مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
مقدمة لكتاب الإمارة الخاصة في الإسلام
مقدمة لكتاب الإمارة الخاصة في الإسلام
الأحد 21 أبريل 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة لكتاب الإمارة الخاصة في الإسلام

تأليف: سعيد غالب الحاج

8/ 1/ 1427هـ

7/ 2/ 2006م

بقلم محمد الصادق المراني

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المرسلين وخاتم النبيين محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فقد اطلعت على كتاب (أحكام الإمارة الخاصة في الإسلام) لمؤلفه الشيخ سعيد غالب أحمد الحاج، ووجدته عالج قضية هامة حيوية يحتاج الناس لمعرفة حكم الشرع فيها، وقد أبديت ما رأيته من ملحوظات، وأسأله الله أن ينفع بهذا المؤلف لا سيما في هذا العصر الذي غابت فيه الخلافة وكثرت فيه الدول في ديار المسلمين وكذلك الجماعات، وكل منها له قيادته وإمارته، بحيث يحاول كل منهما عند إيراد النصوص أن ينزلها على كيانه بعيداً عن الدقة والنظرة العامة المستوعبة للمسلمين في أرجاء البسيطة، تلك الدقة والنظرة التي تقررها نصوص الشرع ذاتها؛ بحيث تكاد أن تتشابه أمراض الدول والجماعات في الأنانية والانفرادية واصطناع الحدود التي كرست الغثائية في المسلمين وبالغت في التمزيق.

هذا بالإضافة إلى النزعة الاستيرادية التي ابتلى بها الكثيرون رغم أن في شريعتنا تبيان كل شيء، هذه النزعة التي لم تكتف باللهاث وراء الغرب والسعي لإدخال الأمة في حجر الضب كما نطق الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما حاولت أن تنسب مستورداتها إلى الإسلام، وتخلطها به بحجة اقتناص الحكمة من المغضوب عليهم ومن الضالين، وإذا كان ذلك مقبولاً في مجال الحرف والصناعات، لأنها تجارب بشرية مشاعة، فإنه مرفوض غاية الرفض في مجال المبادئ والمناهج والتشريعات لأنه لو كان موسى نفسه وهو النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم حياً لما وسعه إلا الاتباع لدين الإسلام، وعيسى وهو النبي المعصوم كذلك صلى الله عليه وسلم إنما يحكم عندما ينزل في آخر الزمان بشرعة الإسلام، فماذا بقي إذن من مبرر لدى المستوردين الذين يستوردون من الحثالات ويزعمون بلسان الحال أو بلسان المقال أن الإسلام لا يملك نظرية سياسية واضحة. إن هؤلاء الجهلة لم يقفوا عند حدهم، وإنما تطاولوا ليفتروا على دين الله ونسوا أو تناسوا أن هذا الدين حكَم المسلمين واستظلت بحكمه مختلف الأمم مدة أربعة عشر قرناً، وعما قريب سوف يعود إلى الحكم من جديد، فنحن على موعد أكيد، وكتب التراث مليئة بتفصيلات النظام السياسي الإسلامي، ولا يضير ذلك النظام المحكم جهل الجاهلين به وغفلة الغافلين عنه.

لقد استوردوا الديمقراطية على سبيل المثال، وبعضهم اعتمدها صرفاً خالصة، وتبنى تحكيم الشعب من دون الله من باب المزايدة، والتغطية على الاستبداد والحكم الجبري الذي يمارسه كما أخبر بذلك المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، وبعضهم يمارس الجبرية تحت الغطاء المزجي فيمزج بين الحق والباطل وبين العسل والقيء فيقول: الديمقراطية الإسلامية، أو الديمقراطية الشوروية على غرار الوثنية الإسلامية لو عقل المخلِّطون، كما استوردوا ما يزعمونه المساواة بين الرجال والنساء، واجتهدوا في محاولة إضفاء الشرعية والنعوت الإسلامية على هذا المستورَد، وقُلْ مثل ذلك في جوانب عديدة من جوانب النظام الوضعي ولا سيما فيما نحن بصدده في الجانب السياسي بتفصيلاته من حيث أنواع الدساتير والشكل الرئاسي والبرلماني والتعددية ومبدأ الأغلبية وتحديد المدة، والتداول السلمي للسلطة.. إلخ المستوردات التي يزعم أمثلهم أنها قضايا وتجارب إنسانية مشتركة لا يمنع الإسلام من الاستفادة منها، مع أنها في الحقيقة فقهٌ جديد وأنظمة جديدة تحل محل الفقه والنظام السياسي الإسلامي والسياسة الشرعية التي تمتلئ بها كتب الفقه الإسلامي، والتي مارستها الدولة الإسلامية على مدى القرون.

هذا المرض وهذه النزعة التي تساير اليهود والنصارى في طرائقهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع كما في الصحيح بعد أن أصابت جمهور الحكام والمثقفين وجدت طريقها إلى الحركات والجماعات الإسلامية المنفتحة، وتم إقصاء العلماء إلى حد كبير، واتخذ الناس رؤوساً جهالاً كما في الصحيح. وأصبحت تجد لغة هذه الحركات قد تغيرت إلى حد كبير، فاقتصدت في الآيات والأحاديث، وهجرت المصطلحات الشرعية كالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاء والبراء والإمامة والخلافة، والإسلام والكفر والجهاد، واستبدلتها بمصطلحات القوم كالحوار والرأي والرأي الآخر والحرية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والمعارضة والتسامح والتعايش ومكافحة الإرهاب! ومثل هذه المصطلحات لو رجعتَ إلى القرآن وتفاسيره وإلى الحديث وشروحه وإلى الفقه وأصوله، وإلى التزكية والأخلاق لن تجد لها أثراً، فكيف سيكون تطبيقها في الواقع؟ لا شك أنهم كما استوردوا المصطلح سوف يستوردون طريقة تطبيقه ومَرَاجِعه، ويحدث مسخٌ فكري وثقافي وفقهي وعقدي تبعاً لذلك، وبالمقابل هنالك جهود مخلصة للمحافظة على الأصالة تتصدى للمسخ والاندفاع وراء جحر الضب يقوم عليها العديد من العلماء والدعاة إلى الله وطلبة العلم، وأظن مثل هذا الكتاب داخلاً في نطاق تلك الجهود، فهو يشرح للناس قضية الإمارة والولاية على الطريقة الإسلامية بتفاصيلها وأحكامها ومصطلحاتها، ويعيدهم إلى الأصالة التي منبعها الوحي المعصوم (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) رواه الخطيب وغيره وصححه الألباني.

وأسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب وأمثاله وأن يرد الأمة إلى دينها رداً جميلاً، وأن يصرف عنها شرور الابتداع والكفر وتقليد المبتدعة والكفرة وأن يعيد لها خلافتها الراشدة التي تحرس لها دينها وتسوس دنياها به، وما موعد ذلك ببعيد، ولا هو على الله بعزيز: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ [البقرة:138] وبالله التوفيق.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: