الإيمان بالبعث
تعريف البعث والنشور لغة واصطلاحاً :
البعث في اللغة :
يأتي على ثلاثة معاني هي : الإرسال ، والإثارة ، والقوم المبعوثين.
قال الخليل بن أحمد(1): "البعث : الإرسال ، كبعث الله من في القبور . وبعثت البعير: أرسلته وحللت عقاله ، أو كان باركا فهجته ، قال :
أنيخها ما بدا لي ثم أبعثها *** كأنها كاسر في الجو فتخاء
وبعثته من نومه فانبعث أي نبهته , ويوم البعث : يوم القيامة . وضرب البعث على الجند إذا بعثوا ، وكل قوم بعثوا في أمر أو في وجه فهم بعث ، وقيل لآدم ابعث بعث النار ، فصار البعث بعثا للقوم جماعة ، هؤلاء بعث مثل هؤلاء سَفْر ورَكْب"(2), وقال ابن فارس : "البعث هو الإثارة يقال : بعثت الناقة إذا أثرتها"(3).
وقال الجوهري(4): "بعثه وابتعثه : أي أرسله فانبعث ، وقولهم : كنت في بعث فلان أي في جيشه الذي بعث معه. والبعوث الجيوش"(5).
وقال الراغب(6): "أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه . يقال بعثه فنبعث ، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به ، فبعثت البعير أثرته وسيرته وقوله عز وجل : ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ﴾ [ سورة : الأنعام : 36] ، أي : يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة بعثرت، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ [سورة الانفطار:4] ، أي : قلـب ترابها أثير ما فيها"(7).
وقال ابن منظور(8): "بعثه يبعثه بعثاً : أرسله وحده ، وبعث به : أرسله مع غيره . وابتعثه أيضا : أي أرسله فانبعث . انبعث الشيء ، وتبعث: اندفع . وبعثه من نومه بعثاً فانبعث : أيقظه وأهبه ، وتأويل البعث : إزالة ما كان يحبسه عن التصرف ، والانبعاث .. والبعث أيضا الإحياء من الله للموتى ومنه قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ... ﴾ [سورة البقرة : 56] ، أي : أحييناكم . وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث ، وبعث الله الخلق يبعثهم بعثا : نشرهم ، ... وبعث البعير فانبعث : حل عقاله فأرسله ، أو باركاً فهاجه"(9).
البعث في الاصطلاح :
هو إخراج الناس من القبور بإنشاء أجسادهم ، وإعادة أرواحهم لأجل الحساب , وهنالك تعريفات أخرى مرادفة أذكرها لمزيد الإيضاح، منها : البعث إعادة بناء الأجساد بعد فنائها ، وإعادة الحياة لها بعد سلبها منها(10) ، ومنها أما البعث فالمراد به: المعاد الجسماني(11) .
ومنها أنه : هو إعادة الإنسان روحاً وجسداً كما كان في الدنيا(12) . ومنها أنه : إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها ، فيخرجون من الأجداث أحياء مهطعين إلى الداعي كما ذكر الله تعالى : ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ ﴾ [سورة القمر:7](13), قال ابن كثير : "البعث هو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة"(14) .
وبهذا تجد التطابق والترابط بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي لكلمة البعث . فالبعث في الشرع يشتمل على كل المعاني اللغوية لأنه إثارة لمن سكن القبور وهو إرسال للأجساد عن قبورها وللأرواح إلى أجسادها ، والناس جميعهم هم بعث الآخرة يرسلون ويوجهون بأشخاصهم إلى أرض المحشر للحساب .
والنشور مرادف البعث في المعنى ، يقال : نشر الميت نشوراً ، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله : أحياه ، فإذا شاء الله تبارك وتعالى إعادة العباد وإحيائهم أمر إسرافيل فينفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد ، ويقوم الناس لرب العالمين(15).
حكم الإيمان بالبعث :
الإيمان بالبعث واجب لا يقبل الله إيمان عبد إلا به وهو جزء من أحداث يوم القيامة الركن السادس من أركان الإيمان ، المسمى باليوم الآخر ، والمسمى بيوم القيامة ، والمسمى بيوم البعث . وقد تعددت وتنوعت أسمائه وأوصافه لتنوع الأحداث التي تكون فيه فهو اليوم الآخر لأن ما قبله سابق وهو الأخير .
وهو يوم القيامة لأن الناس جميعاً يقومون من قبورهم لرب العالمين ويقومون في محشرهم لمجيء الرب سبحانه لفصل القضاء، وهو يوم البعث لأن الناس يبعثون فيه من قبورهم ويخرجون إلى محشرهم .
ثبتت حقيقة البعث في الكتاب والسنة وتتابعت نصوص الوحي بوجوب الإيمان به فصار الإيمان به من الأمور المعلومة بالضرورة عند أهل الملة . وقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة للتأكيد عليه والتكفير لمنكره ، ولم تحظى قضية في القرآن والسنة بالتدليل والتأكيد عليها مثل قضية البعث ؛ فمن نصوص الكتاب العزيز قوله تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [سورة التغابن:7] .
ومن نصوص السنة الشريفة : ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما : عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماً للناس فأتاه رجلُُ فقال : ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وبلقائه ، ورسله ، وتؤمن بالبعث ..»(16).
وعند احمد وغيره : عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا يؤمن عبدُُ حتى يؤمن بأربع حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت ، وحتى يؤمن بالقدر »(17) .
كذلك فإن البعث مما تستلزمه العقول وتستوجبه , ولتلك النصوص السابقة كان من لم يؤمن بالبعث كافرٌ خارجٌ عن الملة . وقد أجمع أهل ملة الإسلام على ذلك .
كيفية البعث :
إن معرفة طبيعة البعث ، وتصور كيفيته أساس لبناء الإيمان باليوم الآخر ، فبانعدامها تبقى ضبابية الرؤية ، ويجد الريب طريقة للقلوب .
إن أساس الريب هو غياب الشعور بعظم الخلق ، واستحضار الشعور بعظم الفناء الذي يجري على المخلوقات، ولأنه فناء عظيم استعظمت النفوس المعاد لتلك الأجساد بعد فنائها ، وظل الشياطين ينسجون على هذا الشعور الشك والريب في العودة خلقا جديداً لأجل هذا لابد أن نعرف تفاصيل كيفية البعث حتى يكون المعتقد عن الآخرة سليما والتصور لها صادقا.
وفي البداية يحسن أن أنبه إلى خطورة العادات التي أنستنا جمال الكون وعظم الخلق الأول ، تلك العادات التي جعلتنا ننظر إلى المخلوقات من حولنا نظرة تبلد لا انفعال وتأثر ، في حين أنه لو رأى دمية لاشتد إليها طرفه ، وتوجه عنها سؤاله . وهنا يظهر مدى الغفلة والسدور المسيطر علينا . كم أصداف وأسماك ؟ كم ممالك للنمل والنحل والطير ؟ كم لغات وأصوات ؟ كم أشجار وجداول وبساتين ؟ كم كواكب ونجوم ومجرات ؟ ، كل هذا غطت عليه العادات وجعلت الناظر كغير الناظر حتى صار الحال كما قال الله تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [سورة يوسف : 105] .
ويقول الشوكاني : "وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة وهي التفكر ، والاعتبار ، والاستدلال(18). إن عظمة هذا الخلق لا ينكرها أحد ، لكنه لا يذكرها إلا إذا فنيت فقط . ولو أنا نظرنا إلى المخلوق نظرة المتأثر وجوداً وعدما ، لكان تصور البعث لا ضبابية فيه وتصديقه لا مرية معه" .
وحتى لا يتكرر الشك ، ولا يوجد الريب في مسألة الإيمان بالآخرة إليك تفصيل عن كيفية البعث ،إعمالاً لواجب النظر في الخلق وتبيناً لكيفية البعث يوم القيامة أمر بالنظر ، ومن أعظم مجالات النظر الأنفس التي قال الله عنها : ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات : 21] ، وذلك بالتعرف أولاً على الأجزاء الأساسية والرئيسية التي يتركب منها الإنسان ، وبالتعرف ثانياً على حالها عند فناء الإنسان عن هذه الدار ، ودورها ثالثا في التركيبة الجديدة لإنسان الآخرة .
أولاً: كيفية التركيب لأجزاء الإنسان عند خلقه :
الأجزاء التي تركب منها الإنسان ثلاثة : الأصل الآدمي ، والجسد ، والروح .
1- الأصل الآدمي :
ونقصد بهذا الأصل الجزء الصغير الذي جاء من ظهر آدم وهو مشتمل على الحامض النووي DNA وما يشتمل عليه من الخارطة الوراثية للإنسان هذا الأصل هو كالبذرة للنبات ، وهو جزء تناقلته أصلاب الآباء إلى أن ظهر كل فرد عن أصله من لدن آدم إلى آخر مولود يولد على وجه الأرض .
كل هذه الأصول كانت مجتمعة في ظهر آدم عليه السلام ، هذه الأصول لدقه تناهيها في الصغر لو اجتمعت لكانت شيئاً صغيراً جداً .
وقد أشار القرآن إلى حقيقة أن هذه الأصول كانت في ظهر آدم عليه السلام قال تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف : 172].
قال الشوكاني بعد أن ذكر الأقوال في معنى الإشهاد : " والمعنى أن الله سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته ، وأخذ عليهم العهد ، وهؤلاء : عالم الذرة وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ، ولا المصير إلى غيره ، لثبوته مرفوعاً إلى النبي صلى عيه وسلم وموقوفاً على غيره من الصحابة ، ولا مُلجئ إلى المصير إلى المجاز ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل "(19) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال : ﴿..أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ إلى قوله : ﴿..الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172-173](20) .
وقال ابن كثير: "أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال : أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في أذى من الماء" . وقال ابن جرير : "عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ... ﴾ [الأعراف : 172] ، قال : أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم : ﴿ ... أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ...﴾ [الأعراف : 172] ، قالت الملائكة : ﴿... شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف : 172](21) ، هذا الأصل صار عبر رحلة الماء الدافق إلى الأرحام أساس التخلق البشري الذي قال الله عنه : ﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ [سورة الطارق:5-7]، وهذا وصف شامل للماء الذي يحمل هذا الأصل والذي يأتي من الرجل والمرأة وانه دافق ودافق بمعنى مدفوق ، والدفق الصب . قال الزجاج : "من ماء ذي اندفاق... فالدافق هو المندفق بشدة قوته "(22) .
وقد اشتمل الماء الدافق للرجل على السلالة التي جعل الله النسل منها ، والعاقل يقف متدبرا لهذا الماء الدافق المشتمل على مالا يحصى من الحيوانات المنوية ، من المتحكم فيه وكيف كان الاختيار فيه للمنوي المخصص للشخص المخصوص إنه لا يسعنا إلا أن نقول سبحان الخلاق العليم .
وهذه نقطة الغيب التي لا يعلمها إلا الله فهو الذي يقدر اللحظة التي يتم فيها انتقال ذلك الأصل المحمول عبر الماء الدافق ، والتي يتم فيها الاختيار الخاص لسلالة الإنسان المعين ، واستنقاصها من بين ذلك الماء المتشابه في حيواناته التي لا يحصيها إلا الله الذي أحصى كل شيء عددا ، وقد اخبرنا الله عن هذه السلالة بقوله : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ [ المؤمنون : 12] .
قال الشوكاني : " والمراد بالإنسان الجنس، لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم ، وقيل : المراد به آدم . والسلالة : فعالة من السل ، وهو استخراج الشيء من الشيء ، يقال سللت الشعرة من العجين والسيف من الغمد فانسل ، فالنطفة سلالة ، والولد سليل وسلالة أيضا ... والمعنى أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولا من طين ، لأن الأصل آدم وهو من طين خالص ، وأولاده من طين ومني "(23).
وقال ابن كثير في قوله : ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [السجدة:8]، " سميت الذرية سلالة لأنها تسل من الأصل ، وتنفصل عنه "(24) .
وفي اللغة يأتي لفظ سلالة في اللغة بمعاني منها : ( انتزاع الشيء في رفق ) ، كما تعنى ( السمكة الطويلة )(25)، وإذا نظرنا إلى المنوي سنجده سلالة تستخلص برفق من الماء المهين ، ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [ سورة السجدة:8 ](26).
2- الجسد :
بعد أن تصير سلالة الإنسان نطفة في الرحم تتخلق تلك النطفة وتأخذ في أطوار البناء للجسد، ولنستمع إلى القرآن يصف لنا ذلك التطور قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [سورة المؤمنون:12-14] ، وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ ، هذا الجعل هو البداية الظاهرة لبناء الجسد الإنساني ، وهذه النطفة هي النطفة الأمشاج أي التي تم لها الإخصاب - اندماج المنوي في البويضة - فهي جزء من ماء الرجل وجزء من ماء المرأة ، وهي تأخذ شكل القطرة فهي نطفة ، ( وهي أمشاج لكونها تتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين )(27).
وفيها يبدأ الانقسام والتكاثر فيأخذ الجنين في أطواره إلى أن يتم إكمال بناء الجسد الإنساني عبر الأطوار التي تتبع طور النطفة ، هذه النطفة الأمشاج تعلق بها جانبان :
الأول - الخلق ، والثاني التقدير ، وفيما يلي تفصيل عن ذلك :
أ - الخلق :
وهو البداية لوجود الكائن الإنساني ، فالمنوي يوجد فيه (23) حاملاً وراثيا ، كما يوجد في البويضة (23) حاملا وراثيا. ويمثل هذا نصف عدد حاملات الوراثة في أي خلية إنسانية ويندمج المنوي في البويضة لتكوين الخلية الجديدة التي تحوى عددا من الصبغيات ( الكرموسومات ) مساويا للخلية الإنسانية (46) وبوجود الخلية التي تحمل هذا العدد من الصبغيات يتحقق الوجود الإنساني ، ويتقرر به خلق إنسان جديد لأن جميع الخطوات التالية ترتكز على هذه الخطوة ، وتنبثق منها ، فهذه هي الخطوة الأولى لوجود المخلوق الجديد .
ب- التقدير ( البرمجة الوراثية ) :
وبعد ساعات من تخلق إنسان جديد قي خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى ، تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقيل الصفات السائدة ، كما تحدد فيها الصفات المتنحية التي قد تظهر في الأجيال القادمة ، وهكذا يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها ... وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين : ( الخلق والتقدير ) ، في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى : ﴿ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾ [ سورة عبس:17-19 ].
ج- تحديد الجنس :
ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة وإلى هذا تشير الآية : ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ [ النجم : 45-46] ، فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البويضة يحمل الكروموسوم (y) كانت النتيجة ذكرا وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم (X) كانت النتيجة أنثى(28), فتدبـر في هذا الأصل الصغير ماذا ينبني عليه وهو يمثل البذرة التي تختزل أوصاف النبات وعلى أساسها تكون حياته ونماؤه .
- الحرث ( الانغراس ) :
وتكتمل مرحلة النطفة الأمشاج باستكمال انغراسها في جدار الرحم وهو الحرث: " وفي نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض ... ويكون عمر النطفة حينئذ ستة أيام ، وطور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة ، وفيها ينتقل الحمين من شكل النطفة ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة ، وذلك في اليوم الخامس عشر "(29) .
وقال ابن جرير في قوله تعالى : ﴿ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ [المرسلات:21] : " ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين وهو حيث استقرت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة ، ووصفه بأنه مكين لأنه مكن لذلك ، وهيأ له ، ليستقر فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا ، وقوله : ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ﴾ [ المؤمنون :14] يقول : ثم صيرنا النطفة التي جعلناها نطفة في قرار مكين علقة . وهي القطعة من الدم. ﴿ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ﴾ [المؤمنون:14] ، يقول : فجعلنا ذلك الدم مضغة وهي القطعة من اللحم ، وقوله : ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ﴾ [المؤمنون:14] يقول : فجعلنا تلك المضغة من اللحم عظاماً "(30).
وقال الشوكانى : "﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾ [المؤمنون:14] : أي أنبت الله سبحانه على كل عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ [ المؤمنون:14] أي نفخنا فيه الروح بعد أن كان جماداً ، وقيل : أخرجناه إلى الدنيا وقيل : هو نبات الشعر ، وقيل : خروج الأسنان ، وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه ، ولا مانع من إرادة الجميع . والمجيء بثم لكمال التفاوت بين الخلقين ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [سورة المؤمنون:14] أي استحق التعظيم والثناء "(31) .
فهذه مراحل النمو (التخلق البشرى) بينتها الآية ، وبهذا نكون قد عرفنا كيفية بناء الأجسام عن ذلك الأصل .
3- الروح :
الروح شيء من خلق الله لا يعلم حقيقته إلا الله ينفخه الملك في جسد الجنين . فيكون هو الحياة التي تسمى نفساً ، وبها يكون اكتمال نشأة الجنين . والروح من أمر الله تتعلق بالإنسان بعد تسويته كما أخبر سبحانه : ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [سورة السجدة:7-9] ، والآية تبين البداية التي يتم فيها تعلق الروح بالجسد وهي الفترة التي اكتملت فيها أطوار خلق الجنين ، ونجد تفصيل هذا فيما أخبرنا عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد»(32). فالروح تسكن الجسد بنفخ الملك لها في جسم الجنين في بطن الأم فتتركب منهما النفس الإنسانية ، قال ابن كثير: "... فحاصل ما نقول إن الروح هي أصل النفس ومادتها والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن ؛ فهي هي من وجه لا من كل وجه ، وهذا معنى حسن والله أعلم "(33).
ثانياً كيفية تفكيك أجزاء الإنسان عند الموت :
قبل أن نعرف كيفية التركيب لجسم الإنسان في الآخرة علينا أن نتذكر كيفية التفكك الذي يحدثه الموت لأجزاء الإنسان .
فناء الروح :
من المعلوم أن الإنسان عند الموت أول ما يفنى منه الروح وذلك بعد خروجها من الجسد ومفارقتها له ، وهو موتها ، وذلك بإخراج الملك الموكل بقبض الأرواح لها ، ووضعها في برزخ النعيم أو برزخ العذاب بحسب عملها ، وهذه من أدق المراحل وأخطرها ؛ لذلك نجد القرآن يؤكد عليها ، وهي أول جزء يؤخذ من الإنسان عند فناءه ، وآخر جزء يضاف إلى الإنسان عند إعادته.
لقد جاءت الروح ومعها من يحملها وينفخها في الجسد ، وهي تفنى ومعها من يأخذها وينتزعها من الجسد قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [ سورة الأنعام:61, 62] ، وقوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ ﴾ ، أي احتضر ، وحان أجله ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ ، أي ملائكة موكلون بذلك . قال ابن عباس وغير واحد : " لملك الموت أعوان من الملائكة ، يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم .. ﴿ وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ، أي في حفظ روح المُتَوفى ، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل إن كان من الأبرار ففي عليين وإن كان من الفجار ففي سجين عياذاً بالله من ذلك "(34).
هنا يتوجه السؤال لإظهار عجز العاجزين ، وضعف الخلق أجمعين : ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ [ سورة الواقعة:82-85] , إنه مشهد مهيب أذهل ناظريه ، وأظهر عجزهم الشديد أمام هذا الأخذ المتحكم بلا منازع ، لا يملك هؤلاء إلا التمني والترجي لبقاء حياة المحتضر ، ولكن هيهات فقد جاء أمر ربك وانتهي زمن الإمهال ، إنها نهاية صعبة لا قبول فيها لشافع أو صديق حميم ، وتؤخذ الروح وتوضع في عليين أو في سجين بحسب حالها في الدنيا .
فناء البدن :
ويعقب فناء الروح فناء البدن فبعد خروج الروح منه يصبح متغيراً إلاَّ الأنبياء ومن شاء من خلقه فيوضع في التراب ليتحلل إلى أصله التراب الذي جاء منه كما قال الله تعالى : ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [ سورة طه:55] ففنائها إعادتها إلى التراب .
قال الشوكاني ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ : "وما بعده راجع إلى الأرض المذكورة سابقاً . قال الزجاج وغيره : يعنى أن آدم خلق من الأرض وأولاده منه ، وقيل المعنى إن كل نطفة مخلوقة من التراب في ضمن خلق آدم لأن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه ﴿ مِنْهَا ﴾ [ سورة طه : 55] ﴿ وَفِيهَا ﴾ أي : في الأرض ﴿ نُعِيدُكُمْ ﴾ بعد الموت فتدفنون فيها وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض ، وجاء (بفي) بدون ( إلى) للدلالة على الاستقرار, ومنها (أي : الأرض نخرجكم تارة أخرى) ، أي بالبعث والنشور وتأليف الأجسام ورد الأرواح إليها على ما كانت عليه قبل الموت"(35).
وفناء الأجسام محاط بعلم الله الذي أحاط بكل شئ علما فهو يعلم السر وأخفي وقد أكد الله هذا المعنى بقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [سورة ق: 4].
شرح ذلك ابن كثير قائلاً : " أي ما تأكل من أجسادهم في البلى نعلم ذلك ، ولا يخفي علينا أين تفرقت الأبدان ، وأين ذهبت ، وإلى أين صارت. ﴿ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ ، أي : حافظ لذلك ، فالعلم شامل ، والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء محفوظة . قال العوفي(36): عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ أي : ما تأكل من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم "(37).
أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض :
وفناء الأبدان خاضع للقانون الذي يختاره الله فما شاء أفناه ، وما شاء أبقاه ، وإن أجساد الأنبياء قد حرم الله على الأرض أن تأكلها ففي الحديث : عن أوس بن أوس(38) رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم ، وفيه النفخة ، وفيه الصعق ؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا : يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ - يعنى قد بليت - قال : إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم »(39) , وهذا من خصوصيات الأنبياء تكريماً لهم وتعظيماً ، وهو إعلام بعظيم قدرة الله عز وجل على فعل الشيء وضده فهو خالق السنن والقوانين سبحانه .
فناء الأصل الآدمي :
أما الأصل الآدمي ففناؤه ببقائه متفرداً ، وهو كالبذرة تحتفظ بخصائص النبات ، وهو أيضاً يحتفظ بخصائص الجسد , هذا الأصل يبقى في الأرض لا يتغير ولا يقع عليه الفساد ، ولا يؤثر عليه شيء قد أحاطت به قدرة الله عز وجل التي حفظت أصول كل الأشجار والنباتات اليابسة .
ثالثا كيفية تركيب أجزاء الإنسان عند البعث :
على أساس معرفة التركيب والتفكيك لجسم الإنسان في الدنيا ، نتعرف هنا على كيفية التركيب لإعادته يوم البعث.
وقبل التفصيل أضرب هذا المثل : إذا فككت آلة ثم أردت إعادة تركيبها فإن العادة قد جرت بالبدأ بآخر الأجزاء تفكيكا والانتهاء بأولها حتى يتم التركيب لذلك الجهاز أو تلك المكنة . إن هذه سنة ثابتة تكاد أن تعم كل المصنوعات والمركبات ولله المثل الأعلى فهو خالق الخلق وجاعل السنن في كل ما عمله سبحانه أو عملته أيدينا ، ومن ذلك سنته في كيفية إعادة تركيب الإنسان وهي :
أولا حفظ الأصل الآدمي :
إن الأصل الآدمي هو ذلك الجزء المتناهي في الصغر المتناسل من آدم عليه السلام، وهو أصل قد حفظه الله من البِلى والتغير ، كما حفظ أصول النباتات والأشجار وان مرت عليها سنون القحط والجدب ، فهو كتاب حفيظ اشتمل على الجينات (الكروموسومات) حاملات الوراثة ولعل الله يشير إلى هذا الكتاب الخلقي في قوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [ سورة ق:4] ، وهو حفيظ بمعنى حافظ أو بمعنى محفوظ ، والمعنيان مقصودان والله أعلم .
إنه محفوظ بقدرة الله التي حفظت أصول النباتات والأشجار ، وعلم الله محيط بكل ذلك ، وهذا الأصل حافظ في نفسه لكل الصفات والسمات الجسدية وعلى أساسها يكون تركيب الجسد مرة أخرى ففي الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : « كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب(40) منه خلق وفيه يركب »(41)، فيبدأ التركيب من هذا الأصل بسريان الحياة فيه وإعادة سنة الانقسام والتكاثر فيه بعد نزول المطر على الأرض الذي هو كمني الرجال ؛ فتبدأ النشأة الثانية بقدرة الله .
وفي رواية لمسلم أيضا قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : « إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة ، قالوا : أي عظم هو يا رسول الله ؟ قال: عجب الذنب ».(42)
ثانيا تخلق الجسد :
في يوم البعث تعود الأجساد بعد بلائها وتنشأ في تراث الأرض فتنشر العظام وتكسى باللحم بقدرة الله عز وجل , وقد علمنا أن أصل هذه الأجساد هو الأصل الآدمي وأنه لها كالبذرة للنبات . ولعودة الحياة إلى الجسم مرة أخرى لابد من عمليتين أساسيتين أولهما دبيب الحياة في الأصل الآدمي ، وثانيهما نبات الجسم وتطوره عن ذلك الأصل ، وهاتان العمليتان تتم بتهيئة الحال المناسب لانتشار الحياة في الأصل الآدمي وقد توصل العلماء إلى ما يسمى بالحامض النووي DNA وأنه أساس التحكم في عمل الخلية(43)، وقد علمنا من الخلقة الأصلية أن الحياة تدب فيه بالماء المناسب وهو المني ، وفي الوسط البيئي المناسب وهو الأرحام . وهنا تتكرر السنة عند إرادة الخلق مرة أخرى فيرسل الله ماء مناسباً لحياته ، ويجعل الله الأرض رحماً عاماً لتشمل الإعادة كل الخلق ، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم:« ما بين النفختين أربعون ، قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ، ثم ينزل من السماء ماء ، فينبتون كما ينبت البقل ، قال : وليس في الإنسان شيء إلا يبلى ، إلا عظم واحد ، وهو عجب الذنب فيه يركب الخلق يوم القيامة »(44) ، فإذا نزل هذا الماء فإن الحياة تنشأ في حامض ذلك الأصل وتبدأ الجينات تقوم بعملها بإذن ربها ويبدأ النسخ للأجناس البشرية ، وتبدأ عملية التكاثر والانقسام للخلايا الجسدية فينبت الجسم كما أخبر البني صلى الله عليه وسلم في الحديث : «فينبتون كما ينبت البقل» ، ولنقف عند صورة البقل وهو ينمو من بذرة البقل الصغيرة شيئا فشيئا ، تأخذ وتسترسل طولاً وعرضاً داخل التربة بقدرة الله سبحانه وتعالى ، وهكذا كيفية خلق الإنسان عند البعث ، لذلك يبعث الناس على حالتهم الأصلية فتعود إليهم الغرلة التي في مذاكيرهم ، وإن كانوا قد ختنوا في الدنيا ؛ فإن سجلها موجود في ذلك الأصل , وتعود الأجساد كما بدأت تماما .
إن الله يقول عن الخلق الأول : ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا ﴾ [سورة نوح:17] أي : أنه نشوء من الجزء الصغير إلى الجزء الأكبر ، وهو نمو من جزء واحد لا من مجموعة أجزاء - كالشجرة عندما تنبت لا تنبت من أصول متعددة - وإذا كان مبدأ الخلق كذلك فمعاد الخلق كذلك كما يوجبه النص ، فيعود الجسد من ذرة واحدة لا من جميع الذرات ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن مبدأ الخلق : « ما من كل الماء يكون الولد»(45) وهذا معلوم عند علماء الأجنة أن المنى يحتوى على ما لا يحصى من المنويات ويكون الجنين من واحد منها فقط ، وعلى هذا يتم القول بأن ما من كل الذرات يعود الجسد يوم القيامة لقول الله تعالى : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [سورة الأعراف:29] ، وهذه مقايسة في غاية الصحة والوضوح كما هو بين من التشبيه في الآية الكريمة .
معاد الأجساد حقيقة لا ريب فيه :
قد اشتهر الخلاف حول نوع معاد الإنسان في الآخرة : أهو معاد روحاني ، أم معاد جسماني ؟ وقبل الإجابة نسأل هل الجسد الذي يعيش من بلغ من العمر (40) عاما هو نفس الجسد الذي عاش به وهو ابن (30) عاما ؟ .
إن العلم اليوم يؤكد أنه ليس هو ، وذلك أن جميع خلايا الجسم تتغير إلا الخلايا العصبية ويستعيض عنها الجسد خلايا جديدة ولكن ، بنفس المواصفات والهيئات والوظائف ، وتصبح تلك الخلايا التي تخلص منها الجسم ذرات ميتة تستحيل إلى التراب(46)
فجسدك اليوم غير جسدك في الماضي وهو في نفس الوقت لا ينسب إلى غيرك لأنه مهما تغير يحمل صفات جسدك الأساسية لا صفات الغير ، والأصل الآدمي في الآخرة ينبت الجسم منه كما نبت منه في الدنيا وذلك بنشاط الخلية الأولى وانقسامها ، والخلية عندما تنقسم تحمل مواصفات الخلية التي انقسمت منها كاملة ، إلا أن بيئة التخلق في الآخرة عامة وهي تربة الأرض ، وبيئة التخلق في الدنيا محدودة وهي أرحام الأمهات وكذلك الوسط المائي في الآخرة عامُُ يسقي الأرض كلها . ولسنا يوم القيامة محتاجين إلى جميع خلايا أجسادنا السابقة ولكن يكفي الأصل الإنساني ( البذرة ) ليبنى الجسد على أساسه بحسب الجينات الكامنة فيه كما هو الحال في الدنيا .
فالجسم في الآخرة هو نفس جسم الدنيا لأنه يحمل نفس مواصفاته وصفاته ولكن بصورة أتم وأكبر, وهنا يمكن أن نعرف أهمية الشرع بالنسبة للعقل ، وسنعرف أن العقل سباح ماهر ، ولكنه في المحيط ، لذلك يحتاج إلى قارب .
إن الشرع هو الهادي للعقل إلى السداد ، والمقيد له عن الضلال و التيه ، وخير مثال ما نحن بصدده من معرفة طبيعة البعث وكيفيته ، ولننظر كيف يصاب العقل رغم حسن جوهره وبهاء منظره بالإعياء بحثاً عن الحقيقة وما أقربها إليه لو التفت إلى الهدي القرآني والنور النبوي .
إن القرآن الكريم يخاطب كل المستويات العلمية في شتى الأزمنة والمواقع ، ولو رفض الناس دلالات القرآن بحجة أن العقول تحار في إدراكها لكان ضلالا فليس معيبا قبول ما تحار فيه العقول وهي لا تستحيله إذا جاء من خبر الغيب الصادق , إن الكشوف العلمية اليوم تكشف لنا الحيرة في كثير من الأمور وتصير الأمر غير المقيس كالأمر المقيس .
وعلى ضوء ما كشف للناس من العلوم لو قلنا : بالقول الأول إن الجسد في الآخرة جسد جديد لا يلزم أن يكون أصله الجسد الأول لكنا مخطئين لخروجنا على أصل السببية، وهي سنة في الخلق الأول ، وقد أخبرنا الله أن الخلق الثاني كالخلق الأول في قوله سبحانه : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [ سورة الأعراف:29] فلابد من بذرة ، ولابد من غذاء الأرض ولابد من ماء . ولو قلنا : بالقول الثاني إن الجسد في الآخرة هو نفس الجسد بمعنى أن الذرات هي نفس الذرات بأعيانها والتي استحالت ترابا وصارت من خصائصه المحايدة في الغالب ، لكنا أيضا مخطئين لأن هذا يستلزم وجوب عدم تحلل خلايا أجسام الموتى ، وهذا لا يكون إلا لبعض عباد الله ومنهم الأنبياء وليس في ذلك من شأن إلا التكريم الخاص ، والاستحالة(47) مع الإعادة تستوجب بقاء الأصل ، والأصل محفوظ وعليه يتركب الجسد مرة أخرى وهو الصحيح . فلو كانت الاستحالة بل إبقاء للأصل لكان المعاد مستحيلا وليس في الشرع الصحيح مستحيل يلزم قبوله ، ولكن يكفي للمعاد بقاء الأصل وحفظه بقدرة الله وعلمه كما حفظه من قبل لتقدير ما تحتاجه الأجساد لتركيبها للمعاد والله الهادي إلى طريق الرشاد، ولا ضرورة توجب تعليل معاد جميع الذرات بقدرة الله مع وجود سنته هذه في خلقه ولا تبديل لخلق الله .
ثالثا عودة الأرواح إلى أجسادها :
بعد اكتمال الأجساد يبث الله الأرواح ويرسلها إلى أجسادها وتأتي كل روح فتتعرف على جسد صاحبها فتدخله وذلك عند نفخة الإحياء - النفخة الثانية - ففي الحديث : « إن الله تعالى يقول لإسرافيل : أنفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل ، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده , فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد ثم تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق عنه الأرض فتخرجون منها شبابا كلكم أبناء ثلاثا وثلاثين 000 الحديث »(48), (49).
هذه الحال مشابهة لحالة الجنين في بطن أمه ، إذا اكتمل تخلقه أرسل الله إليه ملكا فينفخ فيه الروح كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق(50) فتتحرك الأجساد بالحياة وتصير كاملة الحياة فتقوم من رقدتها ، وتنشق الأرض ، عنهم كما تنشق عن النبات فيخرج الناس أحياء فذلك هو البعث وهذه هي كيفيته.
أدلة الإيمان بالبعث
1- الإخبار عنه في القرآن والسنة :
إن الذي خلق اليوم الآخر وخلق الجنة والنار قد أخبرنا عما أعد لعباده المؤمنين ، وتوعد به الكافرين ، فقال تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [ سورة الحج:6, 7] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾ [ سورة الذاريات:5, 6]، وقال تعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [ سورة القيامة:1-4] ، وقال تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [ سورة التغابن:7] ، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن اليوم الآخر وهو الذي زار الجنة وراء النار في ليلة الإسراء والمعراج فهو شاهد العيان الصادق الذي لا ينطق عن الهوى فقال صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عن الإيمان :« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»(51).
كما ذكرت السنة النبوية كثيراً من تفاصيل أحداث اليوم الآخر كالبعث والحشر والموقف والحساب والصراط والميزان والجنة والنار.
ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً» (52) ، قَالَتْ عَائِشَةُ : «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ فَقَالَ : الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ »(53) .
ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في ذكر النفخات التي تسبق قيام الناس من القبور، وفيه : « ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ »، قال : « لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »(54).
وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الميزان بقوله : « مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيء »(55).
وقوله صلى الله عليه وسلم في وصف الصراط : « وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ(56)، قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهَا لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو ... »(57).
قال صلى الله عليه وسلم عن القنطرة : « إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ(58) بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا »(59) .
وقال صلى الله عليه وسلم: « إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ.. »(60)
وقال صلى الله عليه وسلم : « قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ ، حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا ، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ : أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ – حسبت أنه قال : تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ. قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ، لاَ هي أَطْعَمَتْهَا وَلاَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ –» قال نافع : "حسبت أنه قال : «مِنْ خشيش أو خَشَاشِ الأَرْضِ» "(61).
2- استحالة العبث ، ولن نترك سدى :
إن الحياة الدنيا بدون الحياة الأخرى تكون عبثاً، وتعالى الله عن العبث، فالحكمة ظاهرة في تضاعيف هذا الكون وبنائه وفي جميع خلايا الإنسان وأجهزته, وكل جزء في كيان الإنسان قد خلق لحكمة، فكيف تكون الحياة بأكملها عبثاً لا حكمة من ورائها ؟ فلابد أن هناك حكمة ، وإذا كانت لا تظهر في الدنيا فلابد من يوم آخر تظهر فيه، قال تعالى : ﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ [سورة القيامة:36-40] .
3- العدل الإلهـي :
إذا رأيت جباراً يعتدي على طفل صغير فإن مشاعرك ستتحرك مستنكرةً لذلك العدوان ، ولكل ظلمٍ تراه , ولو أن حماراً يرى نفس المنظر للظالم ما تحركت مشاعر كراهية الظلم لديه، ذلك لأن الذي خلقك قد فطرك على حب العدل(62) ولم يفطر الحمار على ذلك .
وكل مخلوق من البشر قد فطر على نفس ما فطرت عليه أنت ، ولو جمعنا حب العدل الذي قسم بين الأولين والآخرين وفي نفوس الأنبياء والفضلاء والصالحين لما كان إلا قبساً من عدل الله العظيم لأن حب العدل صفة كمالٍ ، والخالق أكمل من مخلوقاته فهو صاحب العدل الكامل سبحانه .
ومن العدل أن يثاب المحسن ويعاقب المسيء ، فإذا عرفنا أن عدل الإنسان يأبى التسوية بين الظالم والمظلوم والمطيع والعاصي، وعلمنا أن الله هو صاحب العدل المطلق والكمال الأعلى ورأينا موازين العدل لا تتحقق كاملة في الحياة الدنيا جزمت العقول بأن الله سيقيم العدل الكامل في حياة أخرى ، كما قال سبحانه : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [ سورة الجاثية:21] ، وقال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [ سورة القلم:35, 36] ، وقال تعالى : ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [ سورة الأنبياء:47] .
4- دليل الحق :
لو أنك زرت بلداً متحضراً في حياته المادية ، ورأيت جميع الشوارع في جميع المدن معبدةً منارةً بأعمدة الإضاءة فإنك ستستنتج أن قانون هذه الدولة ونظامها يقضي بتعبيد الشوارع وإنارتها .
فإذا دخلت شارعاً في مدينة من هذه المدن ، ورأيت الحفريات وأعمدة الإضاءة ملقاةً على الأرض ومتناثرة فيه ستجزم بأن هذا الشارع لا بد أن يعبد ، ولا بد أن يضاء بالنور وأن تقام فيه أعمدة الإضاءة كبقية الشوارع في تلك البلاد، وجميع تلك المدن وفقاً لقانون تلك البلدة ونظامها ؛ لأن الحكومة التي من شأنها تعبيد الطرق وإضاءتها لا تترك هذا الشارع شاذاً عن نظامها ، إذا عرفت ذلك فتأمل في هذا الكون الذي أقام الله بناءه بالحق .
لقد خلق الله السماوات والأرض بالحق ، فانظر إلى خلايا جسمك وأنسجته وأعضاءه وأجهزته، سترى أن كلاً منها في موضعه الصحيح وشكله الصحيح ويؤدي وظيفته الصحيحة وأنها جميعاً قد خلقت بالحق شكلاً ووظيفة وموضعاً. وإذا تأملت في أجزاء سائر الحيوانات والنباتات وجدت ما تجده في نفسك من وضع كل شيء في موضعه المناسب وبحجمه وشكله الصحيح المناسب لوظائفه .
وإذا درست الأرض وتركيبها ستجد أن كل أجزائها من هواء وماءٍ وأرض وصخور وموقع في المجموعة الشمسية قد وضعت في أماكنها الصحيحة المناسبة لحياة ما عليها من كائنات .
وإذا تأملت في الشمس والقمر والنجوم والكواكب وجدتها بأحجام ومدارات وتركيب وسرعات محكمة موزونة متقنةٍ متناسبة مع كل جرم من تلك الأجرام ومتناسقة في بناء كامل قامت عليه السماء ، فيدلك ذلك على أن الحق الذي هو وضع الأمور في نصابها هو القانون الإلهي الذي قام عليه بناء الأرض والسماء .
والاستثناء هو ما تراه في حياة الناس ، فنجد الظالم مكرماً والمظلوم مهاناً في أحيان كثيرة. وقد نجد النبي المرسل مطارداً يؤذيه السفهاء ، وتجد العبد المتأله يعبد من دون الله، فلا ترى سنة إقامة الحق الذي شمل الأرض والسماء كاملة التحقق في حياة البشر .
فيدلنا ذلك على أن الذي أقام الحق في أجزاء الكون لابد أن يقيمه في حياة الناس ولابد أن تخضع حياة الناس للقانون الذي خضع له الكون . وما دام هذا القانون غير متحقق في الدنيا، فلابد من يوم آخر يقام فيه الحق ، كما قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة الجاثية21, 22] .
5- الأطماع الواسعة وحب الخلود :
لو نظرنا إلى خلق الأطراف (اليدين والرجلين) عند الجنين في رحم أمه ما فهمنا الحكمة من خلقها ، إذ أنه لا يمكنه استخدامها في ذلك المكان الضيق حيث لا تقوم الحاجة إليها. ولن تظهر الحكمة منها إلا عند خروجه من ذلك المكان إلى مكان أرحب حيث يحتاج لتلك الأطراف في السعي في الأرض . إذاً فخلق تلك الأطراف وإحكامها كان من أجل مرحلة تالية من الحياة .
والذي يقصر نظره على طور الرحم سينكر الحكمة من خلق تلك الأطراف عندما يراها لا تؤدي وظيفة. لكن الإحكام في خلق تلك الأطراف مشاهد، وإنكاره باطل، وعدم ظهور الحكمة في الطور الأول لا ينقض الإحكام ولكن يدل على ضرورة وجود طور آخر تظهر فيه الحكمة من ذلك الخلق الزائد عن سعة الرحم وحاجة الجنين في تلك المرحلة. وكذلك الأطماع الواسعة للإنسان في هذه الدنيا وحبه للخلود لا تتسع الحياة الدنيا على الأرض لتلبيتها، فكلما تحقق للإنسان مكسب من مكاسب الحياة سعى إلى مكسب آخر، وان أعطي وادياً من مال طلب آخر، كما قال صلى الله عليه وسلم : « لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ »(63).
ولو امتلك الإنسان نصف الأرض لطلب النصف الآخر ، ولو أعطي الأرض كلها لسلك سبيلاً إلى القمر . ولو عرض عليه أن يعمر ألف عام أو مليون عام أو أكثر من ذلك لطلب المزيد ، ولن يرضى إلا بالخلود . وما زلت قدم أبينا آدم عليه السلام من قبل إلا طمعاً بالخلود والملك الذي لا يبلى، كما قال تعالى : ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ﴾ [ سورة طه:120] .
فهذان دليلان من فطرة الإنسان على أن حاجة فطرته أكبر من هذه الأرض وعمرها. ولما كان الخالق حكيماً لا يعبث ، والأرض لا تكفي لتلبية هذه الفطرة ، فالعقل يقضي بأن هناك طوراً آخر خلقت من أجله هذه الفطرة الزائدة عن حجم الأرض وعمرها ، قال تعالى : ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [سورة ق:34, 35] .
6- دليل البدء والإعادة :
إن نسمة الهواء (الأوكسجين) التي تتنفسها تتحول في جسمك إلى ثاني أكسيد الكربون الذي تأخذه الأشجار فيعود مرة أخرى نسمة جديدة من الأوكسجين انظر ص : 85،87 , وإن ماء النهر يجري إلى البحر ثم يتبخر فيكون سحاباً ثم يصب مطراً فيعود أنهاراً تصب في البحار ، وإن صخور الأرض التي نعيش عليها تدخل في باطن الأرض فتصهر في باطنها الناري لتخرج حممًا بركانية فتعود صخوراً مرة ثانية على سطح الأرض .
وإن الصباح يأتي ثم يعقبه الليل ثم يعود الصباح مرة أخرى ، والقمر يبدأ هلالاً ثم يكتمل بدراً ثم يعود هلالاً كالعرجون القديم ، وإن النجم يبدأ من سحابة من دخان ثم ينفجر فيعود دخاناً .
إن الكون كله بدأ بانفجار عظيم ثم أخذ في التوسع وسيعود كما بدأ أول مرة ، فسنة الله في الكون بدء وإعادة ، وكما بدأ الله خلق الإنسان فسوف يعيده مرة أخرى، كما قال تعالى : ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة الروم:11] ، وقال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ سورة الروم:27] ، وقال سبحانه : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [سورة العنكبوت19, 20] ، فالذي شأنه أن يعيد الخلق كما بدأه قادر على يعيد خلق الإنسان كما بدأه ، وهو سبحانه يرينا كيف يحيي المواد الميتة ، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [فاطر:9] ، وقال تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة فصلت:39] ، وقال سبحانه : ﴿ وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴾ [سورة مريم:66-68] .
7- دليل الثواب والعقاب :
ما جعل الله الدنيا دار جزاء ولكن كادت الدنيا أن تكون دار جزاء ، فكم نرى من المجرمين قد أحيط بهم بعد طول أجرام ؟ ! وكم من المظلومين يقتص الله لهم ممن ظلمهم ؟! وكم أخذ الله الأمم الكافرة بعد قوة وتقلب في البلاد ؟! وكم أجاب الله دعاء المؤمنين بالنصر على أعدائهم . فعندما استقام المسلمون على دينهم كان نصر الله يتنزل عليهم ، وعندما انحرفوا سلط الله عليهم أعداءهم, وعندما جاءت الدول الاستعمارية محاربة للإسلام ظالمة للمسلمين ؛ ثارت عليها الشعوب المظلومة وطردتها من بلادها. وعندما نشر الاتحاد السوفييتي الكفر والظلم والفساد حطمه الله وهو في أعز قوته.
وهكذا من يتأمل في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات يجد أن الدنيا تكاد تكون دار جزاء يعاقب فيها المسيء ويكافأُ فيها المحسن ، وإذا تأملت هذا جلياً فإنك ستصل إلى نتيجة تدلك على أن الذي عجل للكافرين والظالمين بعض ما يستحقون من العذاب لابد أن يوفيهم في الدار الآخرة ما يستحقون من العقاب، كما قال سبحانه عن قوم عاد : ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ﴾ [ سورة فصلت:16] ، وقال تعالى عن المنافقين : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة التوبة:101] .
وكما يعجل الله بعض العقاب للكافرين فإنه يعجل للمؤمنين بعض حسناتهم في الدنيا ويوفيهم أجورهم يوم القيامة. قال تعالى عن المؤمنين : ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [سورة النحل:30] ، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ ﴿ (النحل:122) ، وقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل:41] ، فيكون بعض الثواب والعقاب من الله في الدنيا دليلا على الثواب والعقاب الكاملين في الدار الآخرة .
8- ظهور علامات الساعة :
لقد أخبرنا رسول الله صلى الله وسلم بأحداثٍ ستقع في الدنيا ، تكون علامات على قرب الساعة فشاهدنا الكثير منها(64)، مثل ما جاء في حديث جبريل عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة فقال : «.. أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ...»(65) ، وقد وقع ذلك بشيوع التسري (اتخاذ الإماء) فتلد لسيدها بنتاً تضم إلى أسرته وتبقى هي في الإماء ، وبعد ظهور النفط والمعادن رأينا من كانوا حفاة عراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما شاهدنا من علامات الساعة يؤكد صدق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة والآخرة. وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً فسنرى الجنة والنار حقاً، وسيجد كل فريق ما وُعد به ، يقول تعالى : ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأعراف:44].
ثمار الإيمان بالبعث
إن لكل شيء نؤمن به أثر يظهر على ذواتنا وأعمالنا ومقاصدنا ونشاطنا ورغباتنا زيادة ونقصا بحسب ذلك الشئ ، وليس من شئ أعظم من أمر المبدأ الذي أتينا منه ، ولا أعظم من أمر المعاد الذي ننتهي إليه ، فهما أعظم ما يشغل الإنسان العاقل وينفعل له .
وقد ذكرت في بدء البحث بعض تفاصيل المبدأ ثم استعرضت أمر المعاد العظيم ذلك المورد الجامع لكل شخص خرج من بطن أمه ، وذلك القيام الأعظم لرب العالمين .
وإن من عرف المعاد وآمن به لابد أن يغير من طبيعة حياته ، ونوعية اختياراته وأسبقية أولوياته ، فإنه المصدر الثاني لمادة التقوى بعد الإيمان بالله ؛ ففي المبدأ تتجلي آيات الله ، وفي المعاد يتحقق لقاؤه ، وهذه آثار الإيمان بغيب البعث لمن بلغ الإيمان به حد الشهادة أو أزيد .
المطلب الأول
قبول هدي الله واتباعه
بعد أن تيقنا أن الله هو الذي أبدأنا وأنه سيعيدنا ، يلزمنا أن نؤمن بضرورة الهدى الإلهي ، فإن فترة مابين المبدأ والمعاد بدون الهدي جهل وضلال ، وتعالى الله أن يترك خلقه بلا هدي كيف وقد تقررت هذه الضرورة عند مبدأ الخليقة حين أهبط آدم إلى الأرض ولابد من أمر الله تكميلا لخلقه وتحقيقاً لوعده في قوله : ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [سورة البقرة:38] .
وهدي الله كتبه المنزلة على الأنبياء المؤيدين بالمعجزات ، وقد ختم الكتاب بالقرآن الكريم المصدق لما قبله والمهيمن عليه، وختم الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس جميعا .
وإن الإنسان يسعى للسعادة ويحرص على مجانبة الشقاوة ، وإن الخالق هو العليم بالأسباب المستوجبة للسعادة ، والأسباب الموصلة إلى الشقاوة ، قد جعل لذلك هدياً موجب للسعادة اتباعه وموجب للشقاوة إجتنابه .
وهدي الله عين الحق لأن مصدره الله ؛ فإذا ابتغينا الهدى في غيره ضللنا ، وأخطأنا ، وظلمنا أنفسنا .
وهدي الله كامل غير ناقص شامل لشئون الإنسان والحياة كلها الدنيوية والأخروية فلا سبيل للخطأ أو النقص إليه أبدا ، وهدي الله ضرورة لكل أمة ، فما من أمة إلا وأرسل الله إليها رسولاً يعلمها الهدى والنور حتى لا تبقى حجة للخلق على الله يوم القيامة .
فالخسران الذي ما بعده خسران هو مجانبة هدى الله عز وجل قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ [سورة طه:124-126] .
فإذا كان المبدأ منه والمعاد إليه لزم السؤال عن المعنى الذي خلق له الإنسان على سبيل التفصيل والإيضاح لا على سبيل الإجمال والإبهام فإن الإجابة هي ما جاء به الكتاب مفصلا وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً .
وكل من يؤمن بالبعث واليوم الآخر لابد أن يؤمن بالكتاب كما قال الله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [سورة الأنعام] .
وذلك لما بينهما من التلازم وهو كون المعاد لشئ عظيم ، وهذا الشئ هو ما تضمنه الهدى الإلهي قال الشوكاني : " والمعنى أن من حق من صدق بالآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ، ويعمل بما فيه ؛ لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعى الناس إلى ما ينال به خيرها ويدفع به ضرها " (66).
أما من لم يؤمن بالآخرة لا يجد معنى يدفعه للإيمان بالكتاب ، إنه يشعر بالإستغناء عنه ، إنه لا يرى له ضرورة ، ولا يشعر بمسؤولية ، فكان الفارق والبعد بين الكتاب وحامله وبين هذا كبير.، حتى ولو جهر به حامله على الأسماع فإن بينه وبين هذا المعرض حجاب من الغفلة والانصراف مما يجعله كمن لا يسمع فهو كما قال الله : ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ [سورة الإسراء:45] ، يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن جعلنا بينك وبينهم حجاباً مستورا . قال قتاده ، وابن زيد : هو الأكنة على قلوبهم كما قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ [سورة فصلت:5] ، أي مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شئ ، وقوله ﴿ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ أي بمعنى ساتر كميمون ، ومشئوم بمعنى شائم ، ويامن لأنه من يمنهم وشؤمهم ، وقيل مستورا عن الأبصار فلا تراه وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى؛ ومال إلى ترجيح هذا ابن جرير رحمه الله(67) .
قال ابن عاشور : " ولما كان إنكارهم للبعث هو الأصل الذي استبعدوا به دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حتى زعموا أنه يقول محالاً ؛ إذ يخبر بإعادة الخلق بعد الموت.. استحضروا في هذا الكلام بطريق الموصولة ، لما فى الصلة من الإيماء إلى علة جعل ذلك الحجاب بينه وبينهم فلذلك قال : ﴿ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ .. ﴾ [الإسراء:45] "(68).
وقد نجد من يؤمن بالله إيمان المبدأ ولا يؤمن بالمعاد وهذا لا ينفع صاحبه فكفره بالمعاد أبطل إيمانه بالمبدء ؛ إذ لا معنى للإيمان برب خلق الخلق ثم راح وتركهم كما يعتقده هؤلاء .تعالى الله الحي القيوم عن ذلك علواً كبيرا، وهولاء سريعاً ما ينصرفوا عن الله إلى غيره .
وإن هناك علتان للإعراض عن الهدي الإلهي : الإنكار ، والاستكبار وهما نتاج عدم الإيمان بالآخرة قال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [سورة النحل:22] .
أما الإنكار : فهو إنكار قلوبهم لشرع الله وهديه ؛ لأن من لا يؤمن بالآخرة لا يجد معنى للهدى ولا مبرر له ، بل الحياة عنده فلتة لا غاية لها ، وطفرة من اللذائذ والآلام ؛ فهو مستنكر لشئ اسمه نظام أو آداب أو أخلاق أو فضيلة ؛ إذ لا قيمة لها في نظره ، فإن قيمة الشئ ما استلزم المحاسبة عليه ، ولا معاد في حسبانه تكون فيه المحاسبة .
وأما الكِبر : فإن من لا يؤمن بالآخرة لا يشعر بسلطان قاهر عليه فيتولد في نفسه الاستغناء فتتغلب عليه روح الكِبر والتعالي ، يرفض أي مبدأ يستنقص من غلواء كبره ، ولضاضة عتوه ، فهو لهدى الله مفارق ولشرعه مشاقق ولأولياء الله مبغض محارب ، حاله كما قال الله : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [سورة الزمر:45] ، فالانقباض والتوتر عند ذكر الله من سمات من لا يؤمن بالآخرة .
وإن الهدى الإلهي هو صراط الله المستقيم الموصل إلى الجنة وهو الذي قال الله عنه : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [سورة الأنعام:153] ، إن صراط الله مستقيم شكلاً لا اعوجاج فيه ، ومضموناً لا باطل فيه، وغاية لا شقاوة معه ، وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن هذا الصراط مبتعدون كما قال الله : ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾ [سورة المؤمنون:74] ، أي عنه مائلون عدول, فإذا كان هذا هو حال من لم يؤمن بالآخرة ، فإن المؤمن بها على العكس من ذلك .
والإهتداء لا يتم إلا باتباع الكتاب المنزل والتأسي بالنبي المرسل لأنه الذي ارتضى الله سنته وهديه للناس : ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [الأنعام:124] ، فكان التقيد بسنته ، شرطه الاهتداء ، ومن علم هذه الحقيقة وتيقن لقاء الله خشي على نفسه المخالفة وقد قال الله تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [سورة الأحزاب:21] والأسوة من الائتساء وهو الاقتداء فمن كان له أمل في الآخرة فلا يلقى الله إلا وهو متبع للكتاب مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا يلزمنا التقيد بهدي الله وشرعه في جميع مناحي الحياة .
المطلب الثاني
النجاة من الشيطان الرجيم
ليس هناك أخطر من الشك من لقاء الله ،أو الريب في وعده ، وإن العمل الأول للشيطان هو التشكيك بوعد الله ،ثم التزيين للمعصية والتحلية لها .
إن وسائل الشيطان لإضلال بنى آدم مصدرها الشك أو الشهوة ، والشهوة لا تتحكم إلا بقدر ما تتحكم الشبهة ، أو بانقطاع الشعور عن معاني اليقين بالغفلة ؛ لذلك فإنه « لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن»(69).
ولا يكون للشيطان سلطان على من يؤمن بالآخرة إذ لا سبيل للشك إليهم إلا بقدر النسيان والغفلة ولكنهم لإيمانهم ويقينهم بقرب لقاء الله يتذكرون فتنقشع عنهم الجهالة والغفلة فيبصرون كما قال الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [سورة الأعراف:201] ، فلا يتمكن من الفتك بهم .
وإن الله ابتلى الناس بالشيطان ليظهر من يؤمن بوعد الآخر ممن هو منها في شك كما أخبر : ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ [سورة سبأ20, 21] ، ( أي : إنما سلطانه عليهم ليظهر أمر مَن هو مؤمن بالآخرة ، وقيامها والحساب فيها والجزاء فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في شك )(70) ، فلا سلطان له على أهل اليقين بالآخرة ، وذلك لانتفاء الحيرة والتردد الذي يوجده الريب فلا يتمكن من مخادعتهم وإضلالهم ، ولمسارعتهم إلى التوبة عند الغفلة ، ولكن يبقى سلطان الشهوة يكابدها المؤمن ثم يتغلب عليها بيقينه الذي يورثه الاستهانة بشهوات الدنيا لتذكره نعيم الآخرة ، ويورثه الخوف من عاقبتها لتذكره عذاب الآخرة .
أمّا أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة فإن وساوس الشيطان ووعوده تأتيهم من كل جانب كالأمواج المتلاطمة ، وكالصواعق المفزعة ، حالهم كما قال الله : ﴿ أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [سورة مريم:83]،إنهم في لجاج بحر وُعُوده، وتزييناته وزخارفه؛ لا سفينة تحملهم ، ولا شاطئ يعصمهم، فهم في ريبهم يترددون ، قد يئسوا من الآخرة؛ فسلموا للشيطان قيادهم فهم من حظه وجنده صدق فيهم قول الله : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [سورة الأعراف:27] .
أما المؤمن بالآخرة فيعلم أن وعود الشيطان كاذبة وتزييناته خادعه فلا تنطلى عليه الشبه ، ولا يؤثر الفاني على الباقي ، فيحرز نفسه بما يوجب أن يحترز به - من ذكر الله عز وجل ، وتذكر لقاء الآخرة .
المطلب الثالث
الخوف والإشفاق
إن اليقين بالبعث يجعل صاحبه خائفا من لقاء الله لا على سبيل القنوط من رحمة الله - فرحمة الله واسعة - ولكن على سبيل الإشفاق الذي وصف به أهل الجنة أنفسهم عند تزاورهم كما قال الله : ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ [سورة الطور:25, 26] ، والإشفاق هو : الحذر من قولهم ، ( أشفقت من الأمر: إذا رققت وحاذرت)(71) ، فلربما استنفد المؤمن جزاء عمله بما أعطى من الدنيا مع أنه لا يسلم من الغفلة التي بها ينال منه الشيطان ما ينال لذلك فإن المؤمن بالبعث يستحضر مشاعر الخوف دائما ، كتب محمد ابن النصر الحارثي إلى أخ له : "أما بعد فإنك في دار تمهيد ، وأمامك منزلان لابد من أن تسكن أحدهما ، ولم يأتك أمان فتطمئن ، ولا براءة فتقصر والسلام "(72).
- وللخوف آثار منها :
1- التقوى :
وهى توقي سخط الله بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر ، وهذا التوقي لا يتأتى إلا ممن خاف الحشر إلى الرب سبحانه كما قال الله : ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ... ﴾ [الأنعام:51] ، وخص الذين يخافون أن يحشروا لأن الإنذار يؤثر فيهم ، لما حل بهم من الخوف ، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له ، فإنه لا يؤثر فيه ذلك (73) .
2- المسارعة في الخيرات :
وذلك بعدم تأخيرها ، والإستزادة من الأعمال الصالحة فوق الواجبات من الأمور المستحبات خوف الفوات، كان مطرف بن عبد الله بن الشخير (74) يقول : "يا أخوتي اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات في الجنة ، وإن يكن الأمر شديد كما نخاف ونحاذر لم نقل :ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا "(75) ، هذا هو حال أهل العزم والكياسة ممن وجلت قلوبهم فرقا من لقاء الله ،وهم الموصوفون بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون60, 61] ، قال ابن كثير(76): " أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء ". وهذا من باب الإشفاق والاحتياط كما قال الإمام أحمد : «عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول الله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ.. ﴾ [المؤمنون:60] ، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال : لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلي ، ويصوم ، ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل »(77) ، والعاقل يسارع في الخيرات خشية الفوات ، فإن الدنيا فرصة قال الأصمعي(78) : أنشدني رجل من أهل البصرة
فمالك يوم الحشر شئ سوى الذي *** تزودته قبل الممات إلى الحشر
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا *** ندمت علي التفريط في زمن البذر(79)
3- الاعتبار بما حل في الأمم السابقة :
إن المؤمن الذي عرف ما وراء الوجود من واجب الوجود جل جلاله ينطلق في الحياة فيشاهد مصارع الأولين ، وآثار ديارهم المخربة ، وحصونهم المدمرة ، فيرتعب لتلك المشاهد أن أُخِذ أهلُها في غفلة ، وقد كانوا أقوياء ذوي كثرة، فما أغنى عنهم غناهم ولا دفعت عنهم قوتهم لما جاءهم العذاب ، لقد كانت لهم آلهة مدعاة يعبدونها من دون الله ،وهم وهي من خلق الله !،وكانوا يحسبون أنها ستدفع عنهم النقم وتصرف عنهم المحن ،فحان عليهم الدهر وأحاط بهم القهر : ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ [سورة هود:101] .
إن من بلغ به الإيمان بلقاء الله حد اليقين اعتبر بما حصل للأمم السابقة من العذاب - كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وذلك لعلمه بأن الله من ورائهم محيط ، وقد أخذهم علي حالهم لينالوا كمال العقوبة في الآخرة ، فكان ذلك الأخذ آية مشاهده دالة على لزوم محاسبة الناس على أعمالهم : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [ سورة هود:103] ، وقد كان المشركون من أهل مكة يمرون علي ديار من أخذوا بالعذاب - كقوم لوط فلا يتأثرون لعدم رجائهم للآخرة ؛ فانعدم الخوف من نفوسهم فلم يعتبروا بمرورهم ذلك كما قال الله : ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ [سورة الفرقان:40] ، والقرية : ( يعني قرية قوم لوط وهي سدوم التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي كانت من سجيل …. ﴿ بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ [سورة الفرقان:40] ، أي معادا يوم القيامة )(80) لهذا كله كان الخوف من لقاء الله مادة كل خير والأمان من غضب الله مادة كل شر...
المطلب الرابع
رجاء الآخرة
إن من أهم آثار الإيمان بالبعث حصول الرجاء، والرجاء هو أمل الحصول على رضوان الله بفعل طاعته وترك معصيته.
قال ابن فارس : ".. وهو الأمل يقال رجوت الأمر رجاءً . ثم يتسع في ذلك فربما عبِّر عن الخوف بالرجاء قال الله تعالى : ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [سورة نوح:13] ، أي : لا تخافون له عظمة ، وناس يقولون ما أرجو : أي ما أبالى ، وفسر الآية على هذا ، وذكروا قول القائل :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وخالفها في بيت نوب عوامل(81) .
قالوا معناه : لم يكترث ، ويقال للفرس إذا دنى نتاجها : قد أرجت ترجى إرجاءً "(82).
ولا يتم الرجاء إلا عند أمل الحصول على مرغوب في أمر متيقن بوسيلة موصلة ؛ فهذه أركان ثلاثة للرجاء . ولا أرغب من نيل رحمة الله ، ولا أيقن من وقوع البعث ، ولا وسيلة أنفع من العمل الصالح ؛ لذلك لا رجاء لمن لم يؤمن بالآخرة إذ ليس لهم فيها مرغوب ، وهم منها في شك ، ولا وسيلة لهم بها يرجون؛ فانعدمت أركان الرجاء عندهم، فهم في يأس من رحمة الله ، وهو حال مناقض لحال من يرجوا رحمة الله وقد بين الله تلك الحال بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) ﴾ [سورة العنكبوت:23] ، واليأس هذا نقيض الرجاء لأنه نتاج الكفر بلقاء الله نقيض الإيمان به .
العمل الصالح دليل رجاء الآخرة :
والرجاء شرط الاستمرار فى العمل الصالح ، والعمل دليل وجوده لأنه باعثه قال تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [سورة الكهف:110] .
والأعمال الصالحة وهي ما وافقت مراد الله سبحانه، ومراد الله مبين في الكتاب المنزل وتعاليم النبي المرسل ، وما ألهمت إليه الفطر السليمة المستنيرة بالكتاب والسنة .
وإن لله في كل شأن أمر يجب أداؤه وفعله ، ومن أمر الله اجتناب ما نهى عنه فإن من تمام العمل الصالح أن يجتنب المحظور إلى جانب فعل المأمور .
والمحظور أنواع وأخطرها ما استلزم عدم الإيمان بالآخرة كموالاة غير المؤمنين من دون المؤمنين فإن الله يقول : ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [سورة المجادلة:23] .
والمأمور أنواع : وأهمها الإيمان بما يجب الإيمان به شرعا مصحوباً باليقين ومجاهدة أعداء الإسلام بالنفس والمال فإن الله يقول : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ﴾ [سورة الحجرات:15] .
وشرط قبول العمل الصالح أن يبتغي به وجه الله وحده فلا يشرك مع الله فيه أحدا فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم يروي عن الله عز وجل أنه قال:« أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا برئ منه وهو للذي أشرك »(83) قال مطرف رحمه الله :"صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصحة النية " (84) وقال ابن القيم رحمه الله : " والأصول التي انبنى عليها سعادة العبد ثلاثة : ولكل واحد منها ضد ، فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده : التوحيد وضده الشرك ، والسنة وضدها البدعة ، والطاعة وضدها المعصية . ولهذه الثلاثة ضد واحد وهو خلو القلب من الرغبة في الله ، وفيما عنده . ومن الرهبة منه ومما عنده "(85).
والرجاء قسيم الخوف ولابد منهما ، فهما كالجناحين للطائر بالنسبة للمؤمن ( ولا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي ، وبالرجاء يكثر من الطاعات )(86).والرجاء يطلق علي أمل الحصول على المرغوب ، ويطلق أيضا علي الخوف فإذا علمت ذلك فاعلم (أنهما متلازمين فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس .(87) ومن تجلت لهم آية البعث أعملوا هذا الرجاء فيظهر عليهم أثره من فعل العمل الصالح ، والابتغاء به وجه الله أداءاً للازم ذلك الرجاء قال ابن القيم : " وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر ، وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر "(88) ، فحال الراجي للقاء الله ووعده كما قال الله : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [سورة الزمر:9] ، حقا إنها حال من عرف الحقيقة وعلمها .
ولابد للمؤمن من الرغبة والرهبة ؛ الرغبة ليقينه بما عند الله من الرحمة ، والرهبة ليقينه بما عند الله من العذاب، وكان هذا شأن رسل الله الكرام كما أخبر الله عنهم : ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [سورة الأنبياء:90] ، إن من حرم الرغبة وقع في اليأس والقنوط ، ومن حرم الرهبة وقع في الجرأة والتعدي علي الحرمات .
والشيء لا يكون مرجوا حتى يكون له شأن ، ولا أعظم من شأن الآخرة، والمؤمنون بالبعث علموه وتيقنوه فكانوا له أكثر رجاء ؛ فابتغوا إليه الوسيلة كما قال الله : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [سورة الإسراء:57] ، قال ابن عباس : " أي القربة "، وقال قتادة : "أي تقربوا إليه بطاعته ، والعمل بما يرضيه ، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى المقصود ، والوسيلة أيضا علَم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله صلي الله عليه وسلم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش كما ورد في الصحيح "(89).
المطلب الخامس
الفوز العظيم
إن المؤمن بالبعث يشعر بالسعادة لأنه نال من معرفة الحقيقة ما يكفيه لإدراك ماضيه ومستقبله، ومن ذلك ما أعد الله للعاصين من العذاب ، وما أعد للطائعين من النعيم ؛ فاستعد لذلك بما ينجيه.
وتُعْلم السعادة من حال من لا يؤمن بالبعث ، فانه يظل في عذاب نفسي أليم من المستقبل المجهول ، ولا أشد على النفس الإنسانية من طريق لا يعرفها ، ولا يدري ماتؤول إليه ؛ فهو في عذاب ، وفي ضلال مبين ؛ حيث إن البعث قد جاء به الخبر الصادق عن مصدر الغيب ،ودلت عليه الخلقة ؛ فآمن به الناس واتقوه ، وهذا ماض في ضلاله وغفلته فما أعظم غبنه ، صدق فيه قول الله : ﴿ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ﴾ [سورة سبأ:8] .
إن السعادة هي تحقيق الأمنيات ،والسعادة مطلب كل إنسان ،ولها بالنسبة لفريق المؤمنين طابع خاص ينالونها في الدنيا ولا تنتهي فيها ، بل يقطفون ثمارها في الآخرة فهي سعادة مستمرة ختامها الفوز العظيم بدخول الجنة ، يعبرون عن سعادتهم تلك بقولهم : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [سورة فاطر34, 35] ، والمؤمن يبقي مغمور بأحاسيس السعادة في حياته كلها في الدنيا والآخرة .
- أحاسيس السعادة في الدنيا :
1- الثبات والصبر : والثبات هو الصمود أمام التحدي في مواطن الابتلاء ، وإن مواطن الابتلاء هي مواقع نيل السعادة ، حيث يشهدها من انغرس يقين الآخرة في قلوبهم ؛ فيجتلون السعادة من تلك المواقع ، وهذان مثالان لذلك الثبات ، وذلك الصبر .
أ- ثبات من كانوا مع طالوت : قال الله تعالى : ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) ﴾ [سورة البقرة:249]، ولنتأمل وصف الفئة القليلة التي تريد الوصول إلي السعادة قال : ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ ... ﴾ [البقرة:249] ، أي الذين تيقنوا أنهم ملاقوه يوم القيامة فقالوا قولة الثبات في موطن خذلان الأكثرية : ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [سورة البقرة:249] ؛ فيقينهم بلقاء الله أعلمهم أن الأمر في الدنيا والآخرة بيده وحده .
ب- ثبات سحرة فرعون: لما رأو الآيات فعرفوا المعنى من الحياة وغايتها فقالوا مقالة الثبات،وفرعون يتوعدهم بالصلب: ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [سورة طه]:73، إن هذا هو موقف من استقر يقين الآخرة في صدورهم .
2- الشوق إلي نعيم الجنة : إن من آمن بالبعث قد علم أن الله قد أعد للمؤمنين دارا يتحقق فيها رضاءه عنهم في صورة نعيم ما بعده نعيم ، وإن أهل هذا الإيمان في حالة من الشوق إلى ذلك النعيم لايصرفهم عن تذكره ، ولا عن الحنين إليه نعيم الدنيا وهذا حال خير الخلق الأنبياء ،قال الله عن إبراهيم وبنيه: ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾[سورة ص:46]، قال مجاهد : "أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم غيرها ، قال السدي : ذكرهم للآخرة وعملهم لها , وقال مالك بن دينار : نزع الله تعالي من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها .... وقال قتادة : كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها ...."(90) .
3- أحاسيس السعادة في الآخرة : أما الشعور بالسعادة في الآخرة فهو الوصول إلي السعادة نفسها حيث تتحقق السعادة وتنتفي الشقاوة إلى الأبد ؛ فتظهر عليهم آثار تلك السعادة ومنها :
أ- الحمد : الذي تلتهجه ألسن أهل النعيم يوم مشاهدة الفوز العظيم ؛ فيحمدون الله على صدق وعده : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [سورة الزمر:74] ، ويحمدون الله على هدايته لهم بصيرورتهم إلى ما صاروا إليه فإن الهداية بيد الله : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [سورة الأعراف:43] .
ب- إعلان الفرح : فيفرح المؤمنون لأخذهم كتبهم بأيمانهم قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه ﴾ [سورة الحاقة:25, 26] ، إنه يفرح لكتابه ففيه الشهادة العظمى له بالفوز ، وقد أخذه بيمينه ، ويفرح لعاقبة يقينه بملاقاة الله للحساب : ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه ﴾ [سورة الحاقة:20] ، فأي فرح أعظم من هذا ! .
ج- التزاور في الجنة : ويتزاور أهل الجنة فيتذكروا ما كانوا عليه من الخشية والإشفاق فى الدنيا ، وكيف صاروا إلى ما صاروا إليه من النعيم والأمن والإسعاد فيأخذهم التذكر إلى ذكر حال من كان للقاء الله جاحد ولوعده مكذب فيذكر بعضهم بعض حال ذلك الصنف، قال تعالى: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ* قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ* قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي* وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ* أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ* إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾[سورة الصافات:50-61].
الخاتمــــة
أ- الخلاصة :
هذه دراسة لقضية البعث استلزمت نظرة شاملة عن الحياة الإنسانية من مبدأ الخليقة إلى منتهاها من منظور قرآني ، والقرآن أحكم الوصف في ذلك وفصل ؛ لأن الإدراك السليم هو الإدراك الناشئ عن معرفة كلية جامعة حتى يتم استيعابه لجزئيات الأشياء والمعاني استيعاباً صحيحاً محكماً .
وإن هذه النظرة الشاملة المذكورة في القرآن هي عين الحقيقة ؛ لأنها جاءت من خالق الإنسان والحياة الذي يعلم السر والتفاصيل والغايات .
وإن البشرية اليوم تتخبط كثيراً فيما يتعلق بالدراسات الإنسانية لانصرافها عن هذا المنهج القويم والمنبع الصافي ؛ فتولدت تصورات خاطئة ، وأفكار منحرفة ، وخرافات مضللة تاهت فيها البشرية وابتعدت عن سواء السبيل.
وقد بين القرآن أمر الحياة المشاهدة وأصلها, وأن أصلها الماء ، وأكد أن بداية الإنسان كانت من الطين ، وتناسله عبر الماء المهين واكتمال وجوده بنفخ الروح فيه ، وفصل قصة الإنسان الأولى ، وكيف نزل إلى الأرض ، ولماذا أنزل ، وما الذي يجب عليه ، وما المصير الذي هو صائر إليه ؟ .
وبهذا عرف المرء الإجابة الصحيحة للأسئلة الكبرى ، من أين ، ولماذا ، وإلى أين؟.
إن مواطن الحياة الإنسانية ثلاثة : الحياة الدنيا -الحياة البرزخية - الحياة الآخرة .
والغاية من الحياة الدنيا العمل ابتلاءاً وامتحاناً ، ومن الآخرة الجزاء تكرماً وتفضلاً، ومن البرزخ قنطرة اتصال بين الدنيا إلى الآخرة ، عبره تنتقل البشرية إلى الحياة الآخرة فمن ظن أن الحياة هي الحياة الدنيا فقط جمع فيها العمل والجزاء؛ فكان الصراع والاختلاف ؛ لأن جزاء الدنيا لا يشبع نفساً واحدة ، فكيف تشبع ملايين النفوس، إن النتيجة الحتمية لذلك هي الصراع البشع، والظلم والاستئصال الذي نشاهده .
ولن يكتف الإنسان من الدنيا بالعمل حتى يتيقن بأن للجزاء داراً أخرى ؛ فيبقى الجهد الإنساني في دائرة التنافس الشريف والعمل البناء .
وإن الجزاء الأخروي جزاء لا حدود له نعيماً كان أو عذاباً ، يستوعب ويشمل كل العاملين ، فلكل فرد يدخل الجنة له ما تشتهى نفسه وتلذ عينه ، وأما النار صرفها الله عنا فإنه إذا كان أخف الناس عذاباً من توضع على قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه(91) ، فلا تسأل عن من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل !.
وقد وصف الله الحياة الدنيا وضرب لبيانها الأمثال حتى نعرف قدرها ، ووصف الآخرة حتى نعرف قدرها ؛ وبمعرفة تلك الأوصاف نحصل على الميزان الصحيح الذي يجب أن نزن به تصرفاتنا تجاه الدنيا والآخرة ، فلا إفراط ولا تفريط ، بل يُعطى كل ذي حق حقه في إطار مفهوم الدنيا مزرعة الآخرة ، وقد اختل هذا الميزان عند كثير من الناس للجهل بحقيقة الدنيا والآخرة ؛ فكان له آثار ضاره ، وانحرافات كثيرة ؛ فكان لابد من بيان ذلك .
- لقد تأكد من تعريف البعث اشتماله على عودة الأجساد وإرسال الأرواح إليها ولا يصح تصور غير ذلك ؛ ولا يقبل الفكر السليم البعث للروح بدون الجسد ، ولا للجسد بدون الروح.
- استفاضت نصوص الكتاب والسنة بوجوب الإيمان بالبعث ، فصار الإيمان به من الأمور المعلومة بالضرورة في دين الإسلام ، فلا دين لمن لم يؤمن به ، والجاحد له كافر خارج عن الملة.
- الله امرنا أن ننظر إلى كيفية الخلق ، ومن ذلك الإنسان ، ففي كيفية خلقه آية كافية الدلالة والإيضاح على كيفية إعادته يوم البعث ، وفى هذا تقريب للمعتقد إلى التصور ، وهو من باب تقريب المعقول من المحسوس ، وقد أكد القرآن هذه المقايسة فختم عرضه لآيات البعث بقوله : ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [سورة فاطر:9] ، ﴿ كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [سورة ق:11] ، ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [سورة الأعراف:29] ، ولإتمام معرفة كيفية البعث لزم التفصيل في التعرف على كيفية الخلق ، وكيفية الفناء وكيفية الإعادة .
- وعند النظر في كيفية خلق الإنسان نجد أن الإنسان مركب من ثلاثة أجزاء هي:
الأصل الآدمي : الذي جاء من ظهر آدم وهو الذي يمثل البذرة للإنسان .
الثاني الجسد : المعروف الذي به شكل الإنسان وقوامه المادي .
الثالث الروح : وهى من أمر الله ينفخها الملك في جسم الجنين ؛ فتتكون النفس الإنسانية ذات الأوصاف .
فالروح قبل البدن من أمر الله لا يعلم سره إلا الله وبعد البدن تسمى نفس تكتسب صفات الخير أو صفات الشر حسب ما قدر لها وتهيئت له .
وعند الفناء يعود كل أصل من هذه الأصول الثلاثة إلى الجهة المناسبة له فالأصل الآدمي يبقى في الأرض محفوظاً لا يتغير ، والجسد يتحلل إلى أصله التراب ، والروح تخرج إلى مستقرها الذي قدره الله ، فإذا كان يوم البعث عاد التركيب أشبه ما يكون بالخلق الأول فإذا كان ظهور الأصل الآدمي عبر الماء الدافق فإن الله ينزل ماءاً يوم القيامة فتسرى الحياة إلى تلك الأصول فتنشأ عنها الأبدان من بين التراب كما نشأت عنها في الأرحام وترسل الأرواح فتأتى على أجسادها تتعرف عليها فتدخلها ، وتتشقق الأرض عنهم فيخرجون ، فيصير الناس أحياء كما كانوا في الدنيا .
والاختلاف في معاد الأجساد مشهور ، وقد تبين لنا من النصوص الصريحة والتشبيهات القرآنية للبعث بالحياة الأولى أن المعاد معاد الأجساد وعودة الأرواح إليها .
لقد تبين أن لا حاجة في إعادة الأبدان إلى جميع ذرات البدن السابقة ، بل يكفى الجزء الصغير المحفوظ من البِلاء لإعادة الجسد واستنساخه منه . وهذا هو الذي تؤيده النصوص وتستوجبه العقول .
وضرب الله أمثلة للإحياء وقعت في التاريخ الأول وهى أمثلة حدثت في الواقع ، منها صاحب بقرة بنى إسرائيل ، وصاحب القرية الخاوية على عروشها ، ودعوة إبراهيم للطيور الميتة المجزأة ، وقيام أهل الكهف ... إلى غير ذلك .
هناك أمور تحدث قبل الساعة أخبرنا الله عنها ، وجعلها علامات للساعة وهى نوعان علامات صغرى ، وعلامات كبرى. وإن حدوث علامات الساعة الصغرى يؤذن بحدوث علامات الساعة الكبرى ، وحدوث علامات الساعة الكبرى إعلان بالساعة ، وقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم علامات الساعة الكبرى في أحاديث عديدة صحيحة وأن الساعة لا تحدث إلا بعد وقوعها ، وفيها أن آخر تلك العلامات نار تحشر الناس إلى محشرهم تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا(92) ، وعند قيام الساعة ينفرط نظام الكون بالنفخ في الصور فتدك الأرض والجبال ، وتنشق السماء وتنطفئ النجوم وتتناثر الكواكب إيذاناً لمجيء نظام جديد يتناسب مع الهيئة والوضعية الجديدة التي سيؤول إليها الكون يوم القيامة .
والصور قرن لا يعلم عظمته إلا الله ينفخ فيه إسرافيل نفختين الأولى للفناء يموت فيها كل حي إلا من شاء الله ، والثانية للإحياء يحيى الله بها الأموات ، وثبتت حقيقة الصور بنصوص الكتاب والسنة وأن الملك الموكل به قد أستعد ملتقماً القرن ينتظر حتى يؤمر بالنفخ فينفُخ فيه (93).
في يوم القيامة أهوال وأحداث جسيمة ؛ لذلك تعددت أسماؤه, فمن أسمائه يوم الحسرة ، ويوم التلاق ، ويوم الآزفة ، والواقعة ، ويوم التغابن ، والطامة ، والقارعة . يخرج الناس من القبور عند النفخة الثانية أحياءاً كأنما استيقظوا من نومة يخرجون فيكونوا من كثرتهم كالفراش المبثوث ، فيشاهدون كل شئ يتغير : الجبال تنهد والأرض تتزلزل ، والسماء تنشق ، والنجوم تنكدر, يحشر الناس بعد مبعثهم إلى عرصات القيامة ، وتكون مواقف وآخرها الورود مروراً بالظلمة دون الجسر المضروب على جهنم, وعند ذلك يتم التبديل للأرض والسموات ويصير الخلق إلى ما يصيروا إليه.
وقد عرض القرآن الكريم قضية البعث فلم يترك مقاماً من مقامات الخطاب والتوجيه إلا عرضها فيه بأساليب متنوعة متعددة لا يقدر عليها إلا الذي علم بالقلم وعلم الإنسان ما لم يعلم . ومن تلك المقامات: مقام التفكر والنظر، ومقام الإنكار على كفر الكافرين ، ومقام بيان آيات الله ، ومقام إقرار الوحدانية ، ومقام الدعوة إلى عبادة الله ، ومقام العبرة بقصص الأولين ، ومقام التأكيد بالقسم ، ومقام التخويف والتحذير ، ومقام الموعظة الخاصة ، ومقام الموعظة العامة ، ومقام النصيحة .
واهتم القرآن بالردود على أقوال المنكرين للبعث ، ومعالجة أسباب تشككهم فأتى على شكوكهم فكشفها ، وعلى ريبهم فمحاه ، وما أبقى لهم من حجة ولا ترك لهم من متمسك فجاءت تلك الردود في صور عديدة: منها في صورة الإلزامات التقريرية ، وفى صورة النداء والإعلام ، وفى صورة تأكيد بالقسم ، وفى صورة الجدل والمحاجة ، وفى صورة الحوار الجمعي ، وفى صورة حديث نفس ، وفى صورة تعجب .
لقد اهتم القرآن ومعه السنة بالبعث لأهميته في المعتقد ؛ فأورد الأدلة عليه وجاء بالبراهين الساطعة ، والحجج القاطعة ، منفردة حينا ، ومذكورة في سياقات العرض القرآني حيناً آخر ، ومن تلك الأدلة : دليل الخلق ، ودليل الأطوار ، ودليل الإحياء ، ودليل البدء والإعادة ، ودليل الحفظ ، ودليل العدل ، ودليل الحق .
وللبعث آثار نافعة ونتائج طبية كثيرة منها :
إتباع الهدى الإلهي المتمثل في الكتاب والسنة ، والنجاة من سلطان الشيطان الرجيم، والخوف والإشفاق ، ورجاء الآخرة والسعادة والفوز العظيم .
ب- النتائج :
1- إن المصدر الصحيح لمعرفة الحقيقة هو الله خالق الإنسان وقد بين تلك الحقيقة من جميع جوانبها في القرآن الكريم .
2- إن الوصف القرآني لحقيقة الإنسان يورث معرفة يقينية ؛ لأن له خاصيتان : الأولى أنه وصف حقيقي من مصدر الحقيقة مباشرة لأنه كلام الله. الثانية - أنه وصف تام لأنه ممن يعلم السر في السموات والأرض .
3- مراحل الحياة البشرية ثلاثة : الحياة الدنيا ، والحياة البرزخية ، والحياة الآخرة وقد تقررت هذه المراحل منذ بداية نزول آدم إلى الأرض .
4- الدنيا هينة لفنائها وهى دار العمل والآخرة غالية لبقائها وهى دار الجزاء فإذا جعلت الدنيا مزرعة الآخرة غلت لغلائها ، وإن جعلت الدنيا لأجل الدنيا هانت لزوالها .
5- إن أساس الانحرافات النفسية والاجتماعية يعود في الأصل إلى سوء الفهم لحقيقة الدنيا والآخرة .
6- الإيمان بالبعث واجب وهو ركن من أركان الإسلام ، ومن لم يؤمن به فهو كافر خارج عن الملة .
7- البعث هو إحياء الأجساد وإعادة الأرواح إليها وإخراجها من قبورها .
8- لا يلزم لعودة الجسد عودة جميع ذراته السابقة ؛ لأن الجسم يتخلص من أغلب ذراته باستمرار ويستعيض عنها خلايا جديدة بنفس المواصفات التي تكون للخلية فيكفي الأصل .
9- نصوص الشرع تعوّل في معاد الأجساد على بقاء الأصل الآدمي ، وحفظه وقد ثبت احتواؤه على جميع أوصاف البدن فهو كالبذرة للنبات إذا جاءها الماء استعاضت حياتها ، ونشأ عنها الزرع، وكذلك الأجساد ينشأها الله عن ذلك الأصل، وينسخها منه .
10- الحياة الإنسانية تركيب من ثلاثة عناصر هي : الأصل الآدمي ، والجسد ، والروح والموت تفكيك لها ، والإعادة تركيب لها مرة أخرى وبإدراك ذلك التركيب ندرك كيفية البعث .
11- علامات الساعة من مقدمات يوم القيامة فإذا كانت علامات الساعة الصغرى قد تحققت فإنها مؤذنة بتحقق العلامات الكبرى والكبرى مؤذنة بقيام الساعة .
12- كُيّفَ الكون في البداية تكييفاً معيناً يتناسب مع طبيعة الحياة على الأرض ، ويوم القيامة يحدث له تغيير بالنفخ في الصور لغرض تغيير وضعيته حتى تتناسب مع الوضعية الجديدة التي ستؤول إليها الحياة في الآخرة .
13- إن موعد البعث لا يعلمه إلا الله ، ولكن الله أمرنا بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ففيه المؤشرات الدالة على قرب تلك النهاية لعمر الكون المشهود .
14- لقد عرض القرآن الكريم قضية البعث كأهم قضية في المعتقد بعد الإيمان بالله فاستعمل في عرضه لها الأساليب المتنوعة في مقامات الخطاب المختلفة حتى تبلغ إلى جميع الأفهام لكل المستويات الفكرية والنفسية والعاطفية .
15- لقد رصد القرآن جميع مواقف من فيه ريب من البعث ، وعالج تلك الإنحرافات بردود تناسب كل حالة.
16- أهتم القرآن ببراهين البعث وأدلته ففصلها وبينها بأساليب متنوعة حتى لا يبقى ريب أو شك .
17- إن الإيمان بالبعث مادة اليقين ، لذلك انبنت عليه المنافع العظيمة في حاضر الحياة ومستقبلها .
18- الإيمان بالبعث يستلزم ويستوجب الاستسلام الكامل والإتباع لهدي الله وشرعه والخوف منه والاستعداد للقائه .
ج- التوصيات :
1- أدعو الباحثين إلى المزيد من الدراسات القرآنية لمعرفة الحقيقة الإنسانية لأنها وصف الخالق لخلقه .
2- يمكن تقديم الحلول والعلاجات لأساس الإنحرافات النفسية والاجتماعية بالتعرف على حقيقة الدنيا والآخرة من القرآن الكريم والسنة النبوية للحصول على الإتزان النفسي.
3- من واجب مراكز الدعوة إلى الإيمان دراسة كيفية الاستفادة من وسائل العلم الحديثة لتحقيق واجب النظر في الخلق كيف بدأه الله .
4- أدعو إلى المزيد من التعرف على مكتشفات العلم عن دور الحامض النووي للإنسان DNA فإنه أساس تركيبة الجسد وبنائه في نشأته الأولى وفى نشأته الثانية يوم البعث .
5- هناك دراسات فلكية عن نهاية الكون فأدعوا الباحثين في علوم الفيزياء الفلكية إلى تتبع تلك الدراسات التي تؤكد حتمية نهاية هذا الكون المنظور.
6- التذكير بقصص من مضى مما يتعلق بإحياء الموتى مما وافق المنصوص عندنا لغرض التذكير والتنبيه .
7- دراسة علامات الساعة الصغرى والكبرى ورصد ما تم تحققه منها لتحفيز الأحاسيس للانتباه .
8- الاهتمام بالدراسات الجزئية عن البعث في إطار السورة المعنية فإنها لا تقل أهمية عن الدراسات الكلية له فكل سورة لها أسلوبها وعرضها الخاص .
9- يجب أن نكون السباقين لخوض معترك البعث مع المخالفين معلنين براهين البعث وحججه مسترشدين بأساليب القرآن وهدى النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الحوار و الجدال .
10- الإيمان بالبعث مادة اليقين للتقوى التي عليها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة فعلى الدعاة والمربين الاهتمام بشأن البعث ترغيباً وترهيباً ؛ حتى تأتى ثمار تربيتهم نافعة طيبة بإذن الله عز وجل .
مراجعة:محمد المعافا
علي عمر بلعجم.
-----------------------
(1) - الفراهيدي : هو الإمام صاحب العربية ومنشأ علم العروض ، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحد الفراهيدي البصري احد الأعلام ، أخذ عن سيبويه النحو والأصمعي وآخرون كان رأساً في لسان العرب ديناً ورعا قانعاً متواضعا، كبير الشأن وثقه ابن حبان ، ولد سنة 100 ومات سنة بضع وستون ومائة وقيل بقي إلى سنة 170 انظر تهذيب سير أعلام النبلاء للذهبي 1/274/مؤسسة الرسالة ط1 / 1412 - 1991 بتصرف .
(2) - كتاب العين - للخليل ابن احمد الفراهيدي : 2/112 مادة (بعث) مكتبة الهلال .
(3) - معجم مقاييس اللغة - لأحمد بن فارس 1/ 266 مادة (بعث) ط 1/ 1366 .
(4) - هو : إسماعيل بن حماد الجوهري صاحب الصحاح أبو نصر الفارابي ، كان إماماً في اللغة والأدب أصله من بلاد الترك صنف كتاباً في العروض ومقدمة في النحو وغيرها مات سنة 393 ، وقيل : 400 ، انظر بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة - للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطى 1/746 ، دار الفكر - ط2 /1399-1979 بتصرف .
(5) - الصحاح - لإسماعيل بن حماد الجوهري 1/ 273، ط / دار العلم للملايين ، بيروت ط/3 ، 1404هـ ، 1984م .
(6) - الراغب : هو الحسين بن محمد بن علي الأصفهاني قال أبو نعيم كثير الحديث صاحب معرفة وإتقان صنف المسند والتفسير وغيرها مات سنة 369 . انظر طبقات المفسرين للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن احمد الداوودي تحقيق على محمد عمر : 1/157مكتبة وهبه - القاهرة /ط2 /1415 - 1994 . بتصرف.
(7) - المفردات في غريب القرآن - الراغب الأصفهاني ص/52 .
(8) - ابن منظور : هو محمد بن مكرم بن على بن احمد الأنصاري الأفريقي المصري ، ينتسب إلى ورويفع ابن ثابت الأنصاري له (لسان العرب) ، جمع فيه بين التهذيب ، والمحكم ، والصحاح ، والجمهرة . ولد سنة 630 ومات سنة 730 انظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني تحقيق محمد سيد جاد الحق 5/31/دار الكتب الحديثة - القاهرة و بغية الوعاة للسيوطى 1/248 بتصرف .
(9) - لسان العرب - لعبد الله بن محمد ابن المكرم المشهور بابن منظور 2/116،117 /مادة (بعث) ط1/ دار الفكر- بيروت /1410 - 1990.
(10) - العقيدة الإسلامية - لعبد الرحمن بن حسن الميداني - ص 559 ط 2 / 1418- 1997 دار القلم.
(11) - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية - لمحمد بن أحمد السفاريني 2/ 157ط / بدون .
(12) - العقائد الإسلامية - للسيد سابق ص 269 ط 1413-1983 دار الفكر .
(13) - موارد الظمآن لدروس الزمان - لعبد العزيز السلمان 1 /19 ط/ بدون .
(14) - تفسير القرآن العظيم - لا بن كثير- 3/206 ط 1 / 1408 - 1988 دار الجيل .
(15) - القيامة الكبرى / عمر سليمان الأشقر – ص :51 ، مكتبة الفلاح – الكويت ، ط/ 1/ 1407هـ - 1986م .
(16) - أخرجه البخاري في صحيحه 1/27, برقم: 5, ومسلم في صحيحه 1/39, برقم: 9.
(17) - احمد في المسند -1/97 دار الفكر- والترمذي في سننه / كتاب القدر / باب ما جاء في القدر : 4 / 452 .
ق /2145 دار الحديث واللفظ لأحمد.
(18) - فتح القدير - للشوكاني 3/82 .
(19) - فتح القدير للشوكاني 2/369 مصدر سابق.
(20) - رواه احمد في المسند 1/272, برقم: 2455 , والحاكم في المستدرك 1/80, برقم: 75, والنسائي في السنن الكبرى 6/347, برقم: 11191, وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/158, برقم: 1623.
(21) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/262 ط/4105-1985 دار الحديث.
(22) - تفسير القرطبي 20/4 .
(23) - فتح القدير - الشوكاني 3/676 .
(24) - تفسير القرآن العظيم 4/350 .
(25) - لسان العرب - لابن منظور: 11 / 338، 339, والقاموس المحيط ص 1312 مادة (السل) لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادى / مؤسسة الرسالة, وتاج العروس: 7/ 377، 378 - لمحمد بن مرتضى الزبيدي / دار الفكر.
(26) - علم الأجنة في ضوء الكتاب والسنة ص40 مبحث مرحلة النطفة/ أ. مارشال جونسون، الشيخ عبد المجيد الزنداني.
(27) - علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة - مرجع سابق ن ص 44-45 بتصرف.
(28) - علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة – للزنداني وآخرين - ص 45-49.
(29) - المصدر السابق ص 49.
(30) - جامع البيان للطبري 9/203 .
(31) - فتح القدير للشوكانى 3/675 .
(32) - رواه مسلم في صحيحه - في كتاب القدر - 4/2036 /2643 ، و البخاري - انظر فتح الباري في كتاب بدأ الخلق - باب ذكر الملائكة 6/303 /3208 ، وفي كتاب الأنبياء - رقم 3332 ، وأبو داوود في سننه -كتاب السنة ج11 - ب16 - ص82 - ق 4708 ، و الترمذي في سننه - كتاب القدر ج14 - ب4 - ص 446 - ق 2137 .
(33) - تفسير ابن كثير - 3/59 .
(34) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - 2/129 .
(35) - فتح القدير- للشوكانى 3/524 دار الحديث.
(36) - العوفي هو إبراهيم ابن أبي بكر ابن إسماعيل الدنابي العوفي من سلالة عبد الرحمن ابن عوف ، حاسب وعالم بالفرائض وغيرها ، له رسائل كثيرة في الفرائض والحساب ومجلدان في مناسك الحج وغير ذلك ، أصله من دمشق ومولده سنة 1030 بالقاهرة ، ووفاته فيها أيضا سنة 1094 هـ . انظر الأعلام - لخير الدين الزركلي - 1/34 دار العلم للملايين - لبنان ط10/1992 بتصرف .
(37) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - 4/199 .
(38) - هو أوس بن أوس ، صحابي سكن دمشق . انظر تهذيب التهذيب 1/33 ، والإصابة 1/291 ، وأسد الغابة 1/193.
(39) - رواه ابن ماجة في سننه - كتاب إقامة الصلاة - باب فضل يوم الجمعة: 1/415/1085 والنسائي في سننه كتاب الجمعة - باب إكثار الصلاة على النبي يوم الجمعة: 3/91 - دار إحياء التراث العربي و احمد في المسند 4/8 والدارمي في سننه في كتاب الصلاة - باب فضل الجمعة: 1/369 - دار الكتب العلمية اللفظ لأحمد.
(40) - عجب الذنب: (العجب بالسكون العظم الذي في أسفل الصلب عند العجُز، وهو العسيب من الدواب ) ، انظر النهاية في غريب الحديث - للإمام مجد الدين أبى السعادات المبارك بن محمد الجزري المشهور بابن الأثير - تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناجي : 3/184/ المكتبة العلمية - بيروت .
(41) - رواه مسلم - في كتاب الفتن - باب ما بين النفختين 4/2271 - ق 2955، وأبو داوود - في كتاب السنة - باب ذكر البعث والنشور- 4/225 /4743- تحقيق مجموعة من الباعثين دار الحديث /1420 /1999.
(42) - رواه مسلم بنفس التخريج السابق.
(43) - انظر كتاب الخلية - للدكتور : محمود حجاوي ، فصل سيطرة المادة الوراثية على خواص وفعالية الخلية - ص113.
(44) - رواه البخاري - أنظر فتح الباري - كتاب التفسير -باب يوم ينفخ في الصور سورة الزمر: 8/551 /ق4814 ، وفي سورة عم يتساءلون :8/689/ق 4935. ومسلم - في كتاب الفتن - باب مابين النفختين -4/2270 /ق 2955.
(45) - مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب حكم العزل : 2/1064/133-1438.
(46) - انظر كتاب الخلية لمحمود حجاوي فصل تركيب الخلية – ص:45 .
(47) - الاستحالة : انقلاب الشيء عن حاله- انظر مختار الصحاح للرازي - ص 181 مادة (حول ) .
(48) - رواه البيهقي في شعب الإيمان 1/309, برقم: 353, وابن راهويه في مسنده 1/84, برقم: 10.
(49) - انظر الجامع لأحكام القران - للقرطبى 17/28.
(50) - انظر حاشية رقم: 32 من هذا البحث.
(51) - سبق تخريجه وهو حديث جبريل المشهور .
(52) - يعني : غير مختونين ، والأغرل : هو الذي لم يختن وبقيت معه غرلته ، وهي الجلدة التي تقطع عند الختان.
(53) - أخرجه البخاري 5/2391, برقم: 6162, ومسلم 4/2194, برقم: 2859.
(54) - البخاري 4/1881, برقم: 4651, ومسلم 4/2270, برقم: 2955.
(55) - رواه الترمذي في سننه - ك البر والصلة -ب ما جاء في حسن الخلق 4/362, برقم: 2002, وقال : حسن صحيح ، والبخاري في الأدب المفرد 1/164, برقم: 464, والقضاعي في مسند الشهاب 1/274 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/5, برقم: 2641, وفي الجامع الصغير 1/1057, برقم: 10569.
(56) - السعدان نبت من أفضل مراعي الإبل له شوك . القاموس المحيط مادة (سعد) .
(57) - البخاري - ك الرقاق - ب الصراط جسر جهنم 1/277, برقم: 773, ومسلم - ك الإيمان - ب إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة 1/163, برقم: 182 .
(58) - القنطرة : الجسر . القاموس المحيط مادة (قنط) .
(59) - البخاري -ك المظالم والغصب -ب قصاص المظالم 2/861, برقم: 2308.
(60) - رواه البخاري 1/357,1004, ومسلم 2/626, برقم: 907 .
(61) - أخرجه البخاري - ك الأذان - ب حدثنا ابن أبي مريم 2/833, برقم: 2235، ومسلم - ك الصلاة - ب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار 2/622, برقم: 904, وقد جاء في بعض الروايات أن المرأة المذكورة في الحديث من حِمْيَر .
(62) - وقد يختل ميزان العدل عند الإنسان إذا كان طرفاً في نزاع أو غلبه هوى.
(63) - سبق تخريجه.
(64) - راجع كتاب : أشراط الساعة ، ليوسف بن عبد الله الوابل ، رسالة علمية متخصصة .
(65) - سبق تخريجه .
(66) فتح القدير للشوكانى -2/198 - دار الحديث .
(67) تفسير ابن كثير 3/42 - المكتبة العصرية - بيروت - ط1 / 1418 – 1998.
(68) التحرير والتنوير - لابن عاشور - 15/116- الدار التونسية للكتب .
(69) انظر الحديث في فتح الباري - كتاب المظالم - باب النهى عن الزنا - 5/119 / ق 2474 - من حديث أبى هريرة ، ومسلم - كتاب الإيمان - باب لا يزنى الزانى وهو مؤمن - 5/15 / ب 11 / ق 2625 .
(70) ابن كثير - 3/514 .
(71) معجم مقاييس اللغة - لابن فارس - 1/618 - دار الكتب العلمية - بيروت -ط1-1420-1999 .
(72) اقتضاء العلم العمل - لأبى بكر احمد بن على البغدادي - جزء من كتاب الإيمان - للحافظ أبى بكر عبد الله بن أبى بكر بن عبد الله بن محمد بن أبى شيبة العبسى - تحقيق محمد ناصر الدين الالبانى - ص 214 - دار الأرقم - الكويت /1405 -1985 .
(73) فتح القدير - الشوكانى - 2/170.
(74) قال في الحلية: (ومنهم المتعبد الشكير ، مطرف بن عبد الله ابن الشخير كان لنفسه مذلا ، ولذكر الله عز وجل مجلا ) - أحبة في الله - كان من كبار التابعين ، روى عن عدد من الصحابة الكرام ، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومات 95 . انظر : حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - للاصفهانى - 2/198ا ، و تقريب التقريب - لابن حجر - 10/57) .
(75) اقتضاء العلم العمل - لأبي بكر احمد ابن على البغدادي - ص214 .
(76) تفسير ابن كثير 3/234 .
(77) الترمذي - في كتاب التفسير - باب من سورة المؤمنين - 5/327 /3175 ، و احمد 6/159 ، و الحاكم في المستدرك - في كتاب التفسير 2/393 .
(78) الأصمعي : هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي أبو سعيد راوية العرب ، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان ، ولد بالبصرة سنة 122 - توفي فيها سنة 216 ، له تصانيف منها (الإبل ) ، و (خلق الإنسان) ، و (المترادف) ، انظر الأعلام - الزركلي - 4/162 - ، ووفيات الأعيان - 3/170.
(79) ديوان دعبل ابن علي الخز اعي - ص 450- صنعة عبد الكريم الأشتر -ط2- مطبوعات مجمع اللغة العربية -دمشق - 1403-1983.
(80) تفسير ابن كثير - 3/300 - مصدر سابق .
(81) البيت لأبى ذوؤيب الهذلى في ديوانه 143 .
(82) معجم مقاييس اللغة - لابن فارس - 2/494 -مصدر سابق .
(83) انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حيان - 2/120 ، واحمد 2/31 ، و ابن خزيمة - 2/67 - المكتب الإسلامي - 1400-1980 - وأصله في الصحيح .
(84) حلية الأولياء - الاصفهاني - 2/199 - دار الكتاب العربي .
(85) الفوائد لابن القيم - ص 142 - دار النفائس - بيروت – ط 3- 1402-1982 .
(86) مختصر تفسير ابن كثير - 2/384 .
(87) أضواء البيان - محمد الأمينبن محمد المختار الجكنى الشنقيطي - 4/200 - عالم الكتب - بيروت .
(88) الفوائد - ابن القيم - ص 91 - دار النفائس .
(89) مختصر تفسير ابن كثيرللصابونى- 1/513 - دار الصابوني – القاهرة .
(90) تفسير ابن كثير -4/37 .
(91) سبق ذكره .
(92) انظر الحديث ص80 .
(93) أنظر الحديث ص85 .