مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز الفلكي
   
الإعجاز العلمي في قوله (والسماء ذات الرجع)
الإعجاز العلمي في قوله (والسماء ذات الرجع)
عادل الصعدي
الثلاثاء 22 يناير 2013

الإعجاز العلمي في قوله تبارك وتعالى:

﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: 11]

مقدمة:

سورة الطارق من السور القصيرة، وهي إحدى قصار المفصّل، وهي مع قصرها قد اشتملت على العديد من الحقائق الكونية، فقد جاء فيها القسم بعدد من مخلوقات الله العظيمة، فأقسم الله فيها بالنجم الطارق، وفسرته السورة بأنه النجم الثاقب، ثم جاء الأمر بالنظر إلى الكيفية التي خلق بها الإنسان، وأشارت السورة إلى أصل خلق الإنسان، وهو الماء الدافق، وأنه يخرج من بين الصلب والترائب، ثم جاء القسم بالأرض، ووصفت بأنها ذات الصدع، ويلي ذلك القسم بالسماء، ووصفت بأنها ذات الرجع.

وها هو العلم الحديث اليوم يتوصل بعد رحلة من الأبحاث في شتى العلوم إلى هذه الحقائق التي أخبرنا الله بها في كتابه الكريم، فتوصل علماء الفلك إلى أن النجوم تولد ومن ثم تمر بمراحل عديدة، حتى يصل النجم إلى مرحلة النجم النيوتروني، والذي تنطبق عليه الأوصاف التي جاءت في سورة الطارق.

ثم توصل علماء الأجنة إلى معرفة عدد من الحقائق العلمية المتعلقة بخلق الإنسان، فإذا بها تفسير وتوضيح للآيات الكريمة التي في سورة الطارق.

ولم يختلف الأمر بالنسبة لعلماء الأرض الذين توصلوا من خلال دراسات طويلة إلى أن أفضل وصف يمكن أن توصف به الأرض هو الأرض ذات الصدع، فجاء هذا الوصف مطابقاً لما وصف الله به الأرض في سورة الطارق.

ونحن في هذا البحث لن نتطرق إلى هذه الحقائق التي أشرنا إليها سابقاً، فقد أفردناها بأبحاث في مواطن أخرى، ولكننا سنتحدث عن التطابق بين اكتشافات العلم الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: 11]، وسنحاول أن نظهر وجه الإعجاز في هذه الآية الكريمة من خلال بحثنا هذا.

ففي هذه السورة جاء القسم بالسماء، وبصفة خاصة من صفاتها، وهي أنها (ذات الرجع).

وفي ذلك قال قدامى المفسرين.: إن (رجع) السماء هو المطر، وإنه سمي (رجعاً)؛ لأن بخار الماء يرتفع أصلاً من الأرض إلى السماء حيث يتكثف ويعود إلى الأرض مطراً -بإذن الله- في عملية دائمة التكرار والإعادة، ولفظة (الرجع) هنا مستمدة من الفعل رجع بمعنى: عاد وآب، ولذا سمي المطر (رجعاً) كما سمي أوباً؛ لأن (الرجوع) هو العود إلى ما كان منه البدء.

يقول الدكتور زغلول النجار: "ومع تسليمنا بصحة هذا الاستنتاج يبقى السؤال المنطقي: إذا كان المقصود بالتعبير (رجع السماء) هو المطر فقط، فلماذا فضل القرآن الكريم لفظة الرجع على لفظة المطر؟، ولماذا لم يأت القسم القرآني بهذا التعبير: (والسماء ذات المطر) بدلاً من: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾؟.

واضح الأمر أن لفظة (الرجع) في هذه الآية الكريمة لها من الدلالات ما يفوق مجرد نزول المطر - على أهميته القصوى لاستمرارية الحياة على الأرض- مما جعل هذه الصفة من صفات السماء محلاًّ لِقَسَم الخالق سبحانه وتعالى -وهو الغنيّ عن القسم- تعظيمًا لشأنها وتفخيمًا. فما هو المقصود (بالرجع) في هذه الآية الكريمة؟.

يبدو -والله تعالى أعلم- أن من معاني (الرجع) هنا: الارتداد، أي أن من الصفات البارزة في سمائنا أنها ذات رجع أي ذات ارتداد، بمعنى أن كثيراً مما يرتفع إليها من الأرض ترده إلى الأرض ثانية، وأن كثيراً مما يهبط عليها من أجزائها العليا يرتد ثانية منها إلى المصدر الذي هبط عليها منه، فالرجع صفة أساس من صفات السماء، أودعها فيها خالق الكون ومبدعه، فلولاها ما استقامت على الأرض حياة، ومن هنا كان القسم القرآني بها تعظيماً لشأنها، وتنبيهاً لنا للحكمة من إيجادها وتحقيقها...!!!"(1).

التفسير اللغوي لقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: 11]:

والسماء في اللغة هي كل ما ارتفع وعلا، قال صاحب اللسان: "وقال الزجاج: السماءُ في اللغة يقال لكلّ ما ارتَفع وعَلا قَدْ سَما يَسْمُو، وكلُّ سقفٍ فهو سَماءٌ، ومن هذا قيل للسحاب السماءُ لأَنها عاليةٌ، والسماءُ كلُّ ما عَلاكَ فأَظَلَّكَ، ومنه قيل لسَقْفِ البيت سماءٌ"(2).

والرجع هو مصدر من الفعل رَجَعَ، وهو بمعنى الانصراف والرد والتكرار والعودة، قال ابن فارس: "الراء والجيم والعين أصل كبير مطرد منقاس، يدل على ردٍّ وتكرار"(3).

ويقول صاحب اللسان: "رَجَع يَرْجِع رَجْعاً ورُجُوعاً ورُجْعَى ورُجْعاناً ومَرْجِعاً ومَرْجِعةً: انصرف، وتَراجَع القومُ: رَجعُوا إِلى مَحَلِّهم، ورجّع الرجلُ وتَرجَّع: رَدَّدَ صوته في قراءة أَو أَذان أَو غِناء أَو زَمْر أَو غير ذلك مما يترنم به.

والترْجيع في الأَذان: أَن يكرر قوله أَشهد أَن لا إِله إِلاَّ الله أَشهد أَن محمداً رسول الله، وتَرْجيعُ الصوت: تَرْدِيده في الحَلق كقراءة أَصحاب الأَلحان، وارتجع إِليّ الأَمرَ: رَدَّه إِليّ، وارْتَجَعَ المرأَةَ وراجَعها مُراجعة ورِجاعاً: رَجَعها إِلى نفسه بعد الطلاق، ويقال للإِياب من السفَر سفَر رَجِيع.

ويقال رَجَعَ فلان على أَنف بعيره: إِذا انفسخ خَطْمُه فرَدَّه عليه، ثم يسمى الخِطامُ رِجاعاً، وراجَعه الكلامَ مُراجَعةً ورِجاعاً: حاوَرَه إِيَّاه، وما أَرْجَعَ إِليه كلاماً أَي ما أَجابَه، والمُراجَعَة: المُعاوَدَةُ، والرَّجِيعُ من الكلام المَرْدُودُ إِلى صاحبه، وكلُّ شيءٍ مُرَدَّدٍ من قول أَو فعل فهو رَجِيع؛ لأَن معناه مَرْجُوع أَي: مردود، وتقول أَرْجَعْتُك ناقة إِرْجاعاً أَي: أَعطيْتُكَها لتَرْجِع عليها.

وقيل: كلُّ ما رُدِّد فهو رَجِيع، وكلُّ طعام بَرَد فأُعِيد إِلى النار فهو رَجِيع، وحبْل رَجِيع نُقض ثم أُعِيد فَتْلُه، وقيل كلُّ ما ثَنَيْتَه فهو رَجِيع، واسْتَرْجَعْت منه الشيءَ إِذا أَخذْت منه ما دَفَعْته إِليه، والرَّجْع رَدّ الدابة يديها في السير ونَحْوُه، ورَجْعُ الجَوابِ ورَجْع الرَّشْقِ في الرَّمْي ما يَرُدُّ عليه، والرَّواجِعُ الرِّياح المُخْتلِفَةُ لمَجِيئها وذَهابها، ويقال الشيخ يَمْرض يومين فلا يَرْجِع شَهراً أَي لا يَثُوب إِليه جسمه وقوّته شهراً.

وقال اللحياني أَرْجَع الرجلُ يديه إِذا رَدّهما إِلى خلفه ليتناوَل شيئاً، والمُراجِعُ من النساء التي يموت زوجها أَو يطلقها فتَرجِع إِلى أَهلها، ويقال لها أَيضاً راجع، ويقال للمريض إِذا ثابَتْ إِليه نفْسه بعد نُهوك من العِلَّة راجع، ورجل راجع إِذا رجعت إِليه نفسه بعد شدَّة ضَنىً، ورَجَع الكلب في قَيْئه عاد فيه، وقيل الرَّجْع مَحْبِس الماء، والرَّجْع المطر؛ لأَنه يرجع مرة بعد مرة.

وفي التنزيل: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:11]، ويقال ذات النفْع، قال ثعلب: تَرْجع بالمطر سنة بعد سنة، وقال اللحياني: لأَنها ترجع بالغيث، فلم يذكر سنة بعد سنة، وقال الفراء: تبتدئ بالمطر ثم ترجع به كل عام، وقال غيره ذاتِ الرجع ذات المطر لأَنه يجيء ويرجع ويتكرّر، والرَّجِيعُ العَرَق، سمي رَجيعاً لأَنه كان ماءً فعاد عرَقاً"(4)

وقال صاحب القاموس المحيط: "رَجَعَ يَرْجِعُ رُجوعاً ومَرْجِعاً كمَنْزِلٍ ومَرْجِعَةً شاذَّانِ؛ لأنّ المَصادِرَ من فَعَلَ يَفْعِلُ إنما تكونُ بالفتح ورُجْعَى ورُجْعاناً بضمهما: انْصَرَفَ، والشيءَ عن الشيءِ وإليه رَجْعاً ومَرْجَعاً كمَقْعَدٍ ومَنْزِلٍ: صَرَفَه ورَدَّه كأرْجَعَهُ"(5).

وقال الزبيدي: "قيل: ذاتُ الرَّجْع أَي ذاتُ النَّفْع، يُقال: ليس لي من فُلانٍ رَجْعٌ أَي نَفعٌ وفائدةٌ، وتَقولُ: ما هو إلاّ سَجْعٌ ليس تحتَه رَجْعٌ، قال الكِسائيُّ في قولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أَرادَ بالرَّجْع مَمْسَك الماءِ ومَحبِسَه، والجَمْعُ رُجْعانٌ"(6).

وقال الراغب: "الرجوع: العود إلى ما كان منه البدء، أو تقدير البدء مكاناً أو فعلاً أو قولاً، وبذاته كان رجوعه أو بجزء من أجزائه أو بفعل من أفعاله، فالرجوع العود، والرجع الإعادة، وقوله: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي المطر، وسمي رجعاً لردِّ الهواء ما تناوله من الماء، وسمي الغدير رجعاً إما لتسميته بالمطر الذي فيه، وإما لتراجع أمواجه وتردده في مكانه، والارتجاع الاسترداد"(7).

أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: 11]:

يقول الطبري في تفسير السماء: "وإنما سميت السماء سماءً لعلوها على الأرض وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماة، ولذلك قيل لسقف البيت: سماوة؛ لأنه فوقه مرتفع عليه، ولذلك قيل: سما فلان لفلان إذا أشرف له وقصد نحوه عالياً عليه"(8).

ويقول الرازي في تفسيره: "أما قوله: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾، فنقول: قال الزجاج: الرجع المطر؛ لأنه يجيء ويتكرر. واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر بل سمي رجعاً على سبيل المجاز، ولحسن هذا المجاز وجوه، أحدها: قال القفال: كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف به، فكذا المطر لكونه عائداً مرة بعد أخرى سمي رجعاً.

وثانيها: أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض.

وثالثها: أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً ليرجع، ورابعها: أن المطر يرجع في كل عام. إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال: أحدها: قال ابن عباس: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر، وثانيها: رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالاً بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعاً، أي تعطيه مرة بعد مرة، وثالثها: قال ابن زيد: هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما، والقول هو الأول"(9).

وقال ابن الجوزي: "قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي ذات المطر، وسمي المطر رجعاً لأنه يجيء ويرجع ويتكرر"(10).

ويقول الشوكاني: "وقال بعضهم: معنى ذات الرجع: ذات النفع"(11).

ويقول الماوردي: "﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: ذات المطر؛ لأنه يرجع في كل عام، قاله ابن عباس.

الثاني: ذات السحاب؛ لأنه يرجع بالمطر. الثالث: ذات الرجوع إلى ما كانت، قاله عكرمة. الرابع: ذات النجوم الراجعة، قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد، وهذا قَسَمٌ"(12).

ويقول البيضاوي: "ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تتحرك عنه، وقيل: الرجع: المطر، سمي به كما سمي أوباً؛ لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً، أو لما قيل من أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعه إلى الأرض، وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء: السحاب"(13).

رجع السماء في ضوء العلوم الحديثة:

تحاط الأرض بغلاف غازي يقدر سُمكُه بعدة آلاف من الكيلومترات، ويقسم هذا الغلاف الغازي للأرض على أساس من درجة حرارته إلى عدة نطق من أسفل إلى أعلى على النحو التالي:

1- نطاق التغيرات الجوية (نطاق الطقس أو نطاق الرجع) (The Troposphere):

ويمتد من سطح البحر إلى ارتفاع 16 كيلومترًا فوق خط الاستواء، ويتناقص سُمكُه إلى نحو عشرة كيلومترات فوق القطبين، وإلى أقل من ذلك فوق خطوط العرض الوسطى (7-8 كيلومترات)، وعندما يتحرك الهواء من خط الاستواء في اتجاه القطبين يهبط فوق هذا المنحنى الوسطي فتزداد سرعته، وتجبر حركة الأرض في دورانها حول محورها من الغرب إلى الشرق كتل الهواء على التحرك تجاه الشرق بصفة عامة بسرعة فائقة، تجعل من هذا التيار ما يعرف باسم التيار النفاث (The Jet Stream).

وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته، فوق خط الاستواء، وذلك نظراً للابتعاد عن سطح الأرض الذي يعمل على تدفئة هذا النطاق بعد غياب الشمس، فسطح الأرض يمتص حوالي 47% من أشعة الشمس فترتفع درجة حرارته أثناء النهار، وعند غياب الشمس يبدأ في إعادة إشعاع الحرارة التي امتصها على هيئة أشعة تحت حمراء إلى الغلاف الغازي للأرض، خاصة إلى بخار الماء وجزيئات ثاني أكسيد الكربون الجويين في السحب فترد هذه السحب 98 % من تلك الأشعة على هيئة رجع حراري لولاه لتجمدت الأرض بما عليها من مختلف صور الحياة بمجرد غياب الشمس.

وهذا الرجع الحراري لم يدرك إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين؛ ومن هنا تنخفض درجة حرارة نطاق التغيرات الجوية مع الارتفاع للبُعد عن مصدر الدفء وهو سطح الأرض، كما ينخفض الضغط إلى عُشر الضغط الجوي في قمة نطاق الرجع.

وعندما تهب كتلة من هواء بارد فوق كتلة أخرى من هواء ساخن فإن الهواء البارد يهبط إلى أسفل، بينما يصعد الهواء الساخن إلى أعلى محدثًا تيارات حمل مستمرة في هذا النطاق أعطته اسم (The Troposphere) كما يعبر عن ذلك الأصل اليوناني للكلمة. ولولا الانخفاض المطّرد لدرجات الحرارة في هذا النطاق السفلي من نطق الغلاف الغازي للأرض لفقدت الأرض مياهها بمجرد اندفاع أبخرة تلك المياه من فوهات البراكين ولاستحالت الحياة على الأرض.

2- نطاق التطبق (The Stratosphere):

ويمتد من فوق نطاق التغيرات الجوية إلى ارتفاع حوالي خمسين كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر، وترتفع فيه درجة الحرارة من ستين درجة مئوية تحت الصفر في قاعدته إلى الصفر المئوي في قمته، ويعود السبب في ارتفاع درجة الحرارة إلى امتصاص وتحويل الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس بواسطة جزيئات الأوزون التي تتركز في قاعدة هذا النطاق (حول ارتفاع يتراوح بين 18 و30كم) مكونة طبقة خاصة تعرف باسم طبقة أو نطاق الأوزون (The Ozonosphere).

3- النطاق المتوسط (The Mesosphere):

ويمتد من فوق نطاق التطبق إلى ارتفاع 80-90 كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر، وتنخفض فيه درجة الحرارة لتصل إلى مئة وعشرين درجة مئوية تحت الصفر.

4- النطاق الحراري (The Thermosphere):

ويمتد من فوق النطاق المتوسط إلى عدة مئات من الكيلومترات فوق مستوى سطح البحر، وترتفع فيه درجة الحرارة باستمرار إلى خمسمائة درجة مئوية عند ارتفاع مئة وعشرين كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر، وتبقى درجة الحرارة ثابتة عند هذا الحد إلى أكثر من ألف كيلومتر فوق مستوى سطح البحر، ولكنها تقفز إلى 1500 درجة مئوية في فترات نشاط البقع الشمسية.

وفي جزء من هذا النطاق -من ارتفاع مئة كيلومتر إلى أربعمائة كيلومتر فوق مستوى سطح البحر- تتأين جزيئات الغلاف الغازي بفعل كل من الأشعة فوق البنفسجية والسينية القادمتين من الشمس، ولذا يسمى باسم النطاق المتأين (The Ionosphere).

وفوق نطاق التأين يعرف الجزء الخارجي من النطاق الحراري باسم النطاق الخارجي (The Exosphere) ويقل فيه الضغط ويزداد في التداخل مع دخان السماء أو ما يعرف تجاوزاً باسم الفضاء الخارجي.

5- أحزمة الإشعاع (The Radiation Belts):

وهي عبارة عن زوجين من الأحزمة الهلالية الشكل التي تحيط بالأرض إحاطة كاملة، وتزداد في السُّمك حول خط الاستواء، وترق رقة شديدة عند القطبين، وتحتوي على أعداد كبيرة من البروتونات والإليكترونات التي اصطادها المجال المغناطيسي للأرض. ويتركز الزوج الداخلي من هذه الأحزمة حول ارتفاع 3200 كيلومتر فوق مستوى سطح البحر، بينما يتركز الزوج الخارجي من هذه الأحزمة حول ارتفاع 25000 كيلومتر فوق مستوى سطح البحر(14).

وقد كشف العلم اليوم عن عدد من صور الرجع في السماء، ومنها:

1- الرجع الاهتزازي للهواء (الأصوات وصداها):

تحتوي الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض (نطاق التغيرات الجوية) على 75 % من كتلة ذلك الغلاف، ويتكون أساساً من غاز النيتروجين (78 % حجماً)، والأوكسجين (21.95 % حجماً)، وآثار خفيفة من بخار الماء، وثاني أكسيد الكربون، والأوزون، وبعض هباءات الغبار، وآثار أقل تركيزاً من الإيدروجين، الأرجون، الهيليوم، وبعض مركبات الكبريت.

وكل من التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية لهذا النطاق يعتبر من الضرورات الأساس للحياة الأرضية، ومنها القدرة على السمع، فلو لم يكن لنطاق الرجع هذه الكثافة الغازية المحددة ما أمكن للاهتزازات المحدثة للأصوات وصداها أن تُسمع، فعندما تهتز أحبالنا الصوتية تحدث اهتزازاتها ضغوطاً في الهواء تنتشر على هيئة أمواج تتحرك في الهواء في كل الاتجاهات من حولنا، فتصطدم بالجوامد وترتد على هيئة صدى الصوت أو تتلقاها طبلة الأذن لأفراد آخرين فتحدث بها من الاهتزازات والارتدادات ما يمكنهم من سماعها بوضوح، ولولا التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية المحددة لذلك النطاق ما سمع بعضنا بعضًا، ولاستحالت الحياة؛ وذلك لأن الصوت لا ينتقل في الفراغ لعدم وجود جزيئات الهواء القادرة على نقل الموجات الصوتية.

وعندما تصطدم الموجات الصوتية بأجسام أعلى كثافة من الهواء، فإنها ترتد على هيئة صدى للصوت الذي له العديد من التطبيقات العملية.

والرجع الاهتزازي للهواء على هيئة الأصوات وصداها هو أول صورة من صور رجع السماء، ولولاه ما سمع بعضنا بعضًا وما استقامت الحياة على الأرض.

2- الرجع المائي (المطر):

يغطي الماء أكثر قليلاً من 71 % من المساحة الكلية للكرة الأرضية، وهذا الماء اندفع كله أصلاً من داخل الأرض عبر ثورات البراكين، وتكثف في الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية والتي تتميز ببرودتها الشديدة، فعاد إلى الأرض ليجري أنهاراً على سطحها، ويفيض إلى منخفضاتها مكوناً البحار والمحيطات، ثم بدأ هذا الماء في حركة دائبة بين الأرض والطبقات الدنيا من الغلاف الغازي حفظته من التعفن ومن الضياع إلى طبقات الجو العليا، وتعرف هذه الدورة باسم (دورة الماء حول الأرض).

وماء الأرض يتبخر منه سنوياً 380.000 كيلومتر مكعب أغلبها (320.000كم3) يتبخر من أسطح المحيطات والبحار، والباقي (60.000كم3) يتبخر من سطح اليابسة، وهذا البخار تدفعه الرياح إلى الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وتحمله السحب حيث يتكثف ويعود إلى الأرض مطراً أو ثلجاً أو بَرَداً، وبدرجة أقل على هيئة ندى أو ضباب.

وحينما ترجع أبخرة الماء من الجو إلى الأرض بعد تكثفها يجري قسم منها في مختلف أنواع المجاري المائية على اليابسة، وتصب هذه بدورها في البحار والمحيطات، كما يترشح جزء منها خلال طبقات الأرض ذات المسامية النفاذية ليكون مخزون الماء تحت سطح الأرض، وهناك جزء يعاود تبخره إلى الجو مرة أخرى.

وماء المطر يسقط على المحيطات والبحار بمعدل 284.000 كيلومتر مكعب في السنة، وعلى اليابسة بمعدل 96.000 كيلومتر مكعب في السنة، وذلك في دورة معجزة في كمالها ودقتها، ومن صور ذلك أن ما يتبخر من أسطح المحيطات والبحار في السنة يفوق ما يسقط فوقها بمعدل 36.000 كيلومتر مكعب، وأن ما يسقط من مطر على اليابسة سنويّاً يفوق ما يتبخر منها بنفس المعدل (36.000كم3)، ولما كان الفارق في الحالتين متساوياً تماماً فإنه يفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات ليحفظ منسوب الماء فيها عند مستوى ثابت في الفترة الزمنية الواحدة.

هذه الدورة المعجزة للماء حول الأرض هي الصورة الثانية من صور رجع السماء، ولولاها لفسد كل ماء الأرض الذي يحيا ويموت فيه بلايين الكائنات في كل لحظة، ولتعرض كوكبنا لحرارة قاتلة بالنهار، ولبرودة شديدة بالليل(15).

3- الرجع الحراري إلى الأرض وعنها إلى الفضاء بواسطة السحب:

يصل إلى الأرض من الشمس في كل لحظة شروق كميات هائلة من طاقة الشمس، ويعمل الغلاف الغازي للأرض كدرع واقية لنا من حرارة الشمس أثناء النهار؛ لأن ذراته وجزيئاته تمتص وتشتت وتعيد إشعاع أطوال موجات محددة من الأشعة الشمسية في كل الاتجاهات بعيداً عن الأرض، كما يعمل النطاق الأسفل منه (نطاق الرجع) كغطاء بالليل يمسك بحرارة الأرض من التشتت ويردها إلى الأرض.

ومن الأشعة الشمسية القادمة إلى الأرض يمتص ويشتت ويعاد إشعاع حوالي 53 % منها بواسطة الغلاف الغازي للأرض، وتمتص صخور وتربة الأرض حوالي 47 % منها، ولولا هذا الرجع الحراري إلى الخارج لأحرقت أشعة الشمس كل صور الحياة على الأرض، ولبخرت الماء، وخلخلت الهواء.

وعلى النقيض من ذلك فإن السحب التي تردّ عنّا ويلات حرارة الشمس في نهار الصيف هي التي ترد إلينا (98 %) من أشعة الدفء بمجرد غروب الشمس، فصخور الأرض تدفأ أثناء النهار بحرارة الشمس بامتصاص حوالي 47% من أشعتها فتصل درجة حرارتها إلى 15 درجة مئوية في المتوسط، وبمجرد غياب الشمس تبدأ صخور الأرض في إعادة إشعاع حرارتها على هيئة موجات من الأشعة تحت الحمراء تمتصها جزيئات كل من بخار الماء وثاني أكسيد الكربون فتدفئ الغلاف الغازي للأرض، كما تعمل السحب على إرجاع غالبية الموجات الطويلة التي ترتفع إليها من الأرض (98%) مرة أخرى إلى سطح الأرض وبذلك تحفظ الحياة الأرضية من التجمد بعد غياب الشمس.

ولو لم يكن للأرض غلاف غازي لأحرقتها حرارة الشمس بالنهار، ولولا السحب المتكونة في الجزء السفلي من غلاف الأرض الغازي ما رجع إلينا الدفء المنبعث من صخور الأرض بعد تعرضها لحرارة الشمس، ولتشتتت هذه الحرارة إلى فسحة الكون، وتجمدت الأرض وما عليها من صور الحياة في نصف الكرة المظلم بمجرد غياب الشمس. وهذا الرجع الحراري بصورتيه إلى الخارج وإلى الداخل مما يحقق صفة الرجع لسماء الأرض.

4- رجع الغازات والأبخرة والغبار المرتفع من سطح الأرض:

عندما تثور البراكين فإنها تدفع بملايين الأطنان من الغازات والأبخرة والأتربة إلى جو الأرض الذي سرعان ما يرجع غالبية ذلك إلى الأرض، كذلك يؤدي تكون المنخفضات والمرتفعات الجوية إلى دفع الهواء في حركة أفقية ينشأ عنها الرياح، والغالبية العظمى من المنخفضات الجوية تتحرك مع حركة الأرض -أي من الغرب إلى الشرق- بسرعات تتراوح بين20 و30 كيلومترًا في الساعة، وعندما تمر المنخفضات الجوية فوق اليابسة تحتكّ بها فتبطؤ حركتها قليلاً وتحمل بشيء من الغبار الذي تأخذه من سطح الأرض، وإذا صادف المنخفض الجوي في طريقه سلاسل جبلية معترضة فإنه يصطدم بها مما يعين على إبطاء سرعتها وعلى عود الهواء إلى أعلى، ولما كان ضغط الهواء يتناقص بالارتفاع إلى واحد من ألف من الضغط الجوي العادي -أي عند سطح البحر- إذا وصلنا إلى ارتفاع 48 كيلومتراً فوق ذلك المستوى، وإلى واحد من مئة ألف من الضغط الجوي إذا وصلنا إلى ارتفاع ألف كيلومتر، فإن قدرة الهواء على الاحتفاظ بالغبار المحمول من سطح الأرض تضعف باستمرار مما يؤدي إلى رجوعه إلى الأرض وإعادة توزيعه على سطحها بحكمة بالغة، وتعين على ذلك الجاذبية الأرضية.

5- الرجع الخارجي للأشعة فوق البنفسجية بواسطة طبقة الأوزون:

تقوم طبقة الأوزون في قاعدة نطاق التطبق بامتصاص وتحويل الأشعة فوق البنفسجية القادمة مع أشعة الشمس بواسطة جزيئات الأوزون (O3)، وترد نسباً كبيرة منها إلى خارج ذلك النطاق، وبذلك تحمي الحياة على الأرض من أخطار تلك الأشعة المهلكة التي تحرق كلاًّ من النبات والحيوان والإنسان، وتتسبب في العديد من الأمراض من مثل سرطانات الجلد وإصابات العيون وغيرها، ويمكن أن تؤدي إلى تبخير ماء الأرض بالكامل(16).

6- رجع الموجات الراديوية بواسطة النطاق المتأين:

في النطاق المتأين -بين100 و400 كم فوق مستوى سطح البحر- تمتص الفوتونات النشيطة القادمة مع أشعة الشمس من مثل الأشعة السينية، فتؤدي إلى رفع درجة الحرارة وزيادة التأين، ونظراً لانتشار الإليكترونات الطليقة في هذا النطاق فإنها تعكس الإشارات الراديوية القادمة مع أشعة الشمس إلى خارج نطاق الأرض، كما تعكس موجات الراديو المبثوثة من فوق سطح الأرض وتردها إليها فتيسر عمليات البث الإذاعي والاتصالات الراديوية، وكلها تمثل صوراً مختلفة من الرجع.

7- رجع الأشعة الكونية بواسطة كل من أحزمة الإشعاع والنطاق المغناطيسي للأرض:

يمطر الغلاف الغازي للأرض بوابل من الأشعة الكونية الأولية التي تملأ فسحة الكون، فتردها إلى الخارج كل من أحزمة الإشعاع والنطاق المغناطيسي للأرض، فلا يصل إلى سطح الأرض منها شيء، ولكنها تؤدي إلى تكون أشعة ثانوية قد يصل بعضها إلى سطح الأرض فتؤدي إلى عدد من ظواهر التوهج والإضاءة في ظلمة الليل من مثل ظاهرة الفجر القطبي.

والأشعة الكونية بأنواعها المختلفة تتحرك بمحاذاة خطوط المجال المغناطيسي للأرض، والتي تنحني لتصب في قطبي الأرض المغناطيسيين، وذلك لعجزها عن عبور مجال الأرض المغناطيسي، ويؤدي ذلك إلى رد غالبية الأشعة الكونية القادمة إلى خارج نطاق الغلاف الغازي للأرض، وما يمكن أن يفلت منها ترده أحزمة الإشعاع، وهذه صورة من صور الرجع لم تعرف إلا بعد ريادة الفضاء في منتصف الستينيات من القرن العشرين.

8- إذا اعتبرنا السماء بمعنى الكون وما فيه من نجوم ومجرات وأجرام سماوية مختلفة، فإن كل شيء في الكون يرجع إلى ما كان عليه، هذا ما تسلكه الأجرام السماوية في حركتها الدورية في أفلاكها الخاصة.

وجه الإعجاز:

وصف الله تعالى السماء بوصف من الأوصاف البارزة والهامة، فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: 11]، ولم يفهم المفسرون من هذا الوصف إلا أحد معاني الرجع، وهو إرجاع المياه التي تم تبخيرها من على سطح الأرض في صورة أمطار تهطل على مناطق متفرقة.

ولكن اللفظ القرآني لم يقل: ذات المطر، بل قال: (ذات الرجع)، ويفهم منه أن السماء تقوم بإرجاع أمور أخرى غير المطر، وفي العقود المتأخرة من القرن العشرين كشف العلم عن صور أخرى لرجع السماء، وعلى ذلك فإن وصف السماء بأنها (ذات الرجع) في القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة من السنين يجمع كل هذه الصور التي نعرفها اليوم، وربما العديد من الصور التي لم نعرفها بعد، وكل هذا في كلمة واحدة وهي (الرجع)، وهذه الكلمة الجامعة هي شهادة صدق بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم الذي تلقى هذا الوحي الحق هو خاتم أنبياء الله ورسله، وأنه صلى الله عليه وسلم كان موصولاً بالوحي ومعلّماً من قبل خالق السماوات والأرض؛ وصدق الله العظيم الذي وصف خاتم أنبيائه ورسله بقوله الحق: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: 3-5].

إعداد/ عادل الصعدي

مراجعة: علي عمر بلعجم

23/ 3/ 2008م

____________________

(1) والسماء ذات الرجع، للدكتور زغلول النجار، نقلاً عن موقع:

http://www.nooran.org/O/20/20-5.htm

(2) لسان العرب 14/ 397.

(3) معجم مقاييس اللغة لابن فارس 2/ 490.

(4) لسان العرب لابن منظور 8/ 114.

(5) القاموس المحيط 1/ 931.

(6) تاج العروس 1/ 5249.

(7) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، ص 188-189.

(8) تفسير الطبري 1/ 197.

(9) تفسير الرازي 16/ 454.

(10) زاد المسير لابن الجوزي 9/ 84.

(11) فتح القدير للشوكاني 5/ 595.

(12) النكت والعيون للماوردي 4/ 406.

(13) تفسير البيضاوي 5/ 390.

(14) والسماء ذات الرجع، للدكتور زغلول النجار، نقلاً عن موقع:

http://www.nooran.org/O/20/20-5.htm

(15) المرجع السابق.

(16) والسماء ذات الرجع، للدكتور زغلول النجار، نقلاً عن موقع:

http://www.nooran.org/O/20/20-5.htm

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: