مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
ندوة الإيمان
   
ندوة الإيمان الثانية (1426هـ)
محاور الندوة
الأثنين 18 فبراير 2013

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدورة الثانية لندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وبعد:

 

فقد انعقدت الدورة الثانية لندوة تقوية الإيمان وزيادته في الموعد المقرر لانعقادها، وذلك في يوم الأربعاء بتاريخ : 8/5/1426هـ ، الموافق 15/6/2005م وذلك في مقرها الأصلي بجامعة الإيمان,واستمرت إلى يوم الجمعة10/5/1426هـ0

 

حضر إليها الدعاة والعلماء والمهتمون بدراسات الإيمان وقضاياه ، من مختلف أرجاء اليمن, وذلك للنقاش العلمي ووضع البرامج العملية للارتقاء بإيمان الأمة وزيادته من خلال أوراق البحث المقدمة في هذه الندوة

 

 وكان برنامج الندوة كالتالي:

 

الأربعاء : 8/5/1426هـ

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

مقرري الجلسة

الشيخ : عبد المجيد الزنداني .

من الساعة : 9-10 صباحاً .

جلسة الافتتاح .

1-   الشيخ : أحمد الفقيه .

2-   الشيخ : علي البهجي .

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

ملقي البحث

مقرري الجلسة

 

الدكتور : عبد الوهاب الديلمي

من الساعة : 30,10- 12 صباحاً

ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في الإيمان والعقائد

الشيخ : عبد الله الجودة

1-   الشيخ : علي عمران .

2-   الشيخ : صالح السنباني .

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

 

ملقي البحث

مقرري الجلسة

الدكتور : حسن الأهدل .

من الساعة : 4-6 مساءً

ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في العبادات والمعاملات

الدكتور : أمين مقبل

1-   الشيخ : عبد الجبار المراني .

2-   الشيخ : مطهر الحزمي .

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

 

ملقي البحث

مقرري الجلسة

الدكتور : حيدر الصافح .

من الساعة : 7 -30,8  مساءً .

ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في التزكية والأخلاق .

الشيخ : محمد الصادق .

1-   الشيخ : شرف الوصابي .

2-   الشيخ : علي المصباحي .

الخميس : 9/5/1426هـ

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

 

ملقي البحث

مقرري الجلسة

الدكتور : أمين علي مقبل

من الساعة : 7.30-30,9 صباحاً

ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في السيرة النبوية .

الدكتور : صالح الوعيل .

1-   الشيخ : لهيم التركي .

2-   الشيخ : عادل الدميني  .

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

ملقي البحث

مقرري الجلسة

الدكتور : صالح صواب .

من الساعة : 10-12 صباحاً

منزلة آل البيت والصحابة

الدكتور: عبد الرحمن الخميسي .

1-   الشيخ : خالد الصديق .

2-   الشيخ : صالح الجلال .

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

ملقي البحث

مقرري الجلسة

الدكتور/عبد الرحمن الخميسي .

من الساعة : 4-6 مساءً .

دور العلماء والدعاة في تقوية الإيمان .

الدكتور : صالح الظبياني .

1-   الشيخ : عبد الملك التاج .

2-   الشيخ : نصر السلامي .

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

ملقي البحث

مقرري الجلسة

الدكتور : عبد الوهاب الديلمي .

من الساعة : 7 -30,8 م .

الإعجاز العلمي وأثره في تقوية الإيمان .

الشيخ : عبد المجيد الزنداني .

الشيخ: علي البهجي

الجمعة : 10/5/1426هـ

رئيس الجلسة

وقت الجلسة

عنوان الجلسة

ملقي البحث

مقرري الجلسة

الشيخ : عبدالمجيد الزنداني .

من الساعة : 8-10 صباحاً

القرارات والتوصيات

1-      الشيخ : أحمد الفقيه .

2-      الشيخ : صالح الخدري .

 

 

وكان سير برنامج الدورة كما يلي :

 

في تمام الساعة التاسعة صباحا من يوم الأربعاء ابتدأت فعاليات الندوة بالجلسة الافتتاحية، حيث بدئت بآيات من كتاب الله العزيز ، ثم ألقى رئيس الجامعة رئيس الندوة فضيلة الشيخ العلامة الدكتور : عبد المجيد الزنداني كلمة هيئة علماء الندوة، ورحب في كلمته بالضيوف والحضور في الندوة ، وتحدث عن أهداف الدورة الثانية للندوة ، والموضوعات التي ستناقش فيها ، بهدف وضع منهج علمي لعامة المسلمين، يتفق عليه العلماء، في الإيمان والفقه  والأخلاق والسيرة ، ويتبادلون الرأي في كيفية تدريسه وتعليمه للأمة تحت شعار ما ينبغي على المسلم تعلمه.

 

وفي الساعة العاشرة والنصف صباحاً وحتى الساعة الثانية عشرة بدأت أول جلسات الندوة، بعنوان " ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في الإيمان والعقائد، " برئاسة صاحب الفضيلة الشيخ العلامة الدكتور: عبد الوهاب الديلمي حيث قدمت اللجنة المخصصة لذلك برئاسة الشيخ عبد الله الجودة، كتاب الإيمان لمؤلفه فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني وآخرين، والذي وقع عليه مئة عالم من علماء اليمن، ككتاب مرشح لهذا الغرض مع التعديل الذي قامت به اللجنة من تحقيق وإضافة، وقد تمت المناقشة الجادة من الحضور حيث أبدوا آراءهم وتوصياتهم.

 

وفي الساعة الرابعة مساءً وحتى الساعة السادسة كانت الجلسة الثانية، بعنوان " ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في العبادات والمعاملات"، برئاسة صاحب الفضيلة الشيخ العلامة الدكتور/حسن الأهدل ، حيث قدمت اللجنة المخصصة لذلك برئاسة الدكتور أمين مقبل كتاب العبادات والمعاملات لمجموعة من علماء الأزهر واليمن، ككتاب مرشح لهذا الغرض مع التعديلات التي قامت بها اللجنة للكتاب من تحقيق وإضافة، ومن ثم بدأت المناقشة الجادة للكتاب والتعديلات المقدمة والخروج بالآراء والتوصيات النافعة .

 

وفي الساعة السابعة مساء وحتى الثامنة والنصف كانت الجلسة الثالثة بعنوان " ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في التزكية والأخلاق" برئاسة الدكتور حيدر الصافح، حيث قدمت اللجنة المخصصة لذلك برئاسة الشيخ محمد الصادق، كتاب مرشح لهذا الغرض مع التعديل الذي قامت به اللجنة من تحقيق وإضافة وقد تمت المناقشة الجادة من الحضور حيث أبدوا آراءهم وتوصياتهم .

 

ثم ابتدأت الجلسة الرابعة في صبيحة اليوم التالي في الساعة السابعة والنصف وحتى الساعة التاسعة والنصف، بعنوان "ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في السيرة النبوية"، حيث قدمت اللجنة المقدمة برئاسة الدكتور/ صالح الوعيل ما أعدته من دراسة لكتب السيرة وترشيح خمسة كتب، وبيان كل ما تميز به كل كتاب منها والنقص فيه، وتمت مناقشة هذه الدراسة من قبل الحاضرين، حيث أثروها بالفوائد والتوصيات.

 

وفي تمام الساعة العاشرة وحتى الثانية عشرة صباحا بدأت الجلسة الرابعة، بعنوان "منزلة آل البيت والصحابة" برئاسة الدكتور صالح صواب، كتاب مرشح لهذا الغرض مع التعديل الذي قامت به اللجنة من تحقيق وإضافة، وقد تمت المناقشة الجادة من الحضور حيث أبدوا آراءهم وتوصياتهم .

 

ثم كانت الجلسة الخامسة في الساعة الرابعة مساءاً من يوم الخميس وحتى الساعة السادسة، بعنوان " دور العلماء والدعاة في تقوية الإيمان" برئاسة الدكتور عبدالرحمن الخميسي، حيث قدمت اللجنة ثمانية أبحاث في هذا المجال، وقد أخذت هذه الأبحاث حقها من النقاش وإبداء الآراء والتوصيات.

 

وكانت الجلسة السادسة من السابعة مساء وحتى الساعة التاسعة، بعنوان "الإعجاز العلمي وأثره في تقوية الإيمان" برئاسة الدكتور عبد الوهاب الديلمي ، حيث قدم فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد المجيد الزنداني محاضرة للحاضرين ، ومن ثم المناقشة من قبل الحاضرين، حيث أثروها بالفوائد والتوصيات.

 

ثم كانت الجلسة الختامية في صبيحة يوم الجمعة من الساعة الثامنة إلى العاشرة صباحا برئاسة الشيخ الدكتور عبد المجيد الزنداني، وذلك لصياغة قرارات وتوصيات الندوة .

 

هذا وسينشر موقع الإيمان الأبحاث التي قدمت في هذه الندوة بعد الأخذ بالملاحظات والمقترحات والتوصيات؛ قريبا إن شاء الله تعالى.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
المقدمة
الأربعاء 20 فبراير 2013

 

دور العلماء والدعاة وطلاب العلم

 

في تقوية الإيمان وزيادته

 

إعداد

 

اسم الباحث

اسم البحث

م

 

المقدمة:

1

الشيخ /عبد الوهاب الشرعبي

الفصل الأول:المبحث الأول: الأدلة على فرضية الدعوة إلى الله.

2

فضيلة الشيخ العلامة الدكتور /عبد الكريم زيدان

المبحث الثاني: أحكام ومتطلبات الدعوة إلى الله تعالى.

فضيلة الشيخ العلامة الدكتور /عبد الكريم زيدان

الفصل الثاني:  شروط وآداب الداعية.

3

الشيخ / علي الفقيه

الفصل الثالث:واجب العلماء والدعاة وطلاب العلم في تقوية الإيمان وزيادته.

4

الشيخ / نصر السلامي

الفصل الرابع: واقع الدعوة اليوم وآفاقها المستقبلية.

5

الشيخ /سمير عبد الرحمن الشميري

الفصل الخامس: وسائل وأساليب الدعوة المعاصرة (الإعلام الدعوي).

6

الشيخ / محمد محمد معافى مهدلي

الفصل السادس:  توحيد صفوف الدعاة.

7

الشيخ / عبد الواسع المعزبي

الفصل السابع: المعوقـــات أو العوائـــق.

8

 

 

تحقيق ومراجعة: علي عمر بلعجم

مع مبحث قيم لفضيلة الدكتور العلامة /عبد الكريم زيدان

 

 

 

الإيمان الحق

 

 يجب أن يقوم بحمايته وتثبيته وتقويته قلم الكاتب ولسان الخطيب وفكر الفيلسوف ووجدان الشاعر وريشة الفنان وسلطان الحاكم وقوة الجيش ورقابة الشعب.

 

يجب أن يقوم به الأب في البيت والمعلم في المدرسة والشيخ في الحلقة والأستاذ في المحاضرة والمؤلف في الكتاب وكل ذي فن في فنه ؛ لأن هذا العمل واجب الأمة كلها.

والله الموفق ،،،

 

المقدمة :

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً  وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً.

 

أما بعد :

 

 فإن الحديث عن دور العلماء والدعاة وطلاب العلم في تقوية الإيمان وزيادته في ظروفنا التي تعيشها الأمة يعد أمراً ضرورياً لأن هذه الفئات الثلاث هي رأس هذه الأمة، وهي الأقدر على أداء الرسالة، وتحمل الأمانة ، وذلك لتوافر الشروط فيهم، ومعرفتهم أهمية الدعوة ، قال الله تعالى : ﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ يوسف:108].

 

والأمة اليوم  تمر في أحلك ظروفها، وأقسى مراحلها ولم يحصل في تاريخنا كله أن تجمع كل من في الأرض لحرب أمة الإسلام.. والغريب العجيب أن كثيراً من أبناء هذا الدين لا يعرفون قدر وحجم الحرب والمكر والغزو الذي تواجهه الأمة ولذا لزم التنبيه والتذكير بواجب العلماء والدعاة وطلاب العلم لكي ينهضوا بواجبهم، ويقوموا بدورهم، ويستدركوا ما فات، ويصلحوا ما أخطأوا ويعيدوا مجد السلف والرعيل الأول قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [ فصلت:33] .

 

بل إن العالم كله بحاجة لمن ينقذه من العبث الذي تقوم به الدول الكبرى وبحاجة لمن يخرجه من عبادة العباد وجور الأديان والجاهليات .. إلى عبادة الله وحده لا شريك ولا شك أن هذه المسألة هي قضية القضايا وهي الشرف والعزة والمجد لمن رشح نفسه وهيأها لها.

 

وفي هذا البحث تذكير بهذا الأمر ..

 

فنسأل من الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والثبات والاستقامة على دينه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل الأول : فرضية الدعوة 1
الأربعاء 20 فبراير 2013

 

 

 

 

الفصل الأول

 

فرضية الدعوة

 

 

أوجد الله سبحانه وتعالى الإنسان إلى هذه الدنيا وأمره بأوامر وكلفه بتكاليف عديدة في جوانب مختلفة في العبادات والمعاملات والأخلاق , وأمر كل مسلم بالقيام بها وفق ما أمر , ولما كلف الله  المسلم القيام بهذه التكاليف فرض عليه  تكاليف الدعوة والتبليغ إلى بقية الناس كجزء أساسي مما كلف به حتى يتحقق نشر الدين إلى كافة الناس , فدعوة الإسلام دعوة عالمية يجب على المسلم إبلاغها بكل ما يملك من قوة ويعمل بكل الوسائل المتاحة لنشرها حتى يحكم الإسلام كل بقاع الأرض .

 

ولبيان فرضية الدعوة إلى الله عز وجل  وأهميتها  نسوق الأدلة التالية من الكتاب والسنة وضرورة الواقع .

 

 

 

 

المبحث الأول

الأدلة على فرضية الدعوة إلى الله

 

المطلب الأول

 

الأدلة من القرآن الكريم

 

الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء وأتباع الأنبياء , وهذا تكريم يشمل كل مسلم ومسلمة بلا استثناء لأنهم أتباع النبي r ، لقوله تعالى : ﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ( يوسف :108] ، يقول الإمام الطبري في تفسيره: "سَبِيلي وطريقتي ودعوتي أدْعُو إلى اللّهِ وحده لا شريك له علـى بَصِيرَةٍ بذلك، ويقـين علـم منـي به، وَيدعو إليه على بصيرة أيضا مَن اتَّبَعَنِـي وصدّقنـي وآمن بـي".

 

1- يقول الله تعالى : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر  [ التوبة :71] هذه الآية تفيد أن الدعوة واجبة على المؤمنين  والمؤمنات، فلا يختص بهذا الواجب أحد دون أحد لأنها أمر بمعروف ونهي عن  منكر .

 

2- دخول الأمة في خطاب الله للرسول صلى الله عليه وسلم إلا ما استثني قال تعالى : ﴿ يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ [ المائدة :67] فهي تفيد وجوب تبليغ رسالة الله إلى الناس من فبل الرسول وأتباع الرسول وخاصة ورثة الأنبياء.

 

3- يقول الله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة :122] تفيد أنه يجب على الأمة أن تفرغ طائفة من أبنائها  للتعلم والدعوة والإنذار.

 

4- أمر الله تعالى بالتذكير (الدعوة إليه) في عدة آيات منها : قول الله تعالى : ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ﴾ [ الأعلى : 9،10] , وقال تعالى : ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴾ [ الغاشية :21] , وقال تعالى : ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ ق:45].

 

5- يقول الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ آل عمران :104] ولقد وقف العلماء والمفسرون على قولين في تفسيرها فمنهم من حمل (من) على البيان , وإذا قلنا به فيكون الأمر بالدعوة عام وشامل على كل مسلم ومسلمة .ولقد حمل بعض العلماء (من) على التبعيض  وهو قول بتخصيص فئة وجماعة معينة للقيام بهذا الواجب , وهما قولان معتبران وليس متعارضان فواجب الدعوة من حيث هو واجب على كل مسلم وإذا قام به البعض سقط عن الآخرين, وإذا لم تحصل الكفاية يبقى تتميم الكفاية واجب على جميع المسلمين فقد يصل فرض الكفاية إلى حد التعيين , إذا لم يحصل المقصود من المكلفين به , فما دام في الأرض كافر فالدعوة واجبة على كل المسلمين , كل في مكانه , وحسب قدرته , وطاقته , وما يدخل تحت ولايته .

 

6- حادثة الجن : حيث أدرك الجن وجوب الدعوة إلى الله ، فقاموا به وسجل الله ذلك في القرآن ، فعن سعيد بن جُبير، قال: «لما بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم حُرِست السماء، فقال الشيطان: ما حُرِست إلا لأمر قد حدث في الأرض,  فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلة، وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.قال تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ [ الأحقاف :29] .

 

 

 

 

المطلب الثاني

 

الأدلة من السنة

1- ومما يدل على وجوبها على الأمة من السنة حث النبي r على الأمر بالمعروف والنهي على المنكر, فعن أَبي سَعِيدٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»(1).

 

2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمان للأمة من العذاب ، وقد بين النبي r أن الأخذ على يد الواقع في المنكرات وصده عن المحرمات صيانة للمجتمع ووقاية له من الهلاك، فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا »(2) ، وفي رواية بلفظ : « إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده»(3) .

 

وفي الحديث الصحيح عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: « نعم إذا كثر الخبث »(4)، فهذا الحديث يفيد أن انتشار الفساد في المجتمع يؤذن بهلاكه حتى وإن وجد الصالحون ، ولكن القرآن يبين حقيقة أخرى وهي أن وجود المصلحين الذين يصلحون ما أفسد الناس ، يدفع الله بهم الهلاك عن لمجتمع ، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون ﴾ [هود :117].

 

3- عن عبد اللّه بن مسعود، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: « إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق اللّه ودع ما تصنع، فإِنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعضٍ » ثم قال: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ [المائدة78] إلى قوله: ﴿... فَاسِقُونَ ﴾ [ المائدة81] , ثم قال صلى الله عليه وسلم: « كلاَّ واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ولتأخذنَّ على يدي الظالم ولتأطرنَّه على الحقِّ أطراً ولتقصرنه على الحقِّ قصراً » (5).

 

4-  الدعوة إلى الله علامة على بعد النفس عن الأنانية و تمكن حب الناس في قلب المؤمن , فعن أنس بن مالك عن النبي  صلى الله عليه وسلم قال : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب  لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه »(6) ، فلا يكتفي أن يكون الإنسان المسلم  مهتدياً في نفسه فقط بل لابد عليه من دعوة غيره وتبصيره بهدى الله حتى يعم الخير وتعمر الأرض بهدي الله.

 

5- الدعوة إلى الله من النصيحة التي هي دين ، فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ»(7).

 

6- الدعوة  إلى الله من أفضل الأعمال عند الله ، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [ فصلت:33]، وحديث سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لعليّ رضي اللّه عنه: « فَوَ اللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم ِ »(8).

 

7- خيرية هذه الأمة مرتبطة بالدعوة إلى الله, قال تعالى : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران:110 ]  ,فترك الدعوة تنازل عن وجه من وجوه الخير , لأن فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وقد جعله الله  خيرية هذه الأمة , في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  .

 

8- ضرورة الواقع وظهور الفساد في كل جانب من جوانب الحياة , السياسية , والاقتصادية والاجتماعية يستلزم ممارسة كل فرد من أفراد الأمة بفريضة الدعوة الى الله ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )  .

 

إذا : فالتكاليف الدعوية لا يختص بها أحد دون أحد بل  لابد  أن تعم كل معتنق للإسلام بحسب قدرته واستطاعته وهو تكريم من الله يشمل كل مسلم ومسلمة بلا استثناء فيجدر بكل إنسان مسلم القيام به على أحسن وجه  .

 

-------------

(1) ـ أخرجه مسلم في صحيحه1/69, برقم: 49, وابن ماجة في سننه 2/1330, برقم: 4013, وابن حبان في صحيحه 1/541, برقم: 307.

(2) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 2/882, برقم: 2361, والترمذي في السنن 4/470, برقم: 2173.

(3) ـ  أخرجه الترمذي في السنن 4/467, برقم: 2168, وابن ماجة في السنن 2/1327, برقم: 4005, وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/367, برقم: 3236, وفي السلسلة الصحيحة 4/88, برقم: 1564.

(4) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1221, برقم: 3168, ومسلم في صحيحه 4/2207, برقم: 2880.

(5) ـ أخرجه أبو داود في السنن2/524, برقم: 4336, والبيهقي في السنن الكبرى 10/93, برقم: 19983, وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود 1/430, برقم: 932, وفي السلسلة الضعيفة3/227, برقم: 1105.

(6) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 1/14, برقم: 13, ومسلم في صحيحه 4/2005, برقم: 2597.

(7) ـ  أخرجه مسلم في صحيحه 1/74, برقم: 55.

(8) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1077, برقم: 2783, ومسلم في صحيحه 4/1870, برقم: 2404.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل الأول : فرضية الدعوة 2
الأربعاء 20 فبراير 2013

المبحث الثاني

أحكام ومتطلبات الدعوة إلى الله تعالى

 

 

إن المكلف بواجب الدعوة إلى الله تعالى هو كل فرد مسلم بالغ اذكر كان أو أنثى، بدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف:108]، فأتباع النبي صلى الله عليه وسلم أي المؤمنون به من صفاتهم اللازمة فيهم أنهم يدعون إلى الله فهو وصف لابد أن يتحقق فيهم ليصدق عليهم أنهم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أي المؤمنون به على النحو المقبول من هذا الإيمان.

 

كما أن مما يستدل به على أن هذا التكليف على كل فرد مسلم قوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:71].

 

ومن أعظم المعروف: الدعوة إلى الله تعالى، وهذا وصف لازم يصدق على المتصفين به وصفهم بالإيمان، كما يمكن أن يستدل على هذا التكليف بواجب الدعوة إلى الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم: « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(1).

 

ومن أعظم المنكر ما يناقض الإسلام ويخالف أوامره بتركها أو بالعمل ضدها، والنهي عن المنكر هو نوع من أنواع الدعوة إلى الله، لأن الدعوة إلى الله دعوة إلى الإسلام والإسلام معناه القيام بما أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه.

 

وكلامه حفظه الله يدور حول المطالب التالية:

 

المطلب الأول

 

 كيفية القيام بواجب الدعوة إلى الله

 

والقيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى إما أن يكون عن طريق فردي أو عن طريق جماعي والمقصود بالصفة الفردية أن يقوم المسلم بواجب الدعوة حسب اجتهاده، وحسب الموضع الذي هو فيه دون أن يكون مرتبطاً بغيره سواء كان هذا الغير فرداً أو جماعة ارتباطاً يتعلق بالدعوة إلى الله تعالى، والمقصود بالقيام بالدعوة إلى الله تعالى بصفة جماعية أي الفرد المسلم يرتبط بجماعة تدعو إلى الله فيرتبط بها ويكن عضوا فيها ويقوم بالدعوة إلى الله وفق منهج هذه الجماعة وما يقرره قادتها من كيفية العمل الدعوى، وبناء على منهجها في تقيم هذا العمل الدعوى بين أعضاء الجماعة إلى غير ذلك مما هو من متطلبات العمل الجماعي في موضوع هذا العمل الجماعي ونوعه، وطاعة القائمين عليه في غير معصية الله تعالى.

 

 

 

المطلب الثاني

 

الدليل على مشروعية العمل الجماعي في مجال الدعوة إلى الله

 

وهذا الدليل يظهر من وجوه كثيرة:

 

أولاً: قال تعالى : ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:104] .

 

وجه الدلالة من هذا الآية أنها تأمر بقيام أمة أي جماعة من المسلمين تقوم بواجب الدعوة إلى الله على النحو الجماعي الذي ذكرنا بعض ضوابطه.

 

وتفسير كلمة (أمة) الواردة في الآية بأنها (جماعة)، هو أحد التفسيرين في الآية الكريمة، والتفسير الثاني لهذه الآية هو : (ولتكن منكم أيها المسلمون – من جنكم وصفتكم الإيمانية أمة تشمل جميع المسلمين ومن أوصافها أنها تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وحتى على هذا التفسير لكلمة (الأمة) لا يمنع من قيام مجموعة من عموم المسلمين أو مجموعهم للتصدي للعمل الدعوى، لأن العمل الدعوى واجب على الفرد المسلم فإذا اجتمع جمع من المسلمين للقيام بهذا الواجب لا يكون هذا التجمع لغرض هذا العمل الدعوى مانعاً من القيام به بهذه الكيفية أو بهذه الصورة، كالصلاة هي واجبة على كل مسلم ويمكن وصف الأمة الإسلامية  بأنها أمة تحافظ على الصلاة أو من أوصافها أنها تعبد الله بهذه الفريضة كما تعبده بأداء الفرائض الأخرى، وهذا لا يمنع من أن يؤدي المسلم الصلاة بمفرده، أو يؤديها مع غيره جماعة، بل أداؤه جماعة هو المطلوب في الشرع الإسلامي لاسيما في الصلوات المكتوبة (المفروضة).

 

كما يستدل على مشروعية القيام بواجب الدعوة إلى الله بالشكل الجماعي الذي أشرنا إليه قوله تعالى: ﴿ ... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... ﴾ [المائدة:2].

 

ومن مظاهر التعاون مشاركة جملة من الأفراد للقيام بعمل من أعمال البر كتعاونهم مثلاً على بناء المساجد أو رعاية الأيتام أو نحو ذلك من أعمال البر التي تحتاج إلى جهود كثيرة قد لا يقوى الفرد الواحد أن يقوم بها بنفسه فيحتاج إلى من يتعاون معه ويشاركه في إنجاز هذا العمل المبرور، ومن الواضح أن  الدعوة إلى الله من أعظم أنواع البر وله أشكال متعددة ومختلفة لا يمكن أن يقوم بها المسلم بمفرده بل يحتاج إلى أن يتعاون مع غيره في مجال هذا العمل وإنجازه كتبليغ الإسلام لغير المسلمين في أفريقيا مثلاً أو في غيرها من البلاد فهذا النوع من الدعوة إلى الله لا يستطيع فرد واحد وإن استطاعه فلا يستطيع أن ينهض به وبجميع متطلباته، فيكون هذا التعاون مع الآخرين في مجال الدعوة إلى الله في مثل أفريقيا التي ضربناها مثلاً، بحاجة إلى مشاركة بين جمع من المسلمين للنهوض به نحو الوجه المطلوب.

 

 

 

المطلب الثالث

 

متطلبات العمل الجماعي

 

 

وحينما يوجد عمل جماعي ولو كان من المباحات فلا بد لهذا الجمع من رئيس يدلنا على ذلك قوله العام: « إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»(2) وهذا السفر من المباحات إذا كان في غير معصية الله تعالى، ومع هذا فإن الحديث النبوي الشريف يأمر باختيار الأمير من هذا الجمع في هذا السفر المباح، فمن باب أولى أن يكون للجماعة التي تدعو إلى الله أن تختار أميراً لها، وحينما يوجد الأمير لجماعة فإنه يصير له حقوق على الجماعة وواجبات عليه نحوها.

 

ومن الحقوق التي تصير له بحكم منصبه وبحكم اعتباره أميراً للجماعة طاعته في غير معصية الله، كما أن من واجباته نحوهم أن لا يتعسف في استعمال إمرته، وأن ينصح لهم فيما يكلفهم به من أعمال، وأن يعتبر أن إمرته هي لغرض تيسير وتسهيل العمل الجماعي للدعوة فيرفق بهم ولا يتعسف في استعمال إمرته ويكون معهم هينا ليناً لا فضا ولا غليظاً، وأن يعاملهم بروح الأخوة الإيمانية، ولكن يحدد حرصه على القيام بواجبات الدعوة، وأي يكون سيره حسب ضوابط العمل الجماعي من حيث الغاية والوسيلة فلا بد لهذه الجماعة أن تتقيد في تحديد غايتها من العمل الجماعي أو في مراحل هذا العمل الجماعي، أي تتقيد بالمشروعية لأن الإسلام حاكم على كل شيء فهو حاكم على الغاية وعلى الوسيلة المراد التوصل بها إلى الغاية.

 

 

 

المطلب الرابع

 

ما يجب على الجماعة وأميرها

 

 ويجب على الجماعة وأميرها التقيد التام بأمرين اثنين:

 

الأول: الحرص الشديد على أن تكون غاية الجماعة ووسيلتها مما يبيحه الإسلام على أقل تقدير، ولا يجوز للجماعة ولا لأميرها أن تخرج عن هذه المشروعية.

 

والأمر الثاني: أن يسود الإخلاص التام الجماعة أفرادها وأميرها، فأميرها لا يلتفت إلا إلى الشرع فيما يأمر به أو ينهى عنه أو يتوسل به أو يتركه.

 

كما أن على أفردها أن يكون هدفهم مرضاة الله، والنجاح في عملهم المبرور ومن ثم فهم يقبلون عون كل مستطيع وقادر على إتمام العمل الجماعي أو إجادته، فيسره نجاح أي عضو في الجماعة فيما يناط به من أعمال بل يعجبه ذلك ويفرضه، وإذا رآه قادراً على عمل معين فهو يسارع إلى طلبه له ومعاونته فيه، فهو بعيد عن الأنانية وعن الإنفراد عن العمل لتحصيل السمعة له.

 

 

 

المطلب الخامس

 

اهتمام الجماعة بهموم الأفراد والمجتمع

 

 

والجماعة التي تتصدى للعمل الجماعي في مجال الدعوة لا تغفل عن هموم الناس ومشاكلهم ومتاعبهم بل تدافع عن مصالح الناس ويتجه ما يجب عليهم وعلى بعضهم قبل بعض أخر، كما تطالب ولاة الأمور برعاية مصالح الرعية وتذكيرهم بواجباتهم نحوها.

 

 

 

المطلب السادس

 

علاقة الجماعة وأميرها بولاة الأمور

 

وعلى الجماعة أن تجعل العلاقة بينها وبين ولي الأمر (ولاة الأمور) علاقة التناصح استجابة لحديث وسول الله صلى الله عليه وسلم: « الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسله ولأئمة المسلمين وعامتهم»(3).

 

فلا يجوز أن تقيم الجماعة وأميرها العلاقة بينها وبين ولي الأمر على المخاصمة والمخاشنة ولا على المداهنة والمصانعة، بل على النصيحة التناصح في جميع الأحوال، فهي لا تكبر السيئة ولا تصغر الحسنة يفعلها ولي الأمر، وإنما تذكره عما ينساه من حقوق الرعية وتنهاه عن التقصير فيها، وتتحمل منه بعض ما يهضم حقوقها حرصاً على وحدة الأمة والابتعاد عما يوقع الفتنة فيما بينها.

 

وهذا يفهم من بعض الأحاديث التي تأمر بطاعة ألأمير وفيها « وإن ضرب ظهرك »(4)، والمقصود بهذا النهي بهذا الأمر حتى في حالة تعسف الأمير وظلمه، لأن هذا الصبر على ظلم الأمير يدخل في باب الإيثار، لا في باب قبول المذلة والهوان، لأن حد الإيثار أن تقدم غيرك ومصلحته على مصلحتك كالذي يعطى غيره ما لا هو محتاج إليه، كالذي حصل مع المسلمين في معركة اليرموك، فكان أحدهم يومئ وهو محتاج للماء إلى جريح آخر سمع أنينه، فظل يؤثر غيره على نفسه في شربة الماء وكما حصل في معركة أخرى.

 

ومن الإثبات أن المسلم يتحمل ظلم الأمير دون قيامه بالثورة المسلحة إيثاراً لمصلحة الأمة فهذا ممدوح ولا يعني هذا أن يصبر ولا يطالب أميره برفع الظلم، والمحذور أن يؤجج الثورة على إمامه لكونه يظلم فيثور عليه ابتغاء نفسه دون ملاحظة الفساد والضرر لأن النصيحة التي تقوم بين الراعي والرعية أعني (المناصحة) وفيها مكاشفة الأمير فيما يفعله وتحمل بعض خطأه وظلمه مع الاستمرار في نصحه مكاشفة فيما يجب عليه.

 

 

 

المطلب السابع

 

ضرورة تفقه الأمير في أمور الدين

 

 

وحيث أن قيام الجماعة التي تتصدى للعمل الدعوى الجماعي أمر هام، فإن على الجماعة أن يكون سيرها وفعلها وتركها وما تفعله من وسائل، كل ذلك يجب أن يكون في حدود المشروعية فإن على الأمير أن يتفقه في أمور الدين ويكون عنده قدر كاف حتى يكون ما يأمر به في حدود المشروعية وشعاره في هذه الحالة ( لا مرجعية له ولا لجماعته إلا الإسلام) فما يقضي به الإسلام يتبعه، وما يجده من مشكلة يرجع فيه إلى الفقه الإسلامي دون أن يتأثر بأهواء الناس وما يريدون منه استعجالاً لبلوغ الغاية أو أي سبب أخر.

 

 

 

المطلب الثامن

 

اختيار بعض أهل الفقه لمشاورة الأمير

 

 

ومن المستحب أن يكون لأمير الجماعة  من الفقهاء يستشيرهم فيما هو عازم على فعله أو تركه لأن المشاورة أمر مرغوب فيه شرعاً ومن المشاورة الممدوحة مشاورة الأمير أهل العلم والفقه فيما هو عازم على فعله أو تركه، وقد قال الفقهاء: إن من المستحب أن يكون في مجلس القاضي جماعة من الفقهاء يشهدون المرافعة ثم يسألهم القاضي فيما سمعوه من مرافعات ودعاوى ودفوع ويناقشهم ويذاكرهم فيها، لأن في هذه الحالة اقتراب من الحكم الصواب فيما يقضيه القاضي، لاشك أن أميرة أميره الجماعة أهم من حكم القاضي لأن حكم القاضي محصور في المتخاصمين، حيث الأمير يعين كثيراً من الأمة، فكان من المستحسن أن يكون عنده مجلس علم وفقه في الأمور التي يريد فعلها أو تركها.

 

 المطلب التاسع

 

مدة الإمارة

 

لا مانع من أن يكون للأمير مدة معينة، يختار غيره بعد مضيها ولا مانع أن يبقى الأمير دون تحديد مدة معينة لإمارته وإنما يبقى مادام مستحقاً للبقاء ودون تحديد مدة معينة وهذه أمور اجتهادية، وليس نوع منها ملزماً إلا إذا ترجح واحد منها، كما هو الشائع اليوم أن رئيس الدولة يختار له مدة ثم حين تنتهي المدة بمضيها يحصل انتخاب أخر فيجوز انتخابه أو تعيين غيره، إلا إذا ترجح واحد لمرجح خارجي، كأن يخشى من تعسف الأمير إذا بقى دون تحديد مدة لبقائه إما لرقة دينه، أو جشعه وطمعه واستحواذه على المال وتكثير الأنصار حوله ولمصلحته، فيكون في تحديد المدة فرصة للأمة في تجديد انتخابه أن رؤى الإصلاح والعدل في استمراره، كما يتحدد عدم تجديد انتخابه إذا رؤى أي عدم انتخابه فيه مصلحة للأمة وما قلناه يمكن تطبيقه على إمارة الجماعة أو إدارة الدولة كلها من الخليفة إلى رئيس الوزراء إلى تجديد انتخاب النواب بتحديد مدة لهؤلاء جميعاً ينتخبون بعدها إن رأت الأمة ذلك، لأن هذه أمور اجتهادية، والراجح منها ترجحه مصلحة الأمة أو الجماعة حسب الظروف القائمة.

 

 

 

المطلب العاشر

 

شيوع الإخلاص في الجماعة

 

ويحب على الجماعة وعلى أميرها إشاعة الإخلاص بين أفرادها وإشاعة تقوى الله تعالى لأن بهذه التقوى يظفرون بتأييد الله تعالى بتبصيرهم بالحق والصواب وما أحوج الجماعة إلى هذا التبصير، قال تعالى : ﴿ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ... ﴾ [ الأنفال:29] فتقوى الله تعالى من أكبر أسباب ومعرفة الحق والصواب الواجب أتباعهما.

كما يجب عليهم كمظهر من مظاهر الإخلاص القيام بالعمل المبرور في مجال الدعوة على وجه الستر والخفى إلا إذا كان بطبيعته يدعو إلى العلانية وانكشافه أمام الناس.

 

 

 

المطلب الحادي عشر

 

حكم الاستعانة بالغير في العمل الجماعي

 

 

لا بأس من الاستعانة بالغير ولا حرج ولا جناح على الجماعة المسلمة التي تقوم بالعمل الجماعي أن تستعين بغيرها لإنجاز عملها ومهمتها أو لا يجاد الجو الهادئ الضروري لقيامها بالأعمال الضرورية فتستعين بأهل الخير والصلاح، فيجوز لها أو لأفرادها أو أميرها الاستعانة بالمسلمين المخلصين، بل لو لم يكونوا بهذه الصفة إذا كانت الاستعانة ليست على حساب الدعوة ومتطلباتها، فقد رضي المسلمون في  زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ بنظام الجوار الذي كان معروفاً عند عرب الجاهلية لأن فيه حماية لهم ولأعمال الدعوة وتمكينها لها، ولكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب الدعوة ومتطلباتها فسيدنا أبو بكر رضي الله عنه عندما قبل جوار ابن الدغنه رد عليه ذلك الجوار عندما طلب منه أن لا يصلي في فناء داره ويعلي صوته كما أراد المشركون، أما إذا كان الجوار دون مثل هذا التنازل فلا بأس بذلك فقد هاجر المسلمون إلى الحبشة طلبا للسلامة من أذى المشركين فقد يحتاج المسلم أو الجماعة  أو أميرها إلى معونة غير المسلم حماية نفوسهم وحياتهم أو تمكيناً للدعوة أو طلب المحافظة على اجتماعهم أو مناقشتهم فلا بأس من ذلك.

وكذلك لا بأس للجماعة أو أميرها أن يستفيدوا من علاقاتهم الطيبة مع أصحاب الأمر والنهي من الناس للتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنع من يتعرض لهم بأي شيء من أنواع التعرض.

 

المطلب الثاني عشر

 

علاقة الجماعة المسلمة بغيرها من الجماعات

 

 

وتعدد الجماعات المسلمة التي تقوم بالدعوة إلى الله بطريقة جماعية أمر جائز وتكون العلاقة فيما بينها علاقة ود ومحبة وأخوه، وكما هي بين الأفراد يجب أن تكون بين الجماعات، فلا يجوز أن يكيد أو يكذب أو يغتاب بعضهم بعضاً، فإن ساحة العمل الدعوى لا تضيق بالمخلصين لأنها واسعة، وإنما تضيق بطلاب الدنيا، ومن اختلط إخلاصهم ورياؤهم يضيقون إذا رأوا غيرهم تقدمهم، ، وإنما يجوز التنافس ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين:26] بأن يقدم كل واحد أحسن ما عنده لا على سبيل المخاصمة وإنما على أساس كثرة ما يقدمه لمصلحة الإسلام فهذا تنافس جائز لا يدخل في باب الرياء أو التنافس المحظور.

 

لفضيلة الدكتور العلامة / عبد الكريم زيدان.

 

-------------

(1) ـ أخرجه مسلم في صحيحه1/69, برقم: 49, وابن ماجة في سننه 2/1330, برقم: 4013, وابن حبان في صحيحه 1/541, برقم: 307.

(2) ـ أخرجه أبو داود في سننه 2/42, برقم: 2608, والبيهقي في السنن الكبرى 5/257,برقم: 10131, وصححه الألباني في صحيح أبي داود 2/494, برقم: 2272, و حسنه في السلسلة الصحيحة 3/314, برقم: 1322.

(3) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 1/74, برقم: 55, وأخرجه البخاري في صحيحه 1/31, برقم: 57 بلفظ: والنصح لكل مسلم.

(4) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1475, برقم: 1847, و أبو داود في سننه 2/496, برقم: 4244.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل الثاني : شروط وآداب الداعية
الأربعاء 20 فبراير 2013

الفصل الثاني

 

شروط وآداب الداعية

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:

 

فنذكر فيما يلي شيئاً عن شروط الداعية أي ما يجب أن يتحقق في الداعية مما يسهل عليه مهمته ويحقق الغرض من قيامه بالدعوة.

 

أولاً: شرط الإسلام والبلوغ والعقل:

 

يشترط في الداعية أن يكون مسلماً لأن موضوع الدعوة التي يقوم الداعي بتبليغها هو الإخبار عن دين الله أي ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وغير المسلم غير مؤتمن على قيامه بهذا الإخبار لأنه لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً أمره الله بتبليغ ما يوحى إليه.

 

وأما شرط البلوغ مع العقل: فهو شرط لوجوب التكليف وليس بشرط الصحة لما يقوم به العاقل غير البالغ مما يدخل ضمن أعمال الداعي وقيامه بمتطلبات الدعوة، فما يصدر من العاقل غير البالغ مما يدخل في مجال الدعوة صحيح ومقبول لنفسه وإن لم يكن ما قام به العاقل غير البالغ على وجه التكليف والقيام بما هو واجب عليه كما لو قال صبي عاقل دون البلوغ لآخر: أعبد ربك أو أدّ الشهادتين؟ فكان ما يقوله حق وصحيح ومطلوب ، وينبغي الأخذ به ويدخل في مجال تبليغ الدعوة وإن لم يكن ما قاله هذا الصبي على سبيل أداء ما وجب عليه من القيام بالدعوة.

 

وأما البالغ غير العاقل فهذا فاقد لأداة المعرفة والعلم وشرط التكليف فلا يفيد بلوغه وحده دون أن يكون هناك عقل لأن البلوغ أمارة العقل الذي يصح معه تكليف صاحبه، فهذه القرينة قرينة البلوغ لا تنفع إذا تبين معها فقدان العقل.

 

ثانياً: شرط العلم:

 

1-  ويشترط في الداعية أن يعلم يقيناً أن ما يدعو الناس إليه هو من مضامين الدعوة إلى الله لأن جوهر الدعوة وموضوع الدعوة هو الإخبار عن شرع الله فيجب أن يكون الإخبار صحيحاً والمُخبر به صادقاً، فيجب أن يسبق قيامه بواجب تبليغ الدعوة علمه بما يدعو الناس إليه من معاني الشريعة الإسلامية ، وما جهله من معاني الشريعة لا يجوز له أن يدعو الناس إليه أو يخبر بأنه من الشريعة لأنه بهذا يكون كاذباً ومفترياً على الله فيما يخبر عنه، وفي قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ...﴾ [النحل:116]، فيه دليل على ما قلناه قررنا. فلا يجوز للمسلم أن يُدَّعي أو يُقَوّل الشريعة ما لم تقله بأن يقول هذا حلال وهذا حرام حسب حكم الشريعة وهو لم يعلم بما صدر من الشريعة يقيناً.

 

ولا يقال إن هذا يناقض اجتهاد المجتهد لأن المجتهد لا يجتهد إلا عند عدم النص الشرعي واجتهاده معرض للصحة والصواب ويصح له أن ينسب ما وصل إليه باجتهاده على أنه من شرع الله.

 

والجواب على ذلك: أن الله تعالى أذن للمجتهد أن يجتهد بدليل أنه مأجور على اجتهاده وإن كان خطأ، وقد يصرح المجتهد بأن هذا ما أقوله منسوباً إلى الشريعة إنما هو على سبيل الاجتهاد أو دون أن يصرح بذلك، ويُفهم من سياق الكلام ما يتضمن ما يدعي أنه من الشريعة، كما لو أخذ بالقياس أو المصلحة أو نحو ذلك.

 

2-  ولا يشترط لتحقق هذا الشرط في الداعية أن يصل علمه بمعاني الشريعة إلى مرتبة المجتهد وإنما الشرط أن ما يدعيه من الشريعة وصل إليه عن طريق اليقين ومعرفته بالنص الشرعي، أما ما يجهله فلا يكلف بتبليغه أو يكلف بالتكلم عنه. ومن هنا جاء واجب الدعوة إلى الله تعالى على المكلف يتحدد بقدر علمه بمعاني الشريعة ومضامينها كما يتحدد بقدرته على تبليغ معاني الشريعة.

 

3-  إن مقصودنا من شرط العلم شمول العلم بالمعنى الشرعي أو الحكم الشرعي أو المقصود الشرعي مع وسيلته التي ينبغي أن تكون وسيلة شرعية مقبولة فدعوة الداعية للغير إلى التعاون على البر أو الإحسان إلى الفقير أو نحو ذلك مما تأمر به الشريعة يجب أن يصل إليه الداعية أو يذكر المدعوين بوجوب اتخاذ الوسيلة المشروعة لبلوغ الهدف الذي ذكرنا أمثلة له من أعمال البر أو مساعدة الفقيرة المحتاج، فلا يجوز لمن يريد مساعدة المحتاج أن يسرق مال الغير أو يأخذ الربا، لأن الغاية لا تبرر الوسيلة بل لا بد من مشروعية الوسيلة ومشروعية الغاية.

 

4-  ومعرفة مقاصد الشريعة ومطالبها ووسائلها تؤخذ من المصادر الشرعية التي دلت عليها الشريعة وعلى رأس هذه المصادر كتاب الله وسنة رسوله وما دلّ عليه هذان المصدران كمصدر الإجماع والاجتهاد بأنواعه.

 

ثالثاً: شرط الاستطاعة:

 

ويشترط في الداعية للقيام بما وجب عليه : استطاعته على القيام بهذا الواجب لأن القاعدة في الشريعة الإسلامية  أن مسئولية المسلم عما كلف به ووجب عليه استطاعته على القيام بهذا التكليف، قال تعالى: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: 286] وهو مبدأ وقاعدة عظيمة جداً لفهم ضوابط المسئولية في الشريعة الإسلامية ، ولكن الاستطاعة إذا فقدها الداعية قد يفقد نوعاً منها فيتحول إلى ما يستطيعه، ويكون الثاني الذي يستطيعه هو الواجب عليه، ومثاله: أن القيام ركن في الصلاة متوقف على استطاعته فإذا عجز عنه تحول إلى ما يقدر عليه من قعود لأداء الصلاة، فإذا أخل بالقعود مع قدرته عليه كان مقصراً وكذلك الداعية إذ لم يستطع القيام بمتطلبات الدعوة لظرف معين من مكان أو زمان أو فقد أعوان أو نحو ذلك من لوازم الاستطاعة فإنه يتحول إلى ما يستطيعه مع فقده هذه اللوازم، ولنا على ذلك حديث: « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(1). لأن تغيير المنكر من مظاهر القيام بالدعوة إلى دين الله، فإنه مظهر من المظاهر وهو مَحْقٌ وإزالة للمنكر، فإن لم يستطع على هذه الإزالة لفقده القوة أو غير ذلك، تحول إلى غيرها، بأن يعمل ما يستطيعه من إنكاره بلسانه والدعوة إلى تغييره دون مباشرة هذا التغيير، فإن تعذر عليه الكل تحول إلى تغييره بقلبه، والمقصود بالتغيير بالقلب مع أن المنكر في الخارج لا يتغير بتغير القلب، وإنما يتحقق ذلك بكراهية المنكر والسبب في ذلك أن التغيير للمنكر باليد واللسان لا بد أن يسبقه كراهية لهذا المنكر فصح إطلاق التغيير على الكراهية لأن الكراهية سبب وشرط لا بد منه لتغيير المنكر عن القدرة على تغييره فعلاً.

 

ومثله في مجال الدعوة إذا وجد نفسه في مجتمع أو جماعة تعمل المنكر ولا يستطيع تغييره ولا إنكاره حتى بلسانه فعليه إنكاره بقلبه والتحول عنه، كما أن التغيير إن كان مستطاعاً عليه باللسان ولكن يترتب عليه منكر أكبر فهنا ينبغي ترك هذا التغيير باللسان لأنه لم يعد مستطيعاً للتغيير المطلوب، وقد دلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ [ الأنعام:108] فسب آلهة المشركين بإظهار نقائصها ونقائضها وتحقيرها فهي معاني صحيحة ولكن إن قوبلت بسب الله تعالى ولا يستطيع المسلم أن يغير هذا المنكر فيترك هذا السب وهذا المجلس ، وهذا من فقه الدعوة، والمجال لا يحتمل أكثر من هذا.

 

رابعاً: إيمان الداعية بأحقية ما يدعوا إليه أو إيمان الداعية بأن ما يدعو إليه هو الحق الواجب الإتباع:

 

وأعني بهذا الشرط أن يكون الداعي واثقاً أن ما يدعو إليه هو الحق وغيره الباطل، والإيمان بأحقية ما يدعو إليه غير قابل للشك والارتياب والجدال ولا يتأثر بما في الخارج لأنه مبني على ذات ما يدعو إليه، فهو لا يتأثر بأحداث ما يقع في الخارج بمعنى أن الداعية سواء لم يقبل منه أحد أو أوذي في سبيلها أو لم يصل إلى مبتغاه منها أو نحو ذلك مما قد يقع في الخارج أو يجد أن المسلمين هم الضعفاء وأن الكفرة هم المتسلطون عليهم، فإن هذا لا يزعزع إيمانه بأن ما يدعو إليه هو الحق الواجب الإتباع، لأن ما يدعو إليه وهو وصف الإسلام لا يقبل الشركة بغيره، مهما أوتى الباطل وأهله من العلو ومظاهر الغلبة والسيطرة ومتابعة الناس لهم، وقد دلنا على ذلك ما جاء في حديث الدجال الذي يصل إلى المدينة ولا يدخلها فيدخل رجل من أكثر الناس إيماناً فلما يرى الدجال يقول: أنت الدجال الذي وعدنا الرسول صلى الله عليه وسلم بظهوره مع ما يرى من الخوارق وسقوط المطر ونحو ذلك، فيقول الدجال: سأقتله وأحييه، ثم يفعل ذلك فيسأله فيقول: ما كنت أكثر يقيناً مني الآن أنك أنت الدجال. فهذا الرجل أقام إيمانه على ذات الإسلام وكونه هو الحق وهذا الإيمان لم يقم على مظاهر خارجية من خوارق تظهر على يد المبطل فلم يتأثر إيمانه بهذه الخوارق التي أعطيها الدجال على وجه الفتنة والامتحان وهذا النوع من الإيمان مطلوب للداعية لا سيما في زماننا هذا، فإن المظاهر الخارجية التي تحيط بالمسلمين من سيطرة الكفار عليهم ومن ضعف المسلمين وسيطرة أهل الكفر عليهم وسلبهم ديارهم كما نلاحظ في فلسطين وما يحصل على أيدي اليهود، كل هذه المظاهر قد تزعزع وتهز إيمان المسلم الضعيف، أما المؤمن الذي أقام إيمانه على ما زرناه فإن هذه الأحداث لا تؤثر في إيمانه وثباته وأن هذا الدين هو الحق وغيره مما يخالفه من باطل أو قوه المبلطين لا تؤثر على أحقية الإسلام وأنه الحق المبين، وهكذا كان الصحابة الكرام في جميع أحوالهم في حالة ضعفهم وقوتهم يوم كانوا في مكة ضعفاء ويوم انتصروا في بدر وهزموا في أحد وحوصروا في الخندق فلم يتأثر إسلامهم بأن محمداً رسول الله e الحق الواجب الإتباع.

 

وإذا أحس المسلم بشك مهما كان قليلاً بأن الإسلام قد لا يكون هو الحق الوحيد، وأن الباطل قد يكون فيه شيء من الحق الذي يشارك الإسلام في أحقيته فعلى الداعية أن يقف ويصحح إيمانه ويترك هذه الشوائب عنه ويحقق إيمانه بأن الإسلام هو الحق الوحيد وأنه لا يقبل الشركة مع الباطل أبداً على وجه الأحقية والمشاركة مع الإسلام.

 

 

خامساً: معرفة الداعي بأن تكليفه للدعوة هو لمصلحته:

 

إن تكليف المسلم بالدعوة إلى الله تعالى هو تكليف لمصلحته قطعاً لأن فيه تقديم ما ينفعه في الآخرة لأن المطلوب من المسلم أن يتزود أي يهيئ الزاد لسفره الطويل إلى الآخرة وما ينفعه لما بعد السفر الطويل ونهايته وهو تقوى الله ﴿... وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ... ﴾ [البقرة: 197] ومن أعظم معاني التقوى الجهاد في سبيله ومن أعظمها دعوة الخلق إلى دينه بما يستطيعه من قوة باليد أو باللسان أو بغير ذلك من وسائل القدرة فإذا علم الداعية المسلم ذلك فإنه لا يحس بثقل وصعوبة هذا التكليف لأن فيه ربحاً ورصيداً عند نهاية رحلته.

 

ألا يرى أن التاجر الذي يرجح عند الربح، يتحمل الغربة في سفره والابتعاد عن عائلته ولا يحس بهذه المتاعب ولا تُقعده عن الاستمرار لعلمه بالربح الذي ينتظره، فأي ربح يقاس بربح الآخرة، والظفر بالجنان المعدة للمتقين، وإن هذا الإحساس بأن قيامه بالدعوة لمصلحته وفيه ادخار أنفع لله للآخرة يقويه ويشجعه فلا يأبه بما يلاقيه من صعاب القاعدة فكيف بالقائم بواجب الدعوة إلى الله تعالى.

 

سادساً: وجوب الحذر من معوقات الدعوة إلى الله:

 

ويجب على الداعية أن يحذر من المعوقات عن استمراره في متطلبات الدعوة إلى الله تعالى وهي كثيرة في الدنيا سواء كانت هذه المعوقات تأتي من أهله أو من غيرهم وقد تأتيه مما يجره إلى الركون إلى الدنيا لما فيها من مغريات ولذا حذرنا الله منها، والله لا يحذر إلا مما يستحق التحذير منه، وقد جاء في القرآن ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [فاطر:5] لأن في الدنيا قابلية للتحرير بالإنسان وفي الإنسان قابلية للتحرير، « إن الدنيا حلوة حضرة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر ما تعملون , فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»(2).

 

وعلاج هذا أي الانفكاك من الركون إلى الدنيا والرضخ لتغريرها أن يجعل شعاره ( تغييب الحاضر وإحضار الغائب) بمعنى أن ينفلت من أسر الدنيا وما فيها من جاذبية وإبعاد عن الآخرة، بأن يستحضر ما في الدنيا من قلة وضعف وزوال وما في الآخرة من نعيم لا ينقضي والعاقل يؤثر الباقي على الفاني والكثير على القليل، وكل ما في الدنيا بالنسبة لنوع النعيم وبقائه حقير لما في الآخرة من نعيم أو لذة حقير وفان كما قال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ [التوبة:38].

 

وهذا التغييب والإحضار يمكن أن يحصل للإنسان حتى بالنسبة لأمور الدنيا، كالطالب يشغله نجاحه أو رسوبه والتاجر يشغله ربحه أو خسارته فإن التاجر أو الطالب قد يكون مع غيره يكلمهم ويكلمونه وفكره مشغول بما يهمه من نجاح أو ربح، ولكن هذا يتطلب تغييب ما في الدنيا كأنه ليس فيها فلا يتأثر بها وإحضاراً لما في الآخرة.

 

2-ومن الحذر المطلوب أن يحذر الفتور فيكسل ويقصر في أمور الدعوة وهذا مما يجب أن يحذره لأن له أسباباً لا بد أن يعالجها حتى لا يصل به الكسل إلى القعود والتقصير والانفلات في الدعوة، وقد أمر الله بترك ذلك كما في قصة موسى وهارون: ﴿ اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ [طه:42].

 

والمقصود بلا تنيا أي لا تفترا في أمور الدعوة، لأن من أعظم الذكر قيامه بالدعوة إلى الله تعالى كما جاء في تفسير المفسرين.

 

وقد يكون مرد هذا الفتور فهم خاطئ في الظرف الناس عن دعوة الداعية فلا يجد من يسمع له فتضعف همته فيفتر ويكسل ولا يقوم بمتطلباتها بحجة أنه لا يجد من يسمع له، وعلاج هذا أي يفقه أن الواجب عليه أن يدعو لا أن يسمع الناس، ولا يكلف الداعية بأكثر مما كلف به رسل الله، لأن رسل الله لم يكلفوا بوجوب قبول الناس لدعوة الرسل فنوح لبث ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومنهم من ماتوا ولم يسمع أو يقبل أو يستجيب لدعوته أحد ﴿... وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [ النور:54].

 

وقد يحصل مع التكرار الاستجابة في قلوب الناس, وقد لا يكون التقبل في أول سماع الداعية دعوته للآخرين بل قد يطول أو يقصر فمن الناس من يستجيب كأبي بكر، ومنهم من يتأخر ككثير من الصحابة، ومنهم من انغمس في المحاربة للدين ثم هداهم الله للإيمان كخالد، فالتكرار مطلوب وقد يحصل المقصود والخير الكثير بعد حين ثم إن الفتور عن الدعوة لعدم الاستجابة يعني ترجيح اليأس والقنوط وهو حرام ﴿...إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف:87] واليأس حرام.

 

ومن الحذر ابتعاد الداعية عن الشبهات والمقصود بها كل موقف قد يكون فيه الداعية ويستغله أهل الباطل في الطعن بالداعية وبدعوته وقد يجره هذا الحذر المشروع إلى ما هو مباح لغيره لكنه غير مباح له، ودليلنا على ذلك أن الله سبحانه وتعالى منع رسوله e من تعلم الكتابة مبيناً الحكمة في ذلك، قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ... ﴾ [ العنكبوت:48] مع أن تعلم الكتابة شيء مباح إن لم يكن مندوباً ولكن منع الله رسوله من هذا المباح دفعاً للشبهة التي كان يمكن أن تحجج بها أهل الباطل بعد إعلان النبي بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك لم يبعث الله نبيه ورسوله إلا بعد أن صار عمره المبارك (40) سنة لحكم منها دفعاً للشبهة عن أهل الباطل وتحججهم بأن النبي eغير صادق وقد قال تعالى: ﴿ قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً... ﴾ [يونس:16] أي لبثت فيكم سنين طويلة قبل أن يوحى إليّ، فكيف أكذب عليه، ألا تعقلون أن من يقضي أربعين سنة صادقاً كيف يأتي بالضلال على الله تعالى.

 

ومن ذلك منع الله رسوله من تعلم الشعر مع إباحته وتشجيعه لحسان في ذلك في الدعوة ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ.... ﴾ [ يس:69] فابتعاد الداعية عن الشبهات واجب لا يقل هذا مباح لأن الشبهة في حق الداعية تكون بإتيان المباح وهو في مقام القدوة فيتأثر بما يقوله المبطلون بعض الناس أو كثير منهم فدفعاً لهذا المحذور وجب عليه الابتعاد عن الشبهات ومن ذلك كثرة التردد على ولاة الأمور مع كثرة ما يشاهدونه منهم من منكرات فهذا قد يكون شبهة في حق كثير من الناس ولكن يجب أن يعرف هنا أنه لا يجوز ترك ما هو واجب عليه بحجة الابتعاد عن الشبهة فمثلاً: لا يذهب إلى مجامع أهل الباطل في محافلهم بحجة الشبهة وأنه يتردد على أولياء الأمور، فقد كان e يأتي مجامع المشركين ويخاطب رؤساءهم وفي ( سورة عبس ) دليل على ذلك حرصاً على إسلامهم، ولا يحتج بالعتاب فإنه ليس على حرصه على إسلام رؤساء قريش، وإنما لم يوقف الخطاب من أجل الأعمى الذي يستحق أن يجاب إلى طلبه ثم يتحول إلى هؤلاء، فلا يترك كثيراً من أعمال الدعوة بحجة الابتعاد عن الشبهات وهذا يحتاج إلى فهم دقيق في ميزان المصالح والمفاسد والترجيح بينهما وليبقى المبدأ صحيحاً.

 

سابعاً: أن يعيش الداعية مع الناس في همومهم وظروفهم وأحوالهم :

 

بمعنى أن يدعو ويطلب رفع الضيم والظلم عنهم ومساعدة غنيهم وفقيرهم ونحو ذلك ويقترح ويذكر ما يجب على المسلمين بعضهم نحو البعض الآخر في أوقات الشدة والضيق حتى يشعر الناس أي الناس يتحسسون ما هو عليهم، وعليه أن يربط ما يغالب من أمور الدنيا برفع الظلم عنهم فيرفعه بالإيمان والعقيدة الإسلامية  واليوم الآخر كما في قوله تعالى في سورة المطففين: ﴿ ويْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ المطففين:1-5].

 

ففي هذه الآيات نهي عن التطفيف بطريق الكيل أو الوزن ثم قال ألا يظن هؤلاء أنهم مجزيون في اليوم الآخر، فعلى الداعية أن يربط كل ما يقوم به بالعقيدة الإسلامية  ورفع ظلم أو انتصار لهم.

 

ثامناً: ما يجب أن يتخلق به الداعية:

 

ويجب على الداعية أن يتخلق بأخلاق الإسلام وهي كثيرة ومبثوثة في آيات كثيرة في القرآن وفي أحاديث السنة ولأهميتها مدح الله تعالى بها ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم:4]والمدح لا يكون إلا بالشيء العظيم، والأخلاق مهمة جداً للداعية لأن الناس ينظرون إلى الدعوة والداعية من خلال أ خلاقه وسيرته بين الناس، ولا يغفلون بين ما يدعو إليه ويقوله من حق وبين ما هو متخلق ومتصف به فليحذر الداعية من سوء الخلق لأنه يكون منفراً بأخلاقه وإن كان صادقاً في أقواله ومن الأخلاق التي يحتاجها الصبر والصبر لمنزلته العظيمة جعل ذنوب الصابرين بغير حساب والمسلم يحتاجه في جميع أحواله وحاجة الداعية إليه أكثر من حاجة غيره من المسلمين، وهو أنواع:

 

1- صبر على طاعة الله بالدوام عليها، وصبر عن معصية الله بالابتعاد عنها.

 

2- وصبر بالله أي بالاستعانة به أي أن يمده بالصبر الذي به يواجه من الصعاب.

 

3- وصبر لله أي طاعة ا لله ولمرضاة الله ولأن الله يأمر بالصبر فهو يشمل هذه المعاني.

 

والصبر على المصاعب التي يلقاها الداعية هو صبر من نوع عال لأنه يتسبب بمسببات ودواعي الصبر فأجره أعظم من صبر الإنسان على ما يقع عليه من أفعال الغير أو من غير تسبب منه هو، ولذلك كان صبر الرسل بسبب الصعاب من أجل الدعوة إلى الله أعظم أجراً من صبر المرء على بلاء مرض أو نحو ذلك.

 

وحيث أنه جرت سنة الله تعالى بأن الدعاة إلى دينه من رسل الله وأتباعهم هو من سنة الله تعالى التي جرت على الماضين وتجري على اللاحقين فالداعية يصبر نفسه ويحبسها، ولكن لا يعرض نفسه للبلاء فيدعو ويطلب من الله العافية « سلوا الله العافية»(3),  وحديث: « لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية...»(4) لأن الصبر ثقيل وأمره خطير وقد لا يصبر المسلم إذا نزل البلاء عليه فيقع في مخالفات شرعية والمسلم يطلب السلامة والعفو والعافية من الله في دينه ودنياه، ولكن لا يمنع الداعية من الاستمرار في الدعوة وإن لقي ما لقي، وإنما تمنع أن يعرض نفسه للبلاء وللضرر وله منه فرصة في الخلاص منه، وهو عليه الصلاة والسلام عندما هاجر أخذ بالحذر.

 

وقد يجوز للمسلم والداعية دفعاً للضرر الذي يستدل الصبر، أن يتبعه بغير المسلم لهذا الغرض حتى يستمر في الدعوة، ولهذا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنظام الجوار وهو أي تخير الكافر لمكانه مسلماً فبهذا الالتزام يكف ضرر الكفار عن الداعية، ولهذا رضي النبي صلى الله عليه وسلم بجوار أبي طالب حتى قال صلى الله عليه وسلم لما مات عمه: « ما نالت مني قريش ما نالت مني إلا بعد وفاة عمي أبي طالب»(5). ولكن لا يكون على حساب الدعوة والقعود عن متطلباتها، ولذا لما كان أبو بكر يصلي بصوت شجي وطلب منه ابن الدغنة ألا يخرج إلى الفناء، فقال: رددت جوارك لك، فهذا صار مبدأ أن يقبل المسلم بجوار كافر لحماية شخصه بشرط أن لا يكون ذلك على حساب الدعوة بألا يقصر عنها.

 

ومن الأخلاق الواجبة على الداعية أن يكون حليماً مع من يدعوه فيتحمل ذلك في سبيل الله وبهذا الحلم دعوة صادقة لمن يعتبرون على الدعاة ويخلصه من الانتقام لشخصه وإذا فقد الداعية الصبر والحلم كان من يلحقه من الأذى بالدعوة أكثر مما يربحه لها فعلى الداعية أن يروض نفسه على ذلك وقد صبر صلى الله عليه وسلم على أذى قريش فقد حوصر وقوطع في شعب أبي طالب أكثر من (3) سنوات.

 

ومن الأخلاق الضرورية أن يكون ليناً مع المدعوين ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه:44] لأن القول اللين لا يثير الحمية في المخاطب، وإن ذلك لا يعني قول الباطل وإنما يتخير العبارات المناسبة كقوله (يا قوم)، «يا بني عبد... قد أحسن الله أسماءكم فأحسنوا أفعالكم»(6)  وليس من المداهنة وتهدين الباطل والمدح بما ليس فيه.

 

ومن الأخلاق أن يكون رفيقاً « إن الله رفيق يحب الرفق... ويعطى على الرفق »(7) ﴿...وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك ...﴾ [آل عمران:159]مع أنه لا يقول إلا الصدق في غضبه ورضاه، ولو حصل منه هذا لحصل ما ذكرته الآية وهو انفضاض الناس عنه، فعبر النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن يلاحظ هذا الخلق ويلاحظ طبائع الناس وأنهم لا يتحملون القول  الخشن والفضاضة في القول فليحذر الداعية ذلك.

 

ومن الأخلاق الضرورية للداعية أن يكون متواضعاً في دعوته للناس لما يدعوهم إليه وبين حرصه على مصلحتهم ويشعرهم أنه يريد الخير لهم وأنه يذكرهم بما جاء عن ربهم بهذه الروح وبهذه الكيفية يخاطبهم ولا يكلمهم ويخاطبهم بالتعالي عليهم ليعلمهم بفضله وامتيازه عليهم فإن هذا ينفرهم فرسل الله كانوا يخاطبونهم أي أرسلهم ليخاطبوهم بما أمر به، وكالطبيب الناصح يكلم مريضه بما ينفعه ويحسسه بأنه ناصح له وما يقوله له لمصلحتهم وليس لتعريفهم بعلمه.

 

ومن الأخلاق الضرورية للداعية إخلاصه في قوله وعمله وحد الإخلاص أن يفعل الداعية ما يفعله طاعة لله وطلباً لمرضاته فقط ولا يتطلع إلى ما عند الآخرين بسبب دعوته لهم وفعله في السر عنده أحب إليه من عمل العلن إلا إذا كان عمله يستوجب العلانية أو يكون قدوة لغيره.

 

تاسعاً: ما يجب أن يكون في كلام الداعية في دعوته للآخرين:

 

والقول من وسائل الدعوة إلى الله تعالى فيجب أن يكون هذا القول واضحاً بيناً في نفسه لا غموض فيه ولا التباس وبكلام واضح وبسيط سهل الفهم خالٍ من التعقيد والكلمات الغريبة التي يريد صاحبها أن يبين بلاغته وفصاحته وواسع علمه بمفردات اللغة ولا يخفى أن يكون الكلام واضحاً لنفسه أو واضحاً من قبل قائله الداعية بل المطلوب أن يكون واضحاً مفهوماً بينا لدى السامع لأن القول لهم والبيان لهم كما جاء في الآية (لتبين لهم).

 

وكذلك لا يستعمل الداعية الكلمات الغريبة التي تحتمل حقاً وباطلاً، فيستعمل الكلمات الواردة في القرآن والسنة وألسنة الفقهاء، وإذا ما اضطر لاستخدام المصطلحات الغريبة كالديمقراطية فعليه أن يبين المقصود منها تحمل خطأ وصواباً، وحقاً وباطلاً فيبين المعنى الصحيح المقبول والباطل المرفوض لأن هذا من باب النصيحة في القول لعامة المسلمين.

 

عاشراً: الانشغال بالدعوة:

 

ويشترط في الداعية المخلص انشغاله التام بالدعوة ومتطلباتها ووسائل نجاحها بإقبال الناس عليها، فإذا اختلى بنفسه فكر فيها، وإذا خالط فمن أجلها، تشغل فكره في حله وترحاله ولا ينقله شيء عنها، وهي في مقدمة ما يهمه، وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في زيارته ورواحه ومجيئه وهجرته كانت الدعوة تشغله ولهذا في هجرته كلم ركباً في أمور الدعوة ولم يشغله كونه مهاجراً أو أنه قرشي أرسلت من يأسره، لانشغاله بالدعوة وكذلك كان رسل الله فهذا يوسف استغل فرصة الرؤيا في الدعوة إلى التوحيد وهو مسجون ونوح كما قال ربه ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً... ﴾ [ نوح:5] ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِم.......... ﴾ [ العنكبوت:14] وهكذا الداعية شغله الشاغل الدعوة ويهمه انصراف الناس عنها وكل ميسر لما خلق له.

 

والإخلاص المطلوب من الداعية إخلاص كامل لا يقبل أي شيء مهما كان ضئيلاً يناقض الإخلاص لأنه يعارض الإخلاص ويناقضه ولو كان قليلاً يجب أن يحذر وينظف القلب منه لأنه لا يستقل أي قدر من الرياء كما لا يستقل أي قدر من الجراثيم لأنها ضرر محض وقليلها قد يصير كثيراً، والرياء محبط للعمل وخطره عظيم جداً لأن المرائي قد يدفعه رياؤه إلى أن يزهق روحه من أجل السمعة وكلام الناس فليحذر الداعية ذلك.

 

ومن الإخلاص للدعوة إلى الله تعالى أن الداعية المخلص يسره أن يرى الدعاة الكثيرين ولا يضيق صدره إذا رأى لهم منزلة بين الناس وإذا رأى حاجة بالاستعانة بغيره استعان بهم ولا يجب الاستئثار بالدعوة لنفسه حتى يستأثر بنصح الناس وحصول المنزلة عندهم فهذا يعتبر من الرياء الخفي ولنا أسوة حسنة في دعاء موسى ربه بأن يعينه بهارون ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ [طه:32] وهكذا الداعية المخلص يدل على الدعاة المخلصين، أما أصحاب الرياء فيضيقون إذا رأوا دعاة مخلصين، لأن المخلص يرى ساحة عمله واسعة للدعاة، وطلاب الدنيا تضيق بهم فيتحاسدون ويضيق بعضهم بعض، والله الموفق والمستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الحادي عشر: وعلى الداعية أن يعلم بأن المطلوب منه هو أن يدعو الناس وليس المطلوب منه أن يدخل الإيمان إلى قلوبهم وأن يحملهم على الاستجابة لما يدعوهم إليه فإن هذا من شأن الله وحكمته فالله هو الهادي الذي يدخل الإيمان إلى قلوب المدعوين، أما الداعية فحسبه أن يذكر ويدعو ويرشد ويبين وهذا هو المطلوب من رسل الله فمن الأولى أن يكون هذا هو المطلوب من الدعاة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم .

 

وعلى الداعية أن لا يسأم من تكرار الدعوة إلى المدعوين، ولا يقنط من استجابتهم له، لأنه إذا قنط ويأس من استجابتهم فقد يقع في محذور شديد وهو اليأس والقنوط من رحمة الله لهؤلاء المتمردين وهذا حرام عليه، لأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء فكم من محارب لله ولدعوته صار من أولياء الله بعد أن منّ الله عليه بالإيمان والهداية والاستجابة لدعوة الدعاة.

 

وفي قصص الصحابة وتأخر بعضهم في الاستجابة وما تيسر للمتأخرين في الإجابة من خير كبير للمسلمين ما فيه عبرة ودليل على صحة ما نقول.

 

فخالد بن الوليد تأخر إسلامه وبعد أن أسلم حصل على يده الخير الكثير والنصرة للإسلام والمسلمين فلا يحق للداعية أن يترك الدعوة بحجة أن القوم لا يسمعوني لأن واجبه بأن يدعو لا أن يستجيب الناس لدعوته ﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ﴾ [يونس :125] وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص:56] مع قوله تعالى: ﴿ ...وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى:52]كما أن الداعية يقوم بواجب شرعي عليه ولا يتوقف هذا الواجب الشرعي على قيام الآخرين بالاستجابة له، كالصلاة يصليها المسلم وإن لم يصلها الناس وكذلك الدعوة إلى الله يقوم بها وإن لم ينتسب إليها أحد.

 

 

 

الثاني عشر: وليحذر الداعية من  السآمة والملل والفتور في الدعوة: فيصيبه الكسل ثم التباطؤ في واجبها والقيام بمتطلباتها، قال تعالى مخاطباً نبيه موسى عليه السلام عندما بعثه وأخاه ﴿ اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ [طه:42] وقد جاء في تفسيرها ﴿ وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ أي لا يصيبكما الفتور والتقصير لأن الوني يعني الفتور، والمقصود بذكري ويشمله قوله : ﴿ فِي ذِكْرِي ﴾ أي في الدعوة إلى الله كما جاء في تفسير الزمخشري وفتح البيان لصديق حسن خان حيث قال في تفسير ﴿ وَلَا تَنِيَا ﴾:  أي لا تضعفا ولا تفترا، قال: يقال ونى يني ونيا إذا ضعف وتوانى في الأمر توانياً لم يبادر إلى ضبطه ولم يهتم به فهو متوان أي غير مهتم ولا محتفل(8).

 

 

الثالث عشر: وعلى الداعية أن يعلم يقيناً بأنه بحاجة ملحة لتحصيل القدرة على ما يفرق به بين الحق والباطل وفيما يأخذه ويتركه، وبين الخطأ والصواب وهذا لا يحصل له على الوجه المطلوب إلا بتقوى الله تعالى، إذ بهذه التقوى يمكن أن تحصل له مثل هذه القدرة على التمييز عند اختلاط الأمور، قال تعالى: ﴿... إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً... ﴾ [الأنفال:29] .

 

جاء في فتح البيان للعلامة صديق حسن خان: 5/ 164- سورة الأنفال: " جعل سبحانه وتعالى التقوى شرطاً في الجعل المذكور مع سبق علمه... والتقوى: اتقاء مخالفة أوامره والوقوع في مناهيه. والفرقان ما يفرق بيه بين الحق والباطل. والمعنى أنه سبحانه وتعالى يجعل لهم من ثبات القلوب وثقوب البصائر وحسن الهداية ما يفرقون به بينهما عند الالتباس".

 

 

 

الرابع عشر: وعلى الداعية وهو من شروط الداعية: تحقق الإخلاص في أعماله الدعوية كلها فهو لا يأخذ ولا يترك ولا يحب ولا يبغض إلا بقدر ما يأذن به الله تعالى في أفعاله وسلوكه ومحبته وكراهيته، ومن ثم فهو يفرح إذا وجد من يفعل فعله ويدعو إلى الله كدعوته هو ولا يبخل عليه في معونته بل يطلب العون ممن يرى فيه الكفاءة لينضم إليه في فعله، وقد طلب موسى عليه السلام أن يعينه الله بأخيه هارون وأن يشركه في أمره كما قال تعالى: ﴿ هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ [طه:30-32].

 

لأن الداعية المخلص لا يضيق ذرعاً بالعاملين معه في مجال الدعوة إلى الله لأن ساحة الدعوة إلى الله لا تضيق بالداعين إليه خلافاً لساحة الدنيا فإنها قد تضيق بالحريصين عليها أو المتنافسين في تحصيلها.

 

وعلى الداعية أن لا يمن على الناس في دعوته لهم إلى ما يدعوهم إليه من معاني الإسلام لأن ما يقوم به قد تكفل الله في حصول الأجر فيه إليه، فإذا تطلع إلى الأجر من غير الله مع كفالة الله له بإيصال الأجر إليه في دعوته، فإن هذا التطلع محبط  بعمله، وفي هذا أعظم الخسران لهذا الفاقد للإخلاص.

 

وأخيراً: فإن الداعية الصدوق هو الذي تشغله الدعوة إلى الله بل تصير حاله كحال العاشق فيما يعشقه فهو دائم الذكر له والتفكر فيه والاهتمام به والعمل على مرضاته في ليله ونهاره وحله وترحاله لأن الدعوة قد شغلته وملأت عليه أحاسيسه فلا يشغله عنها حال من ضيق أو سعة، وقد مر صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة بركب فأوقفهم ودعاهم إلى الإسلام مع أنه كان مطلوباً من قريش أرسلوا من يأتي به، لكن انشغاله بالدعوة شغله عن هذا الأمر فأسلموا وآمنوا.

 

وفي قصة يوسف عندما دخل السجن ولم يشغله دخول السجن عن الدعوة إلى الله عندما أقبل عليه فتيان دخلا السجن رؤياها في منامهما فلم يستعجل الإجابة وإنما مهد لهما ودعاهما إلى الله ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [يوسف:39] ثم جاءوا إلى الرؤيا فبين دلالتها.

 

وهكذا شأن الداعية الصادق لا تمر فرصة سانحة إلا ودعي فيها إلى الله تعالى. فالداعية المخلص يبقى وقته كله للدعوة، يعيش لها ولا يعيش عليها ولا يرى معنى في بقائه وحياته إذا لم يقم بعمل في دعوته، بل يؤثر الرحيل إلى حيث يجد رحمة الله تعالى في رضوانه وجنته.

 

عمل الداعية مع الدعاة أو العمل الجماعي في الدعوة:

 

قد يقوم المسلم بالدعوة إلى الله مع غيره من الدعاة حيث يجد جماعة تدعو فينضم إليها أو يعمل معها.

 

وقد يقوم الداعية إلى الله بالدعوة مع غيره من الدعاة بانضمامه إلى جماعة الدعاة فهذا العمل مشروع بل ومندوب إليه لأن العمل الجماعي أكثر فائدة وبركة من العمل الفردي ولا يجوز اعتباره من البدعة في الدين كما يقول بعضهم خطاً وجهلاً لأنه من الأمور المبتدعة لأن دلالته من القرآن والسنة دلالة واضحة، كما قال تعالى: ﴿ َلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... ﴾ [آل عمران:104] والأمة هي الجماعة، والجماعة هي التي يجمعها جامع واحد فإذا كان الجامع لها العمل لله والدعوة إليه فهي جماعة خير وبركة ومحل ثناء لأن الدعوة إلى الله من واجبات الدين ومطلوباته، فلا يجوز أن يقال عن تكوين الجماعات والجمعيات أنها من المبتدعات، كما أن في قوله تعالى: ﴿...وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى...﴾ [المائدة:2] دلالة  على مشروعية العمل الجماعي في كل ما يصدق عليه أنه من البر ومن التقوى.

 

ويتحقق التعاون بوجود الجماعة التي تدعو إلى البر والتقوى وعلى رأسها الدعوة إلى الله وإذا وجدت الجماعة وجد لها رئيس وأمير فكل جماعة لا بد لها من رئيس أو أمير يطاع في حدود العمل الجماعي الذي قامت من أجله هذه الجماعة، وفي الحديث الشريف: « وإذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم...»(9) فإذا كان من مطلوبات الشرع إيجاد الأمير على أقل الجماعات وفي عمل المباحات كالسفر فمن باب أولى أن يكون مشروعية نصب الأمير في الجماعات التي تقام للدعوة إلى الله تعالى.

 

وإذا صار للجماعة أمير كان له حقوق على هذه الجماعة وهي أن يطاع في غير معصية الله وواجب عليه أن يسير بهم وفق منهج الله تعالى وما شرعه من وسائل وأساليب للدعوة إليه لأن هذه الطاعة لهذا الأمير هي طاعة لله، كطاعة المؤمنين لإمامهم في الصلاة يتابعونه في قيامهم وقعودهم حتى الخروج من الصلاة وهم في فعلهم يطيعون الله، ولهذا ففي الحديث «من أطاع أميري فقد أطاع الله»(10).

 

وكل هذا في نطاق الطاعة بالمعروف، أما إذا أمر الأمير بمعصية فلا طاعة له، الطاعة في المعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

 

ومسير الأمير في جماعة مسير محدود ما دام بضوابط الشرع إذ لا يحق للأمير أن يخرج عن طاعة الشرع في مسيرته وما يأمر به ومن ثم كان المرغوب فيه إذا لم يكن لأمير الجماعة فقه أن يختار جمعاً من الفقهاء يجعلهم إلى جانبه أو مجلس إدارة الجماعة ليستشير الفقهاء فيما يفعله ويتركه وهو جيد ومقبول، وقال الفقهاء أن يحضر مجلس القاضي جملة من الفقهاء يسمعون المرافعة فإذا انتهت المرافعة يسألهم ويستشيرهم ثم يصدر حكمه.

 

فإن وجود جماعة من الفقهاء عند المسؤول الأول مطلوب شرعاً لا سيما أن الأمير ينتخب انتخاباً فهو في حاجة إلى تبصيره وتقريبه من الصواب وإبعاده عن الخطأ في أمر دينه. كما أن على هذه الجماعة أن تأتي بالأولويات في العقيدة الصحيحة وأصول الدين ومتطلبات المسلم وعليها أن تهتم بأمور المسلمين «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»(11) ومن ذلك الاهتمام بأمورهم الدنيوية فيما يحسن حالهم، حيث يحسون أن الجماعة وأميرها حريصون على مصالح الناس وما أكثرها! يضعون مناهج مقاومة الفقر والبطالة، فيه مصلحة لهم وقياماً بأمر الدين وتقريب الناس من جماعة الخير.

 

وعلى الجماعة وأميرها أن لا يستعجل الأمور ويبتعد عن ضوابط الشرع فيما تأخذ ، وكان الصحابة يقولون: ألا ترى ما نحن فيه!! فيأمرهم بالصبر حتى يتحسن الأمور على نحو أفضل.

 

هذه بعض الضوابط لجماعة الدعاة والداعية يجب أن يتقيد بمنهجها ما دام هذا المنهج على ضوابط الإسلام ما دام غير خارج عن الشرع، وبهذا يكون عمل الجماعة عملاً مثمراً، وللجماعة أن تأخذ بأساليب جديدة مستعينة ومستفيدة مما ذكره الله في القرآن، فالجمع قد يكونون أكثر فائدة ﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ﴾ [يس:13-14] فكثرة الدعاة وإرسالهم إلى أماكن ثابتة تقوي عزائم الدعاة، وفي إرسالهم هارون مع موسى إشارة واضحة لأن العمل الجماعي قد يستلزم أكثر من واحد.

 

كل ذلك حسب ما جاء به الشرع أو استنبطه الفقهاء وهذه نظرات بين الدعاة منفردين أو منضمين إلى جماعة الدعاة، وليحذروا أن يطلبوا مرضاة الناس على ضوابط الشرع وهذا يكون من قلة الإخلاص، وقلة الإخلاص توقع في هذا المخالفات ، وباستمرار تقواهم ودعائهم بالتثبيت نأمل أن ينالوا ا لخير الكثير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

لفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم زيدان

حزيران 2005 صنعاء

----------

(1) ـ سبق تخريجه.

(2) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 4/2098, برقم: 2742, والترمذي في السنن 4/483, برقم: 2191.

(3) ـ أخرجه الترمذي في السنن 5/576, برقم: 3594, وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/185, برقم: 2843.

(4) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1082, برقم: 2804, ومسلم في صحيحه 3/1362, برقم: 1742.

(5) ـ فقه السيرة للغزالي 1/115, وضعفه الألباني في تحقيقه لكتاب فقه السيرة.

(6) ـ  لم أجده .

(7) ـ  أخرجه البخاري في صحيحه 2/2539, برقم: 6528, ومسلم في صحيحه 4/2003, برقم: 2593.

(8)  فتح البيان لصديق حسن خان  ( 8/234).

(9) ـ سبق تخريجه.

(10) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 6/2611, برقم: 6718, ومسلم في صحيحه 3/1466, برقم: 1835.

(11) ـ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 7/270, برقم: 7473, و ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة 1/83,  قال الهيثمي في مجمع الزوائد 10/433, برقم: 17818: رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك, وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة 1/480, برقم: 310.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل الثالث : واجب العلماء والدعاة وطلاب العلم في تقوية الإيمان وزيادته
الأحد 24 فبراير 2013

الفصل الثالث

 

واجب العلماء والدعاة وطلاب العلم

 

في تقوية الإيمان وزيادته

 

 

 

ويشتمل على مباحث :

 

المبحث الأول : العلماء ويشتمل على مطالب :

المطلب الأول : من هم العلماء .

المطلب الثاني : مكانة وأهمية العلماء في القرآن والسنة .

المطلب الثالث : لمحة سريعة عن الواقع.

المطلب الرابع : قبض العلماء .

المطلب الخامس : أصناف العلماء

المطلب السادس : بعض صفات وأخلاق العلماء الربانيين .

المطلب السابع : أثر العلماء

المطلب الثامن : واجب العلماء

المطلب التاسع: واجب الأمة نحو العلماء .

المطلب العاشر: بعض العوائق .

الخاتمة  : خطة عمل ومقترحات للعلماء

المبحث الثاني : دور الدعاة في تقوية الإيمان وزيادته

المبحث الثالث: مقترحات عامة

 

 

 

المبحث الأول

 

العلمـــاء

 

تمهيــد:

 

إن الله أرسل نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام بالإسلام لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم الصراط المستقيم وجعل الله هذا الدين خاتم الأديان فلا دين بعده، وانتقل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وحمل لواء الإسلام من كل جيل عدوله ينيرون السبيل ويحفظون الدين الذي هو مصدر الوجود والعزة وضمان الاستمرار .

 

وإن هؤلاء العدول الأخيار هم العلماء ورثة الأنبياء الذين بهم يصلح الناس وترشد المجتمعات وتنجو سفينة المجتمع من الهلاك، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..

 

وإن علماء الأمة من الصدر الأول وعوا واجبهم ودورهم وعظم ما حملهم الله من أمانة فكانوا جديرين بها وكانوا ضمير الأمة الحي وما ذلك إلا بالدعوة إلى الله قولاً وعملاً وتبليغاً وسلوكاً فحافظوا على الأمة من أن تختالها الشياطين فنخسر الدنيا والآخرة.

 

ولما كان هذا هو مكان العلماء وجب أن نكتب هذه الأوراق عن العلماء.

 

والله الموفق .

 

 

 

 

المطلب الأول

 

من هم العلماء؟

 

العلماء هم:  العارفون بشرع الله ، المتفقهون في دينه، العاملون بعلمهم على هدى وبصيرة ، الذين وهبهم الله الحكمة قال الله تعالى: ﴿... وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً... ﴾ [البقرة:269 ].

 

العلماء هم : الذين جعلهم الله عز وجل عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا . الطبري . جامع البيان ( 3/327 ).

 

العلماء هم: فقهاء الإسلام، ومن دارت عليهم الفتيا على أقوالهم  بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام ، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام . ابن القيم/ إعلام الموقعين. ( 1/7 ).

 

العلماء هم:  ورثة الأنبياء، ورثوا عنهم العلم، فهم يحملونه في صدورهم وينطبع في الجملة على أعمالهم ويدعون إليه الناس .

 

العلماء هم :  الفرقة التي نفرت من هذه الأمة لتتفقه في دين الله، ثم تقوم بواجب الدعوة والتعليم ومهمة الإنذار ، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [ التوبة : 122].

 

العلماء هم: أهل الذكر، والذكر هو العلم والدعوة كما قال الله تعالى: ﴿... فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل : 43].

 

العلماء هم:  هداة الناس الذين لا يخلوا زمان منهم حتى يأتي أمر الله وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة وهم الجماعة التي أمرنا بلزومها وحذرنا من مفارقتها .

 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  : « لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس »(1).

 

قال الإمام النووي: "وأما هذه الطائفة فقال البخاري : هم أهل العلم وقال أحمد بن حنبل : إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم". وقال القاضي عياض: "إنما أراد أحمد : أهل السنة والجماعة من يعتقد مذهب أهل الحديث" شرح صحيح مسلم 13/17

 

العلماء هم :الذين عرفوا دينهم الفروض العينية والكفائية وعرفوا خير الخيرين وشر الشرين.

 

المطلب الثاني

 

مكــانة العلماء في القرآن والسنة

 

1- العلماء أفضل الناس : قال الله تعالى: ﴿... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [ المجادلة:11] . وقال عليه الصلاة والسلام : « خيركم من تعلم القرآن وعلمه »(2).

 

2- العلماء أزكى الناس ، وأخشاهم لله:  قال الله تعالى: ﴿ ... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ...﴾ [فاطر:28].

 

3- أشهدهم الله على توحيده وقرن شهادتهم بشهادته سبحانه وبشهادة ملائكته وفي هذا تزكيتهم وتعديلهم  قال الله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ...﴾ [ آل عمران : 18]

 

4- أوجب الله تعالى الرجوع إليهم وسؤالهم عما أشكل :

 

يقول الله تعالى : ﴿ ... فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [ الأنبياء:7 ]وقال عليه الصلاة والسلام : « لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح»(3) .

 

5- إن الله عز وجل نفى التسوية بين العلماء وغيرهم. قال الله تعالى : ﴿... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون ...﴾ [الزمر : 9]

 

6- أنهم أهل الفهم عن الله عز وجل :

 

قال الله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت:18].

 

7- أبصر الناس بالشر ومداخله :

 

 قال الله تعالى: ﴿ ... قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [النحل :27] وقال سبحانه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ... ﴾ [القصص:10].

 

8- يحملون شرف الدعوة لهذا الدين :

 

قال الله تعالى : ﴿ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران :187].

 

9- العلماء ورثة الأنبياء ولهم الأجر الكبير:

 

قال عليه الصلاة والسلام : « وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحط وافر »(4).

 

وقال عليه الصلاة والسلام : « إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسرا»(5).

 

10- يحبهم الله عز وجل:

 

قال عليه الصلاة والسلام : «إن الله تعالى يبغض كل عالم بالدنيا جاهل بالآخرة »(6).

 

 وقال عليه الصلاة والسلام : « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما ولاه وعالم أو متعلم»(7).

 

11- عمله من العلم لا ينقطع :

 

قال عليه الصلاة والسلام : « إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث: منها أو علم ينتفع به »(8) .

 

 وقال عليه الصلاة والسلام : « من علم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل...»(9).

 

12- نجاة الناس منوطة بهم فإن قبضوا إلى ربهم هلك الناس :  عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام  يقول : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا »(10).

 

13- أعرف الناس بمراد الله وبالكتاب والسنة:

 

قال الله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِه ...﴾ [ البقرة : 121].

 

من خلال هذه الآيات والأحاديث حول مكانة العلماء يظهر جلياً حاجة الأمة للعلماء وأنها بحاجة إليهم كحاجتها للضروريات من ماء وهواء وغذاء ، وإذا كانت هذه العناصر ضرورية لبقاء الإنسان فإن وجود العلماء أشد ضرورة وأعظم نفعاً لبقاء الروح والعقل . ولهذا كان العلماء الربانيون هم صمام الأمان في كل عصر وما هذه المسئولية العظمى التي ألقاها الله عليهم إلا لفهمهم الكتاب والسنة ومعرفتهم بشروح وأقوال علماء السلف وقدرتهم على الاستنباط وحل المعضلات وتثبيت العقائد ومواجهة الجهالات فعلى العقلاء من أبناء هذا الدين أن يفرغوا من يقوم بتعلم هذا الدين ويدعموا العلماء الربانيين وأن يلتفوا حولهم حتى يكثروا ويزدادوا ويزداد الخير والفلاح بإذن الله.

 

 

 

 

المطلب الثالث

 

لمحــة سريعة عن الواقــع

 

أولاً : واقع المجتمع:

 

ويتمثل هذا الواقع المرير بالآتي :

 

1- ضعف الإيمان بالله عز وجل واليوم الأخر والملائكة وانتشار العقائد الفاسدة وظهور الانحراف في هذا المجال من تقديس البشر أحياءاً وأمواتاً واتباع الأهواء وغير ذلك .

 

2- فساد الجهات الموجهة في المجتمع على رأسها وسائل الإعلام المختلفة.

 

3- العصبية المقيتة سواءً للأحزاب أو الجماعات أو القبائل أو الأشخاص وهذا بلا شك يعرض المجتمع للانهيار والانهزام.

 

4- سيطرة بعض الأعراف والعادات القبلية المخالفة كالثأر مثلاً.

 

5- تأثر الناس بتسلط الكفار مما أثر انهزامية في النفوس بل وصل الأمر إلى التنازل عن بعض الدين واستضعاف وذل لدى بعض المسلمين.

 

6- انتشار الظلم وذهاب الحقوق والتضييق والإيذاء .

 

7- انتشار الفساد في شئون الحياة المختلفة خصوصاً وسائل الإعلام .

 

ثانياً : واقع العلماء والعلم الشرعي :

 

ويتمثل هذا الواقع بالآتي :

 

1-  ضعف دور العلماء في الحياة العامة والشئون المختلفة والأنشطة المتنوعة.

 

2-  تبعية بعض العلماء للحكومات مما أقعدهم عن الواجب إرضاء للمسئول تارة وخوفاً على المصلحة تارةً أخرى .

 

3-   ما ينشر في وسائل الإعلام عن الدين إنما هو شيء لا يذكر وأغلبه مواعظ وقضايا هامشية.

 

4-  ضعف العلم الشرعي في سائر مرافق الدولة .

 

5-  التباعد والتحاسد بين بعض أهل العلم.

 

6-  الانشغال بالمصالح الشخصية أكثر من المصالح الشرعية .

 

7-  انتماء بعض العلماء إلى الجماعات والأحزاب مما جعلهم في دائرة التصنيف ومن ثم ردت أقوالهم .

 

8- انكفاء بعض العلماء على ذواتهم مما ولّد عندهم الجهل بكثير من الفروض الكفائية والعينية بل إن بعضهم اقتصر علمه على أحكام الجنائز والأحوال الشخصية وبعض أمور العبادات .

 

9-  إضفاء لقب العالم على من لم يتأهل لذلك .

 

 

 

المطلب الرابع

 

أصناف العلماء

 

الصنف الأول  : علماء أبرار أتقياء مخلصون في عبادتهم وعلمهم ولكنهم منعزلون عن الدنيا،منسحبون عن الواقع لا يعرفون مشاكل المسلمين صغيرها وكبيرها وهؤلاء جهلوا أن من أعظم الواجبات النصيحة والتعليم والدفاع عن الإسلام وأن هذه الأعمال أفضل عند الله من النوافل .

 

الصنف الثاني :  علماء أوفياء للإسلام يغارون عليه ولكنهم طيبوا القلوب حسنوا النية، تجدهم يغترون ويتقربون ممن لا خلاق لهم وهذا الصنف يحتاج إلى تنبيه وإلى مزيد من الحذر واليقظة حتى لا يعطي الشرعية للمخالفين.

 

الصنف الثالث  : علماء غيورون على الدين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولكنهم تركوا المجالات التربوية والاجتماعية للجهال ولذلك تجد أحدهم من هذا الصنف يرضى عن بعض المخالفات وقد يجالس آكل الربا، وبعض الظالمين.

 

الصنف الرابع : علماء يتكسبون بالدين ويتاجرون بالشريعة، ويتقربون إلى كل فاجر وظالم . وهؤلاء يضمهم الحاكم إلى موكبه فيمشون خلفه يطبلون ويزمرون . ويالفضاعة ما يفعل هؤلاء.. الذين يلبسون جبة العلماء وهم آفة الدين قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [  آل عمران:78]. الدين عندهم حرفة وتجارة لا عقيدة وعمل وهذه الآفة تصيب النفوس بالشك والارتياب في الدعاة والدعوات وإن من هؤلاء من أباح الربا والمجون وصفق للفساد ابتغاء عرض من الدنيا قليل .

 

الصنف الخامس : وهذا الصنف أحكم العلم الشرعي والعقلي وتعمق فيه دون عناية بالتطبيق العملي مما صاحبهم جفاف للروح وفقدان للتقوى ونسيان للآخرة وقد يطلقون ألسنتهم في أقرانهم حسداً ويقولون هذا إظهار للحق.

 

الصنف السادس : العلماء الربانيون : وهذا هو العالم الحق الذي أخذ العلم والحكمة التزكية والذي فهم الإسلام فهماً صحيحاً كما فهمه الصحابة وهؤلاء الذين يفر إليهم الناس ليجدوا الكنف الطيب الحنون للتربية والتعليم يأوي إليهم الناس لينشأوا على الدين حتى يقوى عودهم. ولقد جرت العادة أن كنف هؤلاء العلماء الربانيين يخرج طيوراً أبابيل إذا تكاثرت تنقض على الشيطان وجنوده وجيشه ورجله وخيله، وهذا هو العالم الوارث للنبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن أين هؤلاء؟؟ أين هم في هذه الحشود الكثيرة؟.

 

 

 

المطلب الخامس

 

قبض العلماء

 

العلماء  الربانيون هم صمام الأمان في المجتمعات لكونهم يدعون من ظل عن الهدى ، ويحيون بكتاب الله وسنة رسوله الموتى، وحين نتحدث عنهم لا نتحدث عن معصومين ولكنا نتحدث عن رموز لهذه الأمة بذلوا جهودهم .. في سبيل تعليم هذا الدين وخدمته ..

 

وقد شهدت الأمة في السنوات الماضية القريبة موت كبار علماء الأمة ممن امتازوا وتميزوا وتقدموا فكانون هم العلماء الذين تركوا تراثاً ضخماً وبصمات واضحة في سائر العلوم الشرعية رحمهم الله رحمه واسعة ومن هؤلاء :

 

الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ مصطفى الزرقا والشيخ محمد بن عثيمين والشيخ المفسر محمد الشعراوي والشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني والشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ مقبل بن هادي الوادعي والشيخ مناع القطان والشيخ عطية سالم وأخيراً الشيخ عبد القادر الأرنؤوط رحم الله الجميع وغفر لنا ولهم .

 

فعلى علمائنا حفظهم الله أن يرشدوا الفحول إلى تحقيق العلم الشرعي وإيجاد البديل لهؤلاء النجوم.

 

 

المطلب السادس

 

بعض صفات وأخلاق العلماء الربانيين

 

أولاً : أدب العالم مع نفسه :

 

1- مراقبة الله تعالى .

2- الحذر من الرياء والعجب ومراقبة النفس .

3- الانتفاع بالوقت في المذاكرة والازدياد من العلم .

4- الإنصاف  والعدل .

5- ألا يطلب الدنيا بالعلم.

6- الاعتناء بمظهره الخارجي .

 

ثانياً: أدبه مع الناس :

 

1-    التواضع .

2-    التحلي بمكارم الأخلاق

3-    الحرص على دعوة الناس وتعليمهم .

4-    الحرص على خدمة الناس ومشاركتهم همومهم.

 

ثالثا :  أدبه في درسه :

 

1-   إن يبدأ الدرس بذكر الله تعالى والصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام .

2-   الموازنة في الصوت والتأكد من وضوح الدرس ووصول الكلمة والمعلومة .

3-   التكرار والإعادة والترتيل .

4-   عدم التعجل في الإجابة .

5-   ترحيب الشيخ بطلابه والإقبال عليهم .

 

رابعاً: أدبه مع طلابه :

 

1-القدوة والأخلاق الفاضلة .

2- تربيتهم وتأديبهم وتنبيههم على السلوك الفاضل .

3- السعي لقضاء حاجاتهم إن أمكن .

4- توجيههم إلى طريقة الطلب للعلم الشرعي وملاحظتهم في السير .

 

خامساً : آداب عامة :

 

1-نشر العلم بدون إهمال أو تهاون أو ترخص .

2- تعاهد العلم بالحفظ والزيادة والمراجعة .

3-التواصل مع العلماء الآخرين والاستفادة منهم.

4- إصلاح أسرته وجيرانه وأقربائه .

 

 

المطلب السابع

 

أثــر العلماء

 

أولاً : أثر علماء السوء :

 

مما لا شك فيه أن فساد رسالة العالم تفرز أمراضاً كثيرة فكرية وعملية ويصدق عليهم قول الشاعر :

 

وما أفسد الدين إلا الملوك *** وأحبار سوء ورهبانها

 

 

ومن أبرز مظاهر وآثار علماء السوء :

 

1- البعد عن قضايا المجتمع والاشتغال بالقضايا الهامشية التي لا طائل من ورائها .

 

2- التعصب المذهبي وعدم النزول للحق والرجوع للدليل .

 

3- تفتيت وحدة الأمة من تعصب للمذاهب والانتماءات الضيقة .

 

4- مغالطة الناس في دينهم ودنياهم مما يؤثر على الطلاب والناس فيفقدون الثقة بما يحملون هؤلاء العلماء من الدين.

 

5- انتشار التدين السطحي .

 

6- الاهتمام بالدنيا والترف والحرص على الجاه والمنزلة بين الناس .

 

7- تتبع أبواب السلاطين والتقرب إليهم بالمرخصات والفتاوى المناسبة على حساب الدين.

 

8- يمدح أهل الباطل ويذم أهل الحق .

 

9- الترخص في الفتوى لمن أحب والتشديد لمن لا هوى له فيه.

 

10- يتواضع ويذل عند المسؤولين ويتكبر على المساكين.

 

11- يحب الظهور والتصدر ليصرف وجوه الناس إليه.

 

12- يتصف بالصفات المذمومة من المماراة والمجاراة والمحاباة والحسد وغيرها.

 

13- إهماله لقضايا الإيمان والتزكية .

 

14- يشيعون الدعايات الكاذبة على العلماء الربانيين .

 

 

وهؤلاء عبر الفقيه أبو إسحاق الألبيري عن بعض من الشعور بقوله :

 

لا شيء أخسر صفقة من عالم *** فغدا يفرق دينه أيدي سبأ

لعبت به الدنيا مع الجهال *** ويزيله حرصاً لجمع المال

 

 

ثانياً : أثر العلماء الربانيين:

 

وهذا الفريق وفقهم الله فانتفعوا بعلمهم وهم في الجملة سائر أحوالهم ترضى الله عز وجل .. والمتتبع لسيرهم يجد أنهم الأساس في ترسيخ هذا الدين في القلوب والحصن المنيع في الدفاع عنه وهم النموذج العملي للإسلام..

 

 ومن أبرز آثارهم وسماتهم :

 

1-  إقتداء الناس بهم .

 

2-  التفاف الناس حولهم.

 

3-  المشاركة الفاعلة في المصالح العامة .

 

4-  يذكرون بالله قولاً وعملاً .

 

5-  يعالجون الانحرافات بوضوح وحجة.

 

6-  انتشار علمهم وسلوكهم .

 

7-  ينصحون أئمة المسلمين وعامتهم .

 

8-  قرب تلاميذهم من الآخرة .

 

9-  المواقف المشرفة.

 

10- يكسب رزقه بيده ويعتمد على نفسه .

 

11- يعلم الناس ابتغاء الأجر .

 

12- التراجع  والنزول عند الدليل والقول الحق .

 

13- بركتهم لا تنقطع في حياتهم وبعد مماتهم .

 

14- آراؤهم واضحة .

 

15- لا يستسلمون للتهديد أو الإغراء .

 

16- انتشار أتباعهم وحلقاتهم العلمية

 

 

المطلب الثامن

 

واجب العلماء الربانيين

 

1- لزوم الاستقامة في أنفسهم : إن من نصب نفسه لنشر الحق وتعليم الهدى لابد أن يعتني بدينه أولا بالتوبة الدائمة إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: « يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة»(11).

 

قال ابن حبان رحمه الله: " قوله صلى الله عليه وسلم  توبوا إلى ربكم يريد به استغفروا ربكم وكذلك قوله فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة وكان استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقصيره في الطاعات التي وظفها على نفسه لأنه صلى الله عليه وسلم كان من أخلاقه إذا عمل خيرا أن يثبته فيدوم عليه فربما اشتغل في بعض الأوقات عن ذلك الخير الذي كان يواظب عليه بخير آخر مثل اشتغاله بوفد بني تميم والقسمة فيهم عن الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الظهر فلما صلى العصر أعادهما فكان استغفاره صلى الله عليه وسلم  للتقصير في خير اشتغل عنه بخير ثان على حسب ما وصفنا"(12).

 

وكذلك يجب على أهل العلم والدعوة لزوم المحافظة على الصلوات والأذكار والسنن  وتلاوة القرآن وطيب المأكل  وتطهير النفس من الحقد والحسد والكبر وغيرها  من المهلكات ممتثلين قولـه تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ...﴾ [التغابن :16]،  وهذه الأمور يجمعها جميعا لزوم الاستقامة قال تعالى حكاية عن الراسخين في العلم ﴿... وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(8) ﴾ [ آل عمران : 8،7] قال الإمام القرطبي رحمه الله: " وفي الكلام حذف تقديره يقولون وهذا حكاية عن الراسخين ", وفي الحديث « قل آمنت بالله ثم استقم»(13) .

 

2-  السعي لجمع كلمة المسلمين وتوحيد مواقفهم في القضايا التي يجب عليهم أن يقفوا فيها صفا واحدا على حال من التطاوع وعدم التنازع والتيسير على الناس في غير مأثم لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما عند إرسالهما إلى اليمن «  يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا»(14).

 

3-  توسيع نطاق الدعوة إلى الله في بلاد الغرب خصوصا والبلاد غير الإسلامية  عموما ويا حبذا التواصل مع الجاليات غير المسلمة في اليمن ومعرفة ما عندهم من شبهات وتشكيل لجان خاصة من المخالطين لهم من السياسيين والمهندسين والأطباء والأكاديميين والإعلاميين وغيرهم لبيان مناقب الإسلام ومبادئه السامية الفياضة بغاية الرحمة والإنسانية .

 

4- نفع المسلمين في دينهم ودنياهم وفي الحديث « خير الناس أنفعهم للناس"(15) ، فإقامة لجان خيرية على مستوى المساجد والحارات تقوم بكفالة اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين من صميم الإسلام قال تعالى: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ *  أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ  [البلد :11-16 ] وفي الحديث عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار »(16).

 

5- العناية المستمرة بتحصيل العلم النافع وتجنب العلوم التي لا فائدة منها والتي يكثر فيها القيل والقال .

 

6- أن يكون متورعاً عن الشبهات بعيداً عن المحرمات .

 

7- عدم التسرع في الفتاوى والأحكام وخاصة التي تهم عموم الأمة.

 

8- القيام بالدعوة إلى الله قولاً وعملاً.

 

9- يسعى لكسب رزقه ويعتمد على نفسه عفيف النفس واللسان.

 

10- يصلح نفسه أولاً قبل إصلاح غيره لأنه في مقام القدوة والناس ناظرون إليه.

 

11- الاهتمام بصلاح النفوس والقلوب وتزكيتها بالإيمان بالله واليوم الأخر.

 

12- التحلي بمكارم الأخلاق من صبر وصدق وتواضع ورفق وحلم.

 

13- التحرك العملي الجاد بالحكمة والموعظة الحسنة لتغيير المنكر وإصلاح الفساد.

 

14- السعي لتوحيد الأمة حول العلماء وأن يوثقوا فيهم الالتزام بالمبادئ الإيمانية.

 

15- التواصل فيما بينهم والتواصل مع الدعاة العاملين الحريصين على الاستفادة من العلماء وتوثيق الصلة بهم .

 

16- المبادرة إلى الموقف الشرعي في الأزمات وتوجيه الناس توجيهاً صحيحاً وعدم التبرير للأهواء .

 

17- التحذير من التعصب للمذاهب والأحزاب والجماعات والقبائل والأشخاص .

 

18- تعظيم نصوص الشرع في الأقوال والأفعال.

 

19- تهيئة المجتمع أفراداً وجماعات للعمل بأحكام الشرع .

 

20- مراقبة المجتمع والإطلاع على ما يدور .

 

21- القيام بواجب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

 

22- توجيه الناس وتربيتهم على منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومبادئ الكتاب والسنة .

 

23- الانخراط في القضاء والأماكن اللائقة بهم حتى لا يدعوها للجهال.

 

24- نصح المسئولين الدائم. والصدع بالحق في كل مسألة .

 

25- بيان حقيقة الإيمان والتوحيد كما في القرآن والسنة وما قرره السلف .

 

26- رد الشبهات حول العقيدة والشريعة .

 

27- محاربة البدع ونشر السنة .

 

28- تصدر الجماعات والمشاركة في أنشطتها وتصحيح أخطائها وتقويم مسارها.

 

29- التركيز على مواطن القوة في الأمة وتنميتها .

 

30- تجنب ما يثير الخلاف في الأوساط العامة .

 

31- الإسهام في تخريج العلماء العاملين .

 

32- التركيز على المساجد والحلقات العلمية منطلق الدين والرسالة .

 

33- التركيز على بيان شعب الإيمان للناس وكذلك شعب الكفر.

 

 

المطلب التاسع

 

واجب الأمة تجاه علمائها

 

 

1- الاستفادة منهم تعلماً وخلقاً ومواقفاً.

 

2- الالتفاف حولهم والمناصرة لهم وموالاتهم ووضع الثقة فيهم .

 

3- صيانة أعراضهم ورعاية حرمتهم والحذر من القدح فيهم .

 

4- خدمتهم وتوفير ما يحتاجونه .

 

5- الرجوع إليهم والصدور عن رأيهم خصوصاً في الأزمات والفتن.

 

6- نشر فضائلهم والاعتراف بهم والدعاء لهم .

 

7- التزام الآداب معهم في الجلوس والسؤال والزيارة والمشي وغير ذلك.

 

8- رعاية أولاد الشيخ والاهتمام بهم .

 

9- الصبر على جفوة العالم .

 

10- كلامهم في بعضهم البعض يطوى ولا يروى .

 

11- التماس العذر لهم والحذر من تخطئتهم بغير علم .

 

 

 

المطلب العاشر

 

عوائق تقف أمام أداء رسالة العلماء

 

1- انعزال وانكفاء بعض العلماء على أنفسهم وغياب الشعور بالمسئولية .

 

2- غياب المنهج العلمي عند بعض المشايخ في التعليم والتربية .

 

3- تعصب الأتباع للمشايخ والأحزاب والجماعات ورضا البعض عن هذا.

 

4- اعتزال بعض العلماء عن المشاركة في أوساط العمل الإسلامي .

 

5- تحجيم العلماء تحت ذريعة التنافس الحزبي .

 

 

خاتمة

 

 

إن وظيفة العالم الرباني وظيفة استراتيجية أساسية مصيرية ضرورية وهي القيام بتعليم الدين وحماية مصالحه .

 

لذا على العالم أن يأخذ مكانه ودوره حتى يكون عند الله مقبولاً وهذه بعض الاقتراحات نضعها بين يدي علمائنا الأجلاء:

 

1- جمع العلماء في رابطة كبيرة .

 

2- إقامة مجمع فقهي لعلماء اليمن مستقل عن التأثير الحكومي والحزبي.

 

3- مؤتمرات سنوية فقهية وفكرية .

 

4- نشر الحلقات العلمية المسجدية والمجالس المنزلية .

 

5- إصدار مجلة باسم العلماء ولو دورية .

 

6- إعطاء الأنشطة العلمية الأولوية .

 

7- تحريك الطاقات العلمية وتوجيهها .

 

8- العناية بالنابهين والاهتمام بهم .

 

9- إنشاء مراكز علمية في سائر المحافظات .

 

10- إنشاء مراكز أبحاث علمية فقهيه تنظر في نوازل الأمة وتؤصل للقضايا الشرعية

 

11- تصحيح مسار الدعوة وتبصيرهم .

 

12- تنقل العلماء في المحافظات لإرشاد الناس وتعريفهم بدينهم وهدي نبيه عليه الصلاة والسلام وعلمائهم .

 

13- إقامة مكتبات عامة مسجدية وغيرها .

 

14- إقامة الندوات العلمية المتخصصة .

 

15- إعداد وإصدار الأشرطة النافعة .

 

16- تكوين لجان مختلفة منها : لجنة رقابة للصحف والمجلات وسائر وسائل الإعلام لبيان ما فيها وما لها وما عليها.

 

17- تأسيس جمعية خيرية لتبني مشاريع أفكار العلماء وأنشطتهم.

 

18- المشاركة في الدورات التي تدعوا إلى تطوير الذات ودورات التربية والعلوم الإدارية للاستفادة منها

 

19- المحافظة على تراثنا الشرعي من مخطوطات والسعي لتحقيقها وشرحها وإبرازها للناس .

 

20- إصدار نشرات ومطويات وكتيبات توجيهيه وفتاوى حتى يستفيد أكبر قدر من الناس .

 

21- تشجيع الحلقات العلمية الموجودة لكبار العلماء ودفع الناس إليها وتسجيلها وإخراجها للناس في الأشرطة والأقراص .

 

22- فتح مواقع للمشايخ المشهورين في الإنترنت.

 

23- حصر المنكرات وتصنيفها والقيام بالواجب الشرعي نحوها.

 

 

المبحث الثاني

 

دور الدعاة في تقوية الإيمان وزيادته

 

 

عناصر المبحث:

 

1-   مفهوم الدعوة .

2-   مفهوم الدعاة .

3-   واقع الدعاة .

4-   وظائف الدعاة إلى الله

5-   واجب الدعاة إلى الله

6-   مشكلات تواجه العمل الإسلامي .

7-   الطريق إلى الألفة بين الجماعات الإسلامية  .

 

1- مفهوم الدعوة:

 

هي السعي لنشر دين الله عقيدة وشريعة إيماناً وعملاً أخلاقاً وسلوكاً وبذل الوسع في ذلك وهي وظيفة رسل لله جميعاً ومن أجلها بعثهم الله تعالى إلى الناس وهي أيضاً تحرير الناس من عبادة الناس إلى توحيد الله وحده لا شريك له .

 

2- مفهوم  الدعاة :

 

 هم الداعون إلى الله على هدى وبصيرة والبصيرة هي الفقه في الدين وهم كل مكلف مسلم ومسلمة وعلى رأسهم العلماء. قال الله تعالى : ﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... ﴾ [يوسف :108].

 

 

3-  واقع الدعاة :

 

من نعم الله على هذه الأمة وجود الصحوة الإسلامية  والتي نفع الله بها نفعاً عظيماً ولقد امتلأت الساحة الإسلامية  بأنواع من العمل الإسلامي مما يثير الإعجاب في كثرتها وتنوعها ولكل نوع وتنظيم خطته ووسائل تنفيذه .. وهذا العمل الكثير ولله الحمد يحتاج إلى مزيد وضوح في الأهداف والأنشطة ويحتاجون إلى المراجعة والالتزام بالشرع حتى تؤدي دوراً كبيراً و الجدير بالذكر أنه مع هذا الاتساع والانتشار للدعوات إلى الله فهناك حالة سيئة لدى عدد كبير من العاملين من الحيرة والضياع بل أن بعضهم يؤثر الخروج والهروب من ميدان العمل والاكتفاء بصلاح نفسه.وكل تيار من التيارات الإسلامية  يحتاج إلى مراجعة حتى يكتمل البناء وتنضج الثمار وأيضاًَ مما يلحظ المتأمل لأبناء الحركة الإسلامية  هو الركود والرتابة في العمل وانكفاء كل جماعة على نفسها ومع ذلك تظل الحركة الإسلامية  عقل الأمة وروحها وفي الأزمات تظهر ثمارها.

 

4-  وظائف الدعاة :

 

1-  التركيز على قضايا الإيمان والعمل الصالح .

 

2-  تحقيق العبودية لله وتوثيق الصلة به سبحانه.

 

3-  دعوة الناس إلى الشريعة الإلهية المنزلة على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

 

4-  تربية الناس وتزكيتهم بالكتاب والسنة .

 

5-  الرحمة بالناس والشفقة عليهم والحرص على نفعهم .

 

6-  جمع المستجيبين للدعوة وتأهيلهم كي يكونوا دعاة إلى الله عز وجل .

 

7-  تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض .

 

 

5-  واجب الدعاة إلى الله تعالى :

 

1- الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وقضايا الإيمان أولاً .

 

2- الدعوة إلى اتباع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ونشر سنته وهديه بين الناس.

 

3- تعليم الناس المعلوم من الدين بالضرورة وما لا يسع المسلم جهله .

 

4- تعريف الناس بالصفحات المشرقة لتاريخهم وتذكيرهم بحياة الصاحبة الكرام والتابعين والسلف الصالح .

 

5- تربية الناس بالأقوال والأفعال .

 

6- تقديم الإسلام في صورته الكاملة الشاملة.

 

7- تقديم معاني الإسلام بأسلوب حسن وحكمة وموعظة حسنة .

 

8- إحياء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

 

9- السعي لتمكين شرع الله في الأرض .

 

10- إعداد وتربية الدعاة تربية جادة صادقة تحب الله ورسوله والذين آمنوا .. وتعظم الدين كتاباً وسنة وتقوم بالواجبات وتحرص على النوافل .

 

11- إقامة الحجة وقطع العذر.

 

12- إصلاح البلاد والعباد .

 

13- تذكير الناس بالمصير الأخروي وما بعد الموت من حساب وجنة ونار .

 

14- أن يكون عارفاً لما يقول قدوة ومثالاً.

 

6- مشكلات تعترض العمل الإسلامي:

 

الجماعات الإسلامية  لا ينكر أحد فضلها فهي الأمل الذي ينعقد عليه الرجاء بعد الله تعالى لإعادة الحياة الكريمة وحل مشكلات الأمة ، ولكن الطريق ملئ بالصعاب والأخطار وأخطر الأخطار الانحراف الذي يصيب المسيرة من داخلها ونجاح المسيرة  يحتاج إلى عدة أمور:

 

1- تحتاج إلى الإيمان بالله عز وجل والتجرد له في سائر أحوالها .

 

2- المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام .

 

وعندما نذكر صور الخلل ينبغي أن لا نخاف من النقد والمراجعة والتصحيح فالإنجازات عظيمة وكبيرة ولكن احتمالات التراجع والجمود لازالت واردة ونذكر بعض صور الخلل :

 

1- مسايرة الواقع على حساب الشرع : وذلك أن بعض الذين يتصدرون الدعوة قد يرضون عن التنازل باسم المصلحة ويرضون بصفقة خاسرة ... وقد حذر الله المؤمنين من هذا السلوك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ...﴾ [هود:113].

 

ولذلك فقد تتحول بعض الأعمال الإسلامية  وتعدل في مناهجها وأساليبها ليس إرضاءً  لله عز وجل أو الأفضل إنما هو إلى الأسواء نتيجة الضغط الخارجي والسلطان ومعلوم أن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل .

 

2- ضعف الاهتمام بالجوانب الإيمانية والروحية : بعض العلماء  والجماعات لا يعني بالعقيدة وقضايا الإيمان عناية كافية فتكون العقيدة في نفوس الأتباع غير واضحة وتتحول تلك الجماعة مع المدى إلى جماعة لا تحمل المبادئ.

 

3- الحرفية في اتباع وتقليد المشايخ والقيادات: واعتبارها ديناً بل بعضهم يقدم طاعة شيخه وقيادته على النص الشرعي ..  وهذا حال مقلدة المذاهب الذين لا يتورعون وقد بلغ الحال ببعضهم إن قال : كل نصٍ مخالف لمذهبنا فإنه إما منسوخ أو مؤول .

 

4- التنازع والاختلاف : وهذا من أعظم المصائب بين أبناء الحركة الإسلامية  خلاف بين الجماعات إلى خلاف داخل الجماعة الواحدة.

 

5-الاستعجال ببعض الأعمال الإسلامية غير المدروسة

6- عدم التوازن في العمل الإسلامي فقد يتضخم العمل السياسي مثلاً على حساب العمل المنهجي العلمي والتربوي فيطغي العمل السياسي على الفكر والدعوة .

 

7- قلة وجود العلماء في قائمة قيادة الدعوات الإسلامية  مما ولد انتماء للقيادات الحركية أكثر من القيادات الشرعية العلمية ولاشك أن اتباع العلماء أقرب للحق من المرجعيات غير الشرعية.

 

8- التهوين من شأن العلماء  وأنهم لا يفهمون الواقع وأنهم طيبون على سبيل الانتقاص.

 

9- الفرقة والتناحر بين الفصائل وكل يدعي أن غيره على باطل بدون دليل ولا برهان إلا مجرد التقليد والتعصب.

 

10-غياب الإستراتيجية الثابتة والانطلاق في الأعمال وفق الحماس والعاطفة والأطروحات الوعظية والارتجالية .

 

11- غياب بعض المفاهيم الشرعية الضرورية كعقيدة الولاء والبراء.

 

12- التعصبات بين أبناء الصحوة الإسلامية .

 

13-الاستبداد وغياب الشورى وفقهها.

 

14- التساهل الدعوي وعدم الجدية في الالتزام . وقد وجد في صفوف بعض الدعاة من تراجع في ترك بعض السنن والمظاهر الإسلامية  كحلق اللحى مما يزيد من غربة كثير من السنن .

 

15- قلة التفقه في الدين ومن ثم الدعوة بلا علم .

 

16- الخلط بين مصلحة التنظيم ومصلحة الإسلام.

 

18- الجهل بطرق ووسائل الدعوة وأساليبها .

 

19- تصدر الأدعياء على الدعوة مما أثمر فقدان الثقة في القيادات وعدم المصداقية.

 

20- الفجوة بين الحكومات والدعاة إلى الله .

 

21- الجهل بالحقوق الشرعية نحو المسلمين عامة والجماعات خاصة .

 

22- الشللية والصحوبية داخل الجماعات.

 

 

7- الطريق إلى الألفة بين الجماعات  الإسلامية  :

 

1- الاعتراف بالآخر من الجماعات الإسلامية  .

 

2- المحبة وضرورتها لكمال الإيمان .

 

3- التعاون مع من كثر خيره وقلى شره.

 

4- الزيارة لله تعالى وتبادل الاتصالات .

 

5- تبادل الهدايا .

 

6- تبادل المعلومات والثناء على الإيجابيات .

 

7- التناصح بالرفق فإنه من لانت كلمته وجبت محبته .

 

8- المشاركة في المشاريع والأنشطة الإسلامية  .

 

9- الإعذار فيما يقبل الإعذار .

 

10- الالتزام بآداب الاختلاف والحوار .

 

11- التكامل في الأعمال .

 

12- مراعاة حقوق الإسلام .

 

13- التأكيد داخل الجماعات على حرمة الغيبة والحسد وسوء الظن والتآمر والاختراق

 

14- تكوين وتوحيد مرجعية شرعية للجميع والصدور عنها ,

 

15- تمكين العلماء لتوجيه الدعاة .

 

16- إصلاح ذات البين.

 

17- توسيع دائرة الولاء الضيق  للجماعة إلى الجماعات الأخرى والمسلمين.

 

18- تحديد نقاط الالتقاء ونقاط الافتراق لمعرفة حجم كلاً منها .

 

19- إشغال القواعد والقيادات بالهدف العظيم وهو الدعوة إلى الله عز وجل

 

20- سعة الصدر للنقد.

 

21- تكوين مجلس تنسيق للجماعات.

 

 

المبحث الثالث

 

مقترحات عامة

 

مقترحات عامة حول تقوية الإيمان وزيادته:

 

1- إقامة دروس أسبوعية في الإيمان في المساجد .

 

2- إقامة دورات إيمانية في سائر المحافظات .

 

3- إعداد المتخصصين في مجال الإيمان وقضاياه يتصفون بصفات لائقة بهذا الموضوع.

 

4- إعداد أشرطة لجميع شعب الإيمان[ محاضرات – ندوات ].

 

5- توفير المراجع المهمة في المساجد والمراكز في هذا الجانب .

 

6- تشكيل لجنة لمتابعة كل جديد في قضايا الإيمان والإعجاز.

 

7- إعداد مؤلفات منضبطة في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

 

8- دورات وندوات في مجال الإعجاز العلمي وإعداد المؤهلين لذلك.

 

9- إدخال منهج للإعجاز والإيمان في المراكز الشرعية الموجودة .

 

10- دعوة المسئولين في الحكومة لحضور دورات في قضايا الإيمان والإعجاز.

 

11- المطالبة بطرح هذه المواضيع في الإذاعة والتلفزيون والصحف.

 

12- طرح خطة واقعية لخدمة الإيمان وزيادته .

 

13- إعداد أشرطة خاصة في مجال الإيمان إعداداً جيداً خالية من القضايا غير المفيدة.

 

14- خروج العلماء للمحافظات لنشر الإيمان والقضايا الشرعية .

 

15- فتنح مراكز للإيمان في المحافظات .

 

16- إقامة جمعيات خيرية للقيام بنشر الإيمان .

 

17- الاهتمام بعلاج أمراض القلوب ابتداء بالدعاة .

 

18- إعداد البحوث الإيمان والعقدية .

 

19- استدعاء علماء من خارج اليمن للاستفادة  منهم في هذا المجال.

 

20- إعداد مركز إعلامي لهذه القضايا يسير وفق خطة يشرف عليها نخبة من العلماء والدعاة .

 

21- الندوات شهرية في سائر المحافظات التي يعد لها.

 

22- إعداد مجلة دورية تعنى ببحوث الإيمان والتزكية .

 

23- المطالبة بإذاعة إسلامية يُبث فيها العلوم الشرعية.

 

24- إعداد مواد إعلامية ضرورية في مجال : الإيمان بالله واليقين وقضايا الإيمان.

 

25- إنتاج الأفلام التي تخدم الإيمان بالأخص ما يخص الأطفال .

 

26- استضافة الذين أسلموا وحسن إسلامهم بسماع شهادتهم .

 

27- تبني الجماعات الإسلامية  هذه المواضيع .

 

28- فتح مكتبات مقرؤة وصوتية ومسموعة في المساجد وأماكن العلم.

 

29- رصد  وتشخيص الأمراض الموجودة في المجتمع وتشخيص العلاج والخطوات .

 

30- التدريب على الحوار والمناظرات .

 

31- فتح مواقع لقضايا الإيمان وتفعليها ودعمها .

 

32- فتح مدارس أهلية للتدريس فيها وإعداد الطلاب إعداداً صحيحاً.

 

33- إعداد سلم علمي في قضايا الإيمان ليكون منهجاً تسير عليه المركز والجامعات الأهلية .

 

34- المشاركة في الاعتكافات من العلماء والمؤثرين .

 

35- التذكير بأثر الذنوب والمعاصي على الأفراد والمجتمعات والشعوب.

 

36- التذكير بنعم الله تعالى الكثيرة وأولها نعمة الإسلام .

 

37- وجود دشات في القرى خاصة لقناة المجد للاستفادة منها .

 

38- الاستفادة من جماعة التبليغ .   

 

--------------

(1) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1331, برقم: 3442, ومسلم في صحيحه 3/1524, برقم: 1073.

(2) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 4/1919, برقم: 4739, وأبو داود في سننه 1/460, برقم: 1452.

(3) ـ أخرجه الترمذي في السنن 4/537, برقم: 2280, والطبراني في المعجم الأوسط7/203, برقم: 7275, وصححه الألباني في السلسة الصحيحة 1/237, برقم: 119.

(4) ـ أخرجه أبو داود في سننه 2/341, برقم: 3641, والبيهقي في شعب الإيمان 2/262, برقم: 1696, والترمذي في السنن 5/48, برقم: 2682,وابن ماجة في السنن 1/81, برقم: 223,وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/17, برقم: 70, وفي صحيح ابن ماجة1/43, برقم: 182.

(5) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 2/1104, برقم: 1478.

(6) ـ أخرجه الهندي في كنز العمال في سنن الأقوال والأعمال10/337, برقم: 18982, وصححه الألباني في الجامع الصغير وزياداته1/176, برقم: 2760, وفي صحيح الجامع برقم: 1879.

(7) ـ أخرجه الترمذي في السنن 4/561, برقم:2322, وابن ماجة في السنن2/1377, برقم: 4112, وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/17, برقم: 74, وفي صحيح ابن ماجة2/395, برقم: 3320.

(8) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1255, برقم: 1631.

(9) ـ أخرجه ابن ماجة في سننه 1/88, برقم: 240, والطبراني في المعجم الكبير 20/198, برقم: 446, وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة1/46, برقم: 196.

(10) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 1/50, برقم: 100, ومسلم في صحيحه 4/2058, برقم: 2673.

(11) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 4/2075, برقم: 2702.

(12)  ـ صحيح ابن حبان(3/209).

(13) ـ أخرجه مسلم في صحيحه1/65, برقم: 38.

(14) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1104, برقم: 2873, ومسلم في صحيحه 3/1359, برقم: 1733.

(15) ـأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 6/58, والشهاب في مسنده 1/108, برقم: 129, وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/787, برقم: 426, وحسنه في الجامع الصغير وزيادته 1/1161, برقم: 11608, وفي صحيح الجامع برقم: 6662.

(16) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 5/2047, برقم: 5038, ومسلم في صحيحه 4/2286, برقم: 2982.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل الرابع : واقع الدعوة اليوم وآفاقها المستقبلية
الأحد 24 فبراير 2013

الفصل الرابع

واقع الدعوة اليوم وآفاقها المستقبلية

 

 

 إذا أردنا أن نتعرف على واقع الدعوة الإسلامية  اليوم معرفة دقيقة ؛ فإنه يجب النظر إليه من المباحث التالية  :

 

المبحث الأول : واقع الدعاة

المبحث الثاني : واقع المدعوين

المبحث الثالث : موضوع الدعوة

المبحث الرابع : الإمكانيات والاحتياجات

المبحث الخامس : المخططات والتآمرات ضد الدعوة

 

 

المبحث الأول

 

واقع الدعاة

 

 

حينما غفلت الكيانات السياسية التي تحكم أمة الإسلام عن واجبها في الدعوة إلى دين الله ، هيأ الله رجالاً من هذه الأمة حملوا على عواتقهم هذا الأمر وسعوا في إقامة هذا الواجب ، فأسسوا الجماعات والمؤسسات والجامعات والمراكز والروابط والجمعيات المختلفة والتي تساهم كلها في الدعوة إلى الله وفق اجتهاد القائمين عليها ، وكانت نتائج هذه الأعمال عظيمة فمن ذلك :

 

1- تواجد المصلحين في كل المجتمعات الإسلامية  يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فبهم يدفع الله الهلاك عن المجتمع ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [ هود : 117 ].

 

2- إقامة الحجة على الناس بوصول الدعوة إليهم.

 

3- وجدت البدائل الإسلامية  في كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.

 

4- توسعت المكتبة الإسلامية  وملئت الساحة فكراً وعلماً وأدباً وفقهاً .

 

5- تعدد الجماعات كان سبباً في تنوع الاهتمامات ، مما أدى إلى ظهور معاني الدين وشموله ومعرفة الناس لجوانبه المختلفة.

 

6- فرض الإسلاميون إسلامهم في العالم فأصبح رقماً لا يمكن تجاوزه .

 

إلا أن هناك جوانب سلبية في واقع الدعاة ، وهي التي يجب أن نركز عليها في هذه الورقة من أجل تجاوزها ، ولعل من أهمها :

 

1- أزمة حوار وتفاهم بين الدعاة وظهور الاختلافات والنزعات  بينهم مما يسهم في صرف الناس عن الدعوة.

 

2- محاولة البعض تحويل التنوع الإيجابي القائم بين الدعاة إلى تنوع تضاد وتناقض ، من خلال النقد اللاذع ورمي الاجتهادات الأخرى بأوصاف غير لائقة.

 

3- انشغال بعض الدعاة بتتبع أخطاء الآخرين من الدعاة في القضايا الاجتهادية ، وصب اهتمامه وجهده نحوها .

 

4- غياب النصيحة الشرعية بين الدعاة ،  واستبدالها بالفضيحة.

 

5- فقدان التعاون في القضايا المتفق عليها وعدم التفهم الإعذار في القضايا الاجتهادية المختلف فيها.

 

6- التعصب المذموم للرأي والجماعة والشيخ .

 

7- قصور في فهم أحكام الدين ومقاصده وعجز عن إدراك الواقع عند البعض .

 

8- الهزيمة النفسية التي يعيشها البعض مما تجعله يتجاوز الثوابت ويساوم عليها.

 

9- الغلو في التعامل مع العصاة والمخالفين .

 

10- ضعف قدرات كثير من الدعاة في استخدام الوسائل الحديثة والتدرب على مهارات التأثير في الآخرين .

 

11- ابتعاد كثير من الدعاة الصادقين عن مصدر القرار وعن وسائل الإعلام مما يفتح فرصة لغيرهم أن يتصدر .

 

12- إيثار بعض العلماء الراحة والدعة عن العمل والحركة.

 

13- انشغال الكثير من الدعاة بلقمة العيش عن التفرغ للدعوة والإبداع في العمل من اجلها.

 

 

 

المبحث الثاني

 

واقع المدعوين

 

 يزيد عدد المسلمين في العالم الإسلامي عن مليار مسلم ، أغلبية هذا العدد يجهل كثيراً من أحكام دينه وخاصة العجم منهم وكذلك الذين يعيشون صراعاً مع الفقر والتنصير والاحتلال الأجنبي ، ويمكن تحديد أهم القضايا التي تصور لنا حال المدعوين - بالنسبة للمسلمين - في الأمور التالية :

 

1- غياب كثير من معالم الدين بفعل ثقافة الاستعمار التي لا زالت تحكم كثيراً من بلاد الإسلام ، كإخلاص التوحيد والحاكمية لله ، وكحرمة الربا والزنا ووجوب الحجاب.

 

2- ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر في قلوب كثير من المسلمين .

 

3- قصور فهم كثير من المسلمين للدين ، وحصر الدين في بعض العبادات وعزله عن حياتهم ومعاملاتهم اليومية .

 

4- لا زال بعض المسلمين يمارس أنواعاً من الشرك تناقض التوحيد .

 

5- التبعية العمياء لأخلاق الغرب وأساليب حياتهم وسيطرة ذلك على كثير من شباب المسلمين ونسائهم.

 

6- عدم وضوح معاني الولاء والبراء في واقع كثير من المسلمين .

 

وفي المقابل فإن عموم المسلمين اليوم في إقبال من الدين وليسوا في إدبار، فهناك إقبال واضح على العبادات ، وعلى تعلم الدين ، وفهم أحكامه ، والعمل من أجله ، وكلما وجد الداعية القدوة المؤثر ، الذي يستطيع أن يصل إلى الناس وإلى عقولهم وقلوبهم ويحسن الإلقاء واستخدام وسائل الدعوة المختلفة ؛ فإنه يجد استجابة طيبة ، وجمهوراً كبيراً من الناس يقبلون عليه .

 

وهكذا الحال بالنسبة لغير المسلمين ، فإن هناك إقبالاً واضحاً على الإسلام ، بعد أن سقطت وأفلست كل النظريات البشرية في إشباع حاجات الناس الروحية والنفسية ، حتى يكاد المتابع لذلك أن يقول : إن الدعوة الإسلامية  اليوم لا تكاد تلبي كامل احتياجات الناس ولا تواكب إقبالهم على الدين ، فعلى سبيل المثال ، هناك توسع ملحوظ في بناء المساجد في أوربا ، ويعاني المسلمون هناك من قلة الدعم المادي وقلة الدعاة المتمكنين والمتفرغين.

 

 

المبحث الثالث

 

موضوع الدعوة

 

الدعاة يعلمون أن موضوع دعوتهم هو الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً وسلوكاً ، وهم في دائرته يعملون ، إلا أن هناك بعض السلبيات في الواقع التطبيقي لموضوع الدعوة:

 

1- فهناك من يحصر الدعوة في جزئيات من الدين ، ويمتنع عن الأجزاء الأخرى ، وربما منع الناس أيضاً عن فهم الأجزاء الأخرى والعمل بها .

 

2-  هناك ضعف في ترتيب بالأولويات ، واختيار الموضوع المناسب لحال الناس وواقعهم ، كالاهتمام الزائد مثلاً بالسنن والحث عليها واستفراغ الجهد في إقامتها في مجتمع يغلب عليه تضيع الفروض والواجبات والوقوع في الكبائر والمنكرات.

 

3- اختلال التوازن في اهتمامات الدعوة كانشغال الدعاة بقضايا سياسية تستفرغ جهودهم وإمكانياتهم وإهمال قضايا الإيمان والأخلاق .

 

4- تركيز بعض الدعاة في دعوتهم على جانب الوعيد والهلاك واليأس والإحباط وإهمال الوعد والأجر وبعث روح الأمل والتفاؤل .

 

5- إهمال المواضيع التي تظهر تقدم الإسلام في الاهتمام بها ، والتي تثبت عند الناس ربانية هذا الدين ، كالإعجاز العلمي في الأنفس والآفاق ، وكذلك المواضيع التي تهتم بالمرأة والشباب والطفل والصحة وحقوق اليتيم وحقوق الإنسان والحيوان ، التي يتغنى بها الغرب ويزايد بها وهم أبعد الناس عنها.

 

6- ومن المواضيع الهامة والتي جاءت في سلم بالأولويات في استبيان لمجموعة من الدعاة هي بالترتيب :

 

1- القرآن والتعامل الحي معه، وربطه بواقع الحياة.

 

2- الحوار وآدابه وآلياته .

 

3- الكليات والمجملات من الدين ،باعتبارها من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن إغفالها من جهة، كما أنها واضحة، يمكن أن يتم جمع كلمة المسلمين حولها .

 

4- التعامل مع المخالف، وضوابطه وأساليبه الشرعية.

 

5- العقيدة الصادقة (كمحرك للطاقة الفردية) .

 

المبحث الرابع

 

الإمكانيات والاحتياجات

 

تحتاج الدعوة إلى إمكانيات هائلة حتى تحقق أهدافها وتقيم أنشطتها وتنوع وسائلها ، وتؤهل أفرادها ، وتكفل القائمين عليها ، ونحن في زمن التسابق على القدرات والإمكانيات ، والتكاليف في الإسلام مناطة بالقدرات .

 

وإذا أعطينا نظرة لواقع الدعوة في هذا المجال ، فإننا سنجد أن في الأمة قدرات وإمكانيات وثروات عظيمة ؛ ولكنها ـ للأسف الشديد ـ تذهب في غير صالح الدعوة ؛ بل نكاد نجزم بأن جزءاً كبيراً منها يصرف ضد الدعوة .

 

وسنجد في المقابل أن الأموال التي تبذل لصالح الدعوة إنما هي من الجهود الذاتية لأفراد الأمة ومؤسساتها الخيرية الطوعية ، وهي لا تفي بحاجات الدعوة الأساسية ، وهذا يفرض على الدعاة إعادة النظر في حسن استخراج ثروات الأمة ومواردها وأموالها وصرفها على الدعوة إلى الله ، والسعي الحثيث في إقناع القائمين على أموال الزكاة أن الدعوة إلى الله مصرف من مصارف الزكاة ، وأن من واجبات الدول الإسلامية  أن تخصص جزءاً من ميزانيتها للدعوة إلى الله .

 

والدعوة في حاجة إلى موارد لتغطية حاجاتها الأساسية : فهي تحتاج مثلاً إلى قنوات فضائية، وإذاعات ، ودعاة متفرغين ، ودور للنشر والتوزيع وإلى غير ذلك من الأمور الأساسية التي تستطيع بها أن تواجه الشرك والانحراف والمعاصي .

 

 

 

المبحث الخامس

 

المخططات والتآمرات ضد الدعوة

 

يقول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الفرقان:31] وسنة الله تعالى لا تتغير ، فلا بد أن يوجد في كل زمان من يواجه الدعوة ويعادي أهلها ، وهذا يوجب على الدعاة الانتباه والحذر وإعداد العدة لمواجهة كل المخططات والمؤامرات ومنها:

 

1- تشويه صورة الدعاة والصالحين ومحاولة إلصاق التهم بهم .

 

2- السعي لتجفيف منابع الدعوة والتضييق على مؤسساتها وأعمالها والقائمين عليها .

 

3- فرض الاتفاقات والقوانين التي تخالف الدين على بلاد المسلمين .

 

ويكمن أن نقول أن هناك خمس سياسات تفرض على واقع المسلمين وتحتاج من الدعاة أن يقفوا لمواجهتها ، وهي تتمثل في :

 

1- سياسة التجويع : وتتمثل في السياسات الاقتصادية التي تمارس على المسلمين ، ليصبح المجتمع المسلم عالة على غيره في غذائه ودوائه وحاجاته الأساسية ، وهذا يؤثر سلباً على الدعوة وانتشارها ، وإشغال الدعاة والمدعوين بلقمة العيش والصراع مع تكاليف الحياة ، والأعداء يمارسون ذلك وفق قاعدة ( جوع كلبك يتبعك).

 

2- سياسة التجهيل : تجهيل المسلمين بعلوم دينهم ودنياهم من خلال ضعف الاهتمام بالتعليم والمعلمين ، ليبقى الغرب دائماً هو مصدر العلم والحضارة ، وتبقى أمة الإسلام أمة متلقية ، وكلما كانت الأمة جاهلة كانت أكثر تبعية .

 

3- سياسة التفريق : الأمة الإسلامية  الواحدة أصبحت اليوم  أكثر من خمسين دولة في عصر التكتلات والتجمعات الدولية , وأمست الكيانات العربية والإسلامية  ضعيفة وهزيلة لا تكاد تقوى على شيء ، رغم الأخطار التي تواجه الأمة وهويتها وسيادتها ، والعدو يعمل على تفريق الأمة بقاعدة ( فرق تسد) ، مع أن الله يقول : ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُم ﴾ [ الأنفال: 46].

 

4-  سياسة التغريب: يعمل الأعداء ليل نهار ، من خلال وسائلهم المختلفة على تغريب المسلمين في ثقافتهم وأخلاقهم وسلوكهم ، ومسخ الهوية لدى الشباب المسلم ، والضغط على الحكومات لتقليد الغرب وخاصة في قضايا الأسرة و المرأة والحريات الهابطة .

 

5- سياسة التخويف : ويستخدم العدو أسلوب تخويف المسلمين من خلال الاحتلال أو المقاطعة أو فرض العقوبات أو إلصاق التهم ، لتستجيب الدول لمطالبه ، وتخويف الناس من المواجهة والصدع بكلمة الحق ، والله يقول: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175 ] فلا بد للدعاة أن يعملوا لمواجهة هذه السياسات الخطيرة والتي قد قطع فيها العدو شوطاً طويلاً ومن الاقتراحات في هذا الباب :

 

أولاً: أن نواجه سياسة التجويع بالأمور التالية :

 

1-  دعوة الناس إلى العمل والحركة والاعتماد على الذات وأدلة القرآن والسنة واضحة في ذلك .

 

2-  إقامة الجمعيات الخيرية في كل مدينة التي تهتم بالمحتاجين وتدرب العاطلين وتكسبهم مهارات العمل .

 

ثانياً: أن نواجه سياسة التجهيل بما يلي :

 

1-  تعليم الناس ما ينفعهم من خلال إقامة الدروس المسجدية والاهتمام بها ورعايتها.

 

2-  بث روح التعلم في الأمة وفتح المعاهد والأربطة والجامعات ودعم القائمين عليها.

 

3-  كفالة طلاب العلم وتسهيل دراستهم وتوفير المنح لهم ليتمكنوا من العلوم المختلفة فينفعوا أنفسهم وأمتهم .

 

ونواجه سياسة التفريق بـما يلي :

 

1-  بيان أهمية الوحدة ووجوبها وخطر التفرق على أمتنا وديننا وتحريض الشعوب للمطالبة بها.

 

2-  السعي لتوحيد العاملين للإسلام من خلال تأسيس النقطة الأولى وهو تشكيل مجلس للتنسيق والحوار .

 

3-  قيام العلماء والدعاة في جميع بلدان العالم الإسلامي بدعوة الحكومات للوحدة الإسلامية  والتدرج في تحقيقها .

 

ثالثاً: أن نواجه سياسة التغريب بـما يلي :

 

1-  تعليم الناس مكامن الفساد والضلال في كل ما يأتينا من الغرب وكشف حقائقها وأضرارها .

 

2-  غرس القناعات في عقول أبناء المسلمين وبناتهم بأهمية الأخلاق الفاضلة ودورها في تحقيق السعادة .

 

3-  إيجاد البدائل السليمة والمباحة والتي تشبع رغبات الشباب في التسلية والترويح عن النفس .

 

رابعاً: أن نواجه سياسة التخويف بـما يلي :

 

1-  تثبيت عقيدة الخوف من الله لا من البشر ، وأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله .

 

2-  الوقوف الحازم مع كل مسلم توجه إليه أصابع الاتهام أو الحرب من قبل العدو ، ووجوب نصرته وحرمة خذلانه .

 

3-  تشجيع الحكومات على التمسك بثوابتها وحماية سيادتها ، والاهتمام بشريحة الجيش وتربيته التربية الجهادية .

 

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل الخامس : وسائل وأساليب الدعوة المعاصرة
الأثنين 25 فبراير 2013

الفصل الخامس

وسائل وأساليب الدعوة المعاصرة

 

 

المبحث الأول: وسائل الدعوة المعاصرة

المطلب الأول: الصحف

المطلب الثاني: الإذاعة

المطلب الثالث: التلفاز

المطلب الرابع: الفضائيات

المطلب الخامس: الإنترنت

 المبحث الثاني: أساليب الدعوة المعاصرة

المطلب الأول: الإخبار والتحليل والاستطلاع والمتابعة

المطلب الثاني: الحديث والحوار

المطلب الثالث: التحقيق

المطلب الرابع: التقرير

المطلب الخامس: المقال

المطلب السادس: الفلم والقصة

المطلب السابع: الخطبة والمحاضرة

المطلب الثامن: المناظرة

المطلب التاسع: الندوة

المبحث الثالث:  أخلاقيات الإعلام الدعوي المعاصر

أولا: التأليف قبل التعريف

ثانيا: التعريف قبل التكليف

ثالثا: الأصول قبل الفروع

رابعاً : التدرج في التكليف

خامساً : التيسير لا التعسير والتبسيط لا التعقيد

سادسا: التربية لا التعرية

سابعا: من الشكل والمظهر إلى الحقيقة والجوهر

ثامنا: من الكلام والجدل إلى العطاء والعمل

تاسعا: من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية

عاشرا: من الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد

حادي عشر: من التعصب والانغلاق إلى التسامح والانطلاق

المبحث الرابع: الحلول والمقترحات للنهوض بالإعلام الدعوي

المطلب الأول: ملامح أولية للدور المطلوب

المطلب الثاني: الأسس والمقومات والمرتكزات الرئيسة للنهوض بالإعلام الدعوي

 النتائج والتوصيات

الخلاصة

 

 

 

 

المبحث الأول

وسائل الدعوة المعاصرة

تمهيد:

 

وسائل الدعوة المعاصرة عديدة ولا تتوقف على حصرها في الصحيفة السيارة، والمجلة المتخصصة والكتاب المتداول والإذاعة المسموعة والشاشة المشاهدة في البيوت أو دور العرض العامة أو الرسائل الكتابية والمحادثات والمسرح والحوار والتبليغ والمهرجان... الخ(1).

 

وتعتبر الوسائل المعاصرة من أهم مصادر القوة في عصرنا،  يقول المفكر الإستراتيجي الأمريكي جوزيف ناي "القوة" بأنها: القدرة على التأثير في الأهداف المطلوبة، وتغيير سلوك الآخرين عند الضرورة بالقوة الصلبة العسكرية أو الناعمة الثقافية والاقتصادية.

 

ويؤكد غازي العزي مؤلف كتاب "سياسة القوة: مستقبل النظام الدولي والقوى العظمى" أن المرحلة القائمة ليست نظاما دوليا جديدا، ولكنها مرحلة انتقالية لم تحسم بعد ولم تستقر على حالة نهائية، والخريطة العالمية ترشح الوضع للعودة إلى ثنائية قطبية أو متعددة الأقطاب(2).

وأهم وسائل الدعوة المعاصرة هي ما يلي:

 

المطلب الأول

 الصحافــة

 

الصحافة بعامة وسيلة هامة من وسائل التأثير في الرأي العام في المجتمعات الإنسانية المعاصرة. ويتعاظم دور الصحافة الإسلامية  بخاصة لصلتها أولاً بالصحوة الإسلامية  فهي نبتة مباركة لهذه الصحوة أولاً، ثم إنها من أكثر الوسائل التوجيهية مصداقية لدى الجمهور المنتمي للصحوة. ومن ثمّ فيفترض فيها أن تكون الأكثر تأثيراً في صياغة آراء هذا الجمهور وبلورة أفكاره وبناء تصوراته وتوجيه سلوكياته.

 

إن الصحافة الإسلامية  اليوم بعيدة عن ميدان نشر الإسلام ودعوة غير المسلمين والدفاع ضد طعنات الأعداء .

 

إننا نريد صحافة إسلامية خالصة للإسلام يحررها صحفيون مسلمون يتقيدون بالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاق(3).

 

إن مصطلح الصحافة الإسلامية  مصطلح جد شائك، فهو يطرح جملة من التساؤلات التي تبحث عن إجابات:

 

أولاً: ماذا نقصد بالصحافة الإسلامية  بالضبط؟ هل هي صحافة دينية متخصصة، أم هي صحافة عامة مستلهمة لروح الدين ومصطبغة بتوجيهاته؟ هل هي صحافة حزب أو جماعة أو تيار، أم هي صحافة قيم ومبادىء وروح غالبة حتى ولو لم يصدرها حزب يرفع شعار الإسلام أو تيار يتبنى توجهات إسلامية؟ هل هي صحافة يصدرها مسلمون وتتوجه إلى مسلمين، أم هي صحافة يصدرها مسلمون وتتوجه لغير المسلمين بهدف دعوتهم إلى الإسلام؟

 

ثانياً: ما نوع الجمهور الذي تتوجه إليه الصحافة الإسلامية ، هل هو جمهور خاص أم عام؟ هل تتجه الصحافة الإسلامية  إلى الملتزمين بالدين، أم إلى النخبة المثقفة الواسعة أم إلى عامة الناس، أم تتوجه إلى هؤلاء جميعاً؟

 

ثالثاً: ما المنهج الذي يميز الصحافة الإسلامية  في معالجتها وطرحها عن "الصحافات" الأخرى؟ وبنحو أكثر دقة: ما الصبغة التي يمتاز بها هذا اللون من الصحافة هل هي الصبغة "الأيديولوجية" الملتزمة، أم هي الصبغة الموضوعية المحايدة؟ هل هي صحافة قضية ورسالة أم صحافة وصف وإخبار، أم هي مزيج من هذا وذاك؟ وفي أسلوب الطرح: هل هو أسلوب يميل إلى الرصانة والوقار أم يجنح نحو التبسيط والإثارة؟

 

رابعاً: ما مواصفات العناصر البشرية التي تصلح لقيادة وإدارة وتحرير وإنتاج هذه الصحافة؟ وما طبيعة ومكونات تأهيل هذه العناصر "أو الكوادر" وما المحاضن التي يمكن أن تقوم بهذا التأهيل؟

 

خامساً: ما هي اقتصاديات هذا النوع من الصحافة، وهل تختلف في طبيعتها ومتطلباتها وآلياتها عن اقتصاديات "الصحافات" الأخرى؟ وهل هناك صيغة مميزة للصحافة الإسلامية  تحكم العلاقات التي تقوم بين عناصر: التمويل والإعلان التجاري والتوزيع والإمكانيات التقنية الحديثة؟

 

سادساً: ما المناخ الملائم لنشوء صحافة إسلامية حقيقية سواء على الصعيد السياسي أو الصعيد الاقتصادي، أو الصعيد الاجتماعي؟ وما الارتباط بين كل من حدود الحرية السياسية وحرية التعبير، ومستوى الوعي الاجتماعي، ومشكلات الرقابة والقوانين وبين قدرة الصحافة الإسلامية  على القيام بدورها وأدائها لرسالتها؟

 

هذه بعض التساؤلات التي تشخص _في تصوري _ أعراض الأزمة التي تعيشها الصحافة الإسلامية  المعاصرة. وهي أزمة حقيقية لا مصطنعة وقد لا يعي عمقها ومشكلاتها إلا أولئك الذين عايشوا تجربة هذا النوع من الصحافة عن كثب، أو أولئك الذين حاولوا خوض غمار البحث والدرس التنظيري للصحافة الإسلامية  في الحقل الأكاديمي(4).

 

 

 

المطلب الثاني

 

الشريط الإسلامي

 

اكتشفت هذه الوسيلة  في إبريل عام 1877م على يد العالم الفيزيائي(تشارلز كروس)

ويعتبر الشريط الإسلامي(الكاسيت- الفيديو) من وسائل تبليغ الدعوة الإسلامية  في هذا الزمان، وقد انتشر انتشارا واسعاً بين أواسط شباب الصحوة الإسلامية  ، و أصبح وسيلة دعوية فعّالة، سوءا في (الانتشار ) أو ( التأثير ).

 

وبذلك أسهم جهاز التسجيل الصوتي في إحداث ثورة عارمة في مجال الاتصالات، وهناك وقفات مع الشريط الإسلامي:

 

الوقفة الأولى : مميزات الشريط الصوتي الإسلامي القوة التأثيرية، سهولة الاستخدام، اعتدال سعره غالباً، سهولة الحصول عليه، سرعة الانتشار، تغطيته لكافة طبقات المجتمع، تنوع المواد، الوضوح و عدم التعقيد.

 

الوقفة الثانية : أسباب سرعة انتشار الشريط: الملقي، جودة المادة الملقاة، طرافة الموضوع، القوة الدعائية، الأسلوب، قوة الإخراج و إذا لاحظت في تلك الأسباب الست السالفة الذكر تجد أنها تنقسم إلى قسمين :

• قسم يعود إلى الملقي .

• قسم يعود إلى التسجيلات الإسلامية.

 

الوقفة الثالثة : إيجابيات الشريط الإسلامي

 

 تصحيح العقائد لدى كثير من الناس، رفع الجهل في الأحكام الشرعية، تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة لدى المجتمع و لدى شباب الصحوة خاصة، تعليم قراءة القرآن قراءة صحيحة و مجودة ، التأصيل الشرعي في كافة الفنون الشرعية، تجديد الإيمان.

الوقفة الرابعة : بعض سلبيات الشريط الصوتي

 

التوسع في بعض المواضع، سرعة في الإلقاء، الخطأ في بعض المعلومات،التكرار، عدم التفاعل مع الأحداث التي تهم الناس، عدم التحضير للموضوع من حيث المعلومات و الحقائق و النصوص، حدوث بعض الأخطاء اللغوية.

 

الوقفة الخامسة : طرق استغلال الشريط الإسلامي يجب على الدعاة استغلال جميع الإمكانيات المتاحة ، و محاولة تسييرها لصالح الدعوة، و هناك بعض الطرق التي يمكن أن تساعد للوصول إلى هذا الهدف النبيل  منها : التفريغ الكامل، التلخيص، الإهداء، التوزيع الخيري، الإعارة(5).

 

المطلب الثالث

 

الإذاعـــــــة

 

تعتبر الإذاعة من أيسر الوسائل الإعلامية المعاصرة اليوم، ومن أهمها، ووصولها إلى كل فئات المجتمع الرجال والنساء والمثقفين والعوام بسهولة ويسر.

 

وقد أنشئت العديد من الإذاعات الإسلامية  .

 

وهناك جهد مشكور في إنشاء منظمة إذاعات الدول الإسلامية ، والتي لها أهداف طيبة، وقد  أنشئت منظمة إذاعات الدول الإسلامية  بموافقة من المؤتمر السادس لوزراء خارجية الدول الإسلامية  عام 1395/1975 ، وتكونت الأمانة العامة لها في منتصف عام 1395هـ / 1977م تعبيرا عن التمسك والإيمان بالعمل الجماعي ، في إطار أهداف منظمة المؤتمر الإسلامي الذي يضم في عضويته 56 دولة إسلامية ، و مقرها المملكة العربية السعودية .

 

أهدافها:

 

1ـ نشر الدعوة الإسلامية  .

2 ـ إبراز أهمية التراث .

3 ـ العمل على نشر اللغة العربية لغير الناطقين بها .

4 ـ إنتاج وتبادل البرامج الإذاعية والتلفزيونية مع الدول الأعضاء .

5 ـ إبراز الصورة الصادقة المشرفة والحقيقية للأمة الإسلامية  .

6 ـ مواجهة الحملات المغرضة التي تشنها بعض الأجهزة الإعلامية الغربية على الإسلام والمسلمين .

7 ـ تصحيح الصورة الخاطئة التي يحملها الغرب عن الإسلام(6).

 

 

المطلب الرابع

 

التلفاز والفضائيات

 

يعتبر التلفاز أقوى وسيلة إعلامية  وقد أحكم قبضته على الأسرة واحتل صدر المجالس في الدور بلا منازع ولا منافس وتربع فيها بشموخ منقطع النظير ، وتشير أحدث الإحصاءات أنه فيما بين 600-700 ساعة على الأقل من عمر الإنسان تضيع سنويا في مشاهدة التلفاز ، ويشكل الأطفال الذين لم يبلغوا سن الدخول إلى المدرسة أوسع شريحة من مشاهدي التلفاز حيث تبلغ ساعات مشاهدتهم حوالي 22.9ساعة في المتوسط أسبوعيا بينما يمضى أطفال المجموعة العمرية من 6-11سنة حوالي 20.4ساعة مشاهدة أسبوعيا ، بل إن دراسات مسيحية أخرى بينت أن هناك أوقات مشاهدة أطول تصل إلى 54ساعة أسبوعيا لمشاهدين لم يصلوا إلى السن المدرسية بعد.

 

ومع أن للتلفاز آثارا إيجابية هامة تتمثل في تدعيم ثقافة المشاهد بما يقدمه من مواد إخبارية وثقافية عن تاريخ وحضارة الأمم والشعوب مما يجعل المشاهد في تجوال دائم بين أرجاء المعمورة وعلى إلمام شبه كامل بالأحداث المحلية والعالمية هذا بالإضافة إلى البرامج الدينية والعلمية والجهود التعليمية و الإرشادية.

 

إلا أن هذه الإيجابيات تكاد تشغل حيزا متواضعا في الخريطة الإعلامية اليومية أما النصيب الأعظم فللعديد من البرامج الترفيهية من أغاني ومسلسلات وأفلام ومباريات رياضية وغيرها من المنوعات التي تتعارض في أكثر الأحيان مع قيمنا وعاداتنا وديننا، إن لم يكتب وينتج للنيل من ثقافتنا وهويتنا مما يشكل خطرا على الصغير قبل الكبير(7).

 

ثم حدث التطور المنقطع النظير للتلفزة عن طريق الفضائيات ، من حيث الانتشار وتقانته ، ونقل الثقافات العالمية إلى كل بقعه يقطنها الإنسان، فلقد خطت هذه القنوات خطوات سريعة جدا ، وأضحت في عالمنا مدعاة للهو والفحش والجريمة. وأضحي التسابق على إرضاء الجمهور هو المقياس الذي تسير عليه هذه الفضائيات التي تصرح بكل وضوح أن الجمهور هو الذي يوجه هذه القنوات ، وليست هي التي توجه الجمهور. حتى أضحت معظم هذه الفضائيات وسيلة للصد عن الخير والمثل العليا. ولقد قيل عن هذه الفضائيات كثير من النقد المباشر وغير المباشر.

 

ثم برزت على الساحة العربية والإسلامية  قنوات فضائية دعوية جديدة هي قناة " اقرأ " المنبثقة عن "راديو وتلفزيون العرب " ويقوم على القناة الدعوية المنبثقة عن هذه المؤسسة الإعلامية أحد الرجال المعروفين بجهودهم الدعوية ، بالإضافة إلى تخصصهم الإعلامي ، وهو الدكتور عبد القادر طاش محمد(8).

 

وكذلك قناة المجد الفضائية بمختلف قنواتها ؛ قناة القرآن الكريم، والعامة، والتعليمية، وقناة الأطفال.

 

وكذا قناة الفجر، وقناة الشارقة ، حيث تسهم هذه القنوات في برامج متعددة في نشر الإسلام والدعوة إليه، وطرح قضاياه، سواء الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية وغيرها.

 

 المطلب الخامس

 

الإنترنــت

 

الإنترنت أداة ألهم الله بها الإنسان  ليخترق المسافات في سرعة البرق وليدخل بيوت الناس جمعياً بلا حواجز فرصة تاريخية  للعاملين في مجال الدعوة إلى الإسلام وللحريصين على نشر كلمته ، ليصلوا إلى العالمين  ويقولوا لهم هذا ديننا وهذه دعوتنا، ويكونوا شهداء على الناس.

 

لم تنل وسيلة من وسائل نقل ونشر المعلومات في تاريخ البشرية ما نالته الإنترنت من سرعة في الانتشار والقبول بين الناس ، وعمق في التأثير في حياتهم على مختلف أجناسهم وتوجهاتهم ومستوياتهم ، وما يميز الإنترنت هو تنوع طبيعة المعلومات التي توفرها ، وضخامة حجم هذه المعلومات التي يمكن الوصول إليها دون عقبات مكانية أو زمانية ، وتتوقع الدراسات أن ينمو عدد المستخدمين إلى ما هو أكثر من 150 مليوناً في الأعوام  القادمة فقد أصبح الناس اليوم ينظرون إلى الإنترنت على أنها المصدر الأول والمفضل  للمعلومات والأخبار ، وقد يقال أن وسائل الإعلام التقليدية كالصحف والمجلات والإذاعات لن تلبث أن تنقرض على يد الإنترنت ، كما انقرضت ألواح الحجارة على يد ورق البردي وكما انقرض النسخ اليدوي للكتب على يد روتنبرج ، من الطبيعي أن زعماً جريئاً مثل هذا لا يمكن أن ينشأ من فراغ ولا بد أن تكون هناك أسباب قوية ووجيهة تستطيع بها الإنترنت أن تهدم إمبراطوريات إعلامية وجدت من قرون.

 

فيما يلي بعض الأسباب التي تجعل الإنترنت وسيلة إعلام واتصال المستقبل بلا منازع، وبالتالي من أفضل وسائل الدعوة إلى الله ونشر الدين الإسلامية  وهي:

 

1- اللامكان :

 

تتخطى الإنترنت كل الحواجز الجغرافية والمكانية التي حالت منذ فجر التاريخ دون انتشار الأفكار وامتزاج الناس ، وتبادل المعارف ، ومن المعروف أن حواجز الجغرافيا منها اقتصادي (تكلفة شحن المواد المطبوعة من مكان إلى آخر) ومنها فكري وثقافي (حيلولة بعض الدول دون دخول أفكار وثقافات معينة إلى بلادها) ، أما اليوم فتمر مقادير هائلة من المعلومات عبر الحدود على شكل إشارات إليكترونية لا يقف في وجهها شيء وفي ذلك نواح إيجابية لا تعد ولا تحصى. والتي يمكن تجنيدها في قضية الدعوة .

 

2- اللازمان :

 

إن السرعة الكبيرة التي يتم بها نقل المعلومات عبر الشبكة تسقط عامل المعلومات عبر الشبكة  تسقط عامل الزمن من الحسابات ، وتجعل المعلومة في يدك حال صدورها ، وتسوي بينك وبين كل أبناء البشر في حق الحصول على المعلومة في نفس الوقت وبالتالي فأنت تعيش في عصر  (المساواة المعلوماتية).

 

3- التفاعلية :

 

تعودت وسائل الإعلام التقليدية أن تتعامل معك كجهة مستقبلة فقط ، ينحصر دورك في أن  تأخذ ما يعطونك وتفقد ما لا يعطونك ، ولذلك فهم الذين يقررون ما تقرأ أو تسمع أو تشاهد  أما في عصر الإنترنت فأنت الذي تقرر ماذا ومتى تريد أن تحصل عليه من معلومات ،  وأكثر من ذلك فبإمكانك الآن من خلال منتديات التفاعل والحوار أن تنتقل من دور المستقبل  إلى دور المرسل أو الناشر. وهذه نقلة تحصل لأول مرة وتمكن الناس من التحرك على أرض  مستوية دون أن يطغى صوت أحدهم على الآخر، ولهذا أهمية كبيرة بلا شك في الحوار  الشرعي أو حوار الأديان ، وينبغي علينا كمسلمين إدراك ما تحمله هذه التقنية من دعم لقضية الدعوة.

 

4- المجانية :

 

وهي أمر لم يحصل تماماً بعد. لكنه سيحصل خلال السنوات القادمة ، حيث إن الكثير من  الأنماط التجارية بدأت تتبلور لتمكن المجتمع من اعتبار خدمة الإنترنت من الخدمات الأساسية  في الحياة والتي سيتم توفيرها للجميع بشكل مجاني أو شبه مجاني ، ومعروف اليوم في الغرب أنه بإمكانك أن تتصل بالإنترنت 24 ساعة يومياً مقابل مبلغ 20 دولاراً شهرياً ، وهو مبلغ  رمزي حتى للطبقة المتوسط في كثير من المجتمعات ، الأمر الذي يجعل من الإنترنت الوسيط  الذي يصل إلى أكبر عدد من شرائح المجتمع ولا سيما الفقيرة منها ، علاوة على ذلك تتمتع  الإنترنت بميزة الربط الدائم ، حيث إنه ومع تطور التقنيات التي تمكنك من الاتصال بالإنترنت، لم تعد بالضرورة تقتصر على استخدامها من حسبك الشخصي في العمل أو المنزل ، بل  أصبح بإمكانك أن تتصل بالشبكة من مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأدوات كحاسبات الجيب والهواتف النقالة وحتى جهاز الثلاجة في المطبخ ، وبذلك ستكون على ارتباط دائم بالإنترنت في كل مكان وزمان ، تتابع الأخبار وتتسوق وتستدعي المعلومات المهمة في الوقت المناسب.

 

5- تنوع التطبيقات :

 

ما ذكرناه من أمثلة قليلة على استخدامات وفوائد الإنترنت ما هو إلا غيض من فيض ، إذ إن التطبيقات والخدمات التي تقدمها الشبكة تبلغ سعتها سعة الحياة فمن التطبيقات التعليمية والتربوية التي تخدم أطفالنا في تعلمهم واستكشافهم للعالم ، إلى الخدمات التي تسهل الاتصال كالبريد الإلكتروني وغرف الحوار ، إلى التطبيقات التجارية التي تحول العالم بأسره إلى سوق صغيرة يستطيع فيها البائع والمشتري إتمام صفقاتهم في لحظات، إلى المواقع الإخبارية والمعلوماتية والأكاديمية والمرجعية التي تخدم الباحثين والمطلعين في شتى المجالات بإمكاننا  نحن الدعاة المسلمين أن نعمل على صب كل هذه التطبيقات في بحيرة الدعوة ونشر ديننا  الحنيف ، للاستفادة من هذه الإمكانيات الهائلة التي توفرها لنا التقنية الحديثة يوماً بعد يوم.

 

 6- سهولة الاستخدام :

 

لا تحتاج أن تكون خبيراً معلوماتياً أو مهندساً أو مبرمجاً حتى تستخدم الإنترنت ، ولا يحتاج  رواد الشبكة إلى تدريبات معقدة للبدء باستخدامها ، بل إلى مجرد مقدمة في جلسة لمدة ساعة  مع صديق يوضح له المبادئ الأولية للاستخدام(9).

 

المبحث الثاني

 

أساليب الدعوة المعاصرة

 الخبر والتحليل والاستطلاع والمتابعة

الحديث والحوار

التحقيق

التقرير

المقال

القصة

الخطبة والمحاضرة

المناظرة

الندوة

نشير هنا إشارات مختصرة بما يعطينا صورة أولية عن الأساليب الإعلامية الدعوية حيث يمكن تقسيمها الأقسام التالية:

 

الخبر والتحليل والاستطلاع والمتابعة:

 

الخبر هو وصف الحدث بشكل واضح ودقيق وموجز، وشروط الخبر، الصدق والواقعية، والشمولية : تجيب عن خمسة أسئلة " ماذا وكيف ومتى وأين ولماذا ". وحتى يصل الخبر إلى المرحلة النهاية من الإعداد .

 

والتحليل هو قراءة علمية موثقة لحدث أو موضوع معين ، معتمدا على ثقافة القارئ من خلال خلفيته عن الموضوع ، وبالتالي تفصيل أجزائه وتسلسلها حتى يمكن تكوين رؤية مستقبلية تصور ذلك وتحدد ملامحه، وتتنوع موضوعات التحليل إلى : سياسي واقتصادي ورياضي وتربوي. وينبغي أن يتسم " المحلل " بعدة صفات أبرزها : الثقافة العامة وخاصة بالموضوع المطروح ، والقدرة على امتلاك ناصية الكلمة ، والحصيلة من المفردات اللغوية ، إضافة إلى الصفات الخلقية المبنية على الصدق والأمانة. وللمرأة المشاركة فيه.

 

والاستطلاع هو إجراء استطلاع علمي حول موضوع تربوي أو منهجي أو غيره ويمكن أن يكون استطلاعا عاما. ويمكن أن يكون للمرأة شيء من المشاركة فيه بالضوابط التي نذكرها.

 

وعلى ذلك يستطيع الخبر القيام بعدة وظائف نافعة :

 

1)  ترقية اهتمامات المجتمع الإسلامي وحفزه على إعمال الفضيلة والخير.

 

2)  المساهمة في إرساء قواعد التقييم على أساس تكريم المخلصين ونبذ المفسدين.

 

3)  المساهمة في تحريك الطاقات لتحقيق أهداف الأمة الإسلامية  .

 

4)  المساهمة في زيادة نسبة التنمية .

 

5)  تحقيق عوامل الاستقرار والأمن والرخاء للمجتمع .

 

6)  المساهمة في تأصيل الثقافة الإسلامية  .

 

7)  المساهمة في الترغيب في العمل الصالح والترهيب من العمل الفاسد.

 

8)  المساهمة في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

الحديث والحوار:

 

هو أن يكتب الصحفي عن حوار دار بينه وبين شخص أو جماعة أجرى الحوار معهم بوسيلة من وسائل الاتصال. ويقوم المحرر الصحفي بإعادة صياغة الحديث الصحفي ملتزما بالحقيقة والصدق والثبات وقد يكون شخصيا أو جماعيا أو عاما.

 

وقد جرت العادة أن تجري الأحاديث الصحفية مع المطربين والمطربات والممثلين ولاعبي الكرات وغيرهم، حتى تنقل وسائل الإعلام أراءاهم  واتجاهاتهم وأخبارهم إلى الجماهير(10).

 

ولا يكاد يذكر في هذا الدعاة والعلماء والمصلحون، ومن هنا تأتي أهمية الحوار والحديث في الإعلام الدعوي.

 

التحقيق :

 

هو عبارة عن بحث علمي يتناول واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات المطروحة ، ويستمع إلى وجهات نظر المعنيين بها ، ويتم الاتفاق على أسباب المشكلة وطرائق العلاج.

 

والتحقيق الصحفي يجب أن يوظف لخدمة الدعوة الإسلامية  فهو يفيد في مجال التعرف على البلاد الإسلامية  وأحوالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلان عن مشروع معين لخير العالم الإسلامي أو دولة منه.

 

التقرير :

 

هو شبيه بالمقال الصحفي إلا أنه يعتمد على الصورة والكلمة معا، حيث أن للصورة مكانا كبيرا في هذا العمل . والتقرير يتناول ظاهرة سلبية أو إيجابية ، ويظهر الإعلامي جوانب الضعف أو القوة في الموضوع مدعما بالصور حيث يسلط الضوء على الإبداعات ، ويصف المعرض وما فيه ، وكل ما يعتقد أن القارئ متعطش لمعرفته ، ويلم بالموضوع.

 

والتقرير بأنواعه الإخباري والحي وتقرير الشخصيات مهم لخدمة الإسلام والمسلمين فهو يلتقط الأخبار والأحداث ويشرحها أو يصورها تصويرا حيا دقيقا شيقا بصورة جذابة أو بعض لشخصية ما عرضا يرسم ملامح شخصيتها.

 

المقال :

 

هو فن من فنون النثر حديث النشأة ، ارتبط بظهور الصحافة ، ويقوم بعرض الأفكار والخواطر والآراء ووجهات النظر بفكر كاتبه أو المعبرة عن نبض القراء واهتماماتهم، وأركانه المقدمة والعرض والخاتمة.

 

وهكذا تكون وظائف المقال الدعوي تنشيطاً للعقل وبياناً للحق وهدياً ينير الطريق للطلاب ومشاركة البناء بالنقد البناء وحفزاً للمواهب على العمل والاجتهاد وتحريكاً لملكات الأفراد والجماعات وحثاً على التعاون والتكافل والإخاء وحارساً أميناً ضد الغزو الفكري(11).

 

القصة  :

 

هي من الأنواع الأدبية المحببة، والأقصوصة تأتي في حدود 1500 كلمة، وخصائصها:

 

التركيز فهي تدور حول حادثة أو شخصية أو عاطفة، ولا تزدحم بالأحداث والشخصيات والمواقف ، مع خلوها من التفصيلات والجزئيات، فلا مجال فيها للاستطراد، ووحدة الحدث والموقف ووحدة الزمن،ولا بد أن يجمع الشخصيات كلها غرض واحد,  ومن أهم الأدوار في إنتاج القصة التي منها المسرحيات والتمثيليات هي كتابة القصة، ثم يأتي بعد ذلك مسألة الإنتاج والإخراج لتكون صالحة للعرض. 

 

فالعمل الدرامي بمختلف أنواعه يعتبر من أهم الفنون الإعلامية وأعقدها ومقومات العمل الدرامي: الفكرة، الشخصيات والحوار، الحبكة ( التعقيد) وعناصرها : التمهيد أو الاستهلال ثم المقدمة المنطقية ثم نقطة انطلاق الفعل والأزمة ثم الذروة ثم الحل والجو النفسي العام.

 

هذا مع إدخال وسائل التشويق المستخدمة وهي: الموسيقى في الإعلام القائم اليوم - ويمكن استبدالها بمؤثرات أخرى- ، والتصوير (أحجام اللقطات)، وزاوية التصوير، والعدسات وتشوهاتها، والتكوين وهو الجمع بين عناصر المنظر في علاقة منسجمة ، والإضاءة، والمكياج، والمونتاج وهو انتقاء الصور المناسبة من اللقطات الكثيرة إضافة إلى التقطيع، والصوت وغير ذلك(12).

 

وتعتبر القصص بأنوعها من أهم وسائل الإعلام وأكثرها تأثيرا على المشاهدين، الأمر الذي يجعل الأخذ بها بالنسبة للدعاة من المهمات، وقد رأينا مدى إهتمام القرآن بالقصص وعرضها في أكثر من مرة بزاوية مختلفة.     

 

الخطبة والمحاضرة:

 

هي من أقدم فنون الكلام الأدبي ، وقد نبغ العرب فيها لما للغة العربية من قدرة عظيمة في التأثير على النفوس والعقول بما أوتيت من كثرة المفردات ، وتنوع الأساليب. ولها ثلاث عناصر مقدمة وعرض وخاتمة، وتتنوع أساليبها بين الخبر والإنشاء، مع ترتيب الأفكار واتصالها، و استخدام وسائل الإقناع ، ومن ذلك ذكر أمثلة حية " مشاهدة "، وترك الحشو والإطالة والتكلف في المحسنات اللفظية، و إيمان الخطيب بما يقول.

 

والمحاضرة فن كلامي آخر أشبه بالخطبة ، لكنها أكثر من الخطبة اعتمادا على الحقائق الموضوعية ، وأقل استعمالا للعاطفة ، وهي تميل إلى الأسلوب التقريري الواقعي مع البعد عن الصور الخيالية والأساليب البلاغية ، ومن مقومات نجاحها  " النقاش " والحوار بعد الإلقاء. وهذا كما يحتاج إلى الإخراج الفني للخطبة والمحاضرة يحتاج قبل ذلك إلى الإعداد الجيد ، ولا بأس بالاستفادة في ذلك من مراكز الأبحاث وغيرها في إعداد المادة المناسبة والمتميزة.

 

المناظرة :

 

هي عبارة عن حوار متبادل بين طرفين أو عدة أطراف ، ويرتكز هذا المفهوم على محورين:

 

الأول : قيادة واعية بالقضية توجه الطرفين بأسلوب تربوي يعلم احترام الرأي والرأي الآخر.

 

الثاني : أن يتم التناظر حول قضية واحدة تحتمل وجهتي النظر ولكل طرف اتجاهه وأدلته وبراهينه وحججه.

 

وما أحوج الدعاة اليوم إلى من يتصدى لهذا الأمر، لكثرة القضايا التي تحتاج إلى المناظرات؛ إذ كثير من المسلمات فضلا عن غيرها مطروحة اليوم للنقاش وإبداء الرأي والرأي لآخر، ولا يمكن أن يتصدى لذلك إلا العلماء والدعاة المتمكنون والقادرون على المحاجة والمجادلة وقصة نبي الله إبراهيم مع نمرود في ذلك، بل قصص الأنبياء مع أقوامهم خير دليل عل ما نقول.    

 

الندوة :

 

هي عبارة عن حضور مجموعة من المعنيين للحديث حول موضوع وهناك عدة صور من الندوات :

 

 الأولى: مجموعة من المتحدثين في موضوع ما يتناولون فيما بينهم كل ما يغطي هذا الموضوع.

 

الثانية : ندوة يحاور فيها مجموعة من الحاضرين أحد الشخصيات المسؤولة وهو يرد على استفساراتهم. وكلا النوعين نحتاجه اليوم في إعلامنا الدعوي، وذلك لكثرة المواضيع المعاصرة وتنوعها، وتعقيداتها، وتخصصاته(13).

 

 

المبحث الثالث

 

 مرتكزات وأخلاقيات الدعوة إلى الله

 

في وسائل الإعلام( الإعلام الدعوي)

 

 

أولا: التأليف قبل التعريف

 

أصل منهج الدعوة هو الرفق، فالدعوة بالحكمة معناها إقناع العقول بالبرهان. وبالموعظة الحسنة معناها طمأنة القلوب. والمجادلة بالتي هي أحسن معناها حوار المخالفين(14).

 

ورسالة الرحمة – الحكمة في الدعوة – تأليف القلوب من خلال :

 

1- شعور المدعو أنك تدعوه على مبدأ لا إلى نفع شخصي.

 

2- شعور المدعو بأنك حريص عليه تحب الخير .

 

3- عدم تعنيفه ولو بالكلمة مع الرفق به.

 

4- أن تدنيه منك وتلاطفه وتهش في وجهه ولا تتبع عوراته.

 

5- أن تحاوره دون تعال عليه وتنزله منزلته .

 

6- أن تستثير همته بما يفتح قلبه للحق مع مداراة سفهه إن كان سفيهاً .

 

7- أن تتجنب معه الخلافات الفقهية وتترك المراء والجدال المذموم(15).

 

ثانيا: التعريف قبل التكليف:

 

حاجة المسلمين للفهم السليم من خلال: توقير مصدر الأمر ، دعوة للإيمان قبل العمل والتكليف، التعريف بمراحل الدعوة ، الثقة في طريق الله(16) .

 

ثالثا: الأصول قبل الفروع  :

 

من خلال دعوة المسلمين للإسلام ، البعد عن مواطن الخلاف ، البدء بالكليات، الاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى ، حفظ العقيدة وأداء الفريضة واجتناب الكبائر(17).

 

ومعلوم أن الإسلام ليس متساويًا في تكاليفه وعقوباته، شأنه في ذلك شأن كل أمر مُحكم منظم، لذلك فهو مرتب حسب موازين وأولويات، وكبائر وصغائر، وعزائم ورخص، وواجبات ومندوبات، ومختلف فيه ومتفق عليه، وفروض عين وأخرى كفاية، وهذا فوري وآخر على التراخي، وقطعيات وظنيات، وأعلى وأدنى، ومحكم ومتشابه، ومتن وسند، ورواية ودراية، وهذا لذاته وذاك لغيره، وضروري وحاجي وتحسيني، وكلي وجزئي، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، وأصل وفرع، وجذر وثمر، وجذع وغصن، ووالد ومولود، وفرض وتعصيب، ومقدم ومؤخر، ومصغر ومكبر، إلى آخر ما لا يحصى...

 

والقاعدة المحكمة هنا هي أن معرفة الأصول في كل شيء إطلاقًا أولى من معرفة التفاصيل؛ لأن هذه متضمنة في تلك بالضرورة، أي محكومة بقانونه(18).

 

رابعاً : التدرج في التكليف :

 

من خلال مخاطبة الناس على قدر عقولهم ، ترك بعض الاختيار مخافة أن تقصر منهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه ، خص قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا ، ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة(19).

 

ولهذا بدأ الإسلام أولاً بالدعوة إلى التوحيد وتثبيت العقيدة السليمة، ثم كان التشريع شيئًا فشيئ(20).

 

خامساً : التيسير لا التعسير والتبسيط لا التعقيد :

 

من خلال التخول بالموعظة ، النهي عن الإفراط ، الوقوف عند حد الشارع من عزيمة ورخصة(21).

 

من أوضح علامات المنهج الوسطي: التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة؛ لأنه الأصل في دعوة الإسلام، فتغليب اليسر على العسر في الفقه والفتوى حيال الناس خاصة لا حيال النفس إذا تاقت لغير ذلك، مظنة جلب الناس إلى الالتزام يومًا بعد يوم، وتلك حقيقة نفسية واجتماعية وليست مقصورة على فقه الدعوة، وكذلك تغليب البِشر على النفور مظنة طمأنة القلوب الخائفة والأفئدة الحائرة(22).

 

وهناك مسالك يتحقق بها مرتكز التيسير:

 

 * المسلك الأول : تغليب الإباحة على التحريم.

 * المسلك الثاني : إقرار الرخص في محالها.

 * المسلك الثالث : تقديم الترغيب والتبشير(23).

 

سادسا: التربية لا التعرية :

 

ويظهر ذلك في التعامل النبوي مع من يرغب في الزنا، فقد ستر من اعترف بحد ولم يسمه ، لا تثريب عليهم، مع أبي بكر ، مع الزناة ، مع عمار بن ياسر ، مع حاطب بن أبي بلتعة(24).

 

سابعا: من الشكل والمظهر إلى الحقيقة والجوهر :

 

وذلك على معنى أن الإسلام عقيدة جوهرها  التوحيد، وعبادة جوهرها الإخلاص، ومعاملة جوهرها الصدق، وخلق جوهره الرحمة، وتشريع جوهره العدل، وعمل جوهره الإتقان، وأدب جوهره الذوق، وعلاقة جوهرها الأخوة، وحضارة جوهرها التوازن(25).

 

ثامنا: من الكلام والجدل إلى العطاء والعمل:

 

من مظاهر الكلام والجدل: التغني بالماضي دون عمل، أو ازدراء الماضي كله، أو الكلام في أخطاء الناس دون حسناتهم، أو الجدل العقيم من مثل محاولة رفع الخلاف في الفقه. فالدين إنما توحدت جذوره لتختلف أغصانه فتثمر. أو الزعم بأن الأوائل لم يختلفوا، أو محاولة إلغاء المذاهب والمدارس الاجتهادات. ومن مثل الخوض في الأغاليط ومعضلات الأمور على طريقة الثرثرة الفارغة أو مخالفة الفعل للقول.

 

والأجدر تبني فقه العمل، ونبذ الانتظار، فطالما انتظرت الشعوب قوادًا ملهَمين سلموها قيادها بسلاسة، فسجنوها وكبلوها، وطالما انتظر اليهود قدوم المسيح ليخلصهم حتى ظهرت الحركة الصهيونية، فكانت هي المسيح المخلص وأكلتنا قطرًا قطرً(26).

 

تاسعا: من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية:

 

ومن مظاهر العاطفية الغوغائية: تمجيد الذات، والإسراف في الحب والبغض، والاستغراق في الأحلام، واستعجال قطف الثمرة، والاعتماد على حسن النية دون حسن الصواب، والعجلة، والارتجال، والتواكل دون عقل الناقة، وإغفال السنن في الكون والمجتمع، واعتماد المبالغة والتهريج والسطحية.

 

والمنهج الإسلامي نصًّا وعملاً إنما قام على العلمية والعقلية، حتى في أخطر الأمور وأدقها كالألوهية والتوحيد(27).

 

عاشرا: من الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد:

 

من خلال تجديد الوسائل حسب المرحلة، والاهتمام بالتحديات العالمية، وعدم الاستهلاك في العمل السياسي، وإنتاج مناهج تعمق الثقافة الشرعية والواقعية. وكلما كان الاجتهاد والتجديد جماعيًّا مؤسسيًّا كانت النتائج أجود وأبعد عن التيه(28).

 

حادي عشر: من التعصب والانغلاق إلى التسامح والانطلاق:

 

فالاختلاف البشري إرادة إلهية ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [هود:118-119]، وكرامة الإنسان وحرية إرادته محترمة في الإسلام.

وأولوية العدل لكل الناس ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ (29)[المائدة:8].

 

المبحث الرابع

 

الحلول والمقترحات للنهوض بالإعلام الدعوي

 

 

الأسس والمقومات والمرتكزات الرئيسة للنهوض بالإعلام الدعوي وأهمها:

 

1- ضرورة توعية الأمة بأهمية الإعلام والتذكير بأننا أمة قام تاريخها المجيد من خلال وسائل إعلام ومنابر ارتفع منها صوت الخير والنصر والإرشاد.

 

2- تحريض النخب من الإسلاميين، من ذوي الخبرات المهنية والميدانية، لتقديم رؤاهم ومعالجاتهم، للاستناد عليها في بداية التجربة.

 

3- صناعة البدائل الإسلامية  في مجال الإعلام بمختلف فنونه، على أن تكون هذه البدائل ملتزمة بالرؤية الإسلامية ، ومؤطرة بالمرجعية الشرعية.

 

4- الرؤية الشاملة للإعلام الإسلامي المنتظر وعدم حصره بالإعلام الديني البحت.

 

5- الإلمام بالواقع الذي ينبثق منه الخطاب الإعلامي الإسلامي ويوجه إليه، بمعنى أن يكون إعلامنا تجاه المجتمعات المسلمة ذا هدف رئيسي ينشد تحقيقه، بحيث يبني الشخصية المتلقية المرنة والمستقلة، القادرة فيما بعد على تفنيد ما تسمعه أو تراه أو تقرأه!(30).

 

وبالرغم من أنه ظهرت على الساحة الإعلامية العديد من الأفكار ذات التوجه الإسلامي، إلا أنها لا زالت قليلة مقارنة بالمجموع، وتفتقر غالبا إلى الاستمرارية والإمكانيات الهائلة التي تتمتع بها وسائل الإعلام الأخرى(31).

 

إن العمل على تأصيل منهج إسلامي بديل في مجال الإعلام نظريا وتطبيقيا، لن يتم بكتاب واحد، ولن يتحقق في وقت قصير، بل تحتاج إلى كتب عديدة، وتجارب منهجية، وتطبيقات عملية، وتستغرق – دون شك – عمر جيل أو أجيال من المتخصصين والخبراء في مجال الإعلام(32).

 

 وتبقى القضية في حاجة إلى اهتمام الإعلاميين والمفكرين الإسلاميين، ليدلوا بدلوهم فيها، ويعرضوا المشكلات وحلولها، ويطرحوا البدائل الملائمة التي تتناسب العصر والحياة .

 

وحتى نصل إلى إعلام إسلامي حقيقي ومؤثر فإنه لا بد له إيجاد الأسس الرئيسة لقيام الاتصال في المنظور الإسلامي والتي تتمثل في أربعة ميادين رئيسة هي:

 

1- ميدان الإعداد والتأهيل البشري من خلال:

 

أ - الإعداد الأصولي والفكري، حيث يتعرّف الطالب على الأصول العقدية والفكرية والتشريعية للإسلام

 

ب - الإعداد اللغوي والتذوقي، فاللغة وسيلة الإعلامي، بل هي وعاء الفكر والثقافة.

 

ج- الإعداد التخصصي والمهني، وهذا الإعداد لا بد أن يتكامل فيه الجانب النظري والجانب العملي التطبيقي حتى لا تصبح دراسة الإعلام دراسة نظرية بحتة.

 

د - الإعداد الثقافي العام، وهذا يتطلب الإلمام بالواقع الذي يعيش فيه، من حيث قضاياه ومشكلاته، وأحداثه، وتياراته(33).

 

2- ميدان التأصيل والتنظير العلمي:

 

من خلال إنشاء ودعم معاهد ومراكز البحوث الإعلامية، التي تهتم بالاتصال في المنظور الإسلامي، واستقطاب الباحثين والدارسين الذين يتميزون بالإخلاص والوعي الإسلامي ،  وأن تسير هذه الجهود العلمية التأصيلية وفق خطة مدروسة وتصّور سليم للأولويات، وأن تعتمد على أسلوب فرق العمل الجماعية بدلاً من الأعمال الاجتهادات الفردية المحدودة. ولا  بد من أن تتوافر لهذا العمل التأصيلي العلمي إمكانية بشرية ومادية ملائمة، كما لا بد من توافر قنوات علمية تُسهم في تحريكه وبلورته وانضباطه كالندوات العلمية، والحلقات الدراسية، والمشايع البحثية، والمؤتمرات واللقاءات، التي تتلاقح فيها الأفكار، ويتبادل فيها الباحثون والدارسون الآراء، ويتناقشون فيها حول نتائج بحوثهم ومؤلفاتهم(34).

 

3- ميدان الإصلاح الواقعي :

 

والمقصود بهذا: الإسهام الإيجابي في إصلاح أوضاع المؤسسات الإعلامية القائمة في العالم الإسلامي، الرسمية منها وغير الرسمية، من خلال إيجاد قنوات تواصل وتعاونٍ بين المهتمين بشؤون الدعوة والإرشاد والاتصال في المنظور الإسلامي من جهة ، وبين العاملين في المجال الإعلامي من جهةٍ أخرى، والانحرافات التي تحيط بوسائل الإعلام قد استغرق نشرُها وتكريسها زمناً ممتداً، وإصلاحها أو تخليص الإعلام منها يحتاج إلى زمن ممتد أيضاً ، وما أسهل الهدم وما أصعب البناء !!

 

4- ميدان الإنتاج العملي المتميز:

 

من خلال إنشاء مؤسسات وشركات إسلامية للإنتاج والتوزيع الإعلامي في مختلف المجالات، من طباعة، وصحافة، ونشر، وتلفاز، وفيديو، وتسجيلات صوتية ، وشرائح مصورة، وأفلام سينمائية وغيرها. وإنشاء مثل هذه المؤسسات يتطلب طاقات بشرية عديدة، ويتطلب تكاليف مادية ومالية  باهظة. ولكن الاستثمار في هذا النوع من الإنتاج سيحقق مكاسب معنوية ومادية لا نظير لها .

 

إن صياغة الإعلام- نظرياً وتطبيقياً- صياغة إسلامية، ليست مشروعاً سهلاً سريع التنفيذ. بل هو مشروع عملاق يمثل صورة من صورة التحدي الحضاري الشامل الذي تواجهه الأمة الإسلامية  في حاضرها ومستقبله(35).

 

وبشكل آخر فإننا إذا حاولنا دراسة البنية الأساسية للعمل الإعلامي، والأبعاد الهيكلية له، فسنلاحظ انه عمل ذو ثلاثة جوانب، هي:

 

1ـ الجانب العلمي: ويشمل هذا الجانب الدراسات العلمية المختلفة، كعلوم النفس، والرأي العام، والاجتماع، وغيرها من العلوم التي تمكّن العاملين في الحقل الإعلامي من فهم طبيعة الإنسان والتأثير فيه.

 

2ـ الجانب الفنّي: ويشمل هذا الجانب مجموع الوسائل والأساليب الفنية المستخدمة في العمل الإعلامي،  كالصحافة والإذاعة والفيديو والتلفزيون والسينما والمسرح وأمثالها.

 

إضافة إلى فن الأدب واللغة والإخراج، وتنظيم العمل الإعلامي، كاللون والخط والتصوير وطريقة إخراج العنوان أو الفكرة والخبر وصياغتها.

 

3ـ الجانب الأخلاقي والقانوني: ويمثل هذا الجانب من العمل الإعلامي الجانب المذهبي بشكل أساس، أو جانب الالتزام، وهو الذي يعطي العمل الإسلامي الصفة الإسلامية ، فكلما كان العمل الإعلامي عملاً ملتزماً بالأخلاق والقيم والأحكام الإسلامية  ـ أحكام الحلال والحرام ـ كان إعلاما إسلاميا في أسلوبه وطريقته ومنهجيته، وأمّا إذا تحلل في أساليبه ووسائله وممارساته من الجانب الأخلاقي، ومن الالتزام بالأحكام الشرعية أصبح عملاً غير إسلامي(36).

 

وإن أهم المقومات التي يحتاج إليه الاتصال في المنظور الإسلامي ليأخذ مكانه في الحياة الإنسانية هي :

 

أولاً : الكوادر المتخصصة والفنية القادرة، وهذا يتطلب إنشاء مؤسسات إسلامية كفؤة، لإعداد هذه الكوادر سواء كانت جامعات أو معاهد متخصصة أو دورات مكثفة.

 

ثانياً : عنصر المال الذي هو العصب الذي يحرك كل المشاريع، والأمة لا تفتقد هذا العنصر بل ما تنفقه على الكماليات، وما تنفقه على استيراد المواد الإعلامية والكوادر الأجنبية، وما تنفقه من مشاريع هامشية، يكفي وزيادة لإقامة مثل هذا المنجز الضخم . ويضاف إلى تشجيع الاستثمار في هذا الباب، ودعوة الخيرين إلى الإنفاق، والدعوة كذلك إلى الوقف الشرعي.

 

ثالثاً : امتلاك الوسائل الإعلامية الضخمة والتقنيات الحديثة التي تمكنها من الوصول إلى المعلومة وتوصيلها بأسهل طريق وأسرعه وأقواه تأثيرا، فثورة العصر هي ثورة المعلومات والتقنيات.

 

وفي ضوء ما قلناه يظهر مدى الجهد الكبير المطلوب للخروج بالأمة من مأزقها الكبير، والمسؤولية في ذلك مسؤولية الجميع للإسهام في بناء المنظومة الإعلامية المتكاملة، هذا المشروع العملاق .

 

------------

(1) -  صحيفة الرياض الجمعة 5 ربيع الآخر 1426هـ - 13 مايو 2005م - العدد 13472

(2) - موقع الجزيرة ، الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م،  http://www.aljazeera.net/NR/exeres

(3) - الصحافة في ضوء الإسلامي ، د. مصطفى الدميري ، قسم الإعلام كلية الدعوة ، جامعة الأزهر سابقاً ، جامعة أم القرى حالياً، مكتبة الطالب الجامعي ، مكة المكرمة ، 1408هـ-1987م ، ص6.

(4) - المصدر: الإعلام وقضايا الواقع الإسلامي

http://www.balagh.com/mosoa/tablg/ug0wx669.htm

(5) - موقع صيد الفوائد، وقـفــات حول الشريط الإسلامي، أبو سحاب محمد السبيعي، بتاريخ /4/1422هـ. http://saaid.net/Minute/mm43.htm

(6) - موقع المنظمة إذاعات الدول الإسلامية http://www.isboo.org

(7) - موقع صيد الفوائد، التربية التلفازية بين الإيجابيات والسلبيات،  د/ خالد سعد النجار  http://saaid.net/tarbiah/92.htm

(8) -  موقع الإسلام http://www.al-islam.com/arb/NawaInfo.asp?f=Bhoos_n00005.htm

(9) - مجلة الإصدار التعريفي ودليل المشاركين في المعرض الخامس لوسائل الدعوة في المدينة المنورة ، موقع صيد الفوائد، http://saaid.net/afkar/85.htm

(10) - الصحافة في ضوء الإسلامي ، د. مصطفى الدميري ، قسم الإعلام كلية الدعوة ، جامعة الأزهر سابقاً ، جامعة أم القرى حالياً، مكتبة الطالب الجامعي ، مكة المكرمة ، 1408هـ-1987م ، ص

(11) -  د. عمارة نجيب – المدخل لدراسة الإعلام الإسلامي ، ص257 .

(12)- التشويق ورؤيا الإخراج في الدراما السينمائية والتلفزيونية ، عبد الباسط سلمان المالك، المخرج في تلفزيون بغداد العراق ، ص195-196 ، الدار الثقافية للنشر ، الطبعة الأولى 1422هـ-2001م.

(13) - أنظر : عمل المرأة الإعلامي، للباحث ، رسالة الماجستير، ص 88-92

(14) - الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد، د. يوسف القرضاوي، أنظر:  موقع إسلام أون لاين، المبادئ العشرة في ترشيد الصحوة الإسلامية، محمد إبراهيم زيدان 27/05/2004 ، http://www.islamonline.net/arabic/Daawa/

(15) - الدعوة قواعد وأصول ، جمعه أمين عبد العزيز، من ص113 إلى آخر الكتاب، دار الدعوة والنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1419هـ - 1999م.

(16) - الدعوة قواعد وأصول ، جمعه أمين عبد العزيز، من ص113 إلى آخر الكتاب، سابق.

(17) - الدعوة قواعد وأصول ، جمعه أمين عبد العزيز، من ص113 إلى آخر الكتاب، سابق.

(18) - الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد، د. يوسف القرضاوي، أنظر:  موقع إسلام أون لاين،   المبادئ العشرة في ترشيد الصحوة الإسلامية، محمد إبراهيم زيدان، مرجع سابق.

(19) - الدعوة قواعد وأصول ، جمعه أمين عبد العزيز، من ص113 إلى آخر الكتاب، سابق.

(20)-  إشكاليات العمل الدعوي بين الثوابت والمعطيات العصرية،أ.د.محي الدين عبد الحليم، سلسلة كتاب الأمة.

(21) - الدعوة قواعد وأصول ، جمعه أمين عبد العزيز، من ص113 إلى آخر الكتاب، سابق.

(22) المرجع السابق.

(23) - من مرتكزات الخطاب الدعوي في التبليغ في التطبيق، عبد الله الزبيري عبد الرحمن، العدد:56، ذو القعدة 1417هـ، ص 92-116.

(24) - الدعوة قواعد وأصول ، جمعه أمين عبد العزيز، من ص113 إلى آخر الكتاب، سابق.

(25) - الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد، د. يوسف القرضاوي، وأنظر:  موقع إسلام أون لاين،   المبادئ العشرة في ترشيد الصحوة الإسلامية، محمد إبراهيم زيدان، مرجع سابق.

(26) - المرجع السابق.

(27) - المرجع السابق.

(28) - المرجع السابق.

(29) - المرجع السابق.

(30)- الاتصال في المنظور الإسلامي مجلة النبأ العدد 74، مرجع سابق.

(31)- إضاءات حول الاتصال في المنظور الإسلامي ، د. عبد القادر طاش، كتاب الأمة، مقالات في الدعوة والإعلام.

(32)- مقدمة التلفزيون الإسلامي ودوره في التنمية، للدكتور عبد القادر طاش، تأليف يحي بسيوني مصطفى، د.عادل الصيرفي، ص8، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، الرياض، 1405هـ - 1985م.

(33) - أنظر بتصرف: إضاءات حول الاتصال في المنظور الإسلامي ، د. عبد القادر طاش، مرجع سابق.

(34) - أنظر بتصرف: المرجع السابق.

(35) - أنظر بتصرف: المرجع السابق.

(36) - عناصر الاتصال في المنظور الإسلامي، الدين والحياة، مؤسسة  البلاغ  للطباعة والنشر لعام 2000م، موقع إسلام أون لاين.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل السادس : توحيد صفوف الدعاة
الأثنين 25 فبراير 2013

الفصل السادس

توحيد صفوف الدعاة

 

 

 " كلمة التوحيد تجمعنا ودار الإسلام تأويينا ولن تزيد المذاهب الفقهية والآراء المحكومة بضوابطها الشرعية عن أن تكون حجرات في بيت الإسلام الكبير ".

 

سعيد النورسي رحمه الله تعالى.

 

تمهيد:

 

الوحدة الإسلامية  مطلب عزيز، وهدف نبيل، وغاية يتطلع إليها المخلصون من أبناء هذه الأمة، وهي قبل ذلك كله وصية الله لنا في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ، فقد تواترت النصوص قرآناً وسنة تدعو المسلمين إلى الوحدة والائتلاف، وتحذرهم مغبة الفرقة والاختلاف، وأحسب أن الظرف التاريخي الذي تمر به الأمة الإسلامية  الآن قد نبه فريقاً من العلماء العاملين والقادة الإسلاميين إلى ضرورة التفكير العميق والعمل الجاد من أجل الوصول إلى صيغة تجمع الصف وتوحد الكلمة وتخرجنا من دائرة الخلاف، إذ لا يصح شرعاً ولا عقلاً أن نرى العدو يرمينا جميعاً عن قوس واحدة ويحشد قواه ويؤلب الرأي العالمي علينا، ويريد أن يغير ثقافة المنطقة ودينها وهويتها تحت غطاء الديمقراطية ورعاية الأقليات وشعارات إنصاف المرأة وحقوق الإنسان، بينما نحن شعوباً وحكومات وهيئات وجماعات مشتغلون بقضايا لا ترقي إلى مستوى هذه التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، وقد قال الله تعالى : ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:46]، ولذا كان لزاماً على كل غيور على وحدة الأمة وتماسكها والتئام صفوفها أن يبحث أولاً سبل وحدة القيادات العلمية والفكرية والدعوية فيها ، لأجل هذا هذه محاولة لتقديم رؤية علمية وعملية لوحدة الدعاة والعلماء في الأمة ، نسأل الله تعالى منه العون والتوفيق ، فإن أصبت فمن الله وحده وإن أسأت فمن نفسي والشيطان ، والحمد لله رب العالمين .

 

مباحث الموضوع

 

المبحث الأول : الضرورة الشرعية لاجتماع وائتلاف الدعاة

المبحث الثاني: الوسائل العلمية والعملية لوحدة الدعاة والعلماء

 

 

 

المبحث الأول

الضرورة الشرعية لاجتماع وائتلاف الدعاة

 

 

ينبغي النظر في هذا السياق إلى الأهمية الشرعية والدعوية لوحدة الدعاة إلى الله تعالى في مسيرة إحياء الأمة ونهضتها ، وفق نصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، رضوان الله تعالى عليهم ، وما تقتضيه ضرورات الواقع الدعوي لفئات العاملين والدعاة إلى الله تعالى ، نتناول هذا الموضوع من خلال المطالب التالية :

 

 

 

المطلب الأول: دلائل الكتاب العزيز على وجوب الوحدة والاجتماع

 

المطلب الثاني: دلائل السنة الشريفة على وجوب الوحدة والاجتماع

 

المطلب الثالث: فهم السلف الصالح والقرون المفضلة لضرورة الوحدة والاجتماع

 

 

 

المطلب الأول

دلائل الكتاب العزيز على وجوب الوحدة والاجتماع

 

 

قال الله تعالى: ﴿ وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ [المؤمنون: 52] ، وقوله جل جلاله: ﴿ إنَّ اللَّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنهم بنيان  مرصوص ﴾ [ سورة الصف: 4]، وقوله جل جلاله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .[ آل عمران: 103]

ونهى عز وجل عن الفرقة والشقاق في قوله جل جلاله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [ الأنعام: 153] وقوله جل جلاله: ﴿ وأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال: 46] وقوله جل جلاله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَـاتُ ﴾ [ آل عمران: 105] .

 

والآيات في وجوب وحدة المسلمين أكثر من الحصر يدخل في عمومها دخولاً أولياً دعاة الإسلام وحاملو لواء الملة   .

 

 

 

المطلب الثاني

دلائل السنة الشريفة على وجوب الوحدة والاجتماع

 

 

من الأحاديث:

 

حديث النعمان بن بشير «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر»(1).

 

وفي صحيح مسلم وغيره: عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم «المؤمنون كرجل واحد. إن اشتكى رأسه، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»(2) .

 

وحديث مسلم : «إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا»(3). وذكر منها: «أنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»(4).

 

وجاء في السنة النبوية من الأحاديث والأحكام الصارمة في هذا ما يتعجب منه الإنسان، منها على سبيل المثال قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ فارَق الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جاهلية»(5).

 

 وأخرج مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيامَةِ لا حُجَّةَ لَهُ»(6). والمعنى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بالغ في التحذير من الخلاف والفرقة، والحث على الاجتماع والوحدة؛ بحيث أن من خالف ذلك لقي الله -جل جلاله- يوم القيامة وليس له حجة، وحديث مسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما «مَنْ مات وليس في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(7). وكذلك الحديث الثالث الذي رواه مسلم  عن عرفجة -رضي الله عنه: «إنه ستكون هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ- أي: أحوال وفتن- فمَنْ أراد أن يُفَرِّقَ أَمْرَ هذه الأُمَّةِ وَهِي جَمِيعٌ فَاضْرِبُوه بالسَّيْفِ كائنًا مَن كان»(8).

 

وهذه الأحاديث الواردة وإن كانت واردة في جماعة المسلمين التي لا يجوز الخروج عليها ، إلا أنها تبين الضرورة الشرعية لوحدة المسلمين واجتماع كلمتهم ، ورص صفوفهم .

 

المطلب الثالث

 

فهم السلف الصالح والقرون المفضلة لضرورة الوحدة والاجتماع

 

يقص علينا تاريخ التشريع الإسلامي مسطراً أروع مواقف الاتفاق، على قواعد وثوابت منها: لم ينعزل فقهاء السلف عن الأحداث العظام، مؤثرين البعد والسلامة أو متنسكين متزهدين أو يائسين قانطين، لا بل كان شعارهم « من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»(9)، ديدنهم النشاط والمشاركة والتفاعل سواءً في عهد أبى بكر رضي الله عنه أو في عهد بقية الخلفاء الراشدين, فالفرد منهم وإن لم ينصب في منصب إداري أو قضائي أو عسكري إلا أن هديه رضي الله عنه كان التفاعل مع الأحداث، والسهر بجانبها وبذل كل الجهد ليؤدي دوره في الإصلاح والتغيير وفي ترشيد المسيرة وتسديد الأعمال والممارسات، مؤدياً ما عليه من مسئوليات تجاه الدولة وتجاه الأمة. غير مبالٍ بمنصبٍ رفيع أو دونه لا يمنعه من التفاعل والمشاركة والتعاون البناء وفى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «.. وطوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله إن كان في المقدمة كان في المقدمة وإن كان في السَاقة كان في السَاقة إن استأذن لم يؤذن له وإن يشفع لم يشفع..»(10).

 

ومن الأصول والقواعد الثابتة في هديهم في جمع الكلمة ولمِّ الشتات أن المصلحة الإسلامية  العليا هي الهم الأكبر والأصل الذي يجب أن تنحني إليه كل فروع المسائل الفقهية وغيرها، ويحرم أن ينطلق أي موقفٍ إلا من خلف مصلحة الإسلام والمسلمين الكبرى، فلا يتقدمها رأي ولا يُصغى لاجتهاد أو رأي لا حظ له ملموس في وحدة الدولة والأمة، وإزالة عوامل التوتر والتشنج في علاقات المسلمين وخصوصاً علاقات أهل الحكمة من العلماء أصحاب الدور الأكبر في تجاوز الأزمات وسكون الفتنة.

 

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل تنصيب إمام على المسلمين وجد الصحابة أنهم أمام خلافٍ لا بد له من فقهٍ عميق، يواجه منهجاً ورأياً يهدد المصلحة الإسلامية  العليا والوحدة الإسلامية ، إنها الفتنه بين الخليفة والمعارضين , فقد خلق هذا الخلاف جواً من الاضطراب والتخلخل في تماسك ووحدة الكيان الإسلامي، وفي ظل هذه الأجواء المضطربة الحادة، يظهر فقه السلف في الاتفاق، وتتفتح الآفاق، وتنهض العزائم، ولم ينعزل فقيهٌ ولا عالمٌ عن الأحداث، ولم يفر أحد عن الميدان, وإنما قام كل بواجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه المعنيُّ الوحيد، حفاظاً علي تماسك الكيان الإسلامي، وعلى سلامة تطبيق منهجه الرباني في الاتفاق، من قبل الخليفة والولاة والأمة، فالكل يحاول تهدئة الأوضاع والعلاقات المتشنجة لكي لا تحدث الفتنة وتتوسع فيتمزق الكيان الإسلامي.

 

 ونضرب مثالاً واحداً من هدي السلف وحرصهم على الاتفاق والوحدة في مسائل الحلال والحرام:

 

هدى السلف في الاتفاق في مسائل الحلال والحرام:

 

 لقد كان لنكاح المتعة، المنسوخ حكمه مثالاً لاتفاق السلف رضي الله عنهم، وأنموذجاً يحتذى به في تجاوز الخلاف بأقل قدر من المشورة والمعالجة المبنية على الدليل الشرعي من الأصلين الكتاب والسنة، فقد أفتى ابن عباس بجوازه، بيد أنه سرعان ما رجع عنه لما ناظرته الصحابة فيه وأبانوا له الدليل، وبعد أن سرت بفتواه العامة، ورجز بها فحول الشعراء:

 

يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس *** هل لك في رخصة الأطراف آنســة

 

"وما كان لينتهي أمر هذا المسألة التي تبيح الفروج والعروض وتصبح في قاموس التاريخ، لولا رغبة السلف في الاتفاق المبني على الدليل، والمستند إلى الفقه المستنير، بعيداً عن الممارسات المتشنجة والداعية إلى التباغض والعداء, والمشجعة علي التمرد والعصيان، ولاشك أن أكبر أسباب الاختلاف المبررات المبنية على رمال التأويل والتفسير بالرأي المذموم. "(11) .

 

 

المبحث الثاني

 

الوسائل العلمية والعملية لوحدة الدعاة والعلماء

 

توطئة:

 

يجب في هذا الخضم الهائل من تمزق الأمة وتشتتها أفراداً وجماعات وأحزاباً ودولاً ، أن ينظر العقلاء والمصلحون وقادة الرأي والفكر في الأمة إلى الوسائل والأسباب لجمع الكلمة ووحدة الموقف، ولم الشعث ، وصنع القرار المؤثر في نهضة الأمة وإحيائها من جديد ، وفق خطط وبرامج علمية وعملية تكفل سير الأمة نحو الالتئام والتكامل والتكافل ، وثمة أسباب كثيرة لوحدة الدعاة إلى الله تعالى ينبغي أن يسلكها الدعاة نحو يوم الوحدة والاجتماع المنشود ، من أهمها:

 

1) القناعة بمبدأ وحدة الجماعات الإسلامية  :

 

ينظر البعض إلى مسألة وحدة العاملين للإسلام أنها من الأمور التي لا ينبغي طرقها ، لأنه يرى مثلاً أن بقية الجماعات – سواه – جماعات هامشية لا تمثل تياراً مؤثراً في الأمة ، أو لكون جماعته هي الجماعة الوحيدة القادرة على النهوض بمشروع الأمة بمفردها ، كونها الجماعة الأشمل والأكمل والأقدر ، أو كونها الأكثر أتباعا للهدي النبوي ، أو أكثرها تنظيماً وإعداداً ومراساً ، أو إلى ما إلى ذلك، ولا يبنغي بالتالي الالتفات إلى هذا الفتات أو ذاك من هؤلاء العاملين للإسلام، إن صح التعبير.

 

وهذا مع أنه تفكير غير سليم وسطحي يمجه العقلاء ، فضلاً عن الساسة والحكماء ، فضلاً عن أبجديات النصوص الشرعية والدلائل القرآنية والتوجيهات النبوية التي تأمر الأمة – كل الأمة- بالوحدة والاجتماع ، في أول سور القرآن العظيم ، والتي خاطبت الأمة بصيغة الجمع لا بصيغة الفرد، كما قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة:5] وعشرات النصوص الشرعية الداعية والحاثة على الوحدة والاجتماع، مما لا يخفى على مسلم ، مما لا ينبغي أن نطيل فيه كونه من المعلوم من الدين بالضرورة ، لكن نشير إلى أن هذا أمر يرفضه كل عاقل في عالم التكتلات السياسية والمنظمات الاقتصادية والجمعيات العلمية ، في دنيا الوحدة وعالم التكتلات ، ومثل هذا القول كمثل قائل نحن لا نحتاج إلى أصابع اليدين فهي هامشية ، بل نحتاج إلى القلب والأمعاء فهي آلات  لا يمكن لجسم الإنسان الاستغناء عنها ، بخلاف ما عداها من الأعضاء ، وينسى هذا المسكين أنه لا يستطيع القبض أو البسط إلا بأصابع وعضلات ، فهي أجزاء أصيلة وضرورية في جزء آخر هام وضروري .

 

ولهذا ما أصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين شبه أعضاء الجسم الإسلامي بأعضاء الجسم الإنساني فقال صلى الله عليه وسلم  «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر»(12).

 

ألا فليعلم الدعاة إلى الله تعالى أن العمل الإسلامي عمل متكامل كالبناء ، وأنه لا بد من التعاون والاستعانة فيه وأنه لا بد وأن يشارك الجميع في هذا البناء الهائل والضخم ، وأن الإسلام لا بد وأن يحمله كل أبنائه ، فالخطوة الأولى نحو التوحد والوحدة القناعة والاستعداد الذهني والنفسي لهذه الحقيقة .

 

2)    ضرورة الحوار الإسلامي الإسلامي:

 

يأمر الإسلام بالتحاور مع الديانات والعقائد المختلفة  كما قال تعالى: ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت:46]

 

 إن الحوار مبدأ إسلامي دعا إليه الإسلام وأرسى أصوله وقواعده من أول يوم للرسالة حتى مع الكافرين والمعاندين ، فما بالنا اليوم لا نعتمده لبناء العلاقات بين الإخوة والأحباب الذين تجمعهم رابطة الأخوة ، وتوحدهم هموم الدعوة ،  نفتح أبواب الحوار على مصراعيها وبلا قيد ولا شرط للحوار الإسلامي الأمريكي ، والحوار الإسلامي الأوروبي ، والحوار حتى مع الفاتيكان والباباوات والأحبار والقسس والرهبان ، ونغلق أبواب الحوار مع بعضنا .

 

 إنه لا عتب ولا عيب أن نفتح الحوار على مصراعيه مع كل أحد كائناً من كان ، لكن لِمَ لا نرسّخ هذا الخُلق وهذا السلوك وهذا التعامل مع بعضنا حكومات وشعوباً وهيئات ومنظمات وأحزاباً، لِمَ نفهم الحوار فقط أنه مع العدو دون الصديق ومع الغرباء والمحتلين دون أبناء الوطن الواحد والشعب الواحد ، ولِمَ نتحاور مع أعدائنا ونتحارب ونقتتل مع أنفسنا وشعوبنا ؟!! ولِمَ نتحاور مع الغزاة والمحتلين بوجوه ملؤها البشاشة والبهجة والسرور وتعلوها الابتسامة البريئة والضحكات اللطيفة فيم نتحاور مع بعضنا بلغة الرصاص وأفواه المدافع وعلى أنغام المتفجرات.

 

أليست هذه إشكالية عربية وإسلامية أكثر من عويصة لم نستطع بعد تجاوزها- وتجاوزها العقلاء غيرنا قبل عقود من الزمان - وتئن منها أمتنا على مدى قرون طوال ،إنها مشكلة فهم ووعي أكثر من أي سبب آخر ، فيما العالم اليوم كله من أقصاه إلى أقصاه بمختلف فئاته وثقافاته ودياناته ولغاته وأعراقه وأعرافه آمن وأسلم بالحوار والنقاش ديناً كحل أقرب لفض الخصومات والنزاعات .

 

إن الواجب على دعاة الإسلام فتح كل أبواب الحوار واللقاءات والمنتديات الفكرية فيما بينهم، وتوسيع دائرة الحب والإخاء ، وفتح آفاق التعاون والتآزر بين فصائل الدعاة إلى الله تعالى ، وأقترح عملياً لهذا " إنشاء منتدى للعلماء والدعاة" من مختلف فصائل التيارات الإسلامية  للقاء والحوار ، تشرف عليه جامعة الإيمان ، كونها صاحبة المشروع في هذا المضمار .

 

3) الاجتماع على محكمات الشريعة:

 

كما يسميها العلماء، التي أجمع عليها السلف الصالح، وقبول الخلاف فيما اختلفوا فيه؛ فنتفق ونُجمع على ما أجمعوا عليه من محكمات الشريعة، ونقبل الاختلاف فيما اختلف السلف الصالح فيه؛ فإذا ثبت أن الصحابة -رضي الله عنه- قد اختلفوا، أو الأئمة من السلف الصالح، فلا تثريب ولا غرابة أن يقع هذا الاختلاف فيمن كان بعدهم.

 

وهناك أشياء تناقض هذا المعنى، وهي كثيرة؛ منها:

 

أولًا: تنزيل النصوص على غير وجهها واعتبار أن الأحاديث الواردة بلزوم الجماعة تنطبق على جماعة خاصة أو تنظيم معين، أو حزب أو طائفة، فهذا لاشك أنه قلب للحديث النبوي من كونه دعوة للمسلمين للاجتماع على هذه السلطة العامة المتفق عليها إلى أن يكون اختلافًا؛ فكل طائفة أو جماعة أو حزب يعتبر هذه الأحاديث خاصة به، ويلزم الناس بالاتفاق عليه وبيعته وطاعته وأتباعه، ويعتبر أن مَن ليس كذلك فقد نزع يدًا من طاعة، وخلع ربقة الإسلام من عنقه، وإن مات على ذلك فميتته جاهلية، ويلقى الله يوم القيامة ولا حجة له، إلى غير ذلك مما يقع للناس كثيرًا، وهذا مصداق ما أخبر الله -سبحانه و تعالى- به: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾  [المؤمنون:53]. فكل طائفة أو جماعة ترى نفسها واجبة اللزوم واجبة الإتّباع، ولا ترى هذا الحق لغيرها

 

محكمات الشريعة:

 

المحكم في المعنى اللغوي يشمل ثلاثة معانٍ:

 

الأول: أن هذا المحكم محفوظ لا يمكن تغييره ولا تبديله، فتقول: هذا شيء محكم. أي: ليس بمنسوخ، فهو ثابت لا يمكن تغييره، ولا استبداله.

 

الثاني: الواضح البيّنُ المفسَّر الذي ليس فيه غموض ولا خفاء.

 

فهذه المحكمات مع كونها ثابتة مستمرة؛ فإنها واضحة ظاهرة سهلة الفهم، سهلة القبول، سهلة التلقين لعامة الناس.

 

الثالث: كون هذه المحكمات أصولًا ثابتة، ومراجع ترجع إليها الفروع، ويعاد إليها ما خرج منها؛ فهي أصول ثابتة يتفرع عنها أشياء أخرى.

 

فهذه المحكمات التي نطلب أن يكون الاتفاق عليها، وليس على غيرها، هي المسائل الواضحة البينة الأصلية التي جاءت بها الشريعة الربانية، وأجمع عليها الصحابة -رضي الله عنه- والسلف الصالحون؛ من وجوب عبادة الله -جل جلاله- وتحريم الكفر والشرك والنفاق، وتحريم الظلم والربا والفواحش، ومن أركان الإسلام الخمسة المعروفة، وأصول الإيمان الستة المعروفة، وقواعد الأخلاق التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل جاء بها الأنبياء كلهم؛ كوجوب الصدق وتحريم الكذب، ووجوب العدل وتحريم الظلم، ووجوب البر وتحريم العقوق، وما أشبه ذلك.

 

ومن ذلك جوامع المنهيات الثابتة في القرآن والسنة، كما في حديث السبع الموبقات(13), وغيرها.

 

ويتحقق من خلال هذه المحكمات أمران عظيمان:

 

الأول: المحافظة على الدين، على الإيمان بالله -سبحانه و تعالى- والملائكة، والكتب، والرسل، والنبيين، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وما يتعلق بذلك كله، والمحافظة على طاعة الله -جل جلاله- بتطلب رضي الله -سبحانه و تعالى- عن المسلم في الدنيا، وتحقيق النجاة في الدار الآخرة من النار، ودخول الجنة.

 

وهذا يتحقق للمؤمنين المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون، وهم الذين يتحقق لهم هذا الأمر على سبيل التحقيق، ولا يتحقق لغيرهم.

 

الثاني: المحافظة على الدنيا، وهذا ما يعبر عنه علماء الأصول بحفظ الضروريات الخمس التي لابد من حفظها وهي: حفظ الدين، والعرض، والمال، والنفس، والعقل.

 

وكل الأوامر الشرعية والنواهي فهي تدور حول تحقيق هذه الأشياء الخمسة، وهذه الأشياء تتحقق للمؤمنين ولطوائف من غير المؤمنين ممن عمتهم رحمة الإسلام؛ كالذين يقعون تحت سلطة الإسلام أو يدفع الله -جل جلاله- عنهم بالإسلام بعض الضرر، والتاريخ زاخر بالأخبار، كما قال سعد بن محمد بن الصيفي المعروف بـ حيص بيص:

 

مَلَكْنا فكان العفوُ مِنّا سجيَّةً *** فلَمّا مَلَكتمْ سال بالدَّمِّ أَبْطَحُ

وحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الأُسَارَى وطالما *** غَدَونا على الَأْسرَى نَعفُّ ونَصْفَحُ

فَحَسْبُكُمُ هذا التَّفاوُتُ بينَنا *** وَكُلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ

 

ومن أمثلة المحكمات ما رواه الترمـذي وغيره عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: « من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد -صلى الله عليه وسلم - فليقرأ هذه الآيات: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾» [ الأنعام:151-153](14). 

 

ولذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن كعب الأحبار أنه قال: «كان أول ما نزل من التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت في آخر الأنعام»(15)، وهي ما يسمونها بـ "الوصايا العشر"، وعليها مدار الرسالات السماوية، والرسل صلى الله عليهم وسلم جميعًا- اتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء، ومما اتفقوا عليه هذه الوصايا العشر التي عليها مدار صلاح الدين والدنيا، وأما ما اختلفوا فيه، فمن الفروع في الأحكام، والحلال والحرام، وغير ذلك من المسائل المؤقتة القابلة للتغيير والتبديل والنسخ، ولهذا قال ابن عباس، رضي الله عنهما: إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام:151](16).. فكأنه سئل عن قول الله -جل جلاله-: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [آل عمران:7]. فأجاب بذلك.

 

ومثل ذلك ما رواه الطبري في تفسيره 3/172 أنه قال- يعني ابن عباس: المحكمات هي الثلاث الآيات التي هاهنا: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ [ الأنعام:151 ] إلى ثلاث آيات والتي في بني إسرائيل: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [ الإسراء:23] .

 

 إلى قول الله -سبحانه و تعالى-: ﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء:39]. فهذه الآيات فيها تحديد للمحكمات والقطعيات والضروريات التي عليها مدار الاجتماع، ومدار وحدة الكلمة.

 

والمحكمات الواردة في هذين الموضعين من القرآن الكريم عشرة:

 

أولًا: وجوب عبادة الله وتحريم الشرك به.

ثانيًا: وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما.

ثالثًا: وجوب حفظ النفس، وتحريم القتل بغير حق سواء كان قتلًا للقريب كالأولاد، أو للبعيد.

رابعًا: تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، الفواحش الظاهرة كالزنا، وشرب الخمر، والربا وغيرها، والفواحش الباطنة كالفواحش القلبية مثل: الغل، والحقد والحسد والنفاق، وغيرها من المعاني الباطنة، ومثله ما يقع في الخفاء من الفواحش.

خامسًا: حفظ المال وأداء الحقوق فيه للمحتاجين، ومن ذلك عدم العدوان على أموال اليتامى وغيرهم. 

سادسًا: وجوب الوفاء بالعهد والميثاق، سواء كان عهدًا مع الله -سبحانه و تعالى- أو عهدًا مع خلقه، وكلما كان هذا العهد أوثق كان الوفاء به أعظم.

سابعًا: وجوب العدل- وهذا من أعظم الأصول- في الأقوال والأعمال، ووجوب الوزن بالقسط؛ ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن:9].

ثامنًا: تحريم الكبر، وتحريم الأخلاق المذمومة كلها بعامة، والأخلاق المذمومة تُعْرَفُ بالشريعة، وبالعقل، وبالفطرة.

تاسعًا: وجوب إتباع صراط الله المستقيم، وتجنب السبل المضلة؛ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام:153].

 

عاشرًا: تركُ قَفْوِ الإنسان ما ليس له به علم، واستشعار الإنسان المسؤولية عن السمع والبصر والفؤاد واللسان: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء:36] .

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الرسل كلهم- عليهم الصلاة والسلام- متفقون في الدين الجامع، في الأمور الاعتقادية والأمور العلمية كالإيمان بالله تعالى والملائكة والكتاب والنبيين... إلى غير ذلك، وكذلك الأصول العملية كالأعمال المذكورة في سورة الأنعام؛ فهذا من الدين الجامع الذي اتفق عليه الرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام(17).

 

إنه لا يكفي أن يعتقد هذا دعاة الإسلام ويكتبوه في كتبهم وبرامجهم بل لا بد أن يظهر هذا في مواقفهم المعلنة إزاء الحوادث العامة المتجددة يومياً ، وأن يظهر اتفاقهم هذا إزاء قطعيات الإسلام ومحكمات الدين والملة ، وألا تتباين رؤاهم حول هذه القطعيات والمحكمات الإسلامية  .

 

ومن التجارب الإسلامية  الجديرة هنا بالذكر والإشادة في هذا المقام ، اجتماع الجماعات الإسلامية  كلها إخوان وسلفيون وصوفيون ...في معركة الدستور اليمني ، عام 1990م ، حيث اجتمعت كل الفئات الإسلامية  على معارضة ومقاطعة الدستور العلماني ، الأمر الذي أفلحت فيه هذه المقاطعة ، وتمكن الإسلاميون والقوى الخيرة في بلاد اليمن من تعديل الدستور وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية  الغراء .

 

وأيضاً: هناك تجارب لمجموعات إسلامية تجمعت على هدف واحد كما حدث في السودان في الجبهة الإسلامية  للدستور التي جمعت الإخوان المسلمين وأنصار السنة والمتصوفة وكل الإسلاميين من أجل إقرار الدستور الإسلامي وهناك تجربة جبهة الميثاق الإسلامي وحديثا هناك تجربة التيار الإسلامي في جامعة الخرطوم .

 

وحالياً تقتضي المرحلة الصعبة التي تمر بها الأمة الإسلامية  ، أن تجتمع كلمة الدعاة والفصائل الإسلامية  على كلمة سواء تجاه القضايا المصيرية الكبرى في الأمة مثل ، قضية فلسطين والعراق وأفغانستان ، وقضية الأسارى المسلمون في سجون المحتلين والبرابرة الأمريكان والإسرائيليين ، وقضايا الإصلاح في الوطن العربي والإسلامي ، والعدالة الدولية في الإسلام ، وقضايا العولمة وتأثيراتها على الأمة الإسلامية  ، وبحث السبل والوسائل والطرائق الكفيلة بمواجهة أمواج العولمة العاتية التي تستهدف قيم الدين وأركانه وقواعده وأصوله المحكمة ، وأن تتأخر القضايا الجزئية والتفصيلية قليلاً ، لتجتمع الكلمة على المحكمات والقطعيات الشرعية أولا .

 

4) التأسيس لوحدة الصف  :

 

 لا بد أن تتبع القناعة بوحدة الصف الإسلامي خطوات عملية مدروسة نحو هذا الهدف النبيل، ومن هذه الخطوات:

 

1- لا بد أولاً من إيقاف كل أنواع وأشكال المهاترات بين صفوف الدعاة ، ونشر ثقافة الحوار، والصبر على المسلمين ، وتعليم جاهلهم واحترام وتوقير عالمهم ، وأن السباب والمهاترات ليست من الإسلام في نشئ وأنها ليست هي الحل .

 

2-  تبادل الكوادر والمؤهلات العلمية والمنح الدراسية والمقاعد الدراسية ، وتبادل المحاضرين وأساتذة الجامعات ...، بناءاً على أساس الأخوة الإسلامية ، وألا تظل المؤسسات الدعوية أو التعليمية حكراً على جهة أو اتجاه معين ، وإن كان من كلمة إشادة في هذا المقام ، فيسرني أن أشيد بتجربة جامعة الإيمان الرائدة في هذا السياق حيث تضم بين جنباتها كل أبناء المسلمين بمختلف اتجاهاتهم الدعوية ، وجنسياتهم ، ولم تغلق أبوابها دون أحد ، أو تعرض فيها أحد من الطلاب أو العاملين أو المدرسين للاضطهاد بسبب انتمائه الفكري أو الدعوي ، وهي بهذا إذ تسلك هذا المنهج الرائد لهي تدعوا كل الفصائل الإسلامية  والدعاة إلى الله تعالى ليحذو حذوها ، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء .

 

3-  إنشاء مجلس أعلى للتنسيق والمتابعة بين الدعاة ، يبحث القضايا والمستجدات على الساحة المحلية والدولية وتحديد المواقف الإسلامية  إزاءها ، كما يتولى فض الخلافات والنزاعات إن وجدت ،  يشرف عليه نخبة من العلماء الأتقياء يمثلون رضا وقبول كل التيارات والأطياف الإسلامية، على  أن تنظم اللائحة الداخلية حدود واختصاصات ومهام وأعمال هذا المجلس .

 

4-  إنشاء صحيفة أو موقع إلكتروني يهتم بوحدة الدعاة والتأليف بينهم وتجميع رؤاهم ، والدعوة إلى الأخوة الإسلامية  ، يمثل الملتقى والنادي والحديقة الفكرية التي يلتقي فيها الدعاة إلى الله تعالى .

 

5- تبادل الزيارات بين الدعاة ، وأن تنسق الدورات التعليمية والمخيمات التربوية ،   لمختلف الفصائل الإسلامية  ، يتولى تمويلها والإشراف عليها ، المجلس الأعلى المشار إليه سابقاً .

 

6- تبادل الكتابات والأقلام الدعوية ، وذلك بأن تخصص الصحف الإسلامية  حيزاً منها للأقلام الحرة ، لأولئك الذين ليسوا من نفس الفصيل أو الاتجاه ، وذلك لغرض نشر معاني الإخاء والحوار الإسلامي المنشود .

 

7-   إنشاء الجمعيات الخيرية التعاونية المشتركة  .

8- الاجتماع حول بعض الشخصيات التي يجتمع عليها الإسلاميون بمختلف اتجاهاتهم الفكرية وهي بذلك تساهم في وحدة العمل الإسلامي بملاحظاتها وفتاواها ، والواجب هو أن يكون مجلس يضم هذه الشخصيات الإسلامية  وغيرها يهتم بقضايا العمل الإسلامي ومعالجة مشكلاته ، بتقديم الفتوى والنصيحة والمشورة .

 

9-  عقد مؤتمر سنوي يجمع فصائل العمل الإسلامي يتم فيه الاتفاق على المهمات والسياسات العامة للسير يوقّع عليها أمراء هذه الجماعات أو نوابهم ، وأقترح لندوتكم المباركة هذه أن تكون هي نواة هذه المؤتمر المنشود وتحت رعاية جامعة الإيمان – حماها الله تعالى - .

 

 "انتداب طائفة من الإسلاميين العاملين لبذل جهد إصلاحي بين الفصائل الإسلامية ؛ ليس ـ كما يظن البعض ـ كتابة على الرمال أو نطحاً للجبال؛ فهذا من تسويلات الشيطان وتحريشاته العنيدة، بل إن مجهودات المصالحة لا بد أن تعود بخير؛ لأن الله ـ تعالى ـ قال في شأن الزوجين: ﴿ وَالصُّلْـحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]؛ فما بالنا بخيرية الصلح بين جماعتين أو اتجاهين أو أكثر أو أقل؟!  إن إصلاح ذات البين لا بد أن تكون له آثاره وثماره، وقد يكون نصيب المصلحين، ما يعود على أشخاصهم هم من نفع وبر فضلاً عن دفع الشر والضر؛ فالله ـ تعالى ـ يقول: ﴿ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، فهل يُزهد في هذا الأجر العظيم، وهل يفرط حريص على الخير في تلك الفضيلة الكبرى التي جاء الخبر المعصوم بأنها الأفضل بين الأفضل من الأعمال؟ قال صلى الله علية وسلم : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى! قال: صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»,(19).(18)

 

------------

(1) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 5/2238, برقم: 5665, ومسلم في صحيحه 4/1999, برقم: 2586, واللفظ له.

(2) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 4/1999, برقم: 2586, وأحمد في المسند 4/276, برقم: 18456.

(3) ـ أخرجه مالك في الموطأ 2/990, برقم: 1796, ومسلم في صحيحه 3/1340, برقم: 1715.

(4) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1340, برقم: 1715, وأحمد في المسند2/327, برقم: 8316.

(5) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 6/2588, برقم:6646, ومسلم في صحيحه 3/1477, برقم: 1849.

(6) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1478, برقم: 1851.

(7) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1478, بر قم: 1851.

(8) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 3/1479, بر قم: 1852, وأبو داود في السنن 2/656, برقم: 4762.

(9) ـ سبق تخريجه في الصفحة 29, الحاشية:22.

(10) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1075, برقم: 2730, والترمذي في سننه 4/182, برقم: 1652.

(11)  هدي السلف في الاتفاق . د. يوسف محمد صديق ، نقلا عن شبكة المشكاة الإسلامية  بتصرف .

(12) ـ سبق تخريجه صفحة:85, الحاشية: 74.

(13) ـأخرجه البخاري في صحيحه 3/1017, برقم: 2615, ومسلم في صحيحه 1/92, برقم: 89.

(14) ـ أخرجه الترمذي في السنن 5/264, برقم: 3070, وقال: هذا حديث حسن غريب, والبيهقي في شعب الإيمان 6/207, برقم: 7918, والطبراني في المعجم الأوسط 2/43, برقم: 1186, وضعف الألباني إسناده.

(15) ـ  أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 7/258.

(16) ـ رواه سعيد بن منصور في سننه (493- تفسير) وابن أبي حاتم في التفسير 2/592(3168) والحاكم 2/347.

(17)  وحدة الصف لا وحدة الرأي سلمان بن فهد العودة . بتصرف    2/2/1426  ، 12/03/2005 ، نقلاً عن موقع الإسلام اليوم .

(18) ـ أخرجه أبو داود في سننه 2/697, برقم: 4919, من حديث أبي الدرداء, والترمذي في سننه 4/663, برقم: 2509, وأحمد في المسند 6/444, برقم: 27548, والبخاري في الأدب المفرد 1/142, برقم: 391, وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/44, برقم: 2814.

(19) ـ مجلة البيان تغيير الخطط في مواجهة خطط التغيير (2) فقه الوفاق .. متى نحييه..؟! د. عبد العزيز كامل

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفصل السابع : المعوقات أو العوائق
الأثنين 25 فبراير 2013

الفصل السابع

المعوقـــات أو العوائـــق

 

المبحث الأول

تعريف العوائق

 

لغة: من العوق وهو الحبس والصرف والتثبيط، والعوق الأمر الشاغل . وعوائق الدهر: الشواغل من أحداثه، والتعوق التثبط، التعويق: التثبيط

 

وفي التنزيل : ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ...﴾ [ الأحزاب:18] ورجل عوْق: لا خير عنده، وعوائق الدعوة: هي الشواغل والصوارف والمثبطات التي تحول دون تحقيق الهدف الدعوي .

 

المبحث الثاني

أهمية معرفة العوائق

 

تبرز أهمية معرفة العوائق من خلال ما يلي:

 

1- أنه لتحقيق الهدف الدعوي لا يكفي تحقيق موجباته بل لا بد من انتفاء المعوقات التي تعترض طريقه.

2- لأن معرفة العوائق وإزالتها أولاً بأول يوفر على العاملين في الحقل الدعوي الجهد والوقت.

 

المبحث الثالث

المعوقـــــات

1- إعراض الناس:

من العقبات الأولى ما يلقاه العلماء والدعاة وطلاب العلم من إعراض بعض الناس وانصرافهم عما يدعوهم إليه، فإذا عز عليه هذا الأعراض أوهن من عزمه وجعله لا يعطي من نفسه إلا بقدر ما يلحق من استجابة فإن بذلك يكون قد فشل في أول الطريق ولا يرجى منه أن يواصل السير ولكن من الواجب على كل من أراد السير في هذا الطريق أن يوطد نفسه على وعورة الطريق، وأنه لن يلقى الاستجابة السهلة القريبة إلى ما يدعو إليه، فلا بد إذن من المصابرة والصبر أثناء السير في هذا الطريق وأن انصرف أو أعرض بعض الناس، ولنا في رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أسوة حسنة في هذا المجال، وهو المثل الأعلى للداعين إلى الله تعالى فقد كان يعرض نفسه على القبائل وفي الأسواق والمواسم ويصبر على إعراض الناس أو استحضر شجعه.

 

2- الإيذاء:

حيث يتعرض الداعي إلى الله تعالى للإيذاء في ماله وأهله وعرضه، وذلك أن الأعداء حين لا تسعفهم الحجة في مواجهة قوة الحق وبيئة الفطرة والعاطفة الدينية عند الناس يلجأون إلى أساليب خسيسة تنم عن ضعفهم فيختلقون الأكاذيب ويصدرون الشائعات ويشوهون الحقائق ويعمدون إلى إيذاء الداعية في عرضه وأهله وماله، ظناً منهم أنهم بهذا الإيذاء سيشكلون عائقاً أمام صوت الحق وإطفاء نوره.

 

وذلك ظن خائب, قال تعالى : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [ التوبة:32].

 

ولذا فعلى الدعاة والعلماء أن يوطدوا العزم من بداية الطريق على تحمل الأذى وأن يصبروا ويحتسبوا ولا يؤثرون العافية وبرد السلامة على حساب الدين أو الوقوف مع الحق وليعلموا أن كل بلاء دون النار عافية، وأن كلما زادت ظلمة الليل كلما قرب انبلاج الصبح وأن الإيذاء من بشائر النصر قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214] .

 

3- الاسترخاء والرخاء بعد الشدة:

إن العالم أو الداعية يستطيع أن يتخطى كثيراً من العوائق مستجمعاً قوته ومستعيناً بالله تعالى لا تلين له قناة ، ولا ينحني له هام رغم شظف العيش وسوء الأحوال المحلية والخارجية وكثرة الضغوط إلا أنه قد تظهر له عقبة لم تكن في الحسبان وهو ميل النفس إلى الدعة والراحة ومن ثم الاسترخاء فتأنس النفس لذلك وتستنيم وخاصة إذا صاحب هذا الاسترخاء رخاء أو بعض من ترف الحياة، وعندئذ يكون ذلك الاسترخاء بداية القعود والتنكب عن أداء المهمة التي وجد من أجلها وتبرير ذلك القعود والاسترخاء بكثير من المهام والمبررات ولذا يجب على الدعاة والعلماء أن يكونوا قدوات أصحاب عزائم يعيشون في يقظة تامة، ولكن من يقع في ذلك يجب على إخوانه وهو من حقه عليهم أن يأخذوا بيده ويشدوا من أزره فالدعوة في حاجة إلى كل جهد وطاقة.

 

4- الخوف على الوظيفة وعلى وسيلة التكسب:

إن العالم والداعية وطالب العلم حين يسلك طريق الدعوة إلى الله وهو متخفف من الأعباء العائلية والالتزامات المعيشية ينطلق في الطريق دون معاناة من قيود أو أثقال، فإذا ما بدأ يحسب حسابها ويستشعر ضرورة المحافظة عليها كانت عائقاً أمامه يحد من انطلاقه ويقصر من خطواته وقد يتوقف عن السير تماماً ما لم يكن له زاد من قوة الإيمان ومضاء العزيمة بحيث يتخطى تلك العوائق ويستمر في انطلاقه وسيره بكل ثقة ويقين بأن الله تعالى قد صمن الرزق وتكفل به، وأن الوظيفة ما هي إلا وسيلة يستعين بها لتحقيق الغاية التي خلق من أجلها فلا تكن تلك الوسيلة المعينة عائقاً وعقبة في الطريق .

 

5- التوسع في الدنيا واستغراق الوقت في جمع المال:

إن توسع الدعاة والعلماء في الإقبال على الدنيا وأتساع مجالات التكسب بحيث تستغرق كل أوقاتهم وجهودهم وكل تفكيرهم وتجعلهم مسخرين للمال لا المال مسخر لهم خطر عظيم على حاملي لواء الدعوة فالمؤمن الصادق يجب أن يكون على حذر شديد من الوقوع في هذه العقبة إذا تعرض لها وإلا فالقليل الذي يكفي خير من الكثير الذي يلهي، ولذا روى مسلم في صحيحة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنّعه الله بما أتاه»(1) وقد حذر النبي  صلى الله عليه وسلم من اللصوق بالدنيا والانصراف إليها فقال  صلى الله عليه وسلم  : «... فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أو فتنة بين إسرائيل كانت في النساء»(2) .

 

6- أصوات التثبيط والتوهين:

وهذا نوع من العوائق التي ينبغي ألا يهون من خطورتها والتي تأتي في صورة نصائح أو تحذيرات ممن قصرت هممهم عن المواصلة ومكابدة المشاق في سبيل دعوة الحق أو ممن في قلوبهم مرض أو من الأعداء الذي يكيدون لدين الله ليلاً ونهاراً.

 

﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة:81]، ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران:168]، ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(175) ﴾ [آل عمران:173-175] ولذا فإن على القائمين بشأن وأمر الدعوة إلا يتأثروا بهذه الأصوات النشاز التي تضيق دائرة المعروف وتوسع دائرة المنكر بسلوك هذا الأسلوب السيئ وأن يتوكلوا على الله تعالى وأن يثقوا في عونه ولا يضعفوا أمام الباطل وما أجمل العبارة التي قالها الإمام حسن البناء حول هذا المعنى : "القوة أجمل ما تكون مع الحق، والضعف أقبح ما يكون أمام الباطل".

 

7- قسوة القلب لطول الأمد:

وهذا العائق خطر جداً ويحتاج إلى حذر شديد حيث أن خطورته تكمن في أنه لا يظهر دفعة واحدة ولكنه يأتي بتدرج بطئ لا يكاد يدركه العالم أو الداعية، حيث تفتر الهمة تدريجياً عن القيام بواجبات الدعوة ويخمد في النفس التأثر والانفعال مع قضايا الدعوة شيئاً فشيئاً ويترسب الران على القلب بمرور ألأيام حتى يجد نفسه يقرأ القرآن دون تأثر ويصلي دون خشوع وقد يغفل عنها أحياناً دون تأنيب ضمير ويجد نفسه بعيداً عن حال المؤمنين قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال:2].

 

وحذرنا الله سبحانه من التردي في مثل هذه الحال فقال تعالى مخاطباً المؤمنين: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد:16].

ولتجاوز هذا العائق فينبغي على العالم أو الداعية ألا يسمح لنفسه بالعزلة عن أخوانه حتى يظل في مجال العمل للدين والتعاون والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وعليه أن يحسن الصلة بكتاب الله وأن يحاسب نفسه أولاً بأول ومن حقه قبل أخوانه أن يذكروه إذا نسى وأن يعينوه إذا ذكر.

 

8- التناحر والتنازع بين العاملين في الجماعات الإسلامية :

إن من أشد ما يعانيه العمل الإسلامي الخلاف والتنازع الحاصل بين فصائله مما يؤدي إلى انشغالهم ببعضهم عن المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام وضد حملته.

 

9- الآراء والمبادئ الوافدة من المجتمعات الغربية وتخلي السلطان عن واجباته تجاه الأمة في مواجهة هذا الخطر وتجد السلطان يركز على ما يفسد البدن لكنه لا يمنع ما يفسد الروح.

 

10- نقص الطاقات الدعوية المؤهلة بالعلم الصحيح والمنهج السلم وندرة الجامعات الشرعية وضعف الحلقات القرآنية.

 

11- قلة المال وسوء الأوضاع الاقتصادية الذي أدت بكثير من الدعاة والعلماء إلى الانصراف لتحصيل لقمة العيش، وعدم تفريغهم وكفايتهم من قبل الدولة .

 

12- استهلاك العلماء والدعاة لطاقتهم في أشياء بسيطة وهامشية والدوران في حلقات مفرغة وضعف بعد النظر.

 

13- التركيز من قبل الأعداء على المرأة وترويج الفتنة من خلالها وبصورة ملفته لم تشهد لها اليمن مثيلاً.

 

14- عدم ترتيب الأولويات وقصور النظر في فهم الواقع  .

 

15- غياب الربانية وضعف الدعوة بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة.

 

16- الدعايات المغرضة وتشويه صورة الدعاة في أوساط أمتهم محلياً ودولياً.

 

17- ضعف وإهمال التربية الإسلامية  في المجتمع المسلم.

 

18- الحاجة والفقر التي جعلت اهتمامات أبناء المجمع تدور حول كيفية توفير القوت الضروري وتحقيق الشباب لشهواتهم وغياب الهم في العمل للإسلام،

 

19- إسقاط هيبة العلماء والدعاة وطلبة العلم من نفوس العامة والقيام بتجرئي الأقلام المأجورة وبعض السفهاء عليهم بالغمز واللمز تحت مسمى المجابهة الحزبية.

 

20- نسيان الكثيرين للآخرة وركونهم إلى أيدينا وما ينتج عن ذلك من كثرة الذنوب والمعاصي وتفشي المنكرات والابتعاد عن دين الله عز وجل؛ إذ ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة.

 

21- تفرق الدعاة والمصلحين وفساد ذات البين حتى صار بأسهم بينهم شديداً وصارت هموم كثير منهم وجهودهم مقصرة على كيفية القضاء على جهود الدعاة الآخرين ومنافحتهم والوقيعة بهم ور حول ولا قوة إلا بالله.

 

22- غياب العلماء والدعاة ومَن للشعب عاطفة دينية نحوهم عن التصدي للمنكرات العامة بشكل جاد وقوي وترك القيام بتحذير العامة منها وبيان خطرها الدنيوي والأخروي على الأفراد والمجتمعات بالصورة المطلوبة.

 

23- ضعف التوعية الجماهيرية وعدم تفرغ طائفة من أهل العلم والدعوة لتعليم الناس أمور دينهم بتفصيل وعمق وحثهم على الاستمساك بالدين في كافة مناحي الحياة الفردية والجماعية.

 

24- العجب والغرور الذي أصاب التجمعات الإسلامية  والتغني بالمنجزات المتحققة، رغم أن العاقل لا يُنازع في أن نعتز بأنفسنا وقيمنا ومبادئناً التي نحملها ونضحي من أجلها وخصوصاً عندما نواجه بغزو حضاري وثقافي يريد أن يقتلعها من جذورها، ولكن الخطر أن يستحيل هذا الاعتزاز إلى عجب وغرور يعمي ويصم والعجب أحد المهلكات الثلاث كما ورد في الحديث الشر يف الذي رواه الطبراني وذكره الألباني في صحيح الجامع قال صلى الله عليه وسلم « ثلاث مهلكات شح مطاع وهو متبع وإعجاب المرء بنفسه»(3).

 

25- إستقواء المنظمات الدولية والإقليمية بالمؤسسات الرسمية على نشر الفساد وتحطيم القيم والمبادئ والأخلاق.

 

 توصيات ومقترحات

 

1- إحياء رسالة المساجد بإقامة دروس في الإيمان والفقه والتزكية واختيار المساجد التي تكون في مواقع مناسبة وخصوصا القريبة من الأسواق ومجامع الناس .

 

2- إصدار مجلة علمية قليلة الصفحات غزيرة المادة شطرها بالعربية والآخر بالإنجليزية  تعنى بنشر أدلة الإيمان ومبادئ الإسلام وأنه أعظم دين وكله الرحمة والعدل والمساواة ولا يوجد هذا في غيره فهو أعظم الأديان رحمة بالناس وبالمرأة وبالحيوان وبالشجر وبالكفار ومن تأمل هذا بتجرد وتدقيق وإنصاف  وجده.

 

3- التصدي للشبهات التي تهدف لتشويه الإسلام والمسلمين واستكتاب كبار العلماء والمتخصصين ، وذكر المقارنات والإحصائيات التي تجعل القارئ على بصيرة بصدق الإسلام وكذب غيره .

 

4- المطالبة بإنشاء قناة فضائية بأكثر من لغة تتبع منظمة المؤتمر الإسلامي يقوم عليها نخبة من أهل العلم والفكر السليم ليس عندهم غلو ولا تفريط فيبينون ويدعون ويردون على ما يجب الرد عليه بالحجة والدليل الشرعي والعلمي والعقلي .

 

5- إصدار مطويات باللغات الأجنبية  تخاطب غير المسلمين من جميع الأديان الذين يعيشون بيننا لأي غرض كالمهندسين والدبلوماسيين والسواح والمدرسين واللاجئين  والعاملين في التمريض والأطباء وغيرهم تبين لهم أدلة الإيمان ومبادئ وأخلاق الإسلام وترد على الشبهات التي قد تكون عندهم عن الإسلام والمسلمين ويتم توزيع هذه المطويات مع بعض الهدايا المتواضعة بواسطة طلاب وطالبات الجامعات والمخالطين لهذه الشرائح الذين أشرت إليهم سابقا .

 

6-  إنشاء مجلس تنسيق أعلى للدعاة يجتمع دوريا بين كل فترة وأخرى.

 

وختاماً نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه وأن يجعل كل نفس من أنفاسنا في طاعته وفي خدمة دينه .

 

والحمد لله رب العالمين 

 

------------

(1) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 2/730, برقم: 1054, والترمذي في السنن 4/575, برقم: 2348.

(2) ـ أخرجه مسلم في صحيحه 4/2098, برقم: 2742, والترمذي في سننه 4/483, برقم: 2191, وابن ماجة في سننه 2/1325, برقم: 4000, وأحمد في المسند 3/22, برقم: 11185.

(3) ـ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 5/328, برقم: 5452, والبيهقي في شعب الإيمان1/471, برقم: 745, وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/412, برقم: 1802.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
القرارات والتوصيات
الأثنين 25 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

  

 

البيان الختامي لندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

 

 

الدورة الثانية

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , نبينا محمد  وعلى  آله وصحبه أجمعين .

 

أما بعد :

 

فقد انعقدت ندوة تقوية الإيمان وزيادته ( الدورة الثانية ) تحت شعار - المنهج العلمي والعملي لعامة المسلمين -  في جامعة الإيمان بصنعاء . في الفترة : من 8-10/5/1426هـ ,

 

الموافق:15-17/6/2005م .

 

وحضرها العشرات من الباحثين , والمئات من المشاركين من العلماء والدعاة وطلاب العلم من سائر الجماعات الإسلامية .

 

وكان الافتتاح في اليوم الأول بالقرآن الكريم، وكلمات كل من هيئة علماء الندوة والتي ألقاها فضيلة الشيخ / عبد المجيد بن عزيز الزنداني - رئيس الهيئة - الذي أشار في كلمته إلى ما أعدته اللجان المكلفة بالإعداد للندوة , وإلى جدول أعمال الندوة  ثم كلمة الضيوف، والتي ألقاها الشيخ/ عقيل المقطري , ثم عرض تقرير سنوي عما قامت به هيئة علماء الندوة ألقاه الشيخ / أحمد بن حسن المعلم أمين عام الهيئة .

 

وبعد ذلك بدأت جلسات الندوة العلمية لمناقشة الأبحاث والكتب المعدة من قبل اللجان المتخصصة على مدار يومين وهذه الأبحاث هي :

 

1- ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في مجال الإيمان والعقائد .

 

2- ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في مجال العبادات والمعاملات .

 

3- ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في مجال التزكية والأخلاق .

 

4- ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في مجال السيرة النبوية .

 

5- ما ينبغي للمسلم أن يعلمه في مجال منزلة آل البيت والصحابة في القران والسنة .

 

6- دور العلماء والدعاة وطلاب العلم في تقوية الإيمان وزيادته .

 

 وقد دارت المناقشات , وإبداء  الآراء من قبل أصحاب الفضيلة العلماء في كل محور من هذه  المحاور.

 

 وفي اليوم الثالث والأخير كان الاختتام , واتفق المجتمعون على التوصيات التالية :

 

1- أن تعمل الهيئة على إحالة كل الكتب والأبحاث إلى مجموعة من العلماء والمتخصصين لمراجعتها، وإعادة النظر فيها في ضوء توصيات الندوة تمهيداً لطباعتها ونشرها وتدريسها في المساجد وغيرها .

 

2- المحافظة على أصل كتب  سلسلة تعليم الواجبات  ولا يدخل في متونها إلا ما كان ضرورياً وتكون  التعليقات والتوضيحات المهمة في الحاشية .

 

3- تخول الندوة هيئة علمائها باعتماد أنسب الكتابين في السيرة النبوية إما نور اليقين أو مختصر الرحيق المختوم .

 

4- عقد دورات تأهيلية لأئمة وخطباء المساجد والدعاة ومدرسي التربية الإسلامية في هذه البحوث .

 

5- الاتصال بالمسئولين والمعنيين كل في مجال اختصاصه لنشر وتعليم هذه الكتب في المدارس والمعسكرات وغيرها .

 

6- إرسال نسخ من هذه الكتب والبحوث لجميع العلماء والدعاة والخطباء وأساتذة الجامعات،  وقيادات العمل الدعوي ودعوتهم والتشاور معهم لتبني هذه المناهج وتدريسها في المساجد والمراكز ومدارس التحفيظ وغيرها .

 

7- إرسال  بحث ( دور العلماء والدعاة وطلبة العلم  في تقوية الإيمان وزيادته ) إلى قيادات الجماعات الإسلامية والمنظمات والهيئات الدعوية لدراسته ثم دعوتهم بعد ثلاثة أشهر للخروج ببرامج عملية مشتركة في القضايا التي يتم الاتفاق عليها .

 

8- مطالبة علماء اليمن بإصدار بيان يخاطب جميع أفراد الشعب اليمني يحثهم على التمسك بالدين وتعظيم القرآن والحفاظ عليه وإشاعة تعليمه وخطورة ما يتعرض له من امتهان مقصود أو غير مقصود ، وتربية الأسرة والأبناء وفق تعاليم الدين والتحذير من البرامج الإعلامية الفاسدة .

 

9- نوصي جميع المسلمين وقيادات العمل الإسلامي والدعاة بالاعتصام بحبل الله وتوحيد الصفوف وجمع الكلمة والتراحم والتسامح والألفة والأخوة الإيمانية والتواصل فيما بينهم  وتجنب التجريح على المنابر وغيرها لبعضهم البعض والقيام بالنصح وفق الأساليب الشرعية والتواصل فيما بينهم للتشاور في القضايا التي تهم الإسلام والمسلمين .

 

10- الاهتمام بالمرأة وتفقيهها في دينها وعمل برامج تكفل إيصال هذا المنهج إليها وتحصينها ضد المكر والكيد الذي يراد لها .

 

11- الاهتمام والعناية بجوانب التزكية العلمية والعملية .

 

12- تقديم الشكر لوسائل الإعلام الإسلامية وفي مقدمتها القنوات الفضائية على ما تقدمه من خدمة للإسلام والمسلمين وتوصيتها بتقديم المزيد من الخير وتبدي الندوة استعدادها للتعاون العلمي والدعوي  معها .

 

13- نشر فضائل الآل والأصحاب وبيان مكانتهم ومآثرهم في خدمة الإسلام وبيان العلاقة الحميمة بينهم وما كان بينهم من ألفة ومحبة ونسب ومصاهرة .

 

14- توصي الندوة المشاركين فيها من جميع المحافظات بالتنسيق فيما بينهم والتعاون لتحقيق أهداف الندوة .

 

15- توثيق الصلة بالمسئولين والنصح لهم والتعاون معهم لما فيه خير ومصلحة الأمة .

 

16- رفع برقية شكر إلى رئيس الجمهورية وإطلاعه على بعض ما دار في الندوة وأهميتها وأهدافها .

 

17- تقديم رسالة شكر باسم المشاركين في الندوة لجامعة الإيمان ورئيسها على ما يقومون به من دور رائد في خدمة الإيمان ، وتأكيد المشاركين دعمهم ومساندتهم للجامعة ، ودعوة  الحكومة وأهل الخير لدعم جهودها .

 

 

 

والحمد لله رب العالمين

 

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: