مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
مرحباً بالمروج والأنهار
مرحباً بالمروج والأنهار
الأحد 21 أبريل 2013

مرحباً بالمروج والأنهار

لفضيلة الشيخ القاضي/ محمد الصادق مغلس المراني.

26 جمادى الأولى 1431هـ الموافق 9 مايو 2010م

كانت جزيرة العرب مروجاً، وكان الرَّبْع الخالي مأهولاً:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا» [رواه أحمد وأصله في مسلم].

أرض العرب هي شِبْه جزيرة العرب، لأن العرب في الأصل نشأوا بها، ومنها هاجروا إلى بقاع الأرض, وقد كانت في الماضي مأهولة كلها، وكانت مروجاً وأنهاراً بدلالة الحديث.

وكذلك بدلالة القرآن، قال تعالى بخصوص الأرض التي بين دولة سبأ وبين الشام وهي اليوم من أطراف صحراء الرَّبع الخالي: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبا: 18-19].

كان السبئيون ينتقلون إلى الأرض المباركة أرض الشام عَبْرَ أطراف المنطقة التي هي اليوم الرَّبْع الخالي، وكان تلك الأطراف قُرًى ظاهرة متقاربة، إذا نزل المسافر في قرية ظهرتْ له الأخرى، فلا يحتاج المسافر إلى الزاد ولا إلى الحماية، بل كان يسافر الليالي والأيام في وجود الطعام والأمان. ولكن السبئيين بَطِروا النعمة، وملُّوا العافية، فسـألوا الله أن يباعد بين أسفارهم، وهذا من الشقاء وظلم النفس أن يدعو المرء على نفسه، فكانت النتيجة أنْ أزال الله النعمة وجعلهم أحاديث وعِبَراً.

التوافق بين قَدَر الله في إجابة الدعاء وقَدَر الله في العقاب:

ووافق ذلك موعد سنة الله في الدورة المناخية في تصحُّر هذه المنطقة. فالتقى قَدَر إجابة دعاء البَطَر مع قَدَر دورة المناخ، تماماً كما التقى قَدَر إجابة دعاء بعض صناديد قريش (كان في الحقيقة دعاءً على أنفسهم) مع قَدَر الله في نصْر نبيه وعباده المؤمنين في بدْر، قال تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:19].

وكما حدث التوافُق بين قَدَر دعاء الأعرابـي على نفسه حين زاره النبي صلى الله عليه وسلم، وبين قَدَر الأجل عقاباً له.. روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فَقَالَ لَهُ: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ، كَلَّا، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَنَعَمْ إِذًا».

قال الحافظ في (الفتح): وأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْره... وَفِي آخِره فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِذَا أَبَيْتَ فَهِيَ كَمَا تَقُول، قَضَاء اللَّه كَائِن، فَمَا أَمْسَى مِنْ الْغَد إِلَّا مَيِّتًا».

النهي عن الدعاء بالضَّرَر:

وروى مسلم وغيره عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ -الجمَل- يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ، فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ فَقَالَ لَهُ: شَأْ -كلمة زجْر- لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟» قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ.. لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ».

تحقُّقُ المعجزة النبوية بعودة بلاد العرب مروجا وأنهاراً:

والصحراء الواسعة في شبه جزيرة العرب تسمَّى الرَّبع الخالي بفتح الراء المشدَّدة, كما ذكرنا، والرَّبْع هو المكان المأهول، مما يدل على أن التسمية تاريخية وأن هذا المكان في الماضي كان مأهولاً ثم صار خالياً.

وحديث النبي صلى الله عليه وسلم بعودته مروجاً وأنهاراً معجزة، وقد سمعت الشيخ عبد المجيد الزنداني حفظه الله عِدَّة مرَّات، آخرها قبل فترة قريبة، أنه في حواره مع الجيولوجي الألماني الشهير ألفِرِد كرونر في سنة 1401هـ الموافق 1981م في جَدَّة ذكر له هذا الحديث، فأقرّ بأن ذلك حقيقة علمية، وأن جزيرة العرب سوف تعود مروجاً وانهاراً خلال بضع عشرات من السنين، قال: ولم أُفارِقْه حتى شهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

وهانحن أولاء وقد مرَّ على هذا الحوار ثلاثون سنة نرى أن الأمطار تزايدت على بلدنا وعلى بقية شِبْه جزيرة العرب خلال هاتين السنتين مِمَّا نظن أنه تحقُّقٌ للمعجزة النبوية.

التفاؤل بتحسُّن الأوضاع رغم المؤامرات وبلحوق الضرر بالقات وبمن يستحقون العقوبات:

إننا نتفاءل مع كثرة الأمطار بتحسُّن الأحوال إن شاء الله، وإفشال التآمر على المسلمين من المنظمات الدولية التي تنصح بلدنا مثلاً بالمزيد من جرعات الفقر، وكذلك نتفاءل مع كثرة الأمطار بتعويض المياه الجوفية إن شاء الله، و أن تزايُد الأمطار سوف يُخَفِّفُ مع الأيام من تلوُّث هذه المياه ومن تلوُّث الأراضي التي تلوَّثتْ في الماضي بالمجاري، و سوف يُخَفِّفُ من تلوُّث المحاصيل بالمبيدات العشوائية، فالله رحيم بعباده، وقد عوّدَنا سبحانه الفَرَج ولاسيما في هذا البلد، لأن نَفَس الرحمن من قِبَل اليمن كما في الحديث عند أحمد والطبراني، الذي ذكر الألباني أنه صحيح.

ولقد كنا في الأصل نخشى مع شِحَّة الأمطار من نضوب المياه الجوفية، لاستهلاك كثير من المياه في سقْي أشجار القات. ونحن الآن نتفاءل بأن كثرة الأمطار سوف تعوِّض المياه الجوفية، و سوف تُلحِق الضرَر إن شاء الله بهذه الأشجار التي هي بلْوى اليمن، و ذلك لأن إغراق هذه الأشجار بمياه الأمطار الغزيرة سوف يُفْقِدُها إن شاء الله المَذاق والتأثير المُركَّز والكَيْف المطلوب منها عند المدمنين، و كذلك سوف تَبُورُ سُوقها مع الوفْرة بسبب كثرة المطر.

وكذلك قد تنـْزل العقوبات ببعض الجهات في جزيرة العرب ـ كما قد حصل ـ بالفيضانات وبالإعصار مع الأمطار نتيجةً للمعاصي والذنوب.. التي منها شيوع المظالم و أنواع الفساد، و الإصرار على مشروعات الاختلاط في التعليم وسائر المجالات، و الإصرار على إطلاق الحريات التي تعني الانفلات، من أجل التمكين للانحرافات و للحوارات المسمومة وللأفكار الدخيلة، وللتشكيلات الهدَّامة ، والإصرار على تحجيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!.. و نتفاءل بأن هذه العقوبات ربما تَرْدَع المُصِرِّين و لعلهم يَنـْزَجِرون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

 
العنوان: مرحباً بالمروج والأنهار
 
العداد: 39
 
الحجم: 259.00KB
اعتماداً على1تقييم  
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: