرع، ونهى عنه من المحسّنات والمقبّحات وهو من الصفات الغالبة, بمعنى أنه معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه(4).
المنكر في اللغة:
قال ابن منظور: «( نكر) النُّكْرُ والنَّكْراءُ الدَّهاءُ والفِطنة ورجل نَكِرٌ ونَكُرٌ ونُكُرٌ ومُنْكَرٌ من قوم مَناكِير دَاهٍ فَطِنٌ... والمُنْكَرُ من الأَمر خلاف المعروف... ونَكِرَه يَنْكَرُه نَكَراً فهو مَنْكُورٌ واسْتَنْكَرَه فهو مُسْتَنْكَرٌ والجمع مَناكِيرُ»(5).
والمنكر اصطلاحا:
هو ضد المعروف وهو ما عرف قبحه نقلاً وعقلاً (6), وقيل كلّ ما قبّحه الشّرع وحرّمه ونهى عنه(7).
معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اصطلاحا:
الأمر بالمعروف: هو الإرشاد إلى المراشد المنجّية, والنّهي عن المنكر: الزّجر عمّا لا يلائم في الشّريعة.
وقيل: الأمر بالمعروف: الدّلالة على الخير, والنّهي عن المنكر: المنع عن الشّرّ.
وقيل: الأمر بالمعروف: أمر بما يوافق الكتاب والسّنّة, والنّهي عن المنكر: نهي عمّا تميل إليه النّفس والشّهوة.
وقيل: الأمر بالمعروف: الإشارة إلى ما يرضي اللّه تعالى من أقوال العبد وأفعاله, والنّهي عن المنكر: تقبيح ما تنفّر عنه الشّريعة والعفّة وهو ما لا يجوز في شرع اللّه تعالى (8).
ثانياً: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بنص القرآن الكريم وصريح السنة النبوية, وإجماع الأمة، وسنذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة وإجماع علماء الأمة.
أ- الأدلة من القرآن الكريم:
1- قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:104]، فقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن﴾ أمرٌ, وظاهر الأمر الإيجاب هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصرت الآية الفلاح بهذا العمل.
2- قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾[آل عمران:110] فالآية قرنت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان بالله تعالى، وتخصيص الثناء والمدح بالخيرية بهذه الصفات الثلاث، فهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3- قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة:71]، فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأوصاف الخاصة بالمؤمنين، وعليهما تترتب الرحمة، وقد ذكرا في سياق الواجبات كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهما واجبان بدلالة وحدة السياق، وتكرّر اقترانهما مع الواجبات يفيد وجوبهما.
4- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[التحريم:6]، ففعل الأمر ﴿قُوا﴾ يدل على الوجوب، ويتحقق هذا الفعل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
5- قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[الأعراف:199]، والعرف: هو المعروف(9)، والأمر للوجوب، وإذا كان الأمر بالمعروف واجباً كان النهي عن ضده واجبا.
6- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[التوبة:122].
قال الإمام الرازي رحمه الله: «هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء أولها الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف ثم النهي عن المنكر»(10).
7- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل:90].
فالآية تشمل الأمر بكل معروف كان واجباً أو مندوبا، والنهي عن كل منكر كان محرماً أو مكروها، وهي بصيغة الأمر الصريح الدال على الوجوب.
8- قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الحجرات:9]، قال الإمام الجصاص بعد ذكره لهذه الآية وغيرها: «فهذه الآية ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(11).
9- قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[المائدة:2] قال الإمام الغزالي: «وهو أمر جزم، ومعنى التعاون: الحث عليه، وتسهيل طرق الخير، وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان»(12)، ثم أتبع الأمر بالتهديد بالعذاب الشديد الذي لا يكون إلا لفعل المحرم أو ترك الواجب.
10- قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾[المائدة:78،79], فلو لم يكن النهي عن المنكر واجباً لما استحقوا اللعنة بتركهم إياه؛ لأن اللعنة تختص بترك الواجب.
ب- الأدلة من السنة النبوية
1- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (13), فقوله صلى الله عليه وسلم "فليغيره" أمر إيجاب بإجماع الأمة(14).
2- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم"(15).
3- حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"(16).
4- حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم مفتوح عليكم منصورون ومصيبون فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه, من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير ردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه"(17).
5- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فكان فيما قال: "ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه"، قال: «فبكى أبو سعيد، وقال: والله رأينا أشياء فهبنا»(18).
6- حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة، قلنا لمن ؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"(19).
فبين أن عماد الدين وقوامه النصيحة, كقوله: الحج عرفة أي عماده ومعظمه عرفة(20).
7- حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"(21).
قال الجرجاني: «النصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح والنهي عما فيه الفساد»(22).
8- حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والصيام سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له"(23).
9- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم"(24).
10- حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"(25).
11- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبداً حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت من الناس"(26).
ج- دليل الإجماع
قال الإمام النووي في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "فليغيره"، قال: «فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة»(27)، وقال الإمام الجصاص: «فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة عنه فيه وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه»(28)، وقال الإمام الغزالي: «الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته، والمذمة في إهماله وإضاعته، ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه، وإشارات العقول السليمة إليه، الآيات والأخبار والآثار»(29).
مسألة:
الأمر بالمعروف يكون واجباً إن أُمر بواجب, ويكون مستحباً إن أُمر بمستحب, والنهي عن المنكر
يكون واجباً إن نُهي عن محرم, ويكون مستحباً إن نُهي عن مكروه(30), وقد يكون النهي عن المنكر محرماً وذلك إن كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه(31).
هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عيني أم كفائي؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية على الأمة إذا قام به البعض حتى وجد المعروف الواجب وزال المنكر المحرم سقط عن الباقين، أي إذا قامت به طائفة أو جماعة، سقط عن الباقين وأصبح في حقهم سنة، لكن يشترط أن يكونوا ممن تتحق بهم الكفاية، أي: يكفون في إقامة هذه الشريعة والشعيرة(32)، وإلا أثم كل قادر بحسب قدرته من القيام به بنفسه أو المعاونة على القيام به أو أَمر القادرين بذلك(33).
ثم إنه قد يتعين أي: يصير في حق الفرد فرض عين, كما إذا كان في موضع لا يعلم به أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه أو من له ولاية عليه على منكر أو تقصير في المعروف فيتعين عليه ذلك(34), وهناك حالات كثيرة يصير فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين ذكرها العلماء وليس مكان ذكرها في هذا الموضع.
المطلب الثاني: فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة عظيمة ومكانة رفيعة في ديننا, وقد جاءت الكثير من الآيات في كتاب الله تعالى والكثير من التوجيهات في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, تبين فضل هذه الفريضة العظيمة, وسنذكر بعض هذه الفضائل في هذا الشأن فيما يلي:-
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة الأنبياء جميعاً
إن المتتبع لقصص القرآن الكريم يجد أن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام بذلوا جلّ جهدهم في نصح أقوامهم, وإرشادهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة, فقد قاموا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أكمل وجه كما حكى القرآن الكريم عنهم فها هو نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام كما قال الله عنه: ﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾[الأعراف: 79].
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: «﴿ونصحت لكم﴾ في أدائي رسالة الله إليكم في تحذيركم بأسه بإقامتكم على كفركم به وعبادتكم الأوثان ﴿ولكن لا تحبون الناصحين﴾ لكم في الله الناهين لكم عن اتباع أهوائكم الصادين لكم عن شهوات أنفسكم»(35).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك»(36).
ووصف الله خاتم أنبيائه بهذه الصفة التي هي من أخص صفاته صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[الأعراف: 157].
وعندما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام النجاشي بأوصاف كثيرة كان منها: أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ففي حديث جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن النجاشي سأله ما دينكم؟ قال: بعث فينا رسول نعرف لسانه، وصدقه، ووفاءه، فدعانا إلى أن نعبد الله، وحده لا نشرك به شيئا، وخلع ما كان يعبد قومنا، وغيرهم من دونه، يأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة، والصيام، والصدقة، وصلة الرحم، فدعانا إلى ما نعرف، وقرأ علينا تنزيلا جاء من عند الله، لا يشبهه غيره، فصدقناه، وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به حق من عند الله(37).
ثانياً: أنه من أخص صفات المؤمنين ودليل على صدق إيمانهم واستجابتهم لخالقهم
وصف الله عباده المؤمنين بصفات كثيرة وفي مواطن متعددة في كتابه الكريم, ومن أبرز هذه الصفات قيامهم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:112]
ولا يكتمل ولاء المؤمنين بعضهم لبعضٍ إلا بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر, وتعاونهم على الحق, وهذا من أخص صفاتهم التي وصفوا بها في كتاب الله, قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة:71].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه"(38), وفي الصحيح أيضا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"(39), وقوله: ﴿يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ وقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ الآية وقوله: ﴿ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾ أي فيما أمر وترك ما عنه زجر»(40).
ففي هذه الآية يبين سبحانه أن من صفات المؤمنين موالاة بعضهم بعضاً, ومن لوازم هذا الولاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعاون على إقامة شعائر الدين, قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: «فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه والتعزير إلى رأيه والحبس والإطلاق له والنفي والتغريب فينصب في كل بلدة رجلاً صالحاً قوياً عالماً أميناً ويأمره بذلك ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة»(41).
ثم بين سبحانه عاقبة ذلك فقال: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾, قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات ﴿إن الله عزيز﴾ أي: عز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿حكيم﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى»(42).
وعندما ذم الله تعالى أهل الكتاب الذين خالفوا أمره فضربت عليهم الذلة والمسكنة وبَآؤُوا بغضب من الله بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعاصي وقتل الأنبياء بغير حق, بين سبحانه أنهم ليسوا جميعاً سواء بل استثنى منهم طائفة جنحت للحق، فآمنت واتخذت منهج المسلمين منهجاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات, ووصفهم بأنهم من الصالحين(43), قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[آل عمران: 113, 114].
فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات القيام بالواجبات، ومن علامات الصلاح، فلم يشهد الله تعالى لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم الآية هو: أن الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لا يعدّون من الصالحين.
ثالثاًً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم
وصف الله عز وجل هذه الأمة بالخيرية لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وتحليها بالإيمان به سبحانه, قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[آل عمران:110].
في هذه الآية قدم الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله مع أن الإيمان بالله لا يتقدمه شيء من الأعمال ولا يفضله.. ولكن قد يكون هذا التقديم في هذا الموضع يراد به إبراز خاصية وميزة لهذه الأمة على غيرها من الأمم, فإنهم وإن كانوا مطالبين به إلا أنه لم يكن تحققه فيهم كتحققه في هذه الأمة, فاستحقوا به التفضيل على غيرهم من سائر الأمم التي سبقتهم وإن شاركوهم في تحقيق الإيمان, فهذه الأمة هي خاتمة الأمم ورسولها صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل, وكتابها آخر الكتب, وقد أخرجت للناس لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتشهد عليهم(44).
وقد ذكر كثير من العلماء كالإمام ابن كثير والإمام الطبري وغيرهما أن هذه الآية ليست مختصة بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم, وأنها عامة لجميع الأمة, قال ابن كثير رحمه الله: «والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ أي خيارا ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾[البقرة: 143]» (45).
وقد استدل من قال بأن هذه الآية نزلت في عامة الأمة بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله"(46) وفي رواية أخرى: "إنكم تتمون سبعين أمة"(47).
قال الإمام المناوي: «"إنكم تتمون سبعين أمة" أي يتم العدد بكم سبعين "أنتم خيرها وأكرمها على الله" ويظهر هذا الإكرام في أعمالهم وأخلاقهم وتوحيدهم ومنازلهم في الجنة ومقامهم في الموقف ووقوفهم على تل يشرفون عليهم إلى غير ذلك ومما فضلوا به الذكاء وقوة الفهم ودقة النظر وحسن الاستنباط فإنهم أوتوا من ذلك ما لم ينله أحد ممن قبلهم»(48).
وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام»(49).
والمقصود بقول أبي هريرة رضي الله عنه هو قيام هذه الأمة بفريضة الجهاد الذي يكون سبباً في دخول غير المسلمين في الإسلام كما جاء عن أبي الطفيل قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ألا تسألوني مم ضحكت؟" قالوا: يا رسول الله مم ضحكت؟ قال: "رأيت ناسا يساقون إلى الجنة في السلاسل", قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: "قوم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام "(50).
قال ابن حبان رحمه الله: «والقصد في هذا الخبر السبي الذي يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتفين في السلاسل يقادون بها إلى دور الإسلام حتى يسلموا فيدخلوا الجنة»(51).
ومما يدل على أن هذه الخيرية في عامة الأمة ما ورد عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن الحضرمي يقول أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر"(52).
قال الإمام المناوي: «"إن من أمتي قوما" أي جماعة لهم قوة في الدين, "يعطون مثل أجور أولهم" أي: يثيبهم الله مع تأخر زمنهم مثل إثابة الأولين من الصدر الأول الذين نصروا الإسلام وأسسوا قواعد الدين, قيل: من هم يا رسول الله؟ قال هم الذين "ينكرون المنكر" أي ما أنكره الشرع قالوا ويجب الأمر بالواجب والنهي عن الحرام ويندب الأمر بالمندوب والنهي عن المكروه بشرط العلم بوجه المعروف والمنكر وانتفاء المفسدة...» (53).
وهذه الصفة- صفة الخيرية- التي وصفت بها هذه الأمة لاشك أنها مقرونة بالقيام بهذه الفريضة العظيمة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركت هذه الفريضة انتفت منها صفة الخيرية, كما روي عن عمر رضي الله عنه عندما قرأ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ قال: «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها»(54).
رابعاً: القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكفر الخطايا
لاشك أن أي طاعة يقوم بها المسلم يبتغي بها وجه الله تعالى تكتب في صحيفة حسناته, وتكون سبباً بإذن الله في تكفير زلاته وسيئاته, كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾[هود:114], ومن ذلك القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, كما قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[النساء:114].
وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها ما جاء عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند عمر فقال أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة كما قال, قال: فقلت: أنا, قال: إنك لجريء وكيف قال, قال: قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(55).
وعن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة, وكل تكبيرة صدقة, وكل تحميدة صدقة, وكل تهليلة صدقة, وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن منكر صدقة, وفي بضع أحدكم صدقة, قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر"(56).
وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"(57).
وعن أبي ذر رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة"(58).
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على كل مسلم صدقة" قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: "يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق" قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع, قال: "يعين ذا الحاجة الملهوف", قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع قال: "يأمر بالمعروف أو الخير", قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: "يمسك عن الشر فإنها صدقة"(59).
خامساً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: "الإيمان بالله، قلت: يا نبي الله، إن مع الإيمان عمل, قال يرضخ مما رزقه الله", قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: "يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" قال قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان عييا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: "يصنع لأخرق", قلت أرأيت إن كان أخرق لا يستطيع أن يصنع شيئا؟ قال: "يعين مغلوبا", قلت أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مغلوبا؟ قال: "ما تريد أن يكون في صاحبك من خير يمسك عن أذى الناس" فقلت: يا رسول الله إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: "ما من مسلم يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة"(60).
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاث مائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" قال أبو توبة وربما قال: يمسي(61).
وعن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة فقال: "لئن كنتَ أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة", فقال: يا رسول الله أوليستا بواحدة قال: "لا إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها, والمِنْحَةُ الوَكوف, والفيء على ذي الرحم الظالم, فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير"(62).
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة" أي: أنك إن أقصرت في العبارة بأن جئت بعبارة قصيرة فقد أطنبت في الطلب حيث مِلْتَ إلى مرتبة كبيرة أو سألت عن أمر ذي طول وعرض إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾[آل عمران:133], قوله: "والمِنْحة" هي العطية, والمراد هنا ناقة أو شاة يعطيها صاحبها لغيره لينتفع بلبنها ووبرها ثم يعيدها, "الوَكوف" صفة لها, وهي الكثيرة اللبن وقيل التي لا ينقطع لبنها طوال السنة, مِنْ وكف البيت وكفاً إذا قطر, والعين بالدمع إذا سال قليلاً قليلا, قوله: "والفيء على ذي الرحم الظالم" أي: ومما يدخل الجنة الرجوع بالبر على القريب وإن كان ظالماً لك بقطع الصلة وغيره(63).
المطلب الثالث: الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لكل أمرٍ أمرنا الله تعالى به في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أثرٌ يجده المسلم إما في الدنيا أو في الآخرة أو كليهما, وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يترتب على القيام بها الكثير من الآثار العظيمة, والفوائد الجسيمة التي قد يصعب حصرها, والإحاطة بها, وفي هذا المطلب سنقف مع بعض هذه الآثار والفوائد كما يلي:
أولاً: إقامة الملة والشريعة وحفظ الدين والعقيدة لتكون كلمة الله هي العليا
تكفل الله عز وجل بحفظ دينه وشريعته, وجعل لذلك أسباباً كثيرة من هذه الأسباب الدعوة إلى هذا الدين, وحمايته من أعدائه, وهذا من أول مراتب الضروريات الخمس التي أمر الله بحفظها, ومن أجل ذلك شرع الله الجهاد لحفظ دينه, وهذا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾[التوبة:14], فجعل سبحانه تعذيب المشركين بأيدي المسلمين(64), وذلك بالقتل والسبي, وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[الأنفال:39].
فالجهاد مرتبة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقد أمر الله به لنصرة شريعته وإعلاء كلمته, قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[البقرة:193].
قال الإمام ابن كثير: «﴿ويكون الدين لله﴾ أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان... وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكُفُّوا عنهم، فإنّ مَنْ قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يُقَاتَلُ إلا من قاتل, أو يكون تقديره؛ فإن انتهوا فقد تَخَلَّصُوا من الظلم، وهو الشرك, فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعُدْوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة، كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾[البقرة:194]»(65).
وبعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لإتمام دينه وإقامة شريعته, فكان خير من دعا إلى الهدى, وأكمل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر, وقد أُمر بقتال من لم يستجب لأمر ربه فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"(66).
وأمر أمته بأن يجاهدوا تحت هذا المبدأ العظيم, فعن أبي موسى قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله, فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(67).
ومن أجل ذلك جعل الله تعالى سنة التدافع بين عباده لتحقيق هذا المبدأ, قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[البقرة:251].
قال الإمام جلال الدين السيوطي: «يقول: ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر ودفعه ببقية أخلاق الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها, وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض الآية قال: يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعاقب الكافر بالمؤمن»(68).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40].
قال الإمام الطبري رحمه الله: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض لهدم ما ذكر من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك ومنه كفه ببعضهم التظالم كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم, ومنه كفه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق ونحو ذلك وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض لولا ذلك لتظالموا»(69).
ويدخل في حفظ الدين أيضاً نبذ كل ما يتنافى مع الإيمان بالله تعالى والعقيدة الصحيحة كالشرك والابتداع في الدين, ورفض كل ما يخالف أمر الشريعة كالتحاكم إلى غير شرع الله تعالى, وكذلك اجتناب الذنوب والمعاصي بجميع أنواعها, وكل هذا لا يمكن تحقيقه إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانياً: إقامة الحق وانتشار العدل ورفع الجور والظلم بين العباد
من الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقامة الحق وظهوره بين الناس وانتشار العدل, واضمحلال الجور والظلم بين العباد, لوجود من يردع أهل الظلم, ويقف مع المظلومين, ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننصر المظلوم, ونقف في صفه حتى ينال حقه من الظالم, وأن نردع الظالم عن ظلمه حتى يعود إلى صوابه, فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما", فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره"(70).
قال الإمام المناوي رحمه الله: «"انصر أخاك ظالماً كان أو مظلوماً" قيل: كيف يا رسول الله ذلك؟ قال: إن يك ظالماً فاردده عن ظلمه وإن يك مظلوماً فانصره" وفي رواية للبخاري "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً, قالوا: هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالما فقال: تأخذ فوق يديه" كنى عن كفه عن الظلم بالفعل إن لم يكن بالقول وعبر بالفوقية إيماء إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة وفيه وفيما قبله إشعار بالحث على محافظة الصديق والاهتمام بشأنه ومن ثم قيل: حافظ على الصديق ولو على الحريق»(71).
وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالتناصح بين المسلمين, بل وجعله من أهم ركائز الدين؛ لما له من أثر عظيم في رفع الظلم, وإقامة العدل, وانتشار الخير, واضمحلال الشر, فعن تميم الدّاريّ- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "الدّين النّصيحة قلنا: لمن؟, قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم" (72).
وقد أوضح العلماء معنى هذه النّصيحة فيما يحكيه ابن حجر رحمه الله حيث قال: «والنّصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حمّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسدّ خلّتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، وردّ القلوب النّافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظّلم بالّتي هي أحسن ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النّصيحة لهم ببثّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظّنّ بهم، والنّصيحة لعامّة المسلمين الشّفقة عليهم، والسّعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكفّ وجوه الأذى عنهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه»(73).
وإن مما يرفع الظلم عن العباد ويقيم الحق بينهم مناصحة ولاة الأمر والأخذ على أيديهم من الوقوع في الظلم والجور, شريطة أن يكون ذلك بالأسلوب الحسن, دون تشهير أو تحقير أو إحداث فتنة, وقد يتطلب الأمر إظهار النصيحة وإن أدى ذلك إلى بذل النفس, بل يعد هذا من أعظم الجهاد كما بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الجهاد كلمة حق تقال أمام سلطان جائر, فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ من أعْظم الْجهاد كلمة عدل عِنْد سلْطان جائِر"(74)، وفي رواية "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر"(75).
قال صاحب عون المعبود: «"أفضل الجهاد" أي من أفضله بدليل رواية الترمذي "إن من أعظم الجهاد كلمة عدل" وفي رواية لابن ماجه "كلمة حق"(76) والمراد بالكلمة ما أفاد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر من لفظٍ أو ما في معناه ككتابةٍ ونحوها, "عند سلطان جائر" أي: ظالم, وإنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان مترددا بين رجاء وخوف لا يدري هل يَغْلِب أو يُغْلَب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف»(77).
وفي هذا المعنى حديث جابر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"(78).
قال الإمام المناوي رحمه الله: «"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب" عم المصطفى صلى الله عليه وسلم استشهد يوم أحد "ورجل قام إلى إمام جائر فأمره" بالمعروف "ونهاه" عن المنكر "فقتله" لأجل أمره أو نهيه عن ذلك, فحمزة سيد شهداء الدنيا والآخرة, والرجل المذكور سيد الشهداء في الآخرة لمخاطرته بأنفس ما عنده وهي نفسه في ذات الله تعالى»(79).
وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ وَمَن أنكر سَلِم ولكن من رضي وتابع قالوا أفلا نقاتلهم؟ قال لا ما صلوا"(80).
قال الإمام النووي رحمه الله: «هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة بالإخبار بالمستقبل ووقع ذلك كما أخبر صلى الله عليه وسلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم "فمن عرف فقد برئ" وفي الرواية التي بعدها "فمن كره فقد برئ" فأما رواية من روى "فمن كره فقد برئ" فظاهرة, ومعناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ, وأما من روى "فمن عرف فقد برئ" فمعناه والله أعلم: فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولكن من رضي وتابع" معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع, وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه وأما قوله "أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا" ففيه معنى ما سبق أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء»(81).
وعن أبي سعيد الخدري يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبداً حجته قال يا رب رجوتك وفرقت من الناس"(82).
قال ابن رجب الحنبلي بعد ذكره لهذا الحديث: «جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين, نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك»(83).
وفي حديث بيعة العقبة عن جابر بن عبد الله: جاء بعض أهل المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله علام نبايعك قال: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة"(84).
ثالثاً: يزيل عوامل الشّرّ والفساد ويثبّت معاني الخير والصّلاح في الأمّة
بظهور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحاصر الرذيلة وتنقمع المعصية ويقع الرعب والخوف في قلوب أرباب الفساد والمعاصي، وذلك أن أهل الفساد يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا, كما
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ودت الزانية لو زنى النساء كلهن»(85) وهذا مشاهد ملموس(86).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقضي على الرذيلة أوّلا بأوّل, لوجود من يردع أهل المنكرات عن التطاول والتمادي في فجورهم, وبذلك تسلم الأمّة من شرورهم وفسادهم, وتسعد في حياتها الخالية من الذنوب والمعاصي.
وبالمقابل فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساعد في نشر المعروف بين المسلمين, وتثبيت معاني الخير في حياة الأمة, وتقوية جانب الفضيلة, وإشاعة الأخلاق الحسنة في العلاقات الاجتماعية لتقوم على قواعد وأسس الشريعة، حيث الصدق والوفاء، والتراحم والتناصح، وأداء الأمانة، والرفق والإحسان، ويهيّأ الجوّ الصّالح الّذي تنمو فيه الآداب والفضائل وتختفي فيه المنكرات والرّذائل, ويتربّى في ظلّه الضّمير العفيف والوجدان اليقظ, والانطلاق لإسعاد المجتمع(87).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين، وتحفظ به حرمات المسلمين، وتظهر أعلام الشريعة، وتفشو أحكام الإسلام، وبارتفاع سهمه يعلو أهل الحق والإيمان، ويندحر أهل الباطل والفجور، ويورث القوة والعزة في المؤمنين، ويذل أهل المعاصي والأهواء، وترغم أنوف المنافقين(88).
رابعاً: يبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين
إن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشعر أبناء المجتمع الواحد بمعنى الإخوة, لأنه نوع من التناصح الذي يبعث الإحساس بالتكامل فيما بينهم, والتعاون على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض وقد أمرنا الله تعالى بذلك فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[المائدة:2], وإن القيام بذلك مما يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة في نفوس المسلمين, ويؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة في قلوب المؤمنين ويأمن الناس على الحقوق والحرمات.
فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن يبصره بعيوبه, ويرشده إلى منفعته, كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه"(89).
وكان عمر رضي الله عنه يسأل سلمان عن عيوبه, وكان يقول: «رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي»(90).
فمن حق المسلم على المسلم أن يديم نصيحته, ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويستر عورته، ويغفر زلته، ويرحم عبرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، ويرد ضالته، ويواليه، ولا يعاديه، وينصره على ظالمه، ويكفه عن ظلمه غيره، ولا يسلمه، ولا يخذله، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه(91).
خامساً: يشد ظهر المؤمنين ويقوي عزائمهم ويرغم أنوف المنافقين ويضعف معنوياتهم
لاشك أن المؤمن يفرح عندما يرى من يؤازره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتتقوى عزيمته بمساندة إخوانه وأنصاره, ومن يقف معه وقفة إيجابية في نشر دعوته, وهذا من لوازم الولاء بين المؤمنين الصادقين, وعلى العكس من ذلك فالمنافقون تضيق صدورهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الله عنهم: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾[النساء:89].
وذلك أن كثيرا منهم يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويبغضون من لا يوافقهم, وسبب حبهم لمن يشاركهم في أمورهم وشهواتهم إما للمعاونة على ذلك, وإما لتلذذهم بالموافقة, وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير إما حسداً له على ذلك وإما لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم وإما لئلا يكون له عليهم حجة, ولئلا يكونوا تحت منته ونحو ذلك من الأسباب(92), وهذه صفتهم في كل زمان ومكان.
روي عن سفيان الثوري أنه قال: «إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق»(93).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنآن الفاسقين(94), فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن شنأ المنافقين وغضب لله عز وجل غضب الله تعالى له»(95).
قال الشيخ الدكتور خالد السبت: «المؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به وتضمحل المنكرات على إثر ذلك، بينما يخنس المنافق بذلك وَيَشْرَق, ويكون ذلك سببا لغمه وضيق صدره وحسرته، لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذيوعه بين الخلق, كيف لو طُولِب هو بالتطبيق والعمل ومجانبة المنكر, وأُلزم بما أظهر من الانتساب لهذا الدين؟! لاشك أنه يتألم لذلك أشد الألم ويحزن بسببه أشد الحزن»(96).
فالمنافقون كما ذكر لنا القرآن الكريم من صفاتهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[التوبة:67].
قال حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه: «يأتي على الناس زمان لأن يكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر»(97).
فحقيقة المنافقين أنهم من طينة واحدة، وطبيعة واحدة, قد تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد, سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة, تلك سماتهم الأصلية, في كل زمان وفي كل مكان, أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس, وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دساً وهمساً، وغمزاً ولمزاً، لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون, لأنهم ﴿نسوا الله﴾ فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم ﴿فنسيهم﴾ الله فلا وزن لهم ولا اعتبار, وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله فهم مطرودون من رحمته(98).
سادساً: التمكين في الأرض والنصر على الأعداء
وعد الله عباده المؤمنين بالنصر على أعدائهم مقابل نصرهم لدينه ولكتابه، وامتثالهم لأوامره, واجتنابهم لنواهيه, وإقامتهم لحدوده، ونصحهم لعباده, وجهادهم في سبيله لإعلاء كلمته، واتباعهم لرسوله صلى الله عليه وسلم, قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[الحج:40].
ثم بين صفات هؤلاء الموعودين بهذا النصر في الآية التي بعدها فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[الحج:41].
قال الإمام محمد المختار الشنقيطي: «يدل على أن الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر البتة, فمثلهم كمثل الأجير الذي لم يعمل لمستأجره شيئا ثم جاءه يطلب منه الأجرة, فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين ثم يقولون: إن الله سينصرنا مُغَرَّرُون لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفي(99)».
وفي الآية أيضاً دليل على إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من مكنه الله في الأرض من ولاة الأمر, وكل من أقدره على القيام بذلك(100).
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[النور:55].
وهذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم, بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّهم بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد كان ذلك بفضل الله ومنته، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها, وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهَادَاهُ هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس-وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله.
ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فَلَمّ شَعَث الأمة لقتال من ارتد بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطَّدَ جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس، ففتحوا طرفا منها، وأرسل جيشا آخر إلى أرض الشام ففتح الله لهم بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حَوران وما والاها، وجيشاً ثالثًا إلى بلاد مصر، ولما استخلف عمر الفاروق رضي الله عنه، قام بالأمر بعده قياما تاما، وتم في أيامه فتح بلاد الشام بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم في خلافة عثمان ابن عفان رضي الله عنه، امتدت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقُتل كسرى، وزال ملكه بالكلية, وفتحت مدائن العراق، وخراسان، والأهواز، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه, وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن (101).
وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالنصر والتمكين في الأرض فعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها"(102).
والآيات التي تعد المؤمنين بنصر الله كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾[غافر:51], وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الروم:47], وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾[الصافات:173], وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾[المائدة:56].
ولو شاء الله لانتصر من أعدائه بالعذاب أو بإرسال أي نوع من أنواع العقوبات لاستئصالهم, وإنجاء المؤمنين منهم, ولكنه أمر عباده المؤمنين بمجاهدة أعدائه ليبلو بعضهم ببعض وليمحص عباده المؤمنين, فينال الصادقون منهم شرف النصر ومرتبة الشهادة, وليكون عذاب الكفار على أيدي المؤمنين نكاية بهم, وزيادة في إذلالهم, قال عز وجل: ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾[محمد:4].
سابعاً: التحقق بصفة الخيرية
إذا أرادت هذه الأمة أن تحافظ على صفة الخيرية التي اتصفت بها في قول الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[آل عمران:110], فما عليها إلا أن تحقق شرط الله فيها ألا وهو الإيمان بالله تعالى وحده والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قرأ هذه الآية فقال: «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها»(103).
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «وقوله: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ إلخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك؛ ولهذا قال مجاهد: إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية وهذا يقتضي أن يكون تأمرون وما بعده في محل نصب على الحال أي: كنتم خير أمة حال كونكم آمرين ناهين مؤمنين بالله وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه ورسوله وما شرعه لعباده فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور»(104).
ولما كانت خيرية هذه الأمة منوطة بالقيام بهذا الواجب الشرعي, فقد أوجب الله عليهم نشر هذا الخير, وبذله للغير, ودعوة الناس إليه, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والقيام بهذا الواجب العظيم على أتم وجه, حتى تحافظ الأمة على هذا الفضل الذي حباها الله به, قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:104].
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: «يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿ولتكن منكم﴾ أيها المؤمنون ﴿أمة﴾ يقول: جماعة ﴿ يدعون﴾ الناس ﴿إلى الخير﴾ يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ يقول: يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به من عند الله ﴿ وينهون عن المنكر﴾ يعني: وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله بجهادهم بالأيدي والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة وقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ يعني المُنْجِحون عند الله الباقون في جناته ونعيمه»(105).
وقد عرفنا أن هذه الخيرية ليست خاصة بجيل الصحابة رضوان الله عليم, وإن كانوا هم خير مثل في هذا الشأن, بل هي عامة في جميع الأمة إن حققت هذه الشروط, كما رجح بعض أهل التفسير, ويؤيد ذلك ما ورد عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن الحضرمي يقول أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر"(106), فانظر فيما أوضحنا سابقاً تحت عنوان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم.
ثامناً: رفع العقوبات والنجاة من العذاب
إن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يرفع العقوبات العامة التي قد تنزل بالعباد فتعم الصالح والطالح وذلك إذا كثر الشر وظهرت المعاصي واستشرى الفساد, وهذا ما حدث لكثير من الأمم السابقة, وقد حذر الله سبحانه هذه الأمة من الوقوع فيما وقعوا فيه, وبين لنا مصير طائفة قليلة أنجاهم الله من عذابه حين قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال عز وجل: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ* وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾[هود:116, 117].
يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية ممن أهلكتهم بكفرهم ومعصيتهم إياي، وتكذيبهم برسلي ممن قصصت عليكم نبأهم في هذه السورة, هلا وجد منهم ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾، من الفهم والعقل، يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله، وعليهم في الكفر به ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾، ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم، وأهل الكفر بالله عن كفرهم، ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب عدد قليل، هؤلاء القليل من أهل الخير والصلاح كانوا ينهون عن الفساد في الأرض وهم الذين أنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله والعصيان, وهؤلاء القليل من أهل الفهم والعقل هم أتباع الأنبياء والرسل(107).
ثم تكشف لنا الآيات عن سنة من سنن الله في الأمم قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾[هود:117].
قال سيد قطب رحمه الله تعالى: «فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره، فيوجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير, فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال, وإما بهلاك الانحلال . . والاختلال!, فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب.. وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره.. إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع»(108).
قصة أصحاب السبت:
ويكفينا عبرة وعظة في هذا الشأن قصة أصحاب السبت التي أخبرنا الله عنها في كتابه الحكيم فقال سبحانه: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ* فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:163-166]
هذه قصة قرية (أيلة) من قرى بني إسرائيل يسكنون قرب البحر.. وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيداً للعبادة, ولا يشتغلون فيه بشؤون المعاش، فجُعِل لهم السبت.. ثم شاء الله أن يبتليهم, فجعل الحيتان في يوم السبت تتراءى لهم على الساحل، قريبة المأخذ، سهلة الصيد, فتفوتهم وتفلت من أيديهم بسبب حرمة السبت التي قطعوها على أنفسهم! فإذا مضى السبت وجاءتهم أيام الحل, لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة, كما كانوا يجدونها يوم الحرم! فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء، وينسون عهدهم وميثاقهم مع ربهم، فيحتالون الحيل - على طريقة اليهود - للصيد في يوم السبت! فروي أنهم كانوا يقيمون الحواجز على السمك ويحوّطون عليه في يوم السبت؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه، وقيل كانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة, فتعلق به الحيتان يوم السبت ثم يأخذونها ليلة الأحد, وهذا ما أمر الله به رسوله أن يسأل يهود المدينة عن هذه الواقعة المعلومة لهم في تاريخ أسلافهم, فيذكرهم بعصيانهم القديم ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾, وكان منهم فريق آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال! بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب؟ ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ فأجابهم هؤلاء الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾, فانقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم:
الأولى: أمة عاصية محتالة.
الثانية: أمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة.
الثالثة: أمة تدع المنكر وأهله، وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي.
فلّما لم يُجدِ النصح، ولم تنفع العظة، حقت كلمة الله, وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وهم الذين تركوا المعروف وفعلوا المنكر, وهذا العذاب هو مسخهم قردة كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[الأعراف: 166], وإذا بالذين كانوا ينهون عن السوء ينجون من عذاب الله.. ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(109), فأما الأمة الثالثة - فقد سكت النص عنها.. ربما تهوينا لشأنها -وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب- إذ إنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي, فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب, فالجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم: هل كانوا من الهالكين أو من الناجين(110).
شبهة والرد عليها:
قد يتوهم بعض الناس أن الساكت عن إنكار المنكر مع قدرته يسلم من العقوبة، مستدلاً بهذه القصة, فيقول: إن الله نصّ على نجاة الناهين، ونصّ على هلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين، وهذا يدل على أن الساكتين سَلِموا من العقوبة، فدل على أن الساكت عن إنكار المنكر يسلم من العقوبة إذا لم يشارك الفاعل للمنكر في فعله.
والجواب:
أن هذا التوهم باطل مردود, فهذه الفرقة الساكتة اختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهم ليسوا ظالمين لأمرين:
أحدهما: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك عليهم.
الثاني: أنهم أبدوا غضبهم عليهم ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة بقولهم للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ فهم لم يداهنوا ولم يسكتوا وإنما اكتفوا بأداء غيرهم لهذا الواجب العظيم(111).
والمتأمل في قصص القرآن يجد أن من حقت عليهم عقوبة الله هم أُولئك الذين خالفوا منهج الله وأفسدوا في الأرض, وأما الذين نجوا من عذاب الله فهم أتباع الأنبياء والرسل, وقد كان الله تعالى يأمر أنبياءه للخروج من بين أقوامهم قبل نزول العذاب, ويأمرهم أن يصطحبوا معهم أتباعهم حتى يكونوا من الناجين, فقد أنجى الله نوحاً ومن معه كما قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾ [الأعراف:64], وأنجى الله هوداً ومن معه وقال عنه: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[الأعراف:72], وأنجى الله صالحاً ومن معه فقال عنه: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[النمل:53], وأنجى الله لوطاً ومن معه فقال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾[الأعراف:83], وأنجى الله موسى ومن معه فقال: ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾[الشعراء:65].
وهذه سنة الله عز وجل في عباده فكل من خالف أمر الله تعالى, كان مصيره الهلاك والدمار, ولا تكون النجاة إلا للقائمين بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولا تزال سنته باقية ما بقيت السماوات والأرض ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
تاسعاً: انتفاع الخلق وإقامة الحجة والشهادة عليهم
قد يحتج البعض بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسقط وجوبه إن رأى أنه لا يفيد في ظنه, لأن غايته هو ما يؤدي إليه من تغيير, وهذا فهم غير صحيح, فالله عز وجل تعبدنا بالبلاغ والبيان, وأما الاستجابة فمردها إلى الله تعالى, فقلوب العباد بيده سبحانه, وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم أمره الله عز وجل بالبلاغ الواضح كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾[العنكبوت:18], وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾[الغاشية:22,21], وهذا البلاغ هو وظيفة الرسل جميعاً, ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾[النحل:35]؛ وذلك ليكونوا سبباً في هداية الناس إلى الحق, وحتى تقام الحجة على الخلق أجمعين كما قال سبحانه: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾[النساء:165].
قال الإمام النووي رحمه الله: «قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين, وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول»(112).
فعلى الداعية أن يتذكر هذه الحقيقة دائماً، ويمضي قدما في سبيل الدعوة إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ولا يبالي بقلة المستجيبين له، فقد تعبدنا الله تعالى بالبلاغ المبين حتى نخرج أنفسنا من عهدة التكليف.
ثم لا نيأس من نصر الله لنا, فلعل الاستجابة تأتي ولو بعد حين, ولعل الذكرى تنفع ولو لم نتوقع ذلك, كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾[الأعلى:9].
قال صاحب عون المعبود: «قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين والذي عليه الأمر والنهي لا القبول ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به والنهي وإن كان متلبسا بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر, وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب»(113).
وقد مرّ بنا قصة أصحاب السبت وكيف أجابت الأمة التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر عن سؤال الأمة الساكتة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾؟, فكانت الإجابة أن قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[الأعراف:164], فقولهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتخويف من انتهاك الحرمات، فهذا واجب نؤديه لنبلغ إلى الله عذرنا، وليعلم أن قد أدينا واجبنا, فإن انتفعوا بالموعظة وانتهوا عما هم فيه فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا, ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون: لعلهم بهذا الإنكار أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته, ولعل هذا النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى, فيتقون ما هم فيه ويتركونه، ويتوبوا من معصيتهم لربهم، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت, ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم فأنجاهم في الدنيا والآخرة (114).
عاشراً: استنزال الرحمة من الله
إن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب تنزل الرحمة على العباد القائمين بذلك, قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة : 71].
ففي قوله تعالى: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾, أي: أصحاب الصفات المذكورة في الآية ومن هذه الصفات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات»(115).
وجاء في الحديث عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معلم الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحار"(116).
وعن أبي أمامة الباهلي قال ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير"(117).
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى: «أي يستغفرون لهم طالبين لتخليهم عما لا ينبغي ولا يبق بهم من الأوضار والأدناس لأن بركة علمهم وعملهم وإرشادهم وفتواهم سبب لانتظام أحوال العالم وذكر النملة والحوت بعد ذكر الثقلين والملائكة تتميم لجميع أنواع الحيوان على طريقة الرحمن الرحيم وخص النملة والحوت بالذكر للدلالة على إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم كما قال بهم تنصرون وبهم ترزقون حتى أن الحوت الذي لا يفتقر إلى العلماء افتقار غيره لكونه في جوف الماء يعيش أبدا ببركتهم»(118).
ولاشك أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يدخل في هذا الجزاء العظيم؛ كونه ممن يعلمون الناس الخير ويرشدونهم إلى ما ينفعهم, ويبصرونهم بنور ربهم, وينهونهم عما يضر بهم في دنياهم وأخراهم.
حادي عشر: الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة
ومن أهم الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلاح القائمين به وفوزهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:104].
فعلق فلاحهم بهذا العمل العظيم, ففلاح هذه الأمة ونجاحها لا يكون متحققاً إلا بقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أمرها ربهها في هذه الآية.
قال السعدي: «﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المدركون لكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب, ويدخل في هذه الطائفة أهل العلم والتعليم، والمتصدون للخطابة ووعظ الناس، عموما وخصوصا، والمحتسبون الذين يقومون بإلزام الناس بإقامة الصلوات، وإيتاء الزكاة، والقيام بشرائع الدين، وينهونهم عن المنكرات, فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم، أو على وجه الخصوص، أو قام بنصيحة عامة أو خاصة، فإنه داخل في هذه الآية الكريمة»(119).
فلا فلاح للأمة, ولا نجاح للبشرية، إلا أن يسود فيها الخير، ويوجد فيها من يدعو إليه, حتى يكون المعروف معروفاً، والمنكر منكراً .. وهذا يقتضي وجود العدد الكفائي الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى تكون سلطة الخير والمعروف هي السائدة فيهم.
وعندما نعت الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة فقد خصه بأفضل صفاته وهي أمره لأتباعه بالمعروف ونهيه لهم عن المنكر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الأعراف:157].
بين سبحانه أن أتباعه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المنجحون عند الله, وهذا لا يتم إلا بتحليهم بهذه الصفة التي وصف بها متبوعهم صلى الله عليه وسلم وهذا هو طريق الفلاح.
فمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد ترك طريق الفلاح واتجه في طريق الخسران والهلاك كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر:1-3].
قال الشيخ السعدي: «ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات:
الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به, والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده الواجبة والمستحبة, والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه, والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة, فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم»(120).
والفلاح مكسب عظيم للإنسان, فهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فأما في الدنيا فيكون بالحياة الطيبة، بما فيها سعة الأرزاق، وصحة الأبدان، والأمن في الأوطان، وصلاح الأهل والولد، والتوفيق إلى فعل الخير, وغير ذلك من جوانب الحياة الطيبة التي ينشدها كل فرد, وأما في الآخرة فهو الفلاح الأبدي, ويكون بالنجاة من العذاب الأليم, والفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، والحصول على مرضاة الله عز وجل, ولذة النظر إلى وجهه الكريم.
ويصور لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر في حديث القوم الذين استهموا على سفينة أنهم إن قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك بالأخذ على أيدي العابثين الذين يريدون خرق السفينة ومنعهم من ذلك, فإنه يكون سبباً في نجاتهم جميعاً, فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا"(121).
قال الإمام بدر الدين العيني: «قوله: "وإن أخذوا على أيديهم" أي: وإن منعوهم من الخرق "نجوا" أي: الآخذون "ونجوا جميعا" يعني جميع من في السفينة ولو لم يذكر قوله ونجوا جميعا لكانت النجاة اختصت بالآخذين فقط وليس كذلك بل كلهم نجوا لعدم الخرق وهكذا إذا أقيمت الحدود وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر تحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيره بترك الإقامة»(122).
ثاني عشر: إصلاح حياة الأمة بجميع جوانبها (الديني, الاجتماعي, الأخلاقي, السياسي, الاقتصادي, الصحي, الإعلامي)
أ- أثره في الجانب الديني
إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر(123), وإنّ من أهم الآثار التي يحققها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي هداية الإنسان فرداً كان أم مجتمعاً فيتعمق الإيمان بالله تعالى في العقول والقلوب، وتتوثق الصلة مع الله تعالى والتي تضفي السكينة والطمأنينة على جميع جوارح الإنسان ومقوّمات شخصيته في الفكر والعاطفة والسلوك، فيتحرر من الضلال والعمى والحيرة, ومن مظاهر الضياع والتخبط، ويتخلص من الأوهام والخرافات، ويتوجه إلى الله تعالى مستمداً منه العون والإسناد، فيستشعر الأمان والصفاء وهو عميق الصلة بخالقه، وتستقيم نفسه ومشاعره, هذه الهداية تجعله يحكّم مفاهيم الإسلام وقيمه في عقله وقلبه وإرادته؛ لتكون الأفكار والعواطف والممارسات العملية مطابقة للمنهج الإلهي في الحياة، عن طريق إقامة فرائض الدين القويم وشريعته السمحاء(124), وهو كذلك دليل على كمال الإيمان وحسن إسلام المرء ودليل على استجابته لأمر الله تعالى القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[الأنفال:24], وهو كذلك دليل على محبة الله تعالى ومحبة شريعته,كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:31], فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنه من المحبين, فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت, فإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الحاملة على ذلك فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر(125).
ب- أثره في الجانب الاجتماعي
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن قام به المجتمع فانه يحقق الأمن والسلام والطمأنينة، فيقضى بواسطة أدائه على جميع ألوان العدوان والاضطهاد والاستغلال، ويتحقق العدل، وتتعمق الأواصر الإسلامية، ويتوحد الصف الإسلامي في ضوء وحدة العقيدة ووحدة السلوك ووحدة المصالح ووحدة المصير، ويعيش المجتمع حياة الإخاء والتعاون والتآزر والتكاتف والتناصر, وتحفظ كرامة الإنسان وحريته، ويتم الحفاظ على سلامة الأرواح والأعراض والأموال فيعيش الناس آمنين مطمئنين(126).
وكذلك فإن تعاون أبناء المجتمع الواحد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة القائمين بهذه الفريضة يعد من أسباب فلاح هذا المجتمع وتكاتف أهله، فيعيشون بقلب واحد ونفسية واحدة.
ج- أثره في الجانب الأخلاقي
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكوّن الرّأي العامّ المسلم الحرّ الّذي يحرس آداب الأمّة وفضائلها وأخلاقها وحقوقها ويجعل لها شخصيّة وسلطانا هو أقوى من القوّة وأنفذ من القانون(127), فيتربى المجتمع على التمسك بالفضائل, ونبذ الرذائل, ولا يسمح بظهور المعاصي والمنكرات, فتضيق أبواب الفواحش, ويحقر أصحاب الفجور, وتضعف شوكتهم, لوجود المجتمع الذي يرفض جميع مظاهر الفساد, والذي يكف أهل العصيان عن معصيتم, ويردع أهل الفجور عن فجورهم, فيأمن الناس على أعراضهم, ويعمّ الخير والصلاح , ويتعامل الناس بأخلاق الإسلام في جميع مرافق الحياة.
د- أثره في الجانب السياسي
إن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أثر كبير في الجانب السياسي وذلك بتوجيه من لهم القرار في السلطة للشعور بالمسؤولية أمام خالقهم، وإيصال عدول الفقهاء إلى موقعهم الريادي، وتطبيق حكم الله في الأرض طبقاً لقواعد الشريعة، وزوال الفوارق بين الحكام والمحكومين، والتآزر من أجل الأهداف الواحدة، ومنع المنحرفين والمفسدين من الوصول إلى المراكز الحساسة في السلطة السياسية(128).
وكذلك منع المفسدين من العبث بالأموال العامة واستنزافها في مصالحهم الخاصة, وردعهم من استغلال الوظائف والمناصب العامة في أغراضهم الشخصية, والوقوف في وجه من يريدون من المجتمع المسلم الانجرار وراء القوانين الوضعية التي تتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية, ورفض أي تشريع برلماني, أو قانون بشري, أو مادة دستورية تخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ورد الأمر عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
هـ- أثره في الجانب الاقتصادي
ومن آثاره في الجانب الاقتصادي المحافظة على توازن اقتصاد الأمة حتى لا يعبث به السفهاء, وذلك بصرف الأموال في مصارفها, ومنع احتكارها في فئة قليلة من الناس, فالمال قوام الحياة وقد نهانا الله عز وجل أن نسلمه إلى أيدي السفهاء قال سبحانه: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾[النساء:5], هؤلاء السفهاء لا يعرفون قدر هذا المال, فإتاحة الفرصة لهم للتصرف في هذا المال بحرية كاملة يوقع الأمة في أزمات اقتصادية كبيرة, فإذا وجد في الأمة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعلم الناس وسطية الإسلام في تيسير معاشهم دون تفريط أو إفراط امتثالاً لقول الله جل وعلا: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأعراف:31], كان ذلك سبباً في إصلاح هذا الجانب.
ومن آثار القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الجانب محاربة الربا الذي فشا في كثير من المجتمعات الإسلامية, وظهرت لأجله الكثير من البنوك التي تتعامل بالربا الذي يعد من أهم أسباب الانهيار الاقتصادي, فوجود الرقابة الشرعية أمر متحتم لضبط الخلل في هذا الجانب, ولا بد كذلك من وجود متخصصين من أبناء الأمة يبينون أمر الله عز وجل في تفاصيل كثيرة في هذا الجانب قد لا يعرفها عامة الناس.
و- أثره في الجانب الصحي
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دور كبير في إصلاح هذا الجانب الهام في حياة المسلمين إما
بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, فإذا تربى المجتمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وُجد الطبيب المخلص الذي يخاف الله ويخشاه, فيقوم بواجبه بالشكل المطلوب, ويستشعر المسؤولية أمام خالقه, وتؤدي المستشفيات والمراكز الصحية دورها الهام الذي قامت لأجله, ويشجع هذا الجانب من قبل صانعي القرار في الأمة, وتسخر الطاقات العلمية في مواقعها المناسبة, وتعطى الكوادر الطبية مكانتها اللائقة بها, ويضفي الخير على هذا الجانب, ويتضاءل الشر والفساد في المرافق الصحية.
ومن ناحية أخرى فللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دور كبير في إصلاح هذا الجانب من عبث العابثين الذين يتطفلون على مهنة الطب بغير علم, ويعبثون بأجساد الناس وأرواحهم, فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن"(129). وكم هم اليوم الذين يتطببون بغير علم, فلا بد من ضبط المفسدين في هذا الجانب برقابة مشددة تحد من التساهل في ذلك.
ي- أثره في الجانب الإعلامي
الإعلام -كما يقولون- سلاح العصر, وهو سلاح ذو حدين, يستخدم لنصرة الحق أو لنصرة الباطل, ولا يخفى علينا جميعاً دور الإعلام اليوم في بناء الأفكار, وصناعة القرار على مستوى الأفراد والمجتمعات, كونه يتنوع بأشكال مختلفة كالقنوات الفضائية, والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت, فيسهل وصوله إلى جميع الناس بمختلف مستوياتهم, فإذا وجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في هذا المجال وجد الإعلام الهادف الذي ينقل الواقعة على حقيقتها, ويسعى في نشر الخير بين المسلمين, وينضبط بضوابط الشرع, بل إن هذا النوع من الإعلام الصادق في أهدافه, القائم على هدىً من الله, يؤدي وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وما بعض القنوات الإسلامية إلا نموذجاً لهذا النوع من الإعلام الذي يفتح باباً واسعاً من أبواب الدعوة إلى الله تعالى, يصل خيره إلى كل أسرة وكل بيت وكل فرد في المجتمع, لتحقيق الهدف الأسمى بإصلاح العباد والبلاد, وربط الناس بخالقهم جل وعلا, وصياغة الشخصية المسلمة المتوازنة.
المطلب الرابع: عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عرفنا سابقاً الآثار والفوائد التي تجنيها الأمة عند قيامها بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومما لاشك فيه أنه بتركها لهذه الشعيرة العظيمة تظهر الكثير من العواقب الوخيمة, والأضرار الجسيمة في حياة الأمة, سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم المجتمعات, هذه العواقب منها ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة, وسوف نذكر في هذا المطلب بعضاً من هذه العواقب في النقاط التالية:
أولاً: ظهور الذنوب والمعاصي وانتشار جميع أنواع المنكرات
إن السكوت عن قول كلمة الحق أو التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُجَرِّئُ أهل الباطل على نشر باطلهم, ويشجع أهل الفجور على التمادي في فجورهم, ولذلك «فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس»(130), فهو بسكوته يعين على نشر المنكرات والمعاصي, بل ويشاركهم في وزرهم إن كان قادراً على التغيير ولم يقم بذلك, وما ظهرت هذه الذنوب والمعاصي في أي أمة إلا بسبب سكوت أهل الحق وتخليهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانياً: استعلاء أهل الشر والفساد وسيطرة الأشرار على مقاليد الأُُمور
ومن عواقب التخلي عن أداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ازدياد عدد المنحرفين وأهل الشر والفساد في الأرض, وانحسار عدد الصالحين وأهل الخير والتقى, وبازدياد عدد المفسدين والأشرار وانحسار عدد المصلحين والأخيار تكون الأجواء والظروف مهيأة لأهل الفجور للتمادي في انحرافهم وشرّهم وإفسادهم لعباد الله, وذلك لغياب من يردعهم، ومن يقف في وجوههم ليصدهم عن شرهم وفسادهم، حيث يأمنون من عدم الاعتراض وعدم الملاحقة، فتنطلق إرادتهم الضعيفة أمام الشهوات، وأنفسهم الشريرة من عقالها، فيعملون ما يحلو لهم، ثم يكون الأمر لهم ليسيطروا على مقاليد الأمور، ويوجهون الناس حسبما يرون ويشاءون، وتكون الكرّة لهم لملاحقة ومطاردة الأخيار والصالحين في جميع ميادين الحياة، ولا يبقى للأخيار والصالحين أي منفذٍ للنجاة أو النهوض بالأمر من جديد، فيعيشون الذل والامتهان إضافة إلى الأذى والتعذيب، وأعظم من ذلك تخلي الرعاية الإلهية عنهم، وعدم استجابة الله تعالى لدعائهم(131).
وإذا علا الفجار والأشرار في المجتمع كان ذلك بداية للدمار والخراب كما أُثر عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «توشك القرى أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة، قال إذا علا فجارُها أبرارَها وساد القبيلةَ منافقوها»(132).
قال الإمام السعدي رحمه الله في كلامه عن عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أوَّلا»(133).
ثالثاً: انتفاء وصف الخيرية عن الأمة
ومن عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, زوال وصف الخيرية عن الأمة, لأنهم لم يستحقوا الثناء والمدح إلا لتحققهم بهذا الفعل, فإذا انتفى عنهم القيام بهذه الفريضة ينتفي عنهم الوصف بالخيرية, لأن انتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم, قال الإمام القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به, فإذا تركوا التغيير وتواطأوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببا لهلاكهم»(134).
وأي خير يبقى للأمة إن تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والذي به يظهر الحق ويزهق الباطل, وما أحسن ما تكلم به ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين عن حال هؤلاء, قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-:«وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك, وحدوده تضاع, ودينه يترك, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها, وهو بارد القلب, ساكت اللسان, شيطان أخرس, كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق, وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين, وخيارهم المتحزن المتلمظ ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلوب فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل»(135).
رابعاً: الهزيمة أمام الأعداء
من سنن الله تعالى أنه ينصر من ينصر دينه, وعلى العكس من ذلك فإن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب الهزيمة أمام الأعداء, وذلك أن الساكت عن قول كلمة الحق إما أنه ممن ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾[النساء:77], وإما أنه قد انهزم أمام نفسه, واستسلم لهواه وشهواته, وأصبح لا يتمعر وجهه لمحارم الله تعالى, وفي كلا الحالين فهو لا يستحق نصر الله له, وقد مرّ معنا سابقاً حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم، فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ، وما كلم أحدا، ثم خرج، فلصقت بالحجرة أسمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "يا أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني، فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم" ، فما زاد عليهن حتى نزل(136).
فمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخافة المخلوقين الذين لا يملكون ضراً ولا نفعاً نزعت منه الهيبة أمام الأعداء, وهذا ما نراه ونلمسه في واقعنا اليوم من تسلط الأعداء على أمة الإسلام وتوجه السهام إليها من كل حدب وصوب, وفقدان هيبتها أمام أعدائها وما ذلك إلا بتخليها عن منهج ربها وتركها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو صمام أمنها ومصدر عزتها, فإذا خذلت دينها وكتابها كان الجزاء من جنس العمل كما قال سبحانه: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[آل عمران:160].
ومن أعظم درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجهاد في سبيل الله تعالى, الذي تخلى عنه كثير من المسلمين, ولم يحصدوا من وراء ذلك إلا حياة الذل والهزيمة, والاستسلام لأعداء الأمة.
خامساً: سبب لعنة الله
عندما ترك بنو إسرائيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, لعنوا على لسان أنبيائهم, قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة:79,78]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ أي كان لا ينهى أحدٌ منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه»(137) .
وفي هذا المعنى حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ إلى قوله ﴿فَاسِقُونَ﴾[المائدة: 78 -81], ثم قال "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا"(138).
زاد الطبراني: "أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم" قال خلف: "تأطرونه": تقهرونه(139).
ويكون اللعن على في المقام الأول على العلماء والدعاة وطلاب العلم؛ لأنهم المبلغون عن الله, قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «فعلى العالم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره»(140), فتركهم لهذا الواجب وسكوتهم عن ذلك من كتم العلم الذي يجب بيانه للناس, فلقد لعن الله أحبار اليهود ورهبانهم عندما كتموا الحق الذي عرفوه في كتبهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يبينوا ذلك لأتباعهم فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾[البقرة:159].
وقد استدل العلماء بهذه الآية على وجوب تبليغ العلم, وإظهار الحق للناس, دون أخذ الأجرة عليه، إذ لا يستحق الأجرة على ما يجب عليه فعله، كما لا يستحق الأجرة على الإسلام(141).
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «قوله : ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخر الآية فيه الإخبار بأن الذي يكتم ذلك ملعون، واختلفوا مَن المراد بذلك؟ فقيل أحبار اليهود، ورهبان النصارى، الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل كل من كتم الحق ، وترك بيان ما أوجب الله بيانه، وهو الراجح؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول ، فعلى فرض أن سبب النزول ما وقع من اليهود، والنصارى من الكتم، فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية كل من كتم الحق , وفي هذه الآية من الوعيد الشديد ما لا يقادر قدره ، فإن من لعنه الله، ولعنه كل من يتأتى منه اللعن من عباده، قد بلغ من الشقاوة، والخسران إلى الغاية التي لا تلحق، ولا يدرك كنهها»(142) .
سادساً: نزول العقوبات العامة
كما علمنا سابقاً أن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدفع العقوبات والمصائب عن العباد, ويكون سبباً في نجاتهم, فعلى العكس من ذلك يكون التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبباً في جلب المصائب والعقوبات, وقد يكون سبباً في هلاكهم, ولو شاء الله أن يحاسب الناس على أفعالهم في الدنيا لما نجا أحد من عذاب الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرا﴾ً[فاطر:45], فالله سبحانه يعفو عن الكثير من ذنوب عباده بمنه وحلمه وكرمه.
وهذه السنن جارية في العباد أفراداً ومجتمعات, فلا تنزل مصيبة بعبد إلا بسبب ذنب اقترفه أو معصية وقع فيها فعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر", قال: وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾[الشورى:30] (143).
هذا إذا كانت العقوبة متعلقة بالعبد بسبب بعده عن الله أو وقوعه في بعض الذنوب والمعاصي, فكيف إذا ظهرت الذنوب والمعاصي أمام الملأ, ومارسها بعض الناس جهاراً نهاراً, كما نراه اليوم ونسمعه في بعض المجتمعات, التي أصبحت فيها المنكرات تنتشر بطرق رسمية, وتهيأ لها الأجواء المناسبة, ويحاط أهلها بالعناية والرعاية, ليكون لهم الحرية الكاملة في إفساد الناس, تحت غطاء الحرية الشخصية, أو التعبير عن الرأي, أو غير ذلك من الشعارات المغلوطة ولا حول ولا قوة إلا بالله, وقد حذر الله سبحانه عباده المؤمنين من القعود عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أو التراخي عن الدعوة وإرشاد الناس إلى الخير فيكون ذلك سبباً في وقوع الفتنة التي لا تختص بمن يمارسها من العاصين دون الطائعين بل تتعدى هؤلاء الواقعين في المنكر لتعمّ الصالح والطالح كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال:25].
قال ابن عباس رضي الله عنه: «أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب»(144).
قال الإمام الشنقيطي: «والتحقيق في معناها أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم وطالحهم وبه فسرها جماعة من أهل العلم والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك»(145).
وقد يقال: كيف يعم العذاب الصالح والطالح والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[الأنعام:164], فكيف يؤاخذون بجريرة غيرهم؟؟.
والجواب: أن ظهور هذه المعاصي والمجاهرة بها كان بسبب سكوت الصالحين عن إنكارها مع كونهم قادرين على تغييرها والحيلولة دون وقوعها, فيعتبر ذلك السكوت -الذي لا مبرر له- من علامات الرضا والإقرار بالمنكر.
فمثلهم كمثل المجموعة الذين أرادوا خرق السفينة في نصيبهم وليس في نصيب الآخرين، ويبدو قصدهم حسناً، وهو عدم إيذاء جيرانهم، ولكن الهلاك لم يقتصر على من باشر الخرق، وإنما هو عام لكل ركاب السفينة، وهكذا فاعلو المنكر قد يظن من لم يفعل المنكر مثلهم، أنه سينجو من العقاب الذي ينزله الله بهم، ولو سكت عن منكرهم فلم ينكره، ولكن العقاب النازل بسبب فعلهم لا يخصهم، وإنما يعم معهم غيرهم، لعدم قيام المجتمع بتغيير ذلك المنكر(146).
قال الشهيد سيد قطب رحمه الله: «والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره -وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه للحياة- ولا تقف في وجه الظالمين, ولا تأخذ الطريق على المفسدين, جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين.. فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع ( فضلا على أن يروا دين الله لا يتبع؛ بل أن يروا ألوهية الله تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها!) وهم ساكتون, ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون!»(147).
وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث التي تبين أن العذاب يعم المجتمع برمته إذا ظهرت المعاصي بين فئة منهم مع سكوت الآخرين القادرين على تغييرها, وتخليهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان الآخرون صالحين, فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب"(148), وفي رواية: "هم أكثر وأعز ممن يعمل بها"[149).
وعنه أيضاً -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا"(150), وفي رواية "بعقاب"(151) بدلاً من لفظة "بعذاب".
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى الله: «"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي" أي: وهم ممن لم يعمل بها بل عمل بها غيرهم "هم أعز" أي: أمنع "وأكثر ممن يعمله ثم لم يغيروه إلا عمهم الله منه بعقاب" لأن من لم يعمل إذا كانوا أكثر ممن يعمل كانوا قادرين على تغيير المنكر غالبا فتركهم له رضا بالمحرمات وعمومها وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح»(152).
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه" قالت: وفيهم أهل طاعة الله عز وجل؟ قال: نعم ثم يصيرون إلى رحمة الله تعالى"(153).
وفي رواية عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب، قلت: يا رسول الله، أما في الناس يومئذ ناس صالحون، قال:بلى، قلت: فكيف يصنع أولئك؟، قال:يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان"(154).
وعن زينب بنت جحش رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (155).
وعن قيس بن أبي حازم قال قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾[المائدة:105], وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه"(156).
وفي رواية أخرى " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"(157).
قال صاحب مصابيح التنوير في شرح هذا الحديث: «"إن الناس" المطيقين لإزالة الظلم مع سلامة العافية "إذا رأوا الظالم" أي: علموا بظلمه "فلم يأخذوا على يديه" أي: لم يمنعوه من الظلم بفعل أو قول. قال ابن جرير: وخص الأيدي لأن أكثر الظلم بها كقتل وجرح وغصب "أوشك" بفتح الهمزة والشين أي: قارب أو أسرع "أن يعمهم اللّه بعقاب منه" إما في الدنيا أو الأخرى أو فيهما لتضييع فرض اللّه بغير عذر وزاد قوله "منه" زيادة في التهويل والزجر والتحذير وقد أفاد بالخبر أن من الذنوب ما يعجل اللّه عقوبته في الدنيا ومنه ما يمهله إلى الآخرة والسكوت على المنكر يتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات وركوب الذل من المظلمة للخلق وقد تبين بهذا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية لا عين، إذ القصد إيجاد مصلحة أو دفع مفسدة لا تكليف فرد فرد فإذا أطبقوا على تركه استحقوا عموم العقاب لهم وقد يعرض ما يصيره فرض عين»(158).
ثم قال في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم أنفسكم": «فمعناه إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم وفيه تحذير عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن؟ فكيف بمن رضي فكيف بمن أعان؟! نسأل اللّه السلامة»(159).
وهذا يبين سنة من سنن الله تعالى في الأمم والمجتمعات فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فينهض من يدفع عنها وينكر المنكر هي أمة ناجية لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، أما الأمة التي يظلم فيها المستبدون ويفسد فيها المفسدون فلا يكون فيها من ينكر المنكر ويجابه الفساد أمة مهددة بالدمار والعقاب العام فالأخذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان وسبب نجاة للجميع(160).
والعقاب الإلهي له مظاهر وألوان مختلفة، فقد يكون بنزع البركات والخيرات، وقد يكون بنزول الآفات السماوية، أو إذاقة البعض بأس البعض الآخر, أو الزلازل والبراكين, أو بالخسف والمسخ, وما يعلم جنود ربك إلا هو, نسأل الله أن يجنبنا سخطه وعقابه.
سابعاً: عدم استجابة الدعاء
ومن عواقب ترك هذه الفريضة عدم استجابة الدعاء, فعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم"(161).
قال المباركفوري: «والمعنى: والله إن أحد الأمرين واقع إما الأمر والنهي منكم وإما إنزال العذاب من ربكم ثم عدم استجابة الدعاء له في دفعه عنكم بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان فإن كان الأمر والنهي لم يكن عذاب وإن لم يكونا كان عذاب عظيم»(162).
وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم "(163).
قال المناوي رحمه الله: «"مروا بالمعروف" أي بكل ما عرف من الطاعة من الدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس "وانهوا عن المنكر" أي المعاصي والفواحش وما خالف الشرع من جزيئات الأحكام, وعَرَّفَهُما إشارة إلى تقررهما وثبوتهما»(164).
ومما يدل على ذلك أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم، فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ، وما كلم أحدا، ثم خرج، فلصقت بالحجرة أسمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "يا أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني، فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم" ، فما زاد عليهن حتى نزل(165).
قال الإمام المناوي رحمه الله: «وأخذ الذهبي من هذا الوعيد أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكبائر قال ابن العربي: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل في الدين وعمدة من عمد المسلمين وخلافة رب العالمين والمقصود الأكبر من فائدة بعث النبيين وهو فرض على جميع الناس مثنى وفرادى بشرط القدرة والأمن»(166).
وروى الإمام أحمد رحمه الله عن حذيفة رضي الله عنه أنه كان يقول لبعض أصحابه: «إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير منافقا وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر وَلَتَحَاضُّنَّ على الخير أو لَيُسْحِتَنَّكُمْ الله جميعا بعذاب أو لَيُؤَمِّرَنَّ عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم»(167).
وقال بعض السلف: «إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله بان ترى ما يسخطه فتجاوزه ولا تأمر ولا تنهى خوفا ممن لا يملك ضرا ولا نفعا... من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخافة المخلوقين نزعت منه هيبة الله تعالى فلو أمر بعض ولده أو بعض مواليه لا ستخف به فكيف يستجاب دعاؤه من خالقه؟»(168).
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقومون بهذه الفريضة على أكمل وجه, لا يخافون في الله لومة لائم, ونقلت عنهم الكثير من التوجيهات والتحذيرات من التفريط في هذا الأمر من ذلك ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجلّ كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم، ويستنصرون فلا ينصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم»(169).
ثامناً: الخسران في الدنيا والآخرة
كما علمنا سابقاً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب الفلاح في الدنيا والآخرة فعلى خلاف ذلك يكون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب الخسران في الدنيا والآخرة, فلقد أقسم الله عز وجل في كتابه الكريم أن كل إنسان في هذه الدنيا في خسارة، إلا من حقق مراتب أربعة ذكرها الإمام ابن القيم عند قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر:1-3].
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن المراتب أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله إحداها: معرفة الحق, الثانية: عمله به, الثالثة تعليمه من لا يحسنه, الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر إن كل أحد في خسر ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة, ﴿وعملوا الصالحات﴾ وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى, ﴿وتواصوا بالحق﴾ وصى به بعضهم بعضا تعليما وإرشادا فهذه مرتبة ثالثة, ﴿وتواصوا بالصبر﴾ صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات فهذه مرتبة رابعة»(170).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «﴿وتواصوا بالحق﴾ وهو أداء الطاعات وترك المحرمات ﴿وتواصوا بالصبر﴾ أي على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر»(171).
فهذه السورة القصيرة في آياتها, الواسعة في مدلولاتها قد جمعت الكثير من أصول الدين ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله:«لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم»(172).
ويظهر خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للاعتبار والتفكر في بيان حال الناس مع هذه الفريضة, ففي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا"(173).
فقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن يتركوهم وما أرادوا" أي: فإن يترك الذين سكنوا فوقهم إرادة الذين سكنوا تحتهم من الخرق.. "هلكوا جميعا" أي: كلهم الذين سكنوا فوق والذين سكنوا أسفل لأن بخرق السفينة تغرق السفينة ويهلك أهلها(174).
ويظهر التشبيه وضرب المثل في هذا الحديث بمعرفة عدة فوائد منها:
الأولى: أن سكوت أصحاب السفينة عن شركائهم الذين أرادوا خرقها سبب هلاكهم في الدنيا، فكذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الدنيا بنزول العقوبة العامة وفي الآخرة بالعذاب الأليم.
الثانية: أن تحجج المفسدين بقولهم إنما نخرق في نصيبنا، لا ينجي أصحاب السفينة من الهلاك, فكذلك قول مرتكب المنكر: إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، ولي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام مما يجري على ألسنة الجاهلين، فهذا لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة وذلك لأن شؤم فعله وسوء عاقبته فساد يشملهم أجمعين.
الثالثة: أنه إذا قام أحد الشركاء في السفينة بمنع المفسدين من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم، كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائمًا بفرض الكفاية عنهم، وكان سببًا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم، وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك.
الرابعة: أنه إذا أنكر مُنْكِر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها، فاعترض عليه معترض منهم، نسب ذلك المُعترض إلى الحمق وقلة العقل، والجهل بعواقب هذا الفعل، إذ المُنكِر ساعٍ في نجاة المُعترض وغيره، كذلك لا يعترض على من ينكر المُنكَر إلا من عظم حمقه وقل عقله، وجهل عواقب المعصية وشؤمها، إذ المُنكِر قائمٌ بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره، وساع في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.
الخامسة: أن من سكت عن خرق الشريك السفينة مع استطاعته حتى غرق آثم فيما نـزل به، وعاص بقتل نفسه، كذلك الساكت عن إنكار المنكر آثم بسكوته، عاص بإهلاك نفسه.
السادسة: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء، ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره، ولا الصالح منهم من الطالح، كذلك إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره، ولا بين الصالح منهم وغيره كما سيأتي.
السابعة: أنه لا يقدم من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق، يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح، ويجهل عاقبة فعله الشنيع، كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه، وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العاقبة، إذ لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصيته من الفساد ما يفعله خارق السفينة؛ لما أقدم على المعصية أبدًا.
الثامنة: أنه لا يقدم على خرق السفينة من آمن يقينًا بما في خرقها من هلاكه، إذ لا يقدم على إهلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن بوعيد الله تعالى وأليم عذابه على الزنا، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن.(175)
تاسعاً: ظهور الفساد في جميع جوانب الحياة (الديني, الاجتماعي, الأخلاقي, السياسي, الاقتصادي, الصحي, الإعلامي)
أ- الفساد في الجانب الديني
في هذا الجانب يظهر الشرك والبدع وكل مظاهر الخرافات والأوهام, وتتزعزع عقائد الناس ويضعف إيمانهم بالله تعالى وباليوم الآخر, وتتضاءل صلتهم بالله تعالى, ويقل الوازع الديني في قلوبهم, ويكثر الجهل بالدين, ويندرس العلم, وتتزين المعصية في صدور الناس, لعدم وجود من يقبح الفعل وينكره أمام العصاة, بل قد يصبح الحق باطلاً والباطل حقاً, والمعروف منكراً والمنكر معروفاً, ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يفتونهم بحسب هواهم وأمزجتهم, فيعيش الناس في حالة من الضلال والعمى والحيرة, وتظهر عليهم مظاهر الضياع والتخبط، ويقعون في شباك الشبهات التي يبثها أعداء الله, ويغرقون أمام الشهوات التي يسعى لنشرها أهل الفجور, ويطبع على القلوب التي تتقبل لهذه الفتن, كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه"(176).
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أول ما تغلبون عليه من الجهاد, الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله»(177), ولما سئل حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه عن ميت الأحياء قال: «الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه»(178).
وهذا من أعظم العقوبات أن يُطبع على القلب فلا يميز بين المعروف والمنكر, بل يصبح تبعاً لهواه, فكثرة الرؤية للمنكرات قد تقوم مقام ارتكابها في سلب القلب نور التمييز والإنكار؛ لأن المنكرات إذا كثر على القلب ورودها، وتكرر في العين شهودها، ذهبت عظمتها من القلوب شيئا فشيئًا، إلى أن يراها الإنسان فلا تخطر بباله أنها منكرات، ولا يميز بفكره أنها معاصي؛ لما أحدث تكرارها من تألف القلب لها،(179) وكما قيل في المثل: «إذا كثر الإمساس قلّ الإحساس»(180).
ب- الفساد في الجانب الاجتماعي
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى انتشار الظلم واستفحاله بين أفراد المجتمع, فتؤكل الأموال بالباطل, ويُستهان بالحقوق, وتضيع الأمانات, وتكثر الخيانات, وتنتهك الأعراض, وتتدابر الوجوه, وتتنافر القلوب, وينتشر الحقد والحسد(181), فتضعف العلاقات الاجتماعية, وتتفكك الروابط بينهم, فيتطاول القوي على الضعيف, ويظهر العدوان والاضطهاد والاستبداد والاستغلال, لعدم وجود الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, فتكثر المعاصي التي من عواقبها الخلاف والشقاق بين المسلمين, والتنافر بين قلوبهم كما أخبرنا بذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم, فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "والذي نفس محمد بيده ما تواد اثنان ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما"(182), وهذا ما نراه ونلمسه اليوم في كثير من المجتمعات التي انعدم فيها الإخاء والتعاون والتآزر والتكاتف والتناصر, فهُدد الناس في أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ونفوسهم, حتى أصبحوا يعيشون حياة الضنك والبؤس والشقاء بسبب بعدهم عن منهج الله تعالى القائل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾[طه:124].
ج- الفساد في الجانب الأخلاقي:
إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى انتشار الرذائل وتقلص الفضائل, فتتسع جوانب الشر, وتظهر الفواحش علناً, ويعم الانحلال الأخلاقي, ويحقر أصحاب الفضل والصلاح, وتضعف شوكتهم, فيصعب عليهم عند ذلك مقاومة المنكرات لكثرتها, ويتفكك كيان الأسرة التي هي نقطة البدء في إصلاح الجيل الناشئ, وتنعدم المروءة بين أفراد المجتمع فلا ينظرون إلى المنكر أنه منكر, ويغتر الناس بالمعصية وتتزين في قلوبهم لعدم إنكار أهل الدين والعلم لها, فيظن بعض الجاهلين أنها ليست بمعصية، قال الشيخ السعدي: «السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه»(183).
فعند ذلك تنبذ في المجتمع الأخلاق الحسنة, وتفقد القيم والمبادئ, ويعيش المجتمع بأخلاق غير أخلاق الإسلام, ويتربى الناس على أخلاق مستوردة ممن لا خلاق لهم ولا دين.
د- الفساد في الجانب السياسي
من عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجال السياسي وصول المنحرفين والمفسدين إلى المراكز الحساسة في السلطة السياسية, فيسوس المسلمين أهلُ الشر والفساد في الأرض, فيحكمون بغير شرع الله تعالى, وتعطل الحدود الشرعية, ويستبد الحاكم, ويوقع رعيته بالمشقة والعنت, وتسوء العلاقة بينه وبين رعيته, ويُوطد لمبدأ الاستسلام والانجرار وراء القوانين الوضعية التي تتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية.
ومن جانب آخر فإن التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى ظهور أنواع كثيرة من المنكرات منها الغش في البيع والشراء ونقص المكيال والميزان الذي يكون عقوبته جور السلطان كما جاء من حديث عبد الله بن عمر قال أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا, ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في بأيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"(184).
هـ- الفساد في الجانب الاقتصادي
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى عواقب وخيمة في الجانب الاقتصادي, وذلك بتسلط الأشرار على زمام الأمور في هذا الجانب, فتنشأ عن ذلك السياسات الاقتصادية الخاطئة التي تقوم على الإفقار والتجويع, بأخذ القروض الكبيرة التي تنهك كاهل البلد, ولتسديدها يتم فرض الضرائب الباهظة على السلع الأساسية التي لا يستغني عنها أي فرد في المجتمع, فتوقع العباد بالمشقة واللهث ليل نهار وراء لقمة العيش, التي لا تكاد تسد الرمق في بعض الأسر التي وقعت ضحية لهذا النوع من الفساد, وعند ذلك يفقد التوازن في اقتصاد الأمة بسبب عبث السفهاء بالأموال العامة, وصرفها في غير مصارفها, بل واحتكار الاستثمار في فئة قليلة من الناس, ويؤدي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك إلى محاربة الشركات والجهات التي تريد النهوض باقتصاد الأمة, ويُضَيّق على المحتسبين من أهل الاختصاص في هذا الجانب, وتنعدم الرقابة الشرعية على البنوك التي تريد أن تتعامل بالربا, وهي لا تعلم أنها تفتح على نفسها حرباً مع الله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:279,278].
و- الفساد في الجانب الصحي
ومن عواقب ترك لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فساد الجانب الصحي في حياة الناس, فلا تقوم المستشفيات والمراكز الصحية بأداء واجبها بالشكل المطلوب, ويصبح هدفها الأول هو جمع الأموال من المرضى, ويفرط أهل الاختصاص في هذا الشأن بواجبهم أمام خالقهم, ويروج المفسدون للأدوية الفاسدة, وتحتكر بعض العقارات الطبية لغرض بيعها بمبالغ باهظة, ويتطبب من ليس بطبيب, وينتحل هذه المهنة من ليس أهلاً لها, وتفتح المراكز العلاجية دون رقابة من أهل الاختصاص, ويسمح للجهات الأجنبية بفتح مراكز مشبوهة تحت مسمى (العلاج بالمساج) الذي هو في الحقيقة دعوة إلى الرذيلة والفاحشة كما هو حاصل في بعض الدول الإسلامية, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن جانب آخر فإن بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستفحل الشر والرذيلة وتظهر الفاحشة, ويجاهر أهل المعاصي بمعاصيهم وفجورهم, وعند ذلك تظهر الأمراض والأوبئة عقوبة من الله عز وجل, وهذا ما حذر منه رسولنا صلى الله عليه وسلم وتنبأ به فعن عبد الله بن عمر قال أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: "يامعشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن", وذكر منها: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا"(185).
وكم هي الأمراض والأوباء والأوجاع التي ظهرت في عصرنا مما لم يعرفه أسلافنا الذين مضوا, هذه الأمراض الخطيرة كالزهري والسيلان والهيربس والإيدز وغير ذلك كثير, بسب انتشار الفواحش وظهور الانحلال الخلقي في المجتمعات ويرجع السبب الأصلي في ذلك إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ي- الفساد في الجانب الإعلامي
كما أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دوراً كبيراً في إيجاد الإعلام الهادف, فعلى العكس من ذلك يكون من عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظهور الإعلام الفاسد, الذي يدمر ولا يعمر, ويهدم ولا يبني, ويفسد ولا يصلح, ويفرق ولا يوفق, هذا الإعلام الذي يزيف الحقائق, ويقلب الوقائع بحسب أهواء وأمزجة أهل الفجور والشر, ليكون معول هدم في الأفراد والمجتمعات, ويسعى لتحقيق الأهداف الخبيثة التي رسمها أعداء الأمة, ويأتي بالكذبة التي تبلغ الآفاق في لحظات.
هذا النوع من الإعلام هو ما نراه ونلمسه اليوم من وسائل إعلامية متعددة صوبَت سهامها الخبيثة لهجمة شرسة على هذه الأمة من أجل هدم أخلاقها, وسلخها من عقيدتها, وتغيير ثوابتها, هذا الإعلام الفاسد الذي يبث الشبهات حول الإسلام, وينال من علماء الأمة ويحقر من شأنهم, ويزعزع العلاقة بين أفراد المجتمع, ويفكك كيان الأسر, ويجمع أنواع الشر من جميع أقطار الأرض, ليمطرهم بتلك المناظر المخزية, والصور العارية والمسلسلات الفاضحة, بل ويعترض على أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم, فالسكوت عن قول كلمة الحق والتخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المجال هو الذي جَرَّأ أهل الفجور من التطاول على كتاب الله تعالى, والتطاول على رسوله صلى الله عليه وسلم, وتصدر أهل الأهواء للإفتاء في مسائل الدين, والتقول على الله بغير علم, فكيف يمكن لجيل أن ينهض أو يرتقي وقد أصبح أسيراً لهذا النوع من الإعلام الفاسد الذي أفسد جميع مجالات الحياة.
خاتمة:
وبعد أن عرفنا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة, وفضيلته في شريعتنا, والآثار المترتبة على القيام به, والعواقب التي تجنيها الأمة من تخليها عن ذلك, علنا نكون قد عرفنا شيئاً من حكمة الشارع من هذه الفريضة العظيمة, فالدين هو إما أمر وإما نهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم هو الأمر بالمعروف, والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر, وهي المهمة التي ابتعث الله لها جميع الأنبياء للقيام بها على أكمل وجه, فكان لا بد لأَتْباع الأنبياء أن يسيروا على هذا الطريق, ليبرهنوا على صدق إيمانهم واستجابتهم لخالقهم, حتى ينالوا الخيرية التي وصفت بها هذه الأمة, هذه الفريضة التي يكفر بها المسلم عن خطاياه, بل وتكون سبباً من أسباب دخوله الجنة ونجاته من النار.
بهذه الفريضة تقام الملة والشريعة ويحفظ الدين ويعلو الحق وينتشر العدل ويرفع الجور والظلم بين العباد, فتزول كل عوامل الشّرّ والفساد وتثبّت كل معاني الخير والصّلاح في الأمّة, ويبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين, فيُشد ظهر المؤمنين وتقوى عزائمهم وتُرغم أنوف المنافقين وتضعف معنوياتهم, ويُمَّكن لهذه الأمة في الأرض وتنتصر على أعدائها, ويُدفع عنها العقوبات وتنجو من عذاب الله, وينتفع الخلق وتقام الحجة عليهم, وتستنزل الرحمة من الله تعالى, وتصلح حياة الأمة بجميع جوانبها, الدينية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية, والاقتصادية, والصحية, والإعلامية, ويكون الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
وبترك الأمة لهذه الشعيرة تظهر الذنوب والمعاصي وتنتشر جميع أنواع المنكرات, ويستعلي أهل الشر والفساد ويسيطر الأشرار على مقاليد الأُُمور, وينتفي وصف الخيرية عن الأمة, وتهزم أمام أعداءها, وتتسبب في لعنة الله لها, فعند ذلك تنزل العقوبات العامة التي تعم الصالح والطالح, وتفسد حياة الأمة بجميع جوانبها الدينية, والاجتماعية, والأخلاقية والسياسية, الاقتصادية, والصحية, والإعلامية, وإذا لجأت إلى ربها بالدعاء فأنى لها أن يستجيب لدعائها, وقد تخلت عن الاستجابة لدينه, فتكون بذلك قد جنت على نفسها الخسران في الدنيا والآخرة..
هذا ما تيسر جمعه في فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والآثار المترتبة على القيام به, وعواقب تركه, فما أصبت من ذلك فمن فضل الله ومنته, وما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان, وأستغفر الله من ذلك.
ونسأل الله عز وجل أن ينفع به, وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم..
والحمد لله رب العالمين,,
إعداد: رياض عيدروس عبد الله
28/4/1431هـ- 12/4/2010م
مراجعة: د/ قسطاس إبراهيم النعيمي
**
(1) قدم هذا البحث لندوة تقوية الإيمان وزيادته (الدورة السابعة) المنعقدة بجامعة الإيمان بتاريخ 6-8/جماد أولى/1431هـ, الموافق 20-22/ابريل/ 2010م.
(2) إحياء علوم الدين,2/143.
(4) انظر نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم, 3/525, وانظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه), للشيخ الدكتور خالد بن عثمان السبت, ص25.
(6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه), 26.
(7) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم, 3/525.
(8) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم,3/525, 526.
(9) تفسير البغوي، 2/224، وتفسير البيضاوي 3/84، وتفسير الثعالبي، 2/76.
(10) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، 8/146.
(11) أحكام القرآن للجصاص، 2/315.
(12) إحياء علوم الدين، 2/307.
(13) أخرجه مسلم، 1/69 برقم: 49.
(14) شرح النووي على مسلم,1/131.
(15) أخرجه ابن ماجه، 2/1327 برقم: 4004، وأحمد في المسند، 6/159 برقم: 25294، قال شعيب الأرنؤوط: «حسن لغيره»، ومثله قال الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، 2/288 برقم: 2325.
(16) أخرجه الترمذي، 4/468 برقم: 2169، وأحمد في المسند، 5/388 برقم: 23349، قال الألباني: «حسن لغيره»، صحيح الترغيب والترهيب، 2/286 برقم: 2313.
(17) أخرجه أحمد1/ 401, برقم: 3801, واللفظ له, والترمذي 4/524برقم: 2257, وقال: حديث حسن صحيح, قال الشيخ الألباني: صحيح, انظر السلسلة الصحيحة 3/ 371, حديث رقم: 1383.
(18) أخرجه ابن ماجه، 2/1328 برقم: 4007، صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، 2/368 برقم: 3237.
(19) أخرجه مسلم 1/ 74 برقم: 55.
(20) شرح النووي على مسلم, 1/ 144.
(21) أخرجه البخاري 1/31 برقم: 57.
(23) أخرجه البزار، 7/330 برقم: 2927، وقال الألباني: «حسن لغيره»، صحيح الترغيب والترهيب، 1/181 برقم: 741.
(24) أخرجه مسلم، 3/1472 برقم: 1844.
(25) أخرجه مسلم، 1/69 برقم: 50.
(26) أخرجه ابن ماجه، 2/1332 برقم: 4017، قال الألباني :«صحيح»، صحيح سنن ابن ماجة، 2/370 برقم: 3244.
(27) شرح صحيح مسلم، 2/22.
(28) أحكام القرآن للجصاص، 4/154.
(29) إحياء علوم الدين، 2/306.
(30) انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للدكتور ياسر بن حسين برهامي، ص5, بتصرف.
(31) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية, 6/ 337.
(32) دروس صوتية للشيخ سلمان العودة قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية: www.islamweb.net، الدرس 250، ص 16.
(33) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر د. حسين برهامي ص 5.
(34) شرح النووي على مسلم,1/13.
(36) تفسير ابن كثير 4/709.
(37) المعجم الكبير للطبراني,2/ 139.
(38) صحيح البخاري,2/863, برقم: 2314.
(39) صحيح مسلم,4/1999, برقم: 2586.
(40) تفسير ابن كثير, 2/486.
(43) انظر في ظلال القرآن, بتصرف, 1/ 400.
(44) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه), للشيخ الدكتور خالد السبت, ص51.
(45) تفسير ابن كثير,1/519.
(46) أخرجه ابن ماجه,2/1433, برقم: 4288 قال الألباني: (حسن), انظر صحيح ابن ماجة: 2/ 426.
(47) أخرجه الترمذي, 5/226, برقم: 3001, قال الألباني: (حسن), انظر مشكاة المصابيح: 3/ 373.
(49) صحيح البخاري,4/1660, برقم:4281.
(50) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد, 5/ 600, برقم: 9709, واللفظ له, والطبراني في المعجم الكبير,8 / 283, برقم: 8087
وصححه الألباني, انظر السلسلة الصحيحة,7/75.
(51) صحيح ابن حبان,1/343.
(52) أخرجه أحمد في المسند 5/ 375, برقم: 23229, قال الألباني: (صحيح), السلسلة الصحيحة,4/275.
(54) تفسير الطبري, 3/389.
(55) أخرجه مسلم, 14/ 76, برقم: 5150.
(57) أخرجه مسلم, 4/ 47, برقم: 1181.
(58) أخرجه الترمذي, 4/ 339, برقم: 1956, قال الشيخ الألباني: صحيح, انظر صحيح الترغيب والترهيب, 3/14, حديث رقم:2685.
(59) أخرجه مسلم,5 /179, برقم:1676.
(60) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير,2/ 213, وابن حبان صحيحه, 2/ 237, برقم: 374, قال الألباني: (حسن لغيره), صحيح الترغيب والترهيب, 2/ 287, حديث رقم: 2318, وانظر السلسلة الصحيحة 6 / 168, حديث رقم: 2669.
(61) أخرجه مسلم , 5 /178, برقم: 1675.
(62) أخرجه أحمد في المسند, 38/ 89, برقم:17902, قال الألباني: (صحيح), انظر صحيح الترغيب والترهيب,2/ 188, حديث رقم: 1898, وانظر مشكاة المصابيح,2/270, حديث رقم: 3384.
(63) انظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح,10/386, وانظر الفتح الرباني للساعاتي,1/ 53.
(64) انظر التحرير والتنوير,6/ 238.
(65) تفسير ابن كثير,1/307.
(66) أخرجه مسلم,1/ 116, برقم: 31.
(67) أخرجه مسلم,10/ 6, برقم: 3525.
(68) الدر المنثور, 1/764 .
(69) تفسير الطبري,9/ 162.
(70) صحيح البخاري 6/ 2550, برقم:6552.
(72) صحيح مسلم 1/74, برقم: 55.
(74) روه الترمذي 4/471 برقم:2174, وأبو داود,2/527, برقم: 3444، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة1/ 886, برقم:491
(75) سنن أبي داود 2 / 527 برقم: 4344، وسنن ابن ماجه 2 / 1329 برقم: 4011، صححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2 / 369 برقم: 3240.
(76) "كلمة حق عند ذي سلطان جائر", سنن ابن ماجه, 2/1330, برقم: 4012.
(77) عون المعبود, 11/335.
(78) المستدرك, 3/215, وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة1/ 716, برقم: 374.
(80) صحيح مسلم,3/1480, برقم: 1854.
(81) شرح النووي على مسلم 12/243.
(82) أخرجه ابن ماجه 2/ 1332, برقم: 4017, وأحمد 3/ 27, وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن , وابن حبان 16/368, وقال الشيخ الألباني: (صحيح), انظر صحيح ابن ماجة, 2/370, حديث رقم:3244.
(83) جامع العلوم والحكم,1/ 322.
(84) مسند أحمد 3/ 339, برقم: 14694, قال شعيب الأرنؤوط : حديث صحيح وهذا إسناد حسن, وقال الشيخ الألباني: صحيح, انظر السلسلة الصحيحة 1/133, حديث رقم: 63.
(85) الاستقامة لابن تيمية2/256.
(86) من خطبة للشيخ الدكتور خالد المصلح على موقعه.
(88) انظر شعاع من المحراب,1/ 57, د.سليمان بن حمد العودة.
(89) أخرجه أبو داود,13 / 76, برقم:4272, وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة,2/500, حديث رقم:926.
(90) إحياء علوم الدين,3/64.
(91) انظر الآداب الشرعية للمقدسي,1/ 361, بتصرف.
(92) تكلم عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وضرب بعض الأمثلة في كتابه الاستقامة 2/256.
(93) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر بن الخلال,1/78.
(94) أي: بغض الفاسقين, انظر الصحاح للجوهري,6/ 424, والمعجم الوسيط,1/ 495, ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾(المائدة: 8).
(95) الكشف والبيان, أبو إسحاق النيسابوري, 3/ 123.
(96) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, (أصوله وضوابطه وآدابه) للشيخ خالد بن عثمان السبت ص83.
(97) الكشف والبيان,3/123.
(98) في ظلال القرآن,4/ 46, بتصرف.
(99) أضواء البيان,7/ 252.
(100) انظر فتح القدير,3/ 654.
(101) انظر تفسير ابن كثير, 6/77, 78, بتصرف.
(102) أخرجه مسلم, 14/68, برقم:5144.
(103) تفسير الطبري, 3/389.
(105) تفسير الطبري 3/385.
(106) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند 5/ 375, برقم: 23229, قال الألباني: (صحيح), السلسلة الصحيحة,4/275.
(107) انظر تفسير الطبري,15/527, وتفسير ابن كثير,4/ 360.
(108) في ظلال القرآن,4/ 273.
(109) انظر النكت والعيون للماوردي, 2/27.
(110) انظر في ظلال القرآن, 3/307, وانظر تفسير ابن كثير,3/494, وتفسير الطبري, 13/ 184.
(111) انظر القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر,1/ 68.
(112) شرح النووي على مسلم,1/13.
(113) عون المعبود 11/330.
(114) انظر تفسير ابن كثير, 3/494, تفسير الطبري,13/185, في ظلال القرآن, 3/309.
(115) تفسير ابن كثير, 4/175.
(116) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط,13/ 479, 6401, السلسلة الصحيحة, 4/351, برقم: 1852, صحيح الترغيب والترهيب,1/19, 82.
(117) أخرجه الترمذي,9/ 299, برقم: 2609, قال الألباني: «صحيح», انظر صحيح وضعيف سنن الترمذي,6/185.
(119) تفسير السعدي, 1/971.
(120) تفسير السعدي, 1/934.
(121) صحيح البخاري 2/ 882, برقم:2361.
(122) عمدة القاري 13/ 57.
(123) مجموع فتاوى ابن تيمية, 28/65.
(125) انظر روضة المحبين,1/ 274.
(127) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم, 3/539.
(128) انظر آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونتائج التخلي عنهما, بتصرف, على الرابط: http://www.rafed.net/books/fegh/maarof/alamr-5.html.
(129) أخرجه ابن ماجه,10/279, برقم: 3457 , وأبو داود,12/177, برقم: 3971. قال الألباني: «إسناده حسن», السلة الصحيحة,/134, حديث رقم: 635.
(130) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه, 28/17.
(132) مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار,2 /133, عبد العزيز بن محمد السلمان.
(133) تفسير السعدي, 1/240.
(134) تفسير القرطبي,4/ 173.
(135) إعلام الموقعين عن رب العالمين,2/ 198.
(136) أخرجه ابن حبان في صحيحه,2/67, برقم: 289, والطبراني في المعجم الأوسط 14/ 432, برقم: 6854, وأحمد في المسند,51/ 251, برقم:24094, قال الألباني: (حسن لغيره), صحيح الترغيب والترهيب, 2/ 288, حديث رقم:2325.
(137) تفسير ابن كثير2/307.
(138) أخرجه أبو داود, 11/ 412, برقم: 3774, قال الألباني: (ضعيف), انظر صحيح وضعيف سنن أبي داود , 9/ 337.
(139) المعجم الكبير للطبراني,8/487.
(140) إعلام الموقعين عن رب العالمين, 2/272.
(141) انظر تفسير القرطبي,2/185, بتصرف.
(143) أخرجه الترمذي, 11/ 49, برقم: 3175, وحسنه الألباني, انظر صحيح وضعيف الجامع الصغير, 28/190, برقم:13690.
(144) تفسير القرطبي,7/391.
(145) أضواء البيان,1/461, وانظر تفسير القرطبي,7/391, ابن كثير, 2/365, البحر المحيط, 6/ 59, فتح القدير, 3/170, في ظلال القرآن, 3/386.
(146) أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي,1/314, الدكتور عبد الله قادري الأهدل.
(147) في ظلال القرآن, 3/ 386.
(148) أخرجه ابن ماجه,12/ 13, برقم: 3999, وأحمد في المسند,39/195, برقم: 18396, , قال الألباني:(حسن), صحيح وضعيف سنن ابن ماجة,9/ 9.
(149) السنن الكبرى للبيهقي,10/91, السلسلة الصحيحة - مختصرة 9/ 133, حديث رقم: 3353.
(150) أخرجه أبو داود,11/ 414, برقم:3776, قال الألباني: (حسن لغيره) صحيح الترغيب والترهيب, 2/ 286.
(151) أخرجه ابن حبان في صحيحه,2/93, برقم: 303.
(153) أخرجه أحمد في المسند, 49/ 159, برقم: 23003, والبيهقي في شعب الإيمان, 16/ 138, برقم: 7338, وابن أبي شيبة في مصنفه, 8/ 608, السلسلة الصحيحة, 8/ 163, حديث رقم:3156.
(154) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, 17/ 152, قال الألباني: (صحيح), انظر صحيح وضعيف الجامع الصغير, 2/ 182, حديث رقم:682, وانظر السلسلة الصحيحة,3/ 446, حديث رقم: 1372.
(155) أخرجه البخاري, 3/1221, برقم: 3168 , ومسلم,4/2207, برقم:2880.
(156) أخرجه ابن ماجه, 2/ 1327, برقم: 4004, وأحمد 1/2,برقم:1, وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين, وقال الشيخ الألباني : صحيح انظر صحيح ابن ماجة 2/ 367, حديث رقم:3236.
(157) أخرجه الترمذي, 4/ 467, برقم: 2168, وأبو داود 2/525, برقم: 4338, قال الشيخ الألباني: صحيح انظر صحيح الترغيب والترهيب 2/ 286, حديث رقم: 2317.
(158) مصابيح التنوير على صحيح الجامع الصغير للألباني1/ 302.
(160) بتصرف من خطبة بعنوان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للشيخ الدكتور خالد المصلح على موقعه.
(161) رواه أحمد 38/332, برقم: 23301, والترمذي, 4/ 468برقم:2169, قال الألباني (حسن لغيره) انظر صحيح الترغيب والترهيب 2/286, حديث رقم:2313.
(162) تحفة الأحوذي 6/ 326.
(163) أخرجه ابن ماجه, 2/ 1327, برقم: 4004, قال الشيخ الألباني : (حسن), انظر صحيح ابن ماجة 2/ 367, حديث رقم:3235.
(165) أخرجه ابن حبان في صحيحه,2/67, برقم: 289, والطبراني في المعجم الأوسط 14/ 432, برقم: 6854, وأحمد في المسند,51/ 251, برقم:24094, قال الألباني: (حسن لغيره), صحيح الترغيب والترهيب, 2/ 288, حديث رقم:2325.
(167) مسند أحمد, 47 / 292, برقم: 22223.
(168) صفة الصفوة – ابن الجوزي, 1/ 217.
(169) إحياء علوم الدين,2/311.
(170) مفتاح دار السعادة,1/ 56.
(171) تفسير ابن كثير 2/113.
(172) تفسير ابن كثير,1/ 203.
(173) صحيح البخاري 2/ 882, برقم:2361.
(174) انظر عمدة القاري 13/ 57.
(175) بتصرف من كتاب تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أعمال الهالكين, للإمام ابن النحاس, ص78,77.
(177) إحياء علوم الدين,2/311.
(178) شعب الإيمان للبيهقي,6/96, برقم:7590.
(179) انظر تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أعمال الهالكين, للإمام ابن النحاس, ص86.
(180) انظر القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر,1/69.
(181) أنظر كتاب الرائد, دروس في التربية والدعوة, لفضيلة الشيخ مازن بن عبد الكريم الفريح, 3/131, بتصرف.
(182) أخرجه أحمد في المسند, 11/139, برقم: 5103, انظر السلسلة الصحيحة,2/ 136, 637.
(183) تفسير السعدي, 1/240.
(184) أخرجه ابن ماجه,2/ 1332, برقم:4019, انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة, 1/8, حديث رقم: 106
(185) أخرجه ابن ماجه,2/ 1332, برقم:4019, انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة, 1/8, حديث رقم: 106