مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
براهين الإيمان
   
براهين الإيمان.. الحلقة (14)
براهين الإيمان.. الحلقة (14)
السبت 19 يناير 2013

براهين الإيمان.. الحلقة (14)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

الحمد لله وأصلي وأسلم على رسول الله وبعد..

فإن القرآنَ الكريم في وصفه للكون يصفه منذ البداية ويصفه على حالته الراهنة اليوم ثم يصفه بما سيؤول إليه أمره، وكل هذه مجالات للفكر الإنساني والفكر البشري لكي ينظر إليها، بل قد أمرنا الله عز وجل فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 20].

لقد كان الناس يظنون أنَّ الأرض خُلقت هكذا كما هي عليه اليوم، وهذه هي أفكار أرسطو التي تبنتها من بعده(1) الكنيسة، فلما جاء القرن الثامن عشر، وانطلقت الأفكار أن الحاضر ما هو إلا نتيجة للماضي وأن هناك آثاراً موجودة على الأرض هنا وهناك يمكن أن نسير في الأرض فنتعرف على تلك العلامات لتدلنا بواقعها المشاهد على الماضي الذي كان من قبل، حين وقع ذلك احتدم الصراع بين رجال الكنيسة وقادة العلوم الحديثة.

لكننا نجد الأمر على العكس في كتاب الله الكريم؛ نجد أن العلوم الحديثة قطعت شوطاً طويلاً في التعرف على حقائق بداية الخلق وخاصة بداية خلق الأرض وتكوينها ثم وصلت بعد رحلة طويلة وبعد وسائل وطرائق حديثة للبحث العلمي إلى مقررات، فإذا المقررات الثابتة(2) التي يصلون إليها هي التي كان القرآن قد ذكرها من قبل.

نرى بداية الخلق: يقول جلا وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].

هذه الآية ماذا فهم منها المفسرون الذين يعرفون هذا النص القرآني؛ فهم ابن عباس وقتادة والضحاك والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وكعب كلهم قالوا المقصود كانتا ملتصقتين ففصلتا.

وجاء البحث العلمي بعد رحلة طويلة ليقرر ما قرره القرآن، وتُقدم لنا كتب العلم صوراً تدل على بداية الخلق... (صور وتعليق عليها)

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30].

قال ابن كثير: أي كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر ففتق هذه من هذه.

ثم ما حقيقة هذا الأصل الذي انفصل منه الكون صورة نشرتها وكالة ناسا للدخان وتكون النُّجوم منه فتتكون النجوم من السديم (الدخان) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11].

فقد كانت دخان وهي كذلك إلى يومنا هذا كما في الصورة تتكون منه النجوم، وهو دليل على بداية تكونها منه يقول (جيثهيستر) رئيس الفريق الذي التقط الصورة وهو من جامعة (إرزونا) لقد كان الناس قد تقدموا بنظريات تستحق التقدير عن ولادة النجوم ثم حصلنا على هذه الصورة، وهي صورة غير مألوفة أبداً، وفجأة يمكنك أن تشاهد بوضوح ما يحدث فعلاً، ترى بعينك كيف يتكون النجم من هذا الدخان، ثم بعد انفصال الأَرض ما الذي جرى لها؟، لقد انفصلت من كتلة سديمية دخانية ملتهبة فهل كان لها سطح، القرآن يقرر انه لم يكن لها سطح، ثم وجد السطح قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20].

أي أنه لم يكن لها سطح ثم سطحت بعد، ولقد تحركت العلوم الحديثة من الشواهد الكثيرة التي جمعتها، وبينت لنا كيف وجد هذا السطح فترى هذه الأبحاث وهذه الكتب العلمية تحدثنا عن كيفية بداية سطح الأرض عند الانفصال تخبرنا أن الأرض انفصلت بسطح رقيق جداً ثم بالشهب...(صور وتعليق عليها)

شهب نزلت فانفجرت في جسم الأرض الذي لا يزال ناريا ملتهبا، أخذت القشرة تبرد بسبب ملامستها للجو.

ولو أنا فتحنا الكرة الأرضية نصفين لوجدناها كالبطيخة من وسطها ملتهبة. (توضح بصورة)

ثم تحدث البراكين وبداية دوامات نشاط داخلي في باطن الأرض الملتهب ظهر في صورة براكين، وبهذه البراكين تكونت أول بداية للغلاف الهوائي.

(صورة وتعليق)

وهنا بدأت الجبال والبحار وبدأت السَّحاب ومنها يسقط المطر.

تبين الدراسات بأن القارات لم تكن موجودة ولم تكن هناك قشرة أرضية سميكة وإنَّما كانت قشرة رقيقة سرعان ما تلاشت ثم بدأت القشرة الأرضية تتكون عن طريق البراكين حتى تكونت القارات، وهناك بركان يستشهد به العلماء اليوم هو بركان (تيلاوية). (صورة)

يقول العلماء: نتيجة لهذه الدراسات إنَّ الجبال تكونت من البراكين فهذا وصف دقيق لتكون الجبال، رمي بها من أسفل مع حمم البراكين ثم سقطت على الأرض وتراكمت حتى صار شكلها كما هي عليه.

ونرى الوصف القرآني يقول الله جل وعلا: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: 7], لفظ (مدد)(3) فعل ماضي كان ذلك في الزمن السابق.

ويقول جل وعلا في سورة الرعد: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3], فبالبراكين مُدت الأرض وتكوَّنت الأنهار والجبال وقد قال تعالى في سورة "ق" ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: 7].

فهذا الوصف عن مد الأرض وربطه بالماء والجبال وربطه بالأنهار يبين بدقة بداية تخلق الأرض.

ويقول الله ايضاً: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: 27-31].

ودحى في العربية يأتي بمعنى البسط والمد كما في مختار الصحاح وفي أساس البلاغة للإمام الزمخشري بمعنى بسطها ووسَّعها ومدَّها وفي الِّلسان بمعنى ألقى فهو لمعنيين الإلقاء والبسط وهذا هو الشيء الخاص تماماً.

فقد خرجت الحمم فتمددت بها القشرة وخرج معها الماء وألقيت من علو وتكونت بها الجبال وهذا منطبق تمام الانطباق.

فلفظ الدحي يغطي عمليتي التوسع والامتداد وكذلك الإلقاء.

وكذلك تكوين الجبال فكل الجبال الأولى في تكوين الأرض بركانية ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 15], وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: 10] فهذا ذكر واضح لتكون الجبال عن طريق الإِلقاء.

ويأتي الوصف أدق في حديث النبي صلى الله عليه وسلم «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت»(4).

فقد خرج الجبل منها لأنه عاد بها أي الجبال ولا يكون العود إلا من حيث بدأ الخروج أي من الأرض وعاد بها عليها فاستقرت الأرض بها حيث عاد الصهير مكونا طبقات متراكمة تضغط على القشرة فمدَّ جذراً تحتها فكان سبباً لتثبيتها الأرض، وهذا بالضبط ما قررته مجلة العلوم الأمريكية المجلد التاسع لعام 1993م يتكلم عن بركان " كيلاوية "وكيف أنه يمدنا بالمعلومات التي تبين لنا كيف كان الخلق، قال: وتمدنا اللابة "يعني الصهير" التي انبعثت من بركان "كيلاوية" بعينية مباشرة من مواد على عمق عشرات بل ربما مئات الكيلومترات داخل الأرض وتقدم لنا كل مرحلة من الأحداث عرضا ثمينا من العمليات البركانية التي كونت أكثر من 80% من سطح الأرض الكلي فوق وتحت سطح الأرض.

ثم هذا الماء البحار من أين جاءت؟

بعد عام 1950 فقط عرف العلماء أن هذه البحار كانت عبارة عن مياه محبوسة في باطن الأرض، وخرجت مع هذه البراكين، وإلى هذا تشير الآية من قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النزعات: 30-32].

يقول وليام دي استوكس استاذ علم الجيولوجيا في جامعة أوتادا بأمريكا في كتابه مبادئ تأريخ الأرض "كانت النظرة التقليدية في العصور التي سبقت عصر العلوم تقول: إن اليابسة والمحيطات ظهرت فجأة في نظام عمل جاهز والنظرة الحديثة مفادها أنَّ الماء وغازات الجو خرجت من باطن الأرض ويقول العالم البريطاني ديفيد ايروس في كتابه مدخل إلى علم المحيطات: إنَّ مصدر الماء هو النَّشاط البركاني وإلينابيع الحارة وتسخين الصخور النارية.

فهذا هو الوصف الذي ورد في تكوين الجبال ومد القارات وكيفية خروج الماء من باطن الأرض ثم يحدثنا عن الجبال ووظيفتها وجذورها، وكان بعض علماء الجغرافيا يعرِّف الجبل فيقول هو كتلة مرتفعة عن الأرض، فهم لم يكونوا يتكلمون عن جزء غائر في الأرض. فإنه ما من جبل إلا وله جذور في الأرض وقد توصل الإنسان إلى هذه النظرية حديثاً جداً. (صورة وتعليق)

فالجبال على شكل وتد مغروس في الصهير البركاني ليحفظ الأرض من الإضطراب".

وقد قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ: 7] تماماً كأوتاد الخيمة.

وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] فهي كمرساة السفينة التي تحفظها من المد والاضطراب.

لم تعرف هذه الحقائق إلا حديثاً فأول تفكير عن جذور الجبال بدأ عام 1855م عندما قامت فرق المساحة البريطانية بمسح جبال هيمالايا، فوجدوا أن هناك اختلافاً في قراءات الجاذبية، فتقدم أحد(5) العلماء ببحث حول هذا فوجد لغزاً أسماه (لغز الهند)، قدم اللغز إلى عالم بريطاني اسمه (جي. بي. إيري) فأخذ إيري يدرس هذه القراءات وبعد شهرين قال ايري (أنا استنتج من قراءات هذه الأجهزة أنَّ تحت كل جبل من هذه الجبال جذر يغوص في الطبقة التي من أسفل)

فجاء عالم آخر أسمه براك كان معاصراً له فقال: (لا لتفسير ذلك بأنه حدث ضغط تحت الجبال فأزيحت الكتلة الثقيلة على الجانبين)(6).

ثم جاء عالم آخر عام 1930م اسمه ناينز فقال: (إن الجبل يضغط فالطبقة التي تحدث تنثني ولا يكون له امتداد كما قال إيري)

وهذه كلها نظريات. (صورة وتعليقات)

جاءت مجلة العلوم الأمريكية الصادرة في يوليو 1986م يقول فيها الكاتب العلمي (إلا أن الدراسات الزلزالية التي أجريت على مدى عشرات السنين الماضية أبدت ما تنبأ به (أيري) وهو أن سمك القشرة الأرضية يختلف اختلافا جوهريا ويترواح سمك القشرة الأرضية القارية في المتوسط بين ثلاثين وأربعين كيلو متراً، ولكنه يزداد تحت الجبال ليصل إلى 75 كيلو متراً وتقوم جذور القشرة الأرضية بتعويض كتلة الجبال الزائدة عن طريق إزاحة الوشاح الأكبر كثافة هذا ما قررته مجلة العلوم الأمريكية عام 1986م أي دام أكثر من مائة عام من كلام إيري. وبعد اكتشاف أحدث الأجهزة التي تقيس الزلازل وتستقبل الموجات الزلزالية.

وقد قدمنا أن إيري قدر أنَّ للجبال جذوراً، وفي عام 1960م عرفوا وظيفة هذه الجبال وهي أنها لتثبيت القشرة الأرضية بأكملها أليس هذا هو ما قرره القرآن قبل 1400 عام.

فمن يا ترى أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بكل هذه الأَسرار من أخبره بأسرار السماء والأرض وما فيها لاشك أنَّه الله سبحانه وتعالى الذي قال: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: 6].

وقال: ﴿لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾ [النساء: 166].

والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

راجعه: عبد الله بن عبَّاس غانم الحبوري 1427هـ

علي عمر بلعجم.

________________________

(1) كانت الكلمة لعبده ولا معنى لها.

(2) كانت العبارة (فإذا ثبتت المقررات التي يصلون إليها) فاقتضى السياق تغيرها على هذا النحو.

(3) كانت اللفظة (من).

(4) سنن الترمذي5/ 454, برقم: (3369), وأخرجه أحمد3/ 124, برقم: (12275)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده 7/ 286(4310)، وكذلك أخرجه البيهقي في شعب الإيمان3/ 44, برقم: (3441)، وأخرجه عبد بن حميد في مسنده 1/ 365, برقم: (1215)كلهم من طريق يزيد بن هارون عن العوَّام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان (مولى ابن عبَّاس) عن أنس بن مالك وهذا إسناد رجاله ثقات سوى سليمان قال عنه الدارقطني مجهول وقال ابن حجر مقبول, قال الشيخ الألباني: ضعيف, وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط إسناده ضعيف.

(5) كانت اللفظة أهذا

(6) العبارة فيها غموض.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: