حمية الجاهلية ونتانتها
في حجة الوداع التي حجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه وأتم الله نعمته بإكمال الدين وإتمامه وأنزل قوله الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:3].
في هذه الحجة قرر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قواعد الدين، وثبت مبادءه وأهدافه في أذهان المسلمين، وأزال واقتلع صلى الله عليه وآله وسلم جذور الجاهلية وجراثيمها، وحسم مادتها، وسد كل نافذة من نوافذها.
ومن تلك الجراثيم العصبيات الجاهلية التي كانت البشرية غارقة في أوحالها ولاسيما العرب، تعصب للجنس، وتعصب للون، وتعصب للقبيلة والعشيرة، وتعصب للأرض وللجاه، وفخر بالآباء والأجداد، وبالأحساب والأنساب، وغير ذلك من عبية الجاهلية ونتانتها.
خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع في عرفة ومنى في تلك الجموع التي شرفت بالحج معه صلى الله عليه وآله وسلم، خطب فيهم في أوسط أيام التشريق فكان مما قاله عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، -﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13] – أبلغت، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب»(1).
إن مبدأ المساواة أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم على أسس سليمة من الحب، والأخوة، والتعاون.
وإن هذا المبدأ الذي أرسى قواعده وشيد بنيانه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهم المبادئ التي جذبت الكثير من الأمم والشعوب نحو الإسلام، حين رأوا المسلمين يعاملون الناس بالعدل والقسط دون تفريق بينهم بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو الثروة أو الجاه أو غير ذلك.
وفي فريضة الحج يتجلى هذا المبدأ في أنصع صورة، الجميع بلباس واحد ومظهر واحد.
إن من آثار هذا المبدأ على المجتمع تحقيق الاستقرار والطمأنينة، لما يشعر به كل فرد من أنه ليس أقل من غيره، وأنه سيحصل على حقه دون عناء.
بالمساواة يتطهر المجتمع من الأحقاد والغرور والوهن والضعف والتمزق والتفرق والتناحر.
«إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» -﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13]"(2)
كلكم منحدرون من أب واحد، وأم واحدة، فلا فضل لأحد على الآخر بحسب عنصره وطبيعته، وإنما معيار التفاضل هو التقوى، وهي ثمرة الإيمان والعمل الصالح، وهكذا نجد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صان مبدأ المساواة والعدل بين الجميع ثم ترك الباب مفتوحاً أمام كل فرد للتفاضل بجهده ونتاج عمله وثمرة سعيه وخبرته، ولم يحصر التفاضل في الجوانب المادية فقط كما تفعل الحضارة الغربية المعاصرة، وتكرس ذلك في نظامها وسياستها وإعلامها وثقافتها، وهي تستعمر الأمم والشعوب وتسفك الدماء وتقتل الأبرياء وتنهب وتسرق، وتحتال وتخادع باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
أيها المسلمون: إن التفكير في المصلحة العليا للأمة الإسلامية أصبح أمراً ملحاً وضرورياً في عصرنا الحاضر الذي تجمعت فيه أمم الأرض وتداعت علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها.
إن أمم الشرق والغرب تكيد لهذه الأمة الدسائس وتعمل على تمزيق كيانها وسلب أرضها، وهدر مواردها، وإضاعة كرامتها، وزرع الفتن والحروب في كل أقطارها، وتدميرها وإذلالها.
وأمام هذه التحديات فإنه لا نجاة للأمة ولا مخرج لها إلا في اعتصامها بربها وتوحيدها له، ثم في اجتماعها ووحدتها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هذا هو الحبل الذي لا ينفصم، ومن تمسك به نجا وسلم، وهو الذي أمرنا الله أن نعتصم به في قوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:103].
ومن المعلوم بداهة أن وحدة الأمة الإسلامية ولزوم جماعة المسلمين، وعدم التفرق من أجلِّ المقاصد الإسلامية وأسمى الغايات الدينية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح : «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»(3).
إننا بحاجة في بلادنا بالذات ونحن نواجه مخاطر عديدة تهدد وجودنا وكياننا، وتمزق أخوتنا وتفتت وحدتنا، بحاجة ماسة إلى تضميد جراحاتنا، ولملمة صفوفنا، وردم الخنادق التي تمترسنا خلفها والجلوس على طاولة واحدة لا فضل لأحد على أحد بسبب حزب أو قبيلة أو جاه أو منصب أو مال كلنا سواسية يحكمنا كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم لنناقش مشكلاتنا وأزماتنا بعقل ومسئولية من ذوي الرأي والكفاءة والدين.
إننا إن فعلنا ذلك واستعنا بالله تعالى، وصدقنا مع الله أولاً، ثم مع شبعنا ثانياً فإن الله سيوفقنا لحلول نخرج بها من أزماتنا، ونحن أكثر قوة ووحدة وتماسكاً، وبذلك تتجلى معاني الحكمة والفقه والإيمان في أهل اليمن الذين وصفهم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها المسلمون: إن طريق الوحدة والتعاون والتآخي والاجتماع على البر والتقوى طريق أهل الإيمان والإسلام الذين يلتزمون في جميع أمورهم بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأهم الأسس التي يقوم عليها منهج أهل الإيمان والإسلام هو الاعتصام بالكتاب والسنة، وحصر التلقي في التحليل والتحريم والتشريع عن هذا المصدر.
ومن أسس الاجتماع وحدة العقيدة المنبثقة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم نقية صافية لا شوائب فيها ولا شرك ولا بدع ولا أهواء ولا تعصب والتلقي فيها عن الله ورسوله عملاً بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[الحشر:7]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:20].
ومن الأسس الجامعة تحكيم الكتاب والسنة في الأفراد والأسر والجماعات والقبائل في المجتمع والدولة على حد سواء قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:59].
إن حرص كل مسلم على تحكيم شرع الله تعالى على نفسه وأسرته ومجتمعه خطوة أصيلة ومهمة نحو توحيد الأمة ورص صفوفها.
وإن من الأصول المهمة في توحيد صفوف المسلمين هو صدق الانتماء إلى الإسلام.
إن الإسلام منهج حياة، والعبودية لله معلم كبير في حياة المسلم والمسلمون وفق هذا المنهج والتصور يشكلون أمة واحدة في مقابلة التجمعات البشرية.
والمسلم الصادق يعتز ويفخر بانتسابه إلى الإسلام ويعلن بذلك ويفخر قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:33].
وكثير من أبناء المسلمين مع الأسف اليوم قد وقعوا تحت تأثير الدعايات المضللة حتى أضاعوا هويتهم وفقدوا انتماءهم، وأخذوا يبحثون عن عقائد ومذاهب وفلسفات وشخصيات ينتسبون إليها فضلوا وما كانوا مهتدين .
ألا وإن الراية الحق هي: راية الإسلام، راية القرآن، راية التوحيد، تلك هي ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[النحل:123].
وإن من عوامل توحيد كلمتنا واجتماعنا طلب الحق والتحري للوصول إليه، وإن الله تعالى بيّن في كتابه الكريم أنه لا توجد منزلة ثالثة بين الحق والباطل فقال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:32].
ومن أقبح الكبر رد الحق وعدم قبوله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»(4).
ثم إن من الأصول العظيمة التي تحقق لنا قوتنا ووحدتنا وتجعلنا نتغلب على أعدائنا مهما كثروا تحقيق الأخوة بين أفراد المسلمين.
إن الأخوة منحة ربانية يعطيها الله للمخلصين من عباده، والأصفياء والأنقياء من أوليائه وجنده وحزبه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:63].
في عام 1411هـ الموافق 1991م قاد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب الحملة الصليبية الحديثة على العالم الإسلامي والتي شاركت فيها كل دول الغرب الصليبي والمتحالفين معها، واستهدفت الحملة الجزيرة العربية.
وقد صرح جورج بوش قبل شن الحرب لتحرير الكويت من البعث العراقي بأهدافه التي يريد تحقيقها فذكر منها:
الاستيلاء على منابع النفط، ومحاربة الأصولية الإسلامية !! وتحطيم الآلة العسكرية العراقية، وحماية إسرائيل.
هذا ما أعلنه وما خفي كان أعظم .
ولقد استطاع أحد الشعراء الغيورين على أمته ودينه أن يصور الهجوم الكاسح على العالم الإسلامية من قبل الصليبيين بقصيدة معبرة رائعة بعنوان: (اليوم يوم الملحمة) يحسن بنا بعد مرور ما يقرب من عشرين عاماً أن نذكرها ونذكّر بما فيها علَّ من يعي ويفقه طبيعة المعركة الدائرة على الإسلام وأهله.
يقول الدكتور/ عبد الرحمن العشماوي:
يا أمتي المنهزمة *** اليوم يوم الملحمة
يوم الأساطيل التي *** أتت إلينا نهمه
يوم القوى جاءت إلى *** أوطاننا منتظمة
أعلامها مرفوعة *** نيرانها مضطرمة
قواتها ضاربة *** أسرارها مكتتمة
يا أمتي أصبحت في *** دائرة مستحكمة
ما بين إلحاد له *** أطماعه المقتسمة
وبين بعث ظالم *** يحمي ظهور الظلمة
كم مبدأ حطمه *** وكم بناء هدمه
وكم يد كبلها *** ووجه حر لطمه
وبين كفر قادم *** بالنظرات المبهمة
أطماعه مستورة *** تنبئ عنها الهمهمة
مخطط أتقنه *** من حولنا من رسمه
مخطط يدركه *** من قومنا من فهمه
يا أمتي لا تخدعي *** بالشفة المبتسمة
فما رأت أعيننا *** فاسقة محتشمة
ولا رأت أعيننا *** خائنة محترمه
وما رأينا كافراً *** يعبد الأصنمة
ولا رأينا راعياً *** يحرس الأغنمة
لم تعلمي يا أمتي *** بما وراء الأكمة
جندية واصلة *** واشمة مستوشمة
صليبها معلق *** ترنوا إليه الأوسمة
كاسية عارية *** تحمي البلاد المسلمة ؟!
أليس في شبابنا *** من يمنح الدين دمه
يا جندنا لا تخلعوا *** عنكم لباس العظمة
لباس دين الله في *** هاذي الخطوب المعتمة
يا جندنا أخشى على *** عروتنا الملتزمة
أخشى عليها فتنة *** تجعلها منفصمة
أخشى على أوطاننا *** من خطوات محكمة
تسوقنا في طرق *** شائكة ملغمة
أخشى من اليوم الذي *** تحبس فيه الكلمة
أخشى على أمتنا *** من فتنة محتدمة
وأمتي غارقة *** في نومها منقسمة
أقسمت بالله الذي *** أسدى إلينا نعمه
لن يدفع الشر الذي *** صب علينا حِممه
إلا يقين صادق *** إخلاصنا فيه سمة
نطلب فيه النصر من *** ذي القدرة المنتقمة
دكتور: حيدر الصافح نائب رئيس جامعة الإيمان
تخريج : عبد الكريم علي الفهدي
___________________
(1)- أخرجه أحمد في مسنده،5 /411، برقم: 23536، تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح.
(2)- سبق تخريجه.
(3)- أخرجه مسلم في صحيحه،5 / 130، برقم: 4578.
(4)- أخرجه مسلم في صحيحه،1/ 65، برقم: 275.