مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
براهين الإيمان
   
براهين الإيمان.. الحلقة (30)
براهين الإيمان.. الحلقة (30)
السبت 19 يناير 2013

براهين الإيمان.. الحلقة (30)

النار

الحمد لله رب العالمين وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد..

هذه الدنيا هي دار العمل ننتقل بالموت مع كل ساكني الأرض بل وجميع الأجيال إلى دار الجزاء، والله سبحانه وتعالى قد أعد يوماً كاملاً للجزاء ولكنه غيب عنا ولا سبيل لمعرفة الغيب إلا عن طريق الرسل الذين أطلعهم الله على الغيب، فهم نافذتنا لمعرفة هذا الغيب ولكن عندما نسمع ما أعد الله للكافرين من عذاب سيسأل البعض لماذا هذا العذاب لهؤلاء؟ فنقول إن الله جل وعلا هو الملك فالمالك يجب أن يطاع والله يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54] هو الذي خلق وهو الذي يطاع لكن هؤلاء لم يطيعوه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: 17] ماذا سيفعل أحدنا لو أن أحداً هجم على داره أو بستانه أو مصنعه فكسره وحطمه وأنت تنذره وتحذره أتتركه هكذا فأنت صنع الله بدنك هذا صنع الله والسموات والأرض وكل شيء، وهذا الكافر يتعدى ويدمر ويفسد ويستعمل ما أعطاه الله من النعم في غير مرضاته يستحق ذلك العذاب وإذا تأملت إلى النعم العظيمة إنها تستحق منك الشكر لكن الكافر لا يشكر الله على ذلك قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: 83].

وقد أعطانا الله أدوات لنعرفه فأبى هؤلاء الكفار أن يستعملوها في معرفة الله من سمع وبصر وفؤاد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: 26] لم يتعلموا بل كانوا يستهزئون بما جاءهم من عند الله سبحانه وتعالى فالله قد أقام الحجة وما ترك لأحد عذراً فقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء: 165].

أيد رسله بالبينات والمعجزات: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25] أي ليتضح الأمر فالله عزيز قوي ذي انتقام هو ينتقم من المجرمين: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22].

ماذا ستعمل الدولة لمن يعرض عن قوانينها ويستخف بكلماته ماذا تفعل، الله أعلى وأعز وهو العلي الذي يأبى أن يسوي بين الظالم والمظلوم: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يّـس: 54].

ولكن لا ظن أحد أن عذاب الله كعذاب الناس: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 25-26].

فهو عذاب يتناسب مع قوته وعظمته سبحانه وتعالى، وقبل أن ندخل في وصف هذا العذاب نرد على بعض الناس الذين يقولون أن الخلود شيء كبير، فمهما فعل الإنسان من جرائم فإن الخلود أمر يزيد عن ما يستحقه هؤلاء المجرمون ونقول لهؤلاء إن هؤلاء الذين استحقوا الخلود في النار والعذاب في نار جهنم استحقوه بسبب إعراضهم وكفرهم ثم إنهما ماتوا وهم على نية أنهم لو عاشوا أبداً لكفروا بالله أبداً، ولخالفوا أوامره أبداً، جزاء وفاقا موافق لهذا الذي كان في قلوبهم من كفر وعناد وهذه التي أعدها الله للكافرين إنها تترصد وهي في انتظار للضحايا وفي انتظار للمجرمين لتفتك بهم والله قد أخبرنا أن هذه النار مترصدة قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131] وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادا * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ: 21-23].

والنار والجنة يراها الناس عند موتهم وقد جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر قال: «إن أحدكم إذا مات فتح الله عليه مقعده في الغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة»(1).

أين هي النار؟

ليس هناك نص صريح يبين أين موقع النار ولكننا نعرف أن الشمس والقمر مكوران في النار أي أن هذه الشمس سيلف بها ويرمى بها في نار جهنم فهي جزء من النار ستضاف إلى هذه النار، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «سجين الأرض السابعة وهي جزء من النار»(2) وقيل هي الأرض السابعة وروى ذلك ابن مردويه عن عائشة، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سجين أسفل الأرضين، وسجين هو المكان الذي تغمس فيه روح الكافر،ونسمة المؤمن في الجنة تسرح حيث تشاء، هذه النار واسعة عظيمة.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع وجبة أي سمع صوتاً عظيماً قال: «أتدرون ما هذا»؟! قلنا الله ورسوله أعلم قال: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار وإلى الآن»(3).

ومما يدل على سعة هذه النار وضخامتها وأنه قال صلى الله عليه وسلم في وصف الذين يسوقون النار يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 23]. قال: «يؤتى يؤمئذ بجهنم له سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك»(4).

وهذه النار لها أبواب فالكفار وهم يتوجهون إلى النار وتكون هذه الأبواب مغلقة فجأة تفتح أمامهم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 71].

ولهذه النار خزنة فالله تعالى قد حذرنا من بطش هؤلاء الملائكة الغلاظ الشداد فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6] غلاظ في طباعهم فلا رحمة في قلوبهم شداد أقوياء، وهذه النار دركات كما أن الجنة درجات قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء: 145].

المنافقون هم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وقود النار: النار تأكل الناس وتأكل الحجارة قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24], وهذه النار شديدة: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 8-11].

وأخرج البخاري ومسلم حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «نارنا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم»(5).

وأما الماء هناك في نار جهنم فهو الحميم وأما الهواء فهو السموم وأما الظل فهو الدخان وهو من يحموم قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ِفي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: 41-43].

كيف يكون هناك ظل في النار؟! قدر رأينا مصداقاً لذلك رأينا الشمس فيها بقعة سوداء يمكن مشاهدتها من الأرض بمناظر بسيطة فلما درست هذه البقع وجد أنها مناطق الدرجة الحرارة فيها أقل من درجة الحرارة الأخرى، درجة حرارة الشمس تصل إلى 6ألف درجة ودرجة حرارة هذه البقع تصل إلى أربعة ألف درجة،هذا الاختلاف في هذه الدرجات يبدوا بالنسبة لغيرها إنها مناطق فيها ظل: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: 30-31] لأنه لا يغني لأنه من النار.

والنار تسعر عندما تستقبل أهلها: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: 12], وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء: 97].

وهذه النار تتغير أيضاً حنقاً على هؤلاء الكافرين تبطش بهم ومن شدة غيظها تكاد تتمزق إلى أجزاء كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 8-11], والنار مخلدة، ولكن بعض اليهود قالوا إن النار لا تخلد أي أنهم لن يخلدوا في النار ولكن الله بين أن هؤلاء سيخلدون في نار جهنم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 80-82], وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37], مقيم دائم مستمر لا يفتر ولا يغيب وأما أهل النار فهم نوعان:

1) المخلدون: هم الكفار الذين قال الله عنهم هم الكفار الذين قال الله عنهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39].

2) وهم المشركون ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: 17].

3) وهم المنافقون ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 68].

جرائمهم:

1- الكفر بالله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: 10].

2- الشرك: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

3- الإعراض عن القرآن: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ [طه 99-101].

4- التكبر على الدين وعلى أهله: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: 76], ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: 36].

5- الردة: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217], والذين يجادلون ويعارضون الدين ويعارضون أحكامه ويحتجون لماذا أنزل الله هذا الحكم كأولئك الذين احتجوا في تقسيم الميراث ولم يعجبهم حكم الله وكأنهم هم أعدل من الله، هؤلاء الذين يعترضون على حكم الله وعلى شرعه ويعصون الله في أحكامه: ﴿وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14].

أما غير المخلدين فهم العصاة من المؤمنين الذين عندهم إيمان ولكنهم يرتكبون المعاصي فهؤلاء يقول الله فيهم: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48], وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: 53] ولكنهم يدخلون إذا ثقلت سيئاتهم ويكونون من أهل النار بقدر جرائمهم ومن جرائمهم أنهم يعصون الله ورسوله ﴿قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15] أقل الناس عذاباً يوم القيامة كما جاء في الحديث «إن أهون الناس عذاباً يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمره يغلى منها دماغه»(6).

ويعطى الله الكفار أجساماً ضخمة تتناسب مع العذاب فإنه يكون كبير وواسع حتى أن ما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع كما جاء في صحيح مسلم.

وأكثر من يدخل النار هم النساء وهن في الحقيقة اغلب بني آدم ولكن أيضاً يأتي هنا سؤال لماذا النساء؟ بين الرسول صلى الله عليه وسلم السبب ولكني أقول أيضاً ذكر في الأحاديث أن أكثر أهل الجنة النساء أيضاً، قال بعض العلماء أن ذلك بعد أن يستحق من يستحق العذاب في النار ثم يخرجن إلى الجنة. ولا ننسى أن عدد النساء أكثر من عدد الرجال فهن أكثر من في الجنة وأكثر من في النار وإن كان لهن سبب يدخلن به النار وهو أنهن يكفرن العشير، يحسن إليها زوجها فترة طويلة فإذا أساء إليها مرة قالت: ما رأيت منك خيراً قط " وأما عذاب أهل النار فإنه عذاب من فوقهم ومن تحتهم: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان34-46].

ووصفها الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: 64-68], وقد كان هذا فتنة لكفار قريش فقالوا شجرة في النار كيف تكون شجرة في النار, وقد أراني الأخ صخر بن عبد الله صورة لنجم فيه شجرة, داخل نار النجم شجرة لقد رأيت ذلك بعيني رأسي.

شرابهم في الحميم: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: 57], الغساق: هو ما يسيل من فروج النساء وما يسيل من نتن لحوم الكفرة وجلودهم يوم القيامة والحميم نار يغلي ومن شرابهم الصديد وهو قيح أهل النار: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 17] هذا ما بين الله من أحوال أهل النار ثم إنهم يعذبون في جلودهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56], وقد مر بنا ونحن ندرس الإعجاز العلمي أن الأطباء اكتشفوا أن الأعصاب الحساسة بالحروق إنما هي بالجلد ولذلك إذا نضج الجلد يتوقف الألم، أما الأمعاء فهي مبطنة بغشاء ألام الحراسة لكن قال الله في عذاب الأمعاء: ﴿وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾ [محمد: 15], لماذا يقطع أمعاءهم ليخرج من الأمعاء المصاته والمحمية من الحرارة والنار إلى الأحشاء المملوءة بالأعصاب الحساسة ليذوق العذاب يصهر صهراً في النار كما قال تعالى: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج 19-20], ومن ملابسهم قال تعالى ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾ [إبراهيم49 -50].

وهناك عذاب آخر بلفح النار: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الأنبياء: 39], وقال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104], ويسحبون سحباً في نار جهنم المجرمين: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 48], وتحيط بهم النار من كل مكان: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 55], ثم يكون الخزي :﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [هود: 39].

فالأمر جد والحجة قائمة، وهذه النار تأكل الأجسام وتطلع إلى الأفئدة إلى أن تصل إلى داخل الأجسام: ﴿كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: 4-7].

وفي النار أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هناك من تندلق أمعاؤه ويدور عليها كما يدور الحمار على الرحى كما في الحديث المتفق عليه «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك. ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه»(7).

وأما الوثاق والحبس شديد وهي السلاسل والأغلال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 25-26], وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 70-72], بعد أن يرى المجرمون هذا العذاب يقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10-11].

ألم يرسل إلينا الرسل؟ ألم يأتونا بالكتب من الله جل وعلا؟ ألم ينذرونا لقاء يومنا هذا؟ فيندمون ولا ينفعهم الندم في ذلك اليوم ثم يطلبون العودة لتصحيح مواقفهم وليطيعوا الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 12] فيرد عليهم ربنا جل وعلا: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 14] عند إذ يتمنون الهلاك أن يهلكوا وأن يموتوا حتى لا يبقوا في العذاب الدائم المستمر: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان 13-14] يتمنون أن يخفف عنهم يوم واحد من العذاب ويتوسطون بالملائكة ويستشفعون بهم يوماً واحد فقط: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49-50], وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِين َ* وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: 90-98], وقال لله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب67-68] فلا ينفع التلاعن فيما بينهم ولا ينفع الندم قد جاءت الحجة وقد قامت البينة وهذا كتاب الله بيننا وهذه سنة محمد صلى الله عليه وسلم عندنا وهذه الحجة قائمة فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من لناجين من هذه النار التي أعدها الله للكافرين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مراجعة: عادل مكرم, علي عمر بلعجم.

_______________________

(1) مسلم 2/ 2199 برقم: 2866.

(2) شعب الإيمان للبيهقي 1/ 355, برقم: 395,.

(3) مسلم 4/ 2184 برقم: 2844.

(4) مسلم 4/ 2184 برقم: 2842.

(5) مسلم 4/ 2184 برقم: 2843.

(6) مسلم 1/ 196 برقم: 213.

(7) مسلم 4/ 2290 برقم: 2989.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: