نصيحة الحكام ودورهم
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن مناصحة الحكام وتبصرتهم، حق واجب لهم على الرعية، لاسيما العلماء منهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»(1). ولا بد أن يبين لهم أن عليهم حقاً واجباً في نصرة دينهم، ومناصحة أممهم.
والمقصود الأعظم من تولي الرئاسة هو: خلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا بالدين(2).
أولاً: حراسة الدين:
ويتمثل ذلك في الآتي:
1. إقامة شعائر الدين، والدفاع عنها، ونشر السنة النبوية المطهرة، والذبِّ عنها، وحمل الناس عليهما، ونشرهما بكل الوسائل، وخاصة وسائل الإعلام، ومحاربة البدعة وأهلها، عبر المخافر الدولية، ووسائل الإعلام... وهذا مما يحقق حراسة الدين، ويتمثل في الآتي:
أ- التعليم الديني في المساجد المدارس والجيوش والمرافق العامة.
ب- إقامة مراكز أبحاث شرعية؛ لبحث القضايا المعضلة في بلاد المسلمين، وإيجاد الحلول المناسبة لها من خلال الفقه الإسلامي.
ج- إنشاء الجامعات ودور العلوم الشرعية، المعنية بحفظ الدين وتعليمه؛ للمحافظة على دين الأمة.
د- إقامة الدورات الشرعية الخاصة في شتى المجالات؛ لنشر الوعي الديـني بين جميع أفراد الأمة، كلٌ من مكانة. فلا يُمنح ترخيص للتاجر إلا بعد أن يتعلم الأحكام الشرعية للبيع والشراء، ولا يؤذن لمؤجِّر أو موظف بمزاولة عمله إلا بعد أن يتعلم الأحكام الشرعية للإجارة.
ه- تأسيس الجمعيات والمراكز الشرعية المعنية بنشر الإسلام في بلاد الكفر، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما أرسل الكتب والرسل؛ لدعوة الحكام في كل مكان إلى ليدخلوا في الإسلام هم ورعاياهم. والسعي في تعليم المسلمين الساكنين في تلك البلاد، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما أرسل مصعباً إلى أهل المدينة ليعلمهم، والسعي في تأهيل العدد الكافي منهم؛ لتصدر الفتوى والقضاء فيهم على وفق الشريعة الإسلامية.
و- تهيأة العدد الكافي من العلماء والدعاة، القادرين على رد شبهات الكافرين الموجهة ضد الإسلام والمسلمين، والقادرين على نشر الدين وتبيينه.
2. حماية بيضة المسلمين وجماعتهم، والدفاع عنهم. قال البهوتي في كشاف القناع من كتب الحنابلة: (لأن بالناس حاجة إلى ذلك).
3. لى ذلك لحماية البيضة، والذب عن الحوزة،...)(3). وذلك من خلال إعداد الجيوش الإسلامية المسلحة بالإيمان العميق، والمسلحة بالسلاح الرادع لكل أعداء الإسلام والمسلمين، ودعم المجاهدين في سبيل الله في كل بقاع الدنيا، وتسهيل كل السبل لهم من دعمهم بالمال، وكفالة أسرهم وأهليهم، وتذليل طرق سفرهم للقتال، واستخدام كل السبل المتاحة، عبر المنظمات الدولية والحقوقية في العالم؛ من أجل حماية المسلمين والدفاع عن حقوقهم.
4. إشاعة روح التعاون والتكاتف والتناصح والتكامل بين المسلمين، وجمع كلمتهم على الكتاب والسنة. وقد أشار أبو النجا المقدسي في الإقناع من كتب الحنابلة إلى أن من الحِكَم لتولي الخلافة: اتحاد كلمة المسلمين(4). وذلك من خلال إزالة الفوارق والحدود التي وضعها الاستعمار بين الدول، وإنشاء اتحاد إسلامي واحد، تحت إمام واحد.
5. الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما ذكره ذلك البهوتي في وظائف الحكام(5). ويلزمهم على هذا تغيير المنكر باليد(6)، لأنهم الأقدر على ذلك. ويلزم من ذلك مراقبتهم لمن يولونهم أمور الناس في شتى المجالات، وتتبع سير المعروف في البلد لتقويته، وتتبع سير المنكر لإضعافه والتخلص منه، ويتم ذلك بإنشاء هيئة للحسبة، تقوم بهذا الدور، كما هو مبين في كتب الفقه.
ثانياً: سياسة الدنيا بالدين:
ويتمثل ذلك في الآتي:
1. إقامة الحق والعدل فيهم، ومساواتهم في جميع الحقوق والواجبات. قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].
2. إقامة الحدود، وأداء الحقوق. وقال في رد المحتار من كتب الحنفية: (والمسلمون لا بد لهم من إمام، يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسدِّ ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغائر، الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم)(7).
3. نصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم، وإرجاعه إلى الحق. قال الشربيني: (إذ لا بد للأمة من إمام يُقيم الدين، ويَنصر السنة، ويُنصِف المظلوم من الظالم، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها)(8).
4. السعي في مصالح الرعية، وتوفير احتياجاتهم. وذلك من خلال توفير ما يحتاجونه من أمور الحياة من التعليم والطرقات والمساكن والمستشفيات والآبار...، والسعي في رفع البطالة عنهم، وتوفير فرص العمل، والتشجيع على الابتكار والإبداع الذي ينفع الأمة، والتشجيع على التصنيع والزراعة والإنتاج والاعتماد على النفس، والاهتمام بالنوابغ وأصحاب المواهب، وتنمية قدراتهم ومواهبهم، وتوظيفها في رفعة الأمة ورقيها وتقدمها.
5. التخفيف عن الرعية، والتجاوز عن مُسيئهم، والرأفة بضعيفهم، والعطف على فقيرهم ومراعاته. وذلك من خلال إلغاء الضرائب عنهم والمكوس والجبايات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، والسعي في إنزال الأسعار، وبذل الخدمات العامة لهم مجاناً من الماء والكهرباء والهاتف.
والحمد لله رب العالمين وهو الهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.
الخميس - 8 رجب 1427هـ، 3/ 8/ 2006م.
__________________
(1) صحيح مسلم 1/ 74، برقم 55، سنن النسائي، 7/ 156،، برقم 4197.
(2) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي ص17، تحفة المحتاج في شرح المنهاج 38/ 181، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 16/ 287.
(3) كشاف القناع عن متن الإقناع 21/ 61.
(4) الإقناع2/ 205.
(5) كشاف القناع عن متن الإقناع 21/ 61.
(6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله1/ 117.
(7) رد المحتار4/ 205.
(8) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 16/ 287.