تكرير مياه الصرف الصحي (المياه العادِمة)
السبت 15 سبتمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تكرير مياه الصرف الصحي (المياه العادِمة)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين-  أما بعد:-

فإن النجاسة نوعان: منها ما هو نجاسة عينية، ومنها ما هو نجاسة حكمية أو معنوية؛ فالنجاسة العينية: كل عين تدرك حساً إما بلون أو طعم أو ريح. وهي على نوعين؛ فمنها ما يكون نجساً في ذاته، ومنها ما يكون متنجساً بغيره؛ فأما النجاسة الذاتية فهي في الجملة لا تطهر بحال(1)، كالبول والغائط ودم الحيض. وأما المتنجسات فلا بد في تطهيرها من إزالة عين النجاسة عنها(2)، ولا بد من إزالة أوصافها الثلاثة؛ من اللون أو الطعم أو الريح أو ما وُجد منها؛ إن أمكن(3).

وأما النجاسات الحكمية فمنها ما هو حدث - سواء كان حدثاً أصغر أو أكبر -، ومنها ما هو نجاسة عينية يُتيقن وجودها ويُجهل مكانها كالبول إذا جف على المحل ولا يوجد له رائحة ولا أثر؛ فهذه تطهر بتجاوز محل سببها كما في غسل الأعضاء من الحدث؛ فإن محل الحدث الفرج مثلاً - حيث خرج منه خارج - وقد وجب غسل غيره من الأعضاء(4)؛ وهذه يكفي فيها جري الماء على المحل مرة واحدة من غير اشتراط أمر زائد(5)؛ هذا في الأحداث، وأما في غيرها فقد ذكر الكاساني خلافاً في تطهير النجاسة غير المرئية؛ هل تطهر بالغسل ثلاثاً أو تطهر بالغسل مرة واحدة(6).

ومسألتنا هذه التي نتحدث عنها هي من قبيل المتنجسات - ولا شك - والتي تطهر بإزالة عين النجاسة عنها؛ كما تقدم.

والناظر في المطهرات الشرعية لهذا النوع من النجاسات يرى أنها متفاوتة متعددة؛ فمنها المائع،  ومنها الجامد، ومنها ما يطهر بدون مائع ولا جامد. ومحصل التطهير في ذلك أن يقال:

أما التطهير بالمائع فقط لإزالة النجاسة العينية فهو الماء؛ ويستخدم في التطهر من البول والغائط، والدم،  ودم الحيض، والمني – عند من قال بنجاسته – وفي التطهر من المذي والودي.. وغيرها؛ كما يكون التطهير بالمائع في النجاسات الحكمية بالتكثير.

وأما التطهير بالجامد فقط لإزالة النجاسة العينية؛ فهي الحجارة التي تستخدم في إزالة النجاسة بالاستجمار.

وأما التطهير بالمائع والجامد معاً لإزالة النجاسة العينية؛ فذلك بالماء والتراب من البول والغائط والمني كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه عن ميمونة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك الحائط ثم غسلها ثم توضأ.. " الحديث(7)، ويكون التطهير بالماء والتراب أيضاً من لعاب الكلب؛ كما يكون التطهير بالمائع والجامد أيضاً بالماء والقرظ في تطهير الجلد.

وأما التطهير من دون مائع ولا جامد لإزالة النجاسة العينية؛ فيقع في إزالة النجس وما حوله في تطهير السمن من الفأرة، ويقع أيضاً في النـزح؛ كما يكون في النجاسات الحكمية بالاستحالة.

ومن خلال ما سبق يمكن القول: أن تطهير مياه الصرف الصحي لا يمكن أن يكون باستخدام الحجارة، ولا بالماء والتراب، ولا بالماء والقرظ، ولا بإزالة النجس وما حوله. وإنما يمكن أن يكون بالتكثير أو بالنـزح أو بالاستحالة. وإليك بيان ذلك بالتفصيل:

أولاً: التطهير بالتكثير:

الأصل في هذا النوع من التطهير هو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي - - صلى الله عليه وسلم - -:"دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين "(8). قال الإمام الخطابي: (وفي هذا دليل على أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها) أهـ(9).

والمكاثرة تعني: أن تكاثر النجاسة بالماء حتى تستهلك فيه(10)، و قيل: صب الماء على النجاسة حتى يغمرها بحيث يذهب لونها وريحها(11).

واختلفوا بعد ذلك في ورود الماء المكاثَر به على النجاسة وورودها عليه، وكذا في قدر الماء المكاثَر به؛ فأما الورود؛ فقال الشافعية: إنه لابد من ورود الماء المكاثَر به على النجاسة(12)، وذهب الزيدية إلى أنه لا فرق بين وروده عليها أو ورودها عليه(13)، ولا يعتبر في المكاثرة صب الماء دفعةً واحدةً(14)، والمعتبر فيها الضم والجمع دون الخلط حتى لو كان أحد البعضين صافياً والآخر كدراً وانضما إلى بعضٍ زالت النجاسة(15).

 وأما قدر الماء المكاثر به؛ فقيل: يشترط أن يكون الماء المصبوب سبعة أمثال البول - إن تنجس بالبول -، وقيل: يشترط في بول كل رجل ذنوبٌ من ماء(16)؛ والقولان عند الشافعية، وقيل: أربعة أضعاف النجاسة؛ وبه قال الزيدية(17). وليس على هذه التقديرات دليل وإنما هو مجرد رأي بحت(18)، وإنما العبرة بزوال التغيير بأي مقدار كان.

ومياه الصرف الصحي هذه مياه كثيرة متنجسة تغير لونها وطعمها وريحها؛ فتطهيرها حاصل بمكاثرتها بماء آخر حتى يذهب عنها تغيرها(19)؛ وذهاب تغيرها يُطهرها؛ لأن علةَ نجاستها هي التغيرُ وقد زال(20) قياساً على ما تغير بطول مكثه فإنه يطهر بهذا التغيير.

وعلى الجملة فلا بد في التطهير بالمكاثرة من زوال التغيير عن الماء وإلا لم يصدق عليه أنه مكاثرة؛ ولم أجد خلافاً في ذلك، ولكن لابد أن يكون المُكاثَر به مُطهِراً؛ على الخلاف الواقع بين الفقهاء في أنواع المياه التي يتطهر بها.

ولكن هنا أمراً لا بد من التنبّه له؛ وهو أن التطهير بالمكاثرة في مسألتنا هذه - لا سيّما وأن مياه الصرف الصحي هذه مياه كثيرة - فتطهيرها بالمكاثرة بعيد من الناحية العملية إلا إن قلنا أنها تطهر بمكاثرتها بماء البحر حتى يزول تغيرها هذا بالنجاسة؛ وعليه فلو خلطت هذه المياه المتنجسة (أعني مياه الصرف الصحي) بماء البحر حتى زال أثر النجاسة فإنها تطهر بذلك.

والخلاصة: أن التكثير مُطهر لمياه الصرف الصحي؛ بشرط زوال التغيير عن المياه؛ من لون النجاسة أو طعمها أو ريحها.

ثانياً: التطهير بالنـزح:

النـزح مأخوذ من قولهم: نَزَح الشيء كمَنَعَ؛ وضَرَب. ينزَح وينزِح نزحاً ونُزوحاً؛ إذا بَعُد كانتَزَح انتِزاحاً، ونَزَح البئر ينـزَحها نزحاً: استقى ماءها حتى ينفد أو يقل (21).

حكم التطهير بالنـزح:

إذا وقعت نجاسة في ماء كثير فنجسته وتغيرت أوصافه الثلاثة أو أحدها؛ فإنه يطهر بالنـزح - في الجملة - عند المذاهب الأربعة؛ على تفاصيل عندهم في ذلك (22)، وبحسب الخلاف بينهم في حد الماء الكثير والماء القليل؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن كان الماء قد تغير بالنجاسة فإنه ينزح منه حتى يطيب، وإن لم يتغير الماء لم ينزح منه شيء) أهـ(23)؛ وتعليل ذلك: أن الماء قد نجُس بالتغير فإن زال تغيره ارتفعت نجاسته؛ والحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً.

فأما الحنابلة فالنـزح عندهم بشرط: أن يبقى الماء بعده كثيراً وأن يكون تنجسه بغير البول والغائط؛ فإن كان بهما فلهم تفصيل مردُّه إلى إمكانية النـزح وعدمها؛ فيطهر بنـزحٍ يبقى بعده الماء قليلاً بحيث لا يمكن نزحه (24)؛ وعليه فلا يمكن أن تطهر مياه الصرف الصحي عندهم بالنـزح؛ لأن تغيرها - في الغالب - يكون بالبول والغائط.  

وأما الشافعية - وهم أضيق المذاهب في التطهير بالنـزح – فالأمر دائرٌ عندهم على يقين زوال النجاسة - إن أمكن - أو غلبة الظن على زوالها؛ ولذا لا تطهر البئر عندهم بالنـزح لأنها وإن نُزِحت فقعرها يبقى نجساً وقد تنجس جدرانها أيضاً بالنـزح، وإنما تطهر البئر عندهم بالمكاثرة (25)؛ وعليه فلا يمكن عندهم أيضاً أن تطهر مياه الصرف الصحي بالنـزح لأنها وإن نُزِحت فمستقرها الذي كانت فيه يبقى نجساً.

وأما الحنفية فعندهم فروع وتفصيلات كثيرة؛ في هذه المسألة، وروايات في القدر الواجب من النـزح من عشرة دلاء إلى ستين دلواً إلى نزح الجميع؛ مرَدُّ هذه الخلافات بينهم  إلى تعيين ما هو نجس مما ليس بنجس، وإلى غُلظ النجاسة وحجمها وانتشارها، وإلى بعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة والتابعين في هذه المقادير (26).

وأما المالكية فوجوب النـزح عندهم دائر على زوال التغيير فيما له مادة، وأما ما لا مادة له فبنـزح الجميع وغسل النجاسة حتى يزول أثرها (27)؛ ومسألتنا هذه (أعني مياه الصرف الصحي) تغيرها حاصل بسبب المادة النجسة الواقعة في الماء؛ وعليه فيمكن تطهير هذه المياه عندهم بالنـزح؛ بشرط زوال التغيير؛ ولكن هذا الكلام واقع من جانب نظري وأما من الجانب العملي - في مسألتنا هذه – فلا يمكن تطهير هذه المياه بالنـزح لأن النجاسة الواقعة فيها نجاسة متجددة؛ فكلما نزحت نجاسة عاد بدلها أخرى؛ وإنما يمكن أن يُطهر بالنـزح فيما إذا كانت النجاسة طارئة غير متجددة؛ بحيث أنها وإن زالت لم يعقبها أخرى.

والحاصل: أن لا يمكن تطهير مياه الصرف الصحي بالنـزح من الناحية العملية.

ثالثاً: التطهير بالاستحالة:

الكلام في هذا النوع من التطهير عن تحول النجاسة من صورة إلى أخرى؛ هل يعتبر هذا التحول تطهيراً شرعياً؛ أم لا؟

وقبل الخوض في إمكانية استعمال هذا النوع من التطهير في تطهير مياه الصرف الصحي؛ لا بد من ذكر آراء العلماء في حكم التطهير بالاستحالة؛ فأقول وبالله التوفيق:

اختلف العلماء في ذلك: فذهب الشافعية وأكثر أصحاب أحمد وهو أحد قولي المالكية؛ إلى أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة بل تبقى على نجاستها؛ إلا الخمرة المتخللة بنفسها، والجلد المدبوغ(28) فإنهما يطهران بالاستحالة؛ واستدلوا - على عدم التطهير بالاستحالة - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم- " نهى عن لحوم الجلاّلة وألبانها "(29)؛ وما ذاك إلا لأكلها النجاسة ولو كانت تطهر بالاستحالة لم ينه عنها(30)، لأن النجاسة التي أكلتها قد تحوّلت من صورة إلى أخرى؛ ولكنها مع ذلك لم تطهر؛ والجلاّلة: هي الدابة التي تأكل العذرة؛ من الجَّلة وهي البعرة(31). قالوا: وتخالف الخمرة سائر النجاسات بأن نجاستها لمعنى معقول؛ وهو شدتها المسكرة؛ وقد زال ذلك المعنى بالاستحالة فوجب أن تطهر(32)؛ بخلاف باقي النجاسات؛ فإن نجاستها لعينها(33)، والخمرة أيضاً قد نجست بالاستحالة فتطهيرها بها بخلاف غيرها(34). قالوا: ومثل الخمرِ الجلدُ فإنه يطهر بالاستحالة؛ للنص على أن تطهيره بالدباغ. والذي يظهر لي أن الدباغ ليس إحالة؛ وإنما هو إزالة للنجاسة العالقة بالجلد؛ لأن عين الجلد باقية بعد الدباغ لم تتغير من صورة إلى أخرى.   

وذهب أكثر الفقهاء إلى أن النجاسات كلها تطهر بالاستحالة؛ وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد قولي المالكية وأحد قولي الحنابلة (35)؛ لأن الخمرة - التي هي أم الخبائث - إذا انقلبت بنفسها حلّت باتفاق المسلمين؛ فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب(36)، ولأن هذه الأعيان المستحيلة لم يتناولها نص التحريم لا لفظاً ولا معنى وليست في معنى المنصوص؛ بل هي أعيان طيبة فيتناولها نص التحليل، وهي أولى بذلك من الخمر المنقلبة بنفسها.

واستدلوا أيضاً - على التطهير - بالقياس على جلود الميتة إذا دبغت(37) فإنها تطهر بعد الدباغ. والذي يظهر لي أن هذا القياس غير صحيح لأنه قياس مع الفارق لما تقدم.

وقد رَدّ أصحاب هذا القول - القائلين بأن الاستحالة تطهير- على ما ذكره أهل القول الأول؛ من الفرق بين الخمر وسائر النجاسات، ومن كون الخمر نجست بالاستحالة؛ فقالوا: إن جميع النجاسات إنما نجست بالاستحالة؛ كالدم فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر(38)، وكذلك البول والعذرة وحتى الحيوان النجس فإنها كلها مستحيلة عن الماء والتراب ونحوهما من الطاهرات. ولا ينبغي أن يُعبّر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة فإن نفس النجس لم يطهر لكنه استحال، وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس حتى وإن كان مستحيلاً منه؛ وحتى لو كانت مادتهما واحدة؛ فإن الماء ليس هو الزرع والهواء والحب، وتراب المقبرة ليس هو الميت، والإنسان ليس هو المني. وأما كونه هو باعتبار الأصل والمادة فهذا لا يضر فإن التحريم يتبع الاسم والمعنى - الذي هو الخبث - وكلاهما منتف(39).

(وأقول) ومن خلال ما سبق فإن الظاهر أن الاستحالة مطهرة؛ لأن المعنى الذي من أجله حُكِم بنجاسة هذه المادة أو تلك غير موجود في هذه المادة المتحولة؛ والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. وأما النهي عن الجلاّلة فهو محمول على ما إذا كانت جلاّلة؛ أما إذا زال عنها ما يستدعي تسميتها بذلك؛ بأن امتنعت عن النجاسات، وطاب أكلها ولحمها؛ فإنها - والحال هذه - لا تسمى جلاّلة، ولا تدخل في أحاديث النهي عن الجلاّلة.

وخُرِّج على هذه المسألة (التطهير بالاستحالة) عمل زيتٍ نجسٍ صابوناً، وترابِ جبلٍ بروث حمار(40)، ومثله استحالة النجاسة كالرماد النجس والزبـل النجس يستحيلان تراباً(41)، وما سُقي أو سُمّد بالماء النجس من الزروع والثمار؛ فإنه يحرم على القول بعدم التطهير بالاستحالة، لأنه يتغذى على النجاسة وتتربى أجزاؤه فيها(42) فهي كالجلالة، وكذا ما تصاعد من بخار الماء النجس إلى الجسم الصقيل ثم عاد فتقطر؛ فإنه نجس - على القول بعدم التطهير بالاستحالة - لأنه نفس الرطوبة المتصاعدة؛ وإنما يتصاعد في الهواء كما يتصاعد بخار الحمامات(43). ونحوها من الصور التي نص عليها الفقهاء.

والحاصل: أن هذا النوع من التطهير يمكن أن يستخدم في تطهير مياه الصرف الصحي؛ سواء استخدمت هذه المياه في الشرب أو في الزراعة أو في سائر الاستعمالات؛ لاسيما مع وجود الحاجة إليه، وأما مع عدم الحاجة فالأمر على الجواز أيضاً؛ ولكن الأولى تركه خروجاً من خلاف من حرمه ولم يطهر به؛ ولكن ذلك كله مشروط بثبوت ألا ضرر في إعادة استخدامها أما إن ثبت ضررها فإنها محرمة؛ والله أعلم.

وأما علماء العصر فقد اختلفوا في تكرير مياه المجاري وإعادة استخدامها من جديد، وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي أن هذه المياه المكررة عن طريق الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم والتعقيم بالكلور؛ أنها طاهرة مطهرة؛ إذا لم يبق للنجاسة أثر من لون أو طعم أو رائحة (44). إلا أن الشيخ د/ بكر أبو زيد؛ له رأي مخالف؛ فهو يرى عدم طهارة هذا الماء وأنه نجس؛ لأن تحريمه؛ كما أنه لوقوع النجاسة فيه إلا أنه حرم أيضاً لأنه يسبب الأمراض؛ فهذه المياه وإن كانت طهُرت في الظاهر إلا أن الجراثيم باقية ولم تَزُل؛ وقد عُلِم أن من مقاصد التشريع الحفاظ على النفس(45).

 

خلاصة البحث:

مما يبق بيانه يتبين لي الآتي:

1.                أن التكثير مُطهر لمياه الصرف الصحي؛ بشرط زوال التغيير عن المياه؛ من لون النجاسة أو طعمها أو ريحها.

2.       أن الاستحالة يمكن أن تستخدم في تطهير مياه الصرف الصحي؛ بشرط زوال الوصف المستقذر عنها وتحولها من صورة خبيثة إلى صورة طيبة.

3.       جواز إعادة استخدام مياه الصرف الصحي من جديد؛ سواء استخدمت هذه المياه في الشرب أو في الزراعة أو في سائر الاستعمالات وذلك مشروط بثبوت ألا ضرر في إعادة استخدامها؛ أما إن ثبت ضررها فإنها محرمة.

4.                لا يمكن تطهير مياه الصرف الصحي بالنـزح.

 

والله الهادي إلى سواء السبيل

وهو حسبنا ونعم الوكيل

وسبحان الله وبحمده؛ سبحان الله العظيم

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي:

علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الثلاثاء – 21 صفر 1427هـ، 21 مارس 2006م

 مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) - انظر: الاستغناء في الفرق والاستثناء 1/203.

(2) - انظر: مواهب الجليل (1/159).

(3) - انظر: مواهب الجليل (1/159)، و بمثله في الاستغناء في الفرق والاستثناء 1/207.

(4) - انظر: حاشية  البجيرمي (1/17)

(5) - انظر: شرح الزبد ص51، وبمثله في مواهب الجليل (1/159)

(6) - انظر: بدائع الصنائع 1/87.

(7)    البخاري 1/434, برقم: 252, كتاب الغسل؛ باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى، ابن ماجه 1/ 209, برقم: 566 باب ما جاء في الغسل من الجنابة.

(8)    البخاري 1/ 369, برقم: 213 كتاب الوضوء؛ باب ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، وبمعناه في مسلم 1/ 131, برقم: 427 كتاب الطهارة؛ باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء حاجة إلى حفرها. وأهريقوا وأريقوا بمعنى؛ وهو صب الماء بكثرة. والسَجل مثل الذنوب؛ والذنوب: الدلو العظيم وهو دون الغرب الذي يكون للسانيه (الزاهر ص101).

(9)    عون المعبود 1/29.

(10)    انظر: المهذب 1/49، المجموع 2/544.

(11) - انظر: المبدع 1/239.

(12) - انظر: روضة الطالبين للنووي 1/22.

(13) - انظر: الأزهار في فقه الأئمة الأطهار ص 17، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 1/52  .

(14) - انظر: المغني لابن قدامة 1/37.

(15) - انظر: حواشي الشرواني 1/89، الروضة 1/22 .

(16) - انظر: المجموع 2/544.

(17) - انظر: الأزهار ص 17.

(18) - انظر: السيل الجرار 1/53  .

(19) - انظر: المبدع 1/57.

(20) - انظر: المغني 1/38.

(21) - تاج العروس 4/228.

(22) - انظر: الإنصاف للمرداوي 1/64، منار السبيل 1/19، المغني 1/37، روضة الطالبين 1/25، المجموع 1/204، المبسوط للسرخسي 1/58، البحر الرائق 1/122، حاشية الدسوقي 1/45، الشرح الكبير 1/45.

(23) - الفتاوى لابن تيمية 21/39.

(24) - انظر: الإنصاف 1/64 وما بعدها، وانظر المبدع 1/56 وما بعدها.

(25) - انظر: مغني المحتاج 1/23 وما بعدها، روضة الطالبين 1/25 وما بعدها، المجموع 1/204 وما بعدها.

(26) - انظر: البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 1/122، المبسوط للسرخسي 1/58 وما بعدها.

(27) - الشرح الكبير 1/46، حاشية الدسوقي 1/45.

(28) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/610، المهذب 1/48، المجموع 2/529.

(29) - النسائي 13/ 457, برقم: 4371 كتاب الضحايا؛ باب النهي عن أكل لحوم الجلالة، الترمذي 6/ 498, برقم: 1747 كتاب الأطعمة؛ باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها، أبو داود10/ 244, برقم: 3291 كتاب الأطعمة؛ باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، ابن ماجه 9/369, برقم: 3180 كتاب الذبائح؛ باب النهي عن لحوم الجلالة. قال ابن حجر: إسناده قوي تلخيص الحبير 4/156.

(30) - انظر: المبدع 1/240، 9/203، عون المعبود 10/185، نيل الأوطار للشوكاني 8/293.

(31) - انظر: عون المعبود 10/185، نيل الأوطار 8/293، وانظر لسان العرب 12/119)

(32) - انظر: المهذب 1/48.

(33) - انظر: المبدع 1/242.

(34) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/517 المغني 1/419.

(35) - انظر: المبدع 9/204، الإنصاف للمرداوي 1/318، الفتاوى لابن تيمية 21/610، عون المعبود 10/185.

(36) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/517.

(37) - انظر: المبدع 1/241.

(38) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/610 وما بعدها، وبنحوه في نيل الأوطار 8/293.

(39) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/610 وما بعدها.

(40) - انظر: المبدع 1/241، الإنصاف للمرداوي 1/318.

(41) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/479، المهذب 1/48.

(42) - انظر: المغني 9/330، المبدع 9/204.

(43) - انظر: الإنصاف للمرداوي 1/319، المغني 1/56.

(44) - انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص91،92 لدوراته الحادية عشر، والثانية عشر، والثالثة عشر 1408-1411هـ

(45) - انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص92،93 لدوراته الحادية عشر، والثانية عشر، والثالثة عشر 1408-1411هـ.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفور والتراخي في الحج
الأحد 30 سبتمبر 2012

 المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الله تعالى فرض الحج على المستطيع بقوله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97] .

وجعله النبي- عليه الصلاة والسلام- ركناً من أركان الإسلام، فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان"(1).

وركن الحج مفروض في العمرة مرة واحدة، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال:" يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت. حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتم"(2).

ولما كان الحج مفروضاً في العمر مرة واحدة، فهل يجب أداؤه على الفور ويكون في أول سنة للمكلف إن وجدت الاستطاعة، بمعنى: إن أخره عن أول وقت بعد الإمكان يأثم؟

أو أنَّ وجوبه على التراخي فله تأخيره عن أول أوقات الإمكان فيؤديه إن كان مستطيعاً في أول العمر أو في وسطه أو في آخره، بمعنى: أن يؤديه في العمر متى أراد ذلك؟

وهذا ما سأذكره في هذا البحث في هذه المسألة وهي: (الفور والتراخي في الحج).

سائلاً المولى عز وجل التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

أولاً: تعريف معنى الفور والتراخي:

الفور: (هو استعمال الشيء بلا مهلة، ولكن على أثر ورود الأمر به، والتراخي: تأخير إنفاذ الواجب)(3).

وقيل: (الفور: الشروع في الامتثال عقب الأمر من غير فصل، والتراخي: تأخير الامتثال عن الأمر زمناً يمكن إيقاع الفعل فيه صاعداً)(4).

فالفور إذن: هو التعجل في إيقاع الفعل، والتراخي التأخير في إيقاعه، وعدم تحديد وقت بعينه.

ثانياً: أقوال الفقهاء في هذه المسألة:

اختلف الفقهاء على قولين:

القول الأول: إنه يجب أداء الحج على الفور، وإلى هذا القول ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة(5), ومالك(6), وأحمد(7), وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية(8), وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم(9).

القول الثاني: إنه يجب على التراخي، وإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي(10), والأوزاعي(11) ومحمد بن الحنفية(12) وغيرهم(13).

ثالثاً: أدلة أقوال الفقهاء:

1 ـ أدلة القول الأول: استدل القائلون بالفور بأدلة من الكتاب ومن السنة ومن أقوال الصحابة، وهذه الأدلة هي: -

- من الكتاب، قول الله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران:97] وقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة:197] .

ـ من السنة ،حديث علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً"(14).

وعن ابن عباس- رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعارض له"(15).

"من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً"(16).

وإنما شبهه باليهودي والنصراني، وشبّه تارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون(17).

ـ من أقوال الصحابة قول عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كل له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين"(18)، وقوله: "من مات وهو موسر لم يحج فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً"(19).

ـ وأجابوا عن فعله عليه الصلاة والسلام وهو التراخي في الحج بأنه كان لعذر.

وجه الدلالة من أدلة أصحاب القول الأول:

في الآية الأولى: ورد الأمر من الشارع بالحج، والأمر بالحج في وقت مطلق يحتمل الفور ويحتمل التراخي والحمل على الفور أولى خوفاً من الإثم بسبب التأخير.

وفي الآية الثانية: بيان أن للحج وقت معين، ووقته أشهر الحجر من السنة، ويفوت وقته بفوات السنة، فالأمر بأدائه ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج.

وأما وجه الدلالة من الأحاديث:

في الحديث الأول: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ألحق الوعيد لمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان لأن الشرط ملك الزاد والراحلة، وذلك في قوله: "من ملك زاداً وراحلة" فمن توفر فيه الشرط فلم يحج لحقه الوعيد، والفاء في قوله: "فلم يحج" للتعقيب بلا فصل ـ أي :لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة.

وفي الحديث الثاني: لفظ: "تعجلوا "، والتعجيل يقتضي المبادرة وعدم التأخير، والسبب في التعجيل:احتمال الفوات، وعدم معرفة ما يعارض له.

وفي الحديث الثالث: الموانع والعوائق التي ورد الترخيص بها عن أداء الحج على الفور، فإن انعدمت هذه الأمور الأربعة، وهي:[ المرض، والحاجة الظاهرة، والمشقة الظاهرة، والسلطان الجائر ] ولم يحج، لزمه ما ورد في الحديث.

مناقشة أدلة القول الأول:

استدل أصحاب القول الأول بالآية الكريمة ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97] فهذه الآية تبين أن الله فرض الحج في وقت مطلقاً، ولما كان مطلقاً عن الوقت فلا يقيد إلا بدليل.

وأما دليلهم بقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات [البقرة: 197] بأن للحج وقت معين من السنة يفوت بفوات السنة، فالجواب: بأن وقت الحج أشهر معلومات فيؤدي في أشهر الحج مطلقاً من العمر.

وأما الأحاديث التي استدلوا بها فإن فيها مقالاً عند المحدثين.

ولقد عدها ابن الجودي من الأحاديث الموضوعة.

وقال العقيلي والدار قطني: لا يصح في الباب شيء(20).

ومع التسليم بقبولها، فلقد ورد في بعض الروايات من حديث ابن عباس أو الفضل بن العباس أو أحدهما عن صاحبه-رضي الله عنهما- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يحج فليتعجل فإنه قد تضل الضالة ويمرض المريض وتكون الحاجة"(21).

وعند النظر إلى مجمل أدلة القول الأول من الآيات والأحاديث.

أجد أن في الآيات احتمالاً لما استدلوا به، وذلك لأن الأمر المطلق عن الوقت يكون على التراخي ويكون على الفور، والأمر بالحج هو مؤقت بأشهر الحج يفوت الحج بفوات السنة، فعند التأخير إلى السنة الثانية قد يعش وقد لا يعش، فتأخيره من السنة الأولى تفويت له، وفي إدراكه السنة الثانية شك،فلا يرتفع الفوات الثابت للحال بالشك(22).

وأما الأحاديث التي استدلوا بها، فلقد وردت روايات متعددة وكثيرة فيها الأمر بالتعجل وبيان الوعيد لمن أخرها بدون سبب، (وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً وبذلك يتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذه الأحاديث من الموضوعات فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسن لغيره وهو محتج به عند الجمهور...قال الحافظ: وإذ انضم هذا الموقوف إلى المرسل لابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلاً ومحمله على من استحل الترك ويتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع(23).

وكذلك في حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل"(24)، ولو كان على التراخي لم يعين العام القابل.

وأما قول بعض الصحابة بالفور فيستأنس بأقوالهم، إن صحت الروايات عنهم.

ـ و أما إجابتهم(25) عن تراخي النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحج وتأخيره الحج إلى العام العاشر: بأن في تأخيره عليه الصلاة والسلام عذر، وإذا علم أن التعجيل أفضل فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يترك الأفضل إلا لعذر وهذا العذر هوما يلي:

أن المانع من التأخير هو احتمال الفوات، ولم يكن في تأخيره ذلك فوات، لعلمه من طريق الوحي أن يحج قبل موته ،قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: 27] .

2ـ وتراخيه صلى الله عليه وسلم إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك، لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة ففي تأخيره العذر .

3ـ ولخوفه على نفسه وعلى المدينة، ولهذا كان يحترس حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[المائدة:67]

4ـ ولاشتغاله بتمهيد قواعد الدين وتعليم العبادات والجهاد.

5ـ ولظهور المشركين على مكة، فلما نادى: لا يحج البيت بعد العام مشرك حَجَّ.

2 ـ أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني: بالكتاب، والسنة الفعلية للرسول صلى الله عليه وسلم.

- من الكتاب قول الله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97] .

وقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات [البقرة: 197] .

- من السنة: تأخيره عليه الصلاة والسلام الحج إلى سنة العشر، مع أن الحج فرض بعد الهجرة، وفتح مكة كان لسنة ثمان من الهجرة، ولو كان وجوبه على الفور لما احتمل التأخير منه(26).

وجه الدلالة من أدلة أصحاب القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني القائلون بالتراخي: بالآيتين الكريمتين التي استدل بها أصحاب القول الأول،

 ففي الآية الأولى: بيان أن الله تعالى فرض الحج في وقت مطلقاً للمستطيع لذلك، ثم بين في الآية الثانية: أن وقته في أشهر معلومات، فيؤدى الحج في أشهر معلومات مطلقاً من العمر، فوقته هو العمر مطلقاً(27).

وأما استدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام: فهو دال على التراخي، والأصل في تأخيره عليه الصلاة والسلام عدم العذر، ولو كان لعذر لبينه.

قال الشافعي: (أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على الحج، وتخلف في المدينة بعد منصرفه من تبوك لا محارباً ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، وأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، ولو كان كمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفرض ولا ترك المتخلفون عنه،فوقت الحج ما بين أن يجب عليه إلى أن يموت)(28).

 فمتى ما أدى الإنسان الحج سواء في السنة الأولى أو الثانية فهو أداء، فالمعتبر: هو الأداء في العمر.

مناقشة أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني: بالآيتين الكريمتين المقتضيتان الأداء في العمر طالما أن الأمر بأداء الحج مطلق، والأمر المطلق عن الوقت يقتضي التراخي لكن بشرط الأداء.

ـ والمأمور به من الشارع نوعان:

1- مطلق عن الوقت.

2- مقيد به.

ـ وحكم المطلق :أن يكون الأداء واجبا على التراخي بشرط أن لا يفوته في العمر، فلو نذر أن يعتكف ليلة فله أن يعتكف أي ليلة شاء.

ـ والمقيد نوعان:

أ ـ ما يكون الوقت ظرفاً للفعل: فوجوب الفعل فيه لا ينافي وجوب فعل آخر فيه من جنسه، وذلك كالصلاة: كأن ينذر أن يصلي في وقت الظهر عشر ركعات فيلزمه، فوجوب صلاة الظهر لا ينافي وجوب صلاة النذر فيصلي الجميع، وهنا تعتبر النية المعينة، وذلك لاعتبار المزاحم.

ب ـ ما يكون الوقت معياراً له: بمعنى: تعيين الوقت المخصص له، وذلك مثل شهر الصوم، فإذا عين الشارع له وقتاً لا يجب غيره في ذلك الوقت(29).

وأنبه إلى الفرق بين من يقول: يجوز التراخي، ومن يقول: يقتضي التراخي، ففي الأولى: يجوز الفور أو التراخي، وفي الثانية: لا يجوز الفور.

فإذا كان الأمر بأداء الحج يجوز فيه التراخي بشرط الأداء وعدم الفوات، فمن يضمن الأداء وعدم الفوات، فقد يعش وقد لا يعش، والموت خلال سنة غير نادر بل هو كثير.

ولهذا فمن مات قبل أداء الحج مع القدرة عليه قبل الموت: إما أن يكون مات عن وصية أو عن غير وصية، فإن مات من غير وصية يأثم، فعلى القول بالوجوب على الفور فلا إشكال فيه، لأنه سيؤديه عاجلاً.

وعلى القول بالتراخي: فلأن الوجوب يضيق عليه في آخر عمره في وقت ليس له التأخير فيه، فيجب عليه أن يفعله بنفسه إن كان قادراً على الفعل، وإن كان عاجزاً عن الفعل فيمكنه الأداء بما له بإنابة غيره منابه، ووجب عليه أن يوصي به، فإن لم يوص به حتى مات أثم بتفويته الفرض عن وقته مع إمكان الأداء(30).

وهذا الإثم الذي لحقه إنما هو بسبب التراخي حتى أدركه الموت قبل أدائه،ودون وصية به.

قال ابن حزم: (وحكم أوامر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم -كلها على الفور إلا أن يأتي نص بإباحة التراخي في شيء ما فيوقف عنده)(31).

 والقائلون بالتراخي: لم يقولوا به مطلقا بل قيدوه بشروط: أن لا يخشى المرض، وأن لا يفوته في العمر.

لكن الأجل عرض، وما يحصل للإنسان في مستقبل عمره غيب(32).

وأما استدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام فقد تقدم الجواب عنه.

سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة:

بعد أن ذكرت أقوال الفقهاء، وأدلتهم، ووجه الدلالة، ومناقشة الأدلة، أستطيع أن أحصر سبب الخلاف بين الفقهاء إلى أمرين اثنين:

1 ـ قول الرسول -صلى الله عليه وسلم - وفعله، حيث ورد القول بالتعجل،والفعل دل على التراخي.

2 ـ الأمر المطلق عن الوقت، هل يحمل على الفور أم يحمل على التراخي(33)، وذلك أن الأمر بأداء الحج مطلق على الوقت وذلك في قوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات [البقرة: 197] . فالذين قالوا بالفور، قالوا: لما كان مختصاً بوقت وهو العام بعد التمكن كان الأصل تأثيم تاركه حتى يذهب الوقت، والذين قالوا بالتراخي، قالوا: إنها أشهر معلومات من العمر، فهي على التوسعة.

واعتبر الإمام السرخسي : أن الأمر بأداء الحج ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج، فتكون أشهر الحج من السنة الأولى بعد الإمكان متعينة ولا مزاحم له، ولا يدري هل يبقى أم لا ؟وهذا محتمل ولا يعارض المتحقق، فإذا ثبت انتفاء المزاحمة كانت هذه الأشهر متعينة للأداء، فالتأخير عنها تفويتاً كتأخير الصلاة عن الوقت، والصوم عن الشهر(34).

ـ وقياساً على وقت الصلاة حيث أن للصلاة وقت أول وآخر، فمن شبهه بآخر الوقت قال:على الفور، ومن شبهه بأول الوقت قال:على التراخي.

وتشبيه الحج بآخر الوقت:

أ – لأن الحج يأتي بعده وقت لا يجوز فيه فعله،كما أن وقت الصلاة إذا انقضى يدخل بعده وقت لا يكون المصلي فيه مؤدياً.

ب ـ وبما يغلب على الظن من وقوع الموت في خلال فترة العام بخلاف تأخير الصلاة من أول الوقت إلى آخره فالغالب أن الموت في مقدار هذا الوقت نادر لأنه وقت قصير.

ج ـ ولأن التأخير في الصلاة مع مصاحبة الوقت، والتأخير في الحج مع دخول وقت لا تصح فيه العبادة، إلا على القول بأن وقته أشهر معلومات من العمر مطلقاً.

د ـ ولأن التراخي معناه:الأداء في الوقت، وليس معناه:دخول وقت لا يصح فيه وقوع المأمور،كما يؤدي التراخي في الحج إذا دخل وقته فأخره المكلف(35).

الترجيح وسببه:

الذي يبدو لي-والله أعلم-هو القول الأول، وهو:أن الأمر بأداء الحج يحمل على الفور.

السبب: أن الأمر بالحج في وقته مطلق يحمل على الفور ويحمل على التراخي،والحمل على الفور أحوط لأن معنى الحمل عليه:الإتيان بالفعل عاجلاً خوفاً من الإثم بالتأخير،ويكون قد أدى ما أمر به،فحصل الأمن من الضرر، حتى وإن أريد به التراخي وأداه على الفور لا يضره الفعل بل ينفعه لمسارعته إلى الخير.

والحمل على التراخي:قد يحصل بذلك التأخير فتلحقه المضرة،فكان الحمل على الفور حملاً على أحوط الوجهين فكان أولى(36).

ولأن التراخي معناه: التأخير، ويكون إما إلى وقت محدد فهذا يصير من المقيد، أو إلى وقت مطلق، والشرط:ظن لمأمور الأداء وعدم الفوات وهذا قد لا يقع لكثرة هجوم الأجل(37).

ثمرة الخلاف:

وتكمن ثمرة الخلاف: في أنّ القائلين بالفور وعدم التأخير: إنما هو لخوف الفوات ولحوق الإثم إن لم يفعل, والقائلين بالتراخي قيدوه بشروط: أن لا يفوته في العمر، وأن لا يخش المرض، وأن يعزم العزم الصادق على الفعل فيما بعد(38).

فالواجب على التراخي يصير واجباً على الفور:إذا ضاق وقته، وإذا شرع في الفعل(39).

جمع وترتيب/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) أخرجه البخاري 1/12, برقم: (8)، ومسلم 1/45, برقم: (21). 

(2) أخرجه  مسلم 2/975, برقم: (1337).

(3) الإحكام لابن حزم (1/50) .

(4) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران (1/227).

(5) بدائع الصنائع للكاساني (2/291)، فقه العبادات حنفي (1/176) .

(6) أشرف المسالك (1/93)، بداية المجتهد لابن رشد (1/449) .

(7) المغني لابن قدامة (3/203)، الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل (1/463) .

(8) فقه العبادات حنفي (1/176) .

(9) الروضة الندية (1/238) .

(10) مختصر المزني (1/71)، المهذب للشيرازي (1/358)، مغني المحتاج للشربيني (3/139) ، فقه العبادات شافعي (1/673).

(11) الروضة الندية (1/238).

(12) بدائع الصنائع (2/291) .

(13) نيل الأوطار للشوكاني (5/6).

(14) أخرجه الترمذي (3/176) قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا تعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال، قال الألباني ضعيف،انظر: ضعيف الجامع الصغير(1/1264), برقم: (5860).

(15) أخرجه أحمد في مسنده (1/313) قال الأرناؤوط: حسن، قال الألباني :حسن، انظر:الجامع الصغير وزيادته (1/1095), برقم:  (10947)، وانظر :صحيح أبي داود (1325), برقم: (1524).

(16) أخرجه الدارمي (2/45) قال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/305) .

وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/430)، قال: وهذا إن صح فإنما أراد إذا لم يحج وأخرج كذلك في السنن الكبرى (4/334).

(17) الروضة الندية (1/238).

(18) الروضة الندية (1/238) .

(19) مصنف بن أبي شيبة (3/306), برقم: (14455) .

(20) نيل الأوطار (5/6) .

(21) أخرجه أحمد في مسنده (1/214) تعليق الأرناؤوط : حسن وهذا إسناد ضعيف، وحسنه الألباني، انظر:الجامع الصغير وزيادته (1/1095), برقم: (10947)، وانظر :صحيح أبي داود (1325), برقم: (1524).

(22) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (2/291) .

(23) نيل الأوطار (5/6) .

(24) أبو داود (1/575) ، الترمذي (3/277) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، النسائي (5/198)، ابن ماجه (2/1028) وغيرهم، قال الألباني صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته (1/1147) برقم  (11467)

(25) انظر هذه الأجوبة في : (بدائع الصنائع) (2/291) ، (نيل الأوطار) للشوكاني (5/6) ، (إيثار الإنصاف) سبط ابن الجوزي (1/100).

(26) مختصر المزني (1/71)، بداية المجتهد لابن رشد (1/449) .

(27) مغني المحتاج للشربيني (3/139)، كفاية الأخيار (1/300) فقه العبادات شافعي (1/673) .

(28)  مختصر المزني (1/71) .

(29) انظر: أصول الشاشي (1/131، 135) .

(30) بدائع الصنائع (2/469) .

(31) الإحكام لابن حزم (1/50) .

(32) فقه العبادات شافعي (1/673)، الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري (1/997) .

(33) أصول السرخسي (1/26)، أصول الشاسي (1/131)، الإحكام للآمدي (2/184) .

(34) الأصول (1/29) .

(35) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (1/449) .

(36) بدائع الصنائع (2/291) .

(37) إجابة السائل شرح بغية الأمل (1/281) .

(38) فقه العبادات شافعي (1/673) ، الفقه على المذاهب الأربعة (1/997) .

(39) المنثور في القواعد للزركشي (3/321)، المغني لابن قدامة (3/383)، وقد تقدم قوله -عليه الصلاة والسلام- (وعليه الحج من قابل)،

وهذا لمن أحصر.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الأحاديث الواردة في العسل، وبيان الحكم على أحاديث الزكاة في العسل عند المحدثين
الأحد 30 سبتمبر 2012

جمع الأحاديث الواردة في العسل:

عن عائشة - رضي الله عنها-  قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الحلواء والعسل"(1).

التداوي بالعسل:

عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما  -قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن كان في شيء من أدويتكم - أو يكون في شيء من أدويتكم - خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي "(2).    

الشفاء في العسل لمن يشتكي بطنه:

عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أخي يشتكي بطنه؟فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الثانية فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الثالثة،فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا، فسقاه فبرأ ".(3)         

وفي رواية عند البخاري:" أن رجلا جاء  إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: اسقه عسلا. فسقاه، فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك "(4).    

ومعنى استطلق بطنه، أي كثر خروج ما فيه، وأصابه الإسهال، لفساد هضمه واعتلال معدته.

وعند مسلم: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي عرب بطنه، فقال له:"اسقه عسلا..."(5) الحديث.

 

الأحاديث الواردة في الاستشفاء بالعسل، وبيان الحكم عليها عند المحدثين:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء "(6).

   لعق الشيء:لحسه، وتناوله بلسانه أو إصبعه.(7)

2- وعن أبي الأحوص عن عبد الله -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " عليكم بالشفاء ين: العسل والقرآن ".(8)

الشفاء في العسل من كل داء إلا الموت:

3- وحدثنا إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت أبا أبي ابن أم حزام وكان قد صلى مع رسول الله - صلى الله عليه و سلم- الصلاتين يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول:"عليكم بالسنا والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام. قيل: يا رسول الله وما السام ؟ قال: الموت".(9)

قال إبراهيم بن أبي عبلة: والسنوت: الشبت، قال عمرو بن بكر وغيره: السنوت: هو العسل الذي يكون في الزق وهو قول الشاعر:

           هم السمن بالسنوت لا خير فيهما               وهم يمنعون الجار أن يتجردا                       

 فالسنا: بالقصر: نبات معروف من الأدوية له حمل إذا يبس وحركته الريح سمعت له زجلا الواحدة سناة، وبعضهم يرويه بالمد(10)،  و السنوت: العسل(11).

4- عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها-  قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -:" إن الخاصرة عرق الكلية، إذا تحرك آذى صاحبها، فداووها بالماء المحرق والعسل"(12).

5- عن السائب بن يزيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالحجامة وقال:" ما نزع الناس نزعة خير منه، أو شربة من عسل"(13).

6- وأخرج ابن أبي شيبة: أن ملاعب الأسنة عامر بن مالك بعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله الدواء والشفاء من داء نزل به،" فبعث إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسل أو عكة من عسل".(14)

7- وجاءت امرأة إلى الليث بن سعد تسأله عسلا و معها قدح وقالت: زوجي مريض فقال: أعطوها رواية عسل فقالوا: يا أبا الحارث سألت قدحا قال: سألت على قدرها ونعطيها على قدرنا(15).

8- عن الربيع بن خثيم قال: ما للنفساء عندي إلا التمر، ولا للمريض إلا العسل.(16)

9- عن محمد بن شرحبيل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" لا تردوا الطيب ولا شربة عسل على من جاءكم به"(17).

10- وعن عائشة - رضي الله عنها- قالت:" كان أحب الشراب إليه العسل"(18). تعني النبي - صلى الله عليه وسلم -.

11- وعنها - رضي الله عنها - قالت:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" ما طلب الدواء بشيء أفضل من شربة عسل"(19). 

12- عن أنس - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"  درهم حلال يشترى به عسلا، ويشرب بماء المطر شفاء من كل داء"(20).               

13- " أول رحمة ترفع عن الأرض الطاعون، وأول نعمة ترفع عن الأرض العسل "(21).

14- " عليكم بالعسل، فو الذي نفسي بيده ما من بيت فيه عسل، إلا ويستغفر له ملائكة ذلك البيت، فإن شربه رجل دخل جوفه ألف دواء، ويخرج منه ألف داء، فإن مات وهو في جوفه لم تمس النار جلده ".(22)

إذا سقطت الفأرة في العسل:

عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن فأرة ماتت في عسل؟ قال: العسل كهيئة الجامد يغرف ما حولها ويؤكل ما بقي(23).

 

الزكاة في العسل

وردت أحاديث كثيرة بطرق متعددة في الزكاة في العسل: إلا أن هذه الروايات انتقدها العلماء المحدثون،  بل وصرح بعضهم أنه لا يصح في هذا الباب شيء.

فهل معنى هذا الانتقاد: عدم قبول هذه الروايات وردها إذ لم يصح منها شيء في أخذ الزكاة من العسل، وذلك عند تقسيم الحديث: إلى مقبول وهو ما صح ولم ينتقد، وإلى مردود وهو: ما انتقد.

أو المعنى: قبول هذه الروايات حيث لا يلزم من قبولها بلوغها درجة الصحيح وعدم انتقادها، وذلك عند تقسيم الحديث: إلى صحيح لذاته ولغيره، وإلى حسن لذاته ولغيره، وإلى ضعيف.

وأيضا: فإن الانتقاد يختلف من رواية إلى رواية أخرى، فقد يكون الانتقاد في الراوي: أنه سيء الحفظ، أو أنه يلَقَّن، أو كونه صدوق، وقد يكون الانتقاد في الراوي: أنه يكذب.

وعليه ففي هذه الروايات الواردة في أخذ الزكاة من العسل وردت الانتقادات؛ ولأن الروايات في أخذ الزكاة من العسل كثيرة، ووردت بطرق متعددة، فيختلف الانتقاد باختلاف الطرق. 

وفي هذا البحث سأذكر هذه الروايات مع بيان مصادرها، وحكم العلماء المحدثين عليها.

  وقد وردت آثار فيها عدم أخذ الزكاة من العسل، وسأبدأ بذكر هذه الآثار، ثم بيان الروايات التي أثبتت أخذ الزكاة من العسل، مستمدا من الله العون والسداد.  

 

أولاً: الآثار التي نفت أخذ الزكاة من العسل:

1- عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه قال: جاء كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنى، أن لا يأخذ من العسل، ولا من الخيل صدقة(24).

2- وعن نافع: قال سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل؟ قال قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه، ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه قال ليس في العسل صدقة فقال عمر: عدل مرضي فكتب إلى الناس أن توضع يعني عنهم(25). قال الألباني: والمغيرة بن حكيم: تابعي ثقة، وما ذكره من النفي لم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مقطوع، ولو رفعه لكان مرسل(26).

3- وعن طاووس عن معاذ بن جبل قال: سألوه عما دون ثلاثين من البقر وعن العسل قال: لم أومر فيها بشيء (27).

4- وعن سفيان قال: ليس في العنبر ولا في العسل ولا في الأوقاص زكاة(28).

5- وعن علي - رضي الله عنه-  قال: ليس في العسل زكاة(29). قال يحيى: وسئل الحسن بن صالح عن العسل؟ فلم ير فيه شيئا.(30). وذكر عن معاذ: أنه لم يأخذ من العسل شيئا(31).

 

ثانيا: الروايات التي أثبتت أخذ الزكاة من العسل:

1- رواية أبي داود:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي  له  واديا يقال له سلبة "فحمى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الوادي"فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه،كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك، فكتب عمر  رضي الله عنه:  " إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء "(32). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن بني شبابة ـ بطن من فهم ـ كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عسل لهم العشر من كل عشر قرب قربة وكان يحمي لهم واديين فلما كان عمر ابن الخطاب استعمل عليهم سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يؤدوا إليه شيئا، وقالوا: إنما ذاك شيء كنا نؤديه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب سفيان إلى عمر بذلك، فكتب إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما النحل ذباب غيث يسوقه الله رزقا إلى من يشاء،فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحم لهم وادييهم، وإلا فخل بين الناس وبينهما فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وحمى لهم وادييهم(33).   

قال أبو بكر: (هذا الخبر إن ثبت ففيه ما دل على أن بني شبابة إنما كانوا يؤدون من العسل العشر لعلة، لا لأن العشر واجب عليهم في العسل بل متطوعين بالدفع لحماهم الواديين، ألا تسمع احتجاجهم على سفيان بن عبد الله و كتاب عمر بن الخطاب إلى سفيان لأنهم إن أدوا ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحمى لهم وادييهم و إلا خلى بين الناس وبين الواديين ومن المحال أن يمتنع صاحب المال من أداء الصدقة الواجب عليه في ماله إن لم يحمى له ما يرعى فيه ماشيته من الكلأ و غير جائز أن يحمى الإمام لبعض أهل المواشي أرضا ذات الكلأ ليؤدي صدقة ماله إن لم يحم لهم تلك الأرض... و لو كان عند الفاروق - رحمه الله- أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر من غلهم على معنى الإيجاب كوجوب صدقة المال الذي يجب فيه الزكاة لم يرض بامتناعهم من أداء الزكاة و لعله كان يحاربهم لو امتنعوا من أداء ما يجب عليهم من الصدقة إذ قد تابع الصديق -رحمه الله - مع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على قتال من امتنع من أداء الصدقة مع حلف الصديق أنه مقاتل من امتنع من أداء عقال كان يؤديه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - و الفاروق -رحمه الله - قد واطأه على قتالهم فلو كان أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر من نحل بني شبابة عند عمر بن الخطاب على معنى الوجوب لكان الحكم عنده فيهم كالحكم فيمن امتنع عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أداء الصدقة إلى الصديق) (34).

قال ابن حجر: ( قال الدار قطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مسندا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب عن عمر مرسلا، قلت: فهذه علته وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الإتقان لكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند بن ماجة وغيره)(35).

والحديث قد حسَّنه ابن عبد البر في الاستذكار، ونقل عن الزهري: أن صدقة العسل العشر. وممن أوجب الزكاة في العسل الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وربيعة وابن شهاب ويحيى بن سعيد، وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: بلغني أن في العسل العشر، وسمع يحيى من ادرك يقول:مضت السنة بان في العسل العشر، وهو قول ابن وهب(36).

قال الشيخ الألباني:

الحديث صحيح...وهذا سند رجاله ثقات غير أن ابن لهيعة سيء الحفظ لكنه لم يتفرد به كما يأتي فالحديث صحيح، فقد أخرجه ابن ماجه، من طريق نعيم بن حمال، لكن نعيم ضعيف، وأخرجه أبو داود، والنسائي، من طريق عمر وبن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب، وهذا سند صحيح، فإن عمرو بن الحارث المصري ثقة فقيه حافظ(37).

وقال: فهذه طرق إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده متصلا وبعضها صحيح بذلك إليه كما تقدم، وعليه: فلا يضره ما رواه ابن أبي شيبة، قال: وزعم عمرو بن شعيب أنهم كانوا يعطون من كل عشر قرب قربة، فهذا مرسل، ولكن لا تعارض بينه وبين من وصله، لجواز أن عمرا كان يرسله تارة ويوصله تارة، فروى كل ما سمع، والكل صحيح (38).

وللألباني تحت عنوان: زكاة العسل(39): ( قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح)، ولكن ليس هذا على إطلاقه، فقد روي فيه أحاديث أحسنها حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وأصح طرقه إليه طريق عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب.. بلفظ: " جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي له واديا..."الحديث.

فهذا إسناد جيد، وهو مخرج في  الإرواء، كما تقدم، وقواه الحافظ ابن حجر، حيث قال عقب هذا الحديث: ( وإسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى، كما يدل عليه كتاب عمر ابن الخطاب ) (40)، وسبقه إلى هذا الحمل ابن زنجويه(41)، ثم الخطابي (42)، وهو الظاهر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الخلاصة في رواية أبي داود:

حديث هلال: جاء من رواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده،وأخذه عن عمرو: عبد الرحمن ابن الحارث،وابن لهيعة، وفيهما مقال عند المحدثين، لكن تابعهما عمرو ابن الحارث المصري وهو ثقة، وبهذا يصح الحديث، إلا أنه مقيد بالحمى، وهذا الحديث قد قواه الحافظ في الفتح، وحسنه ابن عبد البر، وصححه الألباني كما تقدم عنهم.

2- رواية الترمذي:

عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" في العسل في كل عشرة أزق زق"(43).

قال الزيلعي: رواه الترمذي، وقال: في إسناده مقال ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب كثير شيء، ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بصدقة هذا، وضعفه عن أحمد والنسائي وابن معين، ورواه البيهقي وقال: تفرد به صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، ورواه ابن حبان في  كتاب الضعفاء، وقال في صدقة: يروى الموضوعات عن الثقات، ورواه الطبراني في معجمه الوسيط،  ولفظه: وقال: في العسل العشر في كل عشر قرب قربة، وليس فيما دون ذلك شيء، قال الطبراني: لا يروى هذا عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد انتهى(44).

وقال أحمد بن حنبل: صدقة ليس يساوي حديثه شيئا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: صدقة ليس بشيء وهذا حديث منكر، قال الراوي: وعمرو لا يحتج به، وقد رواه إسماعيل بن محمد عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن موسى بن يسار، قال ابن حبان: إسماعيل يقلب الأسانيد ويسرق الحديث لا يجوز الاحتجاج به. وقال يحيى بن معين: عمرو بن أبي سلمة وزهير، ضعيفان(45).

ولدقة المسألة حديثيا وفقهيا اختلف فيها رأي الشوكاني، فذهب في  نيل الأوطار: إلى عدم وجوب الزكاة على العسل وأعل الأحاديث كلها(46)، وفي الدرر البهية: صرح بوجوب الزكاة في العسل، وأيده في السيل الجرار(47)، وتبعه شارحه صديق خان  في الروضة الندية(48).

الخلاصة:

حديث ابن عمر: جاء من طريق صدقة ابن عبد الله السمين، وقد انتقده المحدثون، وضعفوا حديثه،وممن ضعفه الامام أحمد،لكن هل تضعيف الإمام أحمد يقتضي رد هذا الحديث؟ وقد وثق الراوي أبو حاتم (49)، وصحح الحديث الألباني، كما تقدم عنه.

3- رواية ابن ماجه:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -  "أنه أخذ من العسل العشر"(50).                                    

وعن أبي سيارة المتعي، قال: " قلت يا رسول الله؛ إن لي نحلا. قال: أد العشر.  قلت: يا رسول الله، احمها لي، فحماها لي"(51). معنى: أد العشر: أي من عسله. ومعنى: احمها: أي احفظها حتى لا يطمع فيها أحد(52).

قال الزيلعي: وأما حديث أبي سيارة: فأخرجه ابن ماجه، ورواه أحمد في  مسنده، والبيهقي في  سننه،  وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: حديث مرسل، وسليمان بن موسى، لم يدرك أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في زكاة العسل شيء يصح(53).

وقال ابن حجر: هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي، من رواية سليمان بن موسى عن أبي سيارة وهو منقطع، قال البخاري: لم يدرك سليمان أحدا من الصحابة، وليس في زكاة العسل شيء يصح، وقال أبو عمر: لا تقوم بهذا حجة، قال وعن أبي هريرة، قد رواه البيهقي، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك، وقال الزعفراني عن الشافعي: الحديث في أن العسل العشر ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه، وقال البخاري: لا يصح فيه شيء، وقال بن المنذر: ليس فيه شيء ثابت(54).

الخلاصة:

حديث عمرو ابن شعيب، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أخذ من العسل العشر: حديث حسن صحيح، وأما حديث أبي سيارة، فانتقد بأنه منقطع، وبأنه مرسل، وقد حسَّنه الألباني(55).

4- رواية البيهقي:

عن منبر ابن عبد الله  عن أبيه عن جده سعد بن أبي ذباب، قال: " قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت ثم قلت: يا رسول الله، اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  واستعملني عليهم"، ثم استعملني أبو بكر(56)، ثم عمر، قال وكان سعد من أهل السراة، قال:فكلمت قومي في العسل فقلت لهم: زكوه فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى. فقالوا:كم. قال فقلت: العشر. فأخذت منهم العشر، فأتيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فأخبرته بما كان قال: فقبضه عمر، فباعه، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين(57).         

قال البخاري: وعبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب لم يصح حديثه. وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث، وسئل أبو حاتم عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب يصح حديثه ؟ قال: نعم(58).

الخلاصة:

حديث سعد ابن أبي ذباب: في إسناده منبر ابن عبد الله، وقد ضعفه البخاري والأزدي. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكي ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره فيه بشيء وأنه شيء رآه هو فتطوع له به قومه(59).

5- رواية المعجم الأوسط:

عن ابن عمر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: " في العسل العشر، في كل ثنتي عشر قربة، وليس فيما دون ذلك شيء"(60).

6- مصنف عبد الرزاق:

عن عبد الرزاق قال:أخبرني صالح بن دينار أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه أن يأخذ من العسل صدقة، إلا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها، فجمع عثمان أهل العسل، فشهدوا أن هلال بن سعد، جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  بعسل، فقال:" ما هذه؟ فقال: هدية، فأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء مرة أخرى، فقال: ما هذه؟ قال: صدقة فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر برفعه، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك عشورا فيها ولا نصف عشور إلا أخذها"، فكتب بذلك عثمان إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب فأنتم أعلم، فكنا نأخذ ما أعطونا من شيء، ولا نسأل عشورا ولا شيئا، ما أعطونا أخذنا (61).                                     

وعن أبي هريرة  -رضي الله عنه - قال:" كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن: أن يؤخذ من أهل العسل العشور" (62). وقال الزهري: في كل عشرة أفراق فرق (63).

قال الزيلعي: حديث:"أن النبي عليه الصلاة السلام كتب إلى أهل اليمن: أن يؤخذ من أهل العسل العشر"، رواه بهذا اللفظ البيهقي من طريق عبد الرزاق، والحديث معلول بعبد الله بن محرز، قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: كان من خيار عباد الله، إلا أنه كان يكذب ولا يعلم ويقلب الأخبار ولا يفهم. وبمعنى هذا الحديث، قد روي من حديث ابن عمر،ومن حديث سعد بن أبي ذباب، ومن حديث أبي سيارة المتعي(64).

6- رواية مصنف ابن أبي شيبة:

عن عطاء الخرساني، عن عمر- رضي الله عنه- قال: في العسل عشر(65).

7- رواية كنز العمال:

عن الأحوص ابن حكيم، عن أبيه مرسلا قال: في كل عشرة أرطال من العسل، رطل(66).

 

والله تعالى أعلم

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه / يونس عبد الرب فاضل الطلول

راجعه:عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي


(1) صحيح البخاري 5/2125 ، برقم 5277.

(2) صحيح البخاري 5/2152 ، برقم 5359.

(3) صحيح البخاري 5/2152 ، برقم 5360.

(4) صحيح البخاري 5/2161 ، برقم 5386.

(5) صحيح مسلم 4/1736 ، برقم 2217.

(6) سنن ابن ماجه 2/1142 ، برقم 3450. قال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف، انظر: مسند أبي يعلى 11/299. وقال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر: السلسلة الضعيفة 2/183 ، برقم 762.

(7) انظر: مختار الصحاح 1/612.

(8) سنن ابن ماجه 2/1142 ، برقم 3452، المستدرك 4/222 ، برقم 7435 وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أوقفه وكيع بن الجراح، عن سفيان، سنن البيهقي الكبرى 9/344 ، برقم 19349، وقال: رفعه غير معروف، والصحيح انه موقوف، وقد رواه وكيع عن سفيان موقوفا، قال الشيخ الألباني: ضعيف، ضعيف ابن ماجة 1/280 ، برقم 756. وفي رواية: أن رجلا أتى عبد الله فقال: إن أخي مريض اشتكى بطنه وإنه نعت له الخمر أفاسقيه ؟ قال عبد الله: سبحان الله ما جعل الله شفاء في رجس إنما الشفاء في شيئين العسل شفاء للناس والقرآن شفاء لما في الصدور. المعجم الكبير 9/184 ، برقم 8910، قال الشيخ الألباني: إسناده صحيح، السلسلة الصحيحة 4/174 ، برقم 1633.

(9) المستدرك 4/224 ، برقم 7442، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الألباني: صحيح بشواهده، السلسلة الصحيحة 4/407 ، برقم 1798.

(10) النهاية 2/415.

(11) النهاية 2/407.

(12) المستدرك 4/449 ، برقم 8237، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، قال الشيخ الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة 3/368 ، برقم 1223.

(13) المعجم الأوسط للطبراني 8/53 ، برقم 7944، وقال: لا يروى هذا الحديث عن السائب بن يزيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسحاق. وقال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف. ولم أجد له تخريجا.

(14) مصنف ابن أبي شيبة 6/412 ، برقم 32492 ولم أجد له تخريجا.

(15) شعب الإيمان للبيهقي 7/449 ، برقم 10949.

(16) مصنف ابن أبي شيبة 5/59 ، برقم 23688.

(17) الآحاد والمثاني 5/312 ، برقم 2848. ولم أجد له تخريجا.

(18) كنز العمال 7/200 ، برقم 18225، قال الشيخ الألباني: ضعيف، الجامع الصغير وزيادته 1/980 ، برقم 9794.

(19) كنز العمال 10/38 ، برقم 28168، قال الشيخ الألباني: ضعيف،الجامع الصغير وزيادته 1/1188 ، برقم 11879.

(20) كنز العمال 10/40 ، برقم 28176، قال الشيخ الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة 8/98 ، برقم 3596.

(21) تذكرة الموضوعات 1/1132. 

(22) تذكرة الموضوعات 1/1133.

(23) مصنف عبد الرزاق 1/86 ، برقم 288.

(24) الموطأ رواية يحيى الليثي 1/277 ، برقم 613، قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز واختياري: أنه لا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه وليست فيه ثابتة، فكأنه عفو، سنن البيهقي الكبرى 4/127.

(25) سنن الترمذي 3/25 ، برقم 630.

(26) إرواء الغليل 3/287.

(27) مصنف عبد الرزاق 4/60 ، برقم 6964.

(28) مصنف ابن أبي شيبة 2/374 ، برقم 10066.

(29) سنن البيهقي الكبرى 4/127 ، برقم 7258، وفي إسناده حسين بن يزيد، وهو ضعيف، انظر: تلخيص الحبير 2/172.

(30) المرجع السابق.

(31) سنن البيهقي الكبرى 4/128 ، برقم 7259.

(32) سنن أبي داود 1/503 ، برقم 1600، قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح أبي داود 1/301 ، برقم 1415.

(33) سنن أبي داود 1/503 ، برقم 1601، قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح أبي داود 1/302 ، برقم 1417.

(34) صحيح ابن خزيمة 4/45 ، برقم 2325.

(35) تلخيص الحبير 2/168.

(36) الجوهر النقي 4/127.

(37) انظر:مختصر إرواء الغليل للألباني 3/284.

(38) إرواء الغليل 3/285.

(39) تمام المنة 1/374 375.

(40) الفتح 3/348.

(41) الأموال 1095 - 1096.

(42) معالم السنن 1/208.

(43) سنن الترمذي 3/24 ، برقم 629، وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة و أبي سيّارة المتعي وعبد الله بن عمرو، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد و إسحق، وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شيء، و صدقة بن عبد الله ليس بحافظ وقد خولف صدقة بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن نافع، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر في إسناده مقال، وقال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال:هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/771 ، برقم 7701.

(44) نصب الراية للزيلعي 2/281.

(45)انظر التحقيق في أحاديث الخلاف 2/41 ،وانظر العلل المتناهية 2/497.

(46) نيل الأوطار 4/125.

(47) السيل الجرار 2/46 48.

(48) الروضة الندية 1/200.

(49) مجمع الزوائد 3/224.

(50) سنن ابن ماجه 1/584 ، برقم 1824، قال الألباني: حسن صحيح، صحيح ابن ماجة 1/306 ، برقم 1477.

(51) سنن ابن ماجه 1/584 ، برقم 1823، قال البيهقي: ( وهذا أصح ما روي في وجوب العشر فيه، وهو منقطع)، سنن البيهقي الكبرى 4/126. قال الألباني: حسن، صحيح ابن ماجة 1/305 ، برقم 1476.

(52) سنن ابن ماجه 1/584.

(53) نصب الراية 2/280، بتصرف.

(54) تلخيص الحبير 2/168.

(55) انظر: شرح سنن ابن ماجه 1/584.

(56) حديث أن أبا بكر كان يأخذ الزكاة في العسل لم أجد له أصلا، انظر: تلخيص الحبير 2/173 .

(57) سنن البيهقي الكبرى 4/127 ، برقم 7253، ولم أجد له تخريجا.

(58) نصب الراية 2/280.

(59) تلخيص الحبير 2/168.

(60) المعجم الأوسط 4/340 ، برقم 4375، وقال: لا يروى هذا الحديث عن بن عمر إلا بهذا الإسناد، قال الألباني: سنده ضعيف. إرواء الغليل 3/287 ، برقم 803.

(61) مصنف عبد الرزاق 4/61 ، برقم 6967. ولم أجد له تخريجا.

(62) مصنف عبد الرزاق 4/63 ، برقم 6972. ولم أجد له تخريجا.

(63) مصنف عبد الرزاق 4/63.

(64) نصب الراية 2/280.

(65) مصنف ابن أبي شيبة 2/373 ، برقم 10052.

(66) كنز العمال 6/491 ، برقم 15889.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
مشروعية الزكاة في العسل المتخذ للقنية أو التجارة
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين -، أما بعد..

فهذا بيان زكاة العسل سواء اتُخِذ للقنية أو التجارة .

 

مشروعية الزكاة في العسل غير المتخذ للتجارة :

·           المذهب الحنبلي :

أوجب الحنابلة الزكاة في العسل ؛ قال ابن قدامة : سئل أبو عبد الله أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة ؟ قال : نعم أذهب إلى أن في العسل زكاة ؛ العشر ؛ قد أخذ عمر منهم الزكاة . قلت : ذلك على أنهم تطوعوا به . قال : لا بل أخذه منهم . ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي وإسحاق(1).

واستدلوا بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- " كان يؤخذ في زمانه من قِرب العسل من كل عشر قِرب قِربة من أوسطها "رواه أبو عبيد(2). وعن عمر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في العسل " في كل عشر قِرب قِربة " رواه أبو داود والترمذي ؛ وقال الترمذي في إسناده مقال ولا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم- كبير شيء(3).

واستدلوا أيضاً بحديث سليمان بن موسى أن أبا سيارة المتعي قال : قلت : يا رسول الله إن لي نحلا ؟ قال " أدِّ عشرها " . قلت : فاحمِ إذاً جبلها ؛ فحماه له " رواه ابن ماجة(4).

 

·           المذهب الحنفي :

والحنفية أوجبوا الزكاة في العسل كذلك؛ ولكن بشرط : إذا كان في أرض عشرية . قال أبو الحسين

 

المرغياني : وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر(5) ، ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج(6). ونسب النووي هذا القول إلى الأوزاعي(7).

واستدلوا لوجوب الزكاة في الأرض العشرية بحديث أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن أن " في العسل العشر "(8) ، ولأن النحل يتناول من الأنوار والثمار وفيهما العشر فكذا فيما يتولد منهما(9).

واستدلوا لعدم وجوب الزكاة في الأرض الخراجية بعدم وجوب العشر فيها وإنما يجب فيها الخراج ؛ والعشر والخراج لا يجتمعان(10).

 

·           المذهب الشافعي :

واختلف قول الشافعي في زكاة العسل ؛ فقال في القديم : يحتمل أن يجب فيه ، وقال في الجديد: لا تجب(11). قال النووي : وهو المذهب(12).

وجه الأول ما روي أن بني شبابة بطناً من فهم " كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نحل كان عندهم العشر من عشر قِرب قِربة "(13)

ووجه الثاني أنه ليس بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض(14) ؛ وذكر لهم المرغياني استدلالاً على عدم الوجوب بأن العسل متولد من الحيوان فأشبه الإبريسم(15).

 

·           المذهب المالكي :

أما المالكية فلا يقولون بالزكاة في العسل . قال أبو عبد الله المغربي: ولا زكاة في الحلبة ، ولا وفي شيء من الفواكه كلها رطبها ويابسها، ولا في البقول، ولا في القطن، ولا في القصب، ولا الخشب .. وما أشبه ذلك ، ولا في العسل، وقصب السكر والتين والرمان والجوز واللوز وما أشبه ذلك(16) ونسبه في المغني إلى الشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر(17).

واستدلوا على ذلك بضعف الأحاديث الآمرة بالزكاة . قال ابن المنذر : ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه(18) . واستدلوا بحديث سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى اليمن فأردت أن آخذ من العسل الصدقة ؛ فقال المغيرة بن حكيم الصنعاني : ليس فيه شيء . فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز . فقال: المغيرة عدل رضي ؛ لا تأخذ من العسل  شيئا(19).

 

نصاب زكاة العسل عند القائلين بها :

·           المذهب الحنبلي :

اختلف الحنابلة في تقدير النصاب أولاً ؛ هل هو بالقِرب أم بالأفراق ؟ قال ابن قدامة : نصابه عشر قِرب والقربة مائة رطل(20) ( وعليه فالنصاب ألف رطل )، وقال : قال أصحابنا : نصابه عشرة أفراق لأن الزهري قال في عشرة أفراق فرق ؛ ووجهه ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أن أناسا سألوه ؛ فقالوا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع لنا واديا ظاهرا فيه خلايا من نحل ، وإنا نجد ناسا يسرقونها . فقال عمر رضي الله عنه : إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم " رواه الجوزجاني ؛ وهذا تقدير من عمر - رضي الله عنه - فيتعين المصير إليه(21) ؛ ثم اختلفوا ؛ فقال ابن حامد والقاضي في المجرد : الفرق ستون رطلاً ( وعليه فالنصاب ستمائة رطل )(22) ، وقيل : الفرق ستة عشر رطلاً بالعراقي فيكون نصابه مائة وستون رطلاً؛ قال أحمد في رواية أبي داود ؛ قال الزهري : في عشرة أفراق فرق والفرق ستة عشر رطلا(23) ؛ وقيل: هو مائة وعشرون رطلا(24) ( وعليه فالنصاب ألف ومائتا رطل ) ؛ وقيل : أن الفرق ثلاثة آصع . قال أبو عبيد : لا خلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة " أطعم ستة مساكين فرقاً من طعام "(25) فقد بين أنه ثلاثة آصع ، وقالت عائشة - رضي الله عنها - : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -  من إناء هو الفرق . وهذا هو المشهور فينصرف الإطلاق إليه .

 

·           المذهب الحنفي :

اختلف مقدار النصاب عند الحنفية ؛ فعن أبي حنيفة - رحمه الله- أنه يجب في العسل قلّ أو كثُر لأن النصاب لا يعتبر ( وهذا على أصله في عدم اشتراط النصاب في زكاة الزروع والحبوب ) ، وعن أبي يوسف -رحمه الله - : أنه يعتبر فيه قيمة خمسة أوسق ( كما هو أصله في زكاة الزروع والحبوب ) ، وعنه : أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب ، وعن محمد -رحمه الله- : خمسة أفراق كل فرق ستة وثلاثون رطلا لأنه أقصى ما يقدر به  (26)( وعليه فالنصاب مائة وثمانون رطلا )

 

·           المذهب الشافعي :

يصنف الشافعية العسل من الثمار ويدرجونه في كلامهم عن زكاة الزروع والثمار(27) ، ولكنهم مع ذلك قد اختلفوا في نصاب العسل ؛ قال النووي : فإن أوجبناه – أي الزكاة فيه - ففي اعتبار النصاب خلاف ، المذهب اعتباره ، وقال ابن القطان قولان كما سبق في الزيتون(28) وقال في سياق حديثه عن الزيتون : ويشترط بلوغه نصاباً هذا هو المذهب وبه قطع الأصحاب في جميع الطرق إلاّ ما حكاه الرافعي عن ابن القطان أنه خرج اعتبار النصاب فيه ، وفي سائر ما اختص القديم (ومنها العسل) بإيجاب الزكاة فيه على قولين(29).

ولذا فإن نصابه عندهم على القول بالزكاة فيه هو نصاب زكاة الزروع والثمار وهي خمسة أوسق؛ قال النووي في المنهاج: وفي القديم تجب في الزيتون والزعفران والورس والقرطم (وهو حب العصفر) والعسل . ونصابه خمسة أوسق وهي ألف وستمائة رطل بغدادية(30), وهذا أحد قولي ابن القطان، ولعل القول الثاني هو : عدم اعتبار النصاب فيه كأبي حنيفة . وإليه أشار النووي في المجموع (31) ولم أجد التصريح بهذا إلا بعد البحث الشديد في بعض حواشي الشرح الكبير للرافعي ما نصه ( وقال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص : اعتبار النصاب فيه وجهان ذكرهما ابن القطان قياساً على المعادن ؛ أحدهما : يخرج من القليل والكثير ، والثاني : إذا بلغ خمسة أوسق .أهـ(32).

 

مقدار الزكاة :

·           المذهب الحنبلي :

مقدار الزكاة عند الحنابلة - إن بلغ النصاب – العشر ؛ قال ابن قدامة : وفي العسل العشر لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .. وذكر الحديث ؛ وقد تقدم(33)

وقد سئل أبو عبد الله أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة ؟ قال : نعم أذهب إلى أن في العسل زكاة ؛ العشر (34)

 

·           المذهب الحنفي :

قال المرغياني : وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر(35), وهو رأي أبي حنيفة(36).

وقال السرخسي : ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج وإن كان في أرض العشر أو في الجبال ففيه العشر(37).

 

·           المذهب الشافعي :

قال الشاشي القفال : وقال في القديم : يجب في العسل العشر(38) ؛ وقد عدّوه من المعشرات(39)؛ لما روى ابن ماجة عن عمرو بن شعيب أنه - صلى الله عليه وسلم - " أخذ منه العشر "(40).

  

·       الترجيح :

والذي ظهر لي بعد دراسة أقوال الأئمة أن الأحاديث القاضية بزكاة العسل تتقوى بمجموع طرقها، وعليه ففي العسل المتّخذ في غير التجارة زكاة وهو العشر والله أعلم .

 

وهذا الكلام في ما إذا لم يتخذ العسل للتجارة ؛ فأما إن اتخذ للتجارة فالكلام عنه كالتالي:

زكاة العسل للتجارة :

العسل له ثَمن ؛ وهو من الأموال ؛ والمال يجب فيه الزكاة إن كان لغرض التجارة ؛ قال ابن قدامة : (العروض جمع عَرَض : الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر المال )(41). فعموم كلامه يدل على وجوب الزكاة في العسل إن كان للتجارة . وقال ابن نجيم الحنفي : ( وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير )(42) ، ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية (43) ، ولأنها معدّة للاستنماء بإعداد العبد فأشبه المعدّ بإعداد الشرع(44) ؛ وهذا المعنى حاصل في العسل الذي يقصد للتجارة . ولذا يضم بعض أموال التجارة إلى البعض في تكميل النصاب(45) .

والزكاة في قيمة عروض التجارة واجبة في قول أكثر أهل العلم؛ وقد روي ذلك عن عمر و ابنه و ابن عباس - رضي الله عنهم - وبه قال الفقهاء السبعة والحسن و جابر بن زيد و ميمون بن مهران و طاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي ومالك وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي - رحمهم الله - لما روى أبو داود بإسناده عن سمرة بن جندب قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع "(46). وخالف في ذلك داود فلم يوجب الزكاة في عروض التجارة (47) .

وقد نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة ؛ الزكاة إذا حال عليها الحول(48) قال ابن قدامة : ( ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول ؛ وقد دل عليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  في حديث ابن عمر " من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول "(49)) كما أنه لا بد من بلوغه نصاب العروض لإيجاب الزكاة فيه ؛ قال ابن نجيم الحنفي : ( وفي عروض تجارة بلغت نصابٌ)(50) ؛ وتقدير النصاب من أموال التجارة بقيمتها من الذهب والفضة ؛ وهو أن تبـلغ قيمتها مقدار نصاب من الذهب والفضة(51) .

ولكن العروض لا تكون للتجارة إلا بشروط ؛ قال ابن قدامة : ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين؛ أحدهما : أن يملكه بفعله(52) كالبيع والنكاح والخلع وقبول الهبة والوصية والغنيمة واكتساب المباحات؛ لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالصوم . قال الباجي : والعمل المؤثر في ذلك: الابتياع(53)، والثاني: أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة(54) ؛ فإن لم ينوِ عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة؛ حتى وإن نواه بعد ذلك(55) لأن الأصل القنية ؛ والتجارة عارض فلم يصر إليها بمجرد النية ؛ كما لو نوى الحاضر السفر لم يثبت له حكم السفر بدون الفعل(56) .

وعن أحمد رواية أخرى أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية ( وهو قول الكرابيسي من الشافعية ) لقول سمرة : " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع " فعلى هذا لا يعتبر أن يملكه بفعله، ولا يكون في مقابلة عوض بل متى نوى به التجارة صار للتجارة(57) ، وقال المرغياني : وتشترط نية التجارة(58) ، وقال الباجي بعد تقسيمه للأموال على قسمين : مال أصله التجارة كالذهب والفضة .. ومال أصله القنية كالعروض والثياب وسائر الحيوان والأطعمة(59) .

فإن قيل كيف يجتمع حقان في مال واحد ؟

قلت : وما الذي يمنع من هذا ؛ ألا ترى أن المال يجب فيه حق للزوجة والولد .. من النفقة وغيرها كما أن فيه أيضاً حقاً للفقير إن بلغ نصاباً ودار عليه الحول ؛ وليس هذان الحقان حق واحد لاختلاف موجِبهما ؛ وهنا كذلك ؛ اختلف الموجِب للزكاة من زكاة عسل إلى زكاة تجارة ؛ فالعسل في حد ذاته إن كان للقنية له نصاب مختلف عن نصابه في التجارة ، وكذا الحول فلا حول له إن كان للقنية وله حول إن كان للتجارة ؛ ثم إن النية مؤثرة في العمل ؛ ولا شك أنه لا يستوي من نوى بالعسل القنية ومن نوى به التجارة " وإنما لكل امرئ ما نوى "(60) لا سيّما وقد عُلِم أن المال – ومنه العسل – لا يتحول من القنية إلى التجارة إلا بالنية المصدَّقة بالعمل.

وهذا لا يفتح باب الحيلة بل يغلقه فإن من نوى بالعسل القنية وجب عليه فيه العشر زكاة حالّة ؛ فإن نوى بعد ذلك التجارة - بقصد الحيلة أو بدون قصدها - وجب عليه فيه ربع العشر بانتهاء الحول بشروطه المتقدمة، والله أعلم .

 

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي

علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الخميس 16 صفر 1427هـ

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) - المغني ج: 2 ص: 305 ، وانظر الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308

(2) - بنحوه في سنن أبي داود 1/504, برقم: 1601، قال الألباني : صحيح. إرواء الغليل 3/284, برقم: 810 .

(3) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308 ، وانظر المغني ج: 2 ص: 306 ، والحديث في سنن الترمذي 3/24, برقم: 629 وقد صححه الألباني بشواهده. إرواء الغليل 3/284, برقم: 810.

(4) - المغني ج: 2 ص: 306 والحديث في سنن ابن ماجه 1/584, برقم: 1823 في الزوائد : في إسناده قال : ابن أبي حاتم عن أبيه لم يلق سليمان بن موسى أبا سيارة . والحديث مرسل . وحكى الترمذي في العلل عن البخاري عقب هذا الحديث أنه مرسل . ثم قال لم يدرك سليمان أحدا من الصحابة أهـ ، قال الشيخ الألباني : حسن. انظر: صحيح ابن ماجة 1/305, برقم: 1476.

(5) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255 ، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 3 ص: 15 وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62.

(6) - المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216 .

(7) - المجموع للنووي ج: 5 ص:417.

(8) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62 والحديث ذكره في سنن البيهقي الكبرى 4/126. قال البخاري: وعبد الله بن محرر متروك الحديث، يعني بذلك تضعيف روايته عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً في العسل . وقد ضعفه الألباني بهذا اللفظ وصححه بمجموع طرقه. انظر:  إرواء الغليل 3/284, برقم: 810.

(9) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62

(10) - المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216 بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62

(11) - المهذب ج: 1 ص: 154 ، وانظر روضة الطالبين ج: 2 ص: 232 ، وانظر المجموع ج: 5 ص:415

(12) - المجموع ج: 5 ص: 415

(13) - المهذب ج: 1 ص: 154 انظر سنن أبي داود 1/503, برقم: 1601, وقد تقدم.

(14) - المهذب ج: 1 ص: 154

(15) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110

(16) - مواهب الجليل ج: 2 ص: 280 ، وانظر التمهيد لابن عبد البر ج: 16 ص: 272

(17) - المغني ج: 2 ص: 305

(18) - المغني ج: 2 ص: 305

(19) - التمهيد لابن عبد البر ج: 16 ص: 272 ، والحديث في سنن الترمذي 3/25 برقم 629 وقد تقدم.

(20) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308

(21) - المغني ج: 2 ص: 306

(22) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308 ، المغني ج: 2 ص: 306

(23) - المغني ج: 2 ص: 306

(24) - المغني ج: 2 ص: 306

(25) - صحيح البخاري  2/644 ، صحيح مسلم 2/859.   

(26) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255 ، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 3 ص: 15 ، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62 ، وانظر المغني لابن قدامة ج: 2 ص: 306

(27) - انظر المهذب ج: 1 ص: 154 ، وانظر المجموع ج: 5 ص: 416 ، وانظر منهاج الطالبين ج: 1 ص: 31

(28) - المجموع ج: 5 ص: 416

(29) - المجموع ج: 5 ص: 414

(30) - منهاج الطالبين ج: 1 ص: 31 ، وانظر: حلية العلماء ج: 3 ص: 62

(31) - المجموع ج: 5 ص: 415.

(32) - حاشية الشرح الكبير للرافعي ج: 3 ص: 53 .

(33) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308.

(34) - المغني ج: 2 ص: 305 .

(35) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 .

(36) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255.

(37) - المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216 ، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62.

(38) - حلية العلماء ج: 3 ص: 63.

(39) - روضة الطالبين ج: 2 ص: 231.

(40) - مغني المحتاج ج: 1 ص: 382.

(41) - المغني ج: 2 ص: 335 ، وانظر  بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21

(42) - البحر الرائق ج: 2 ص: 246

(43) - المهذب ج: 1 ص: 159، وانظر الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(44) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(45) - بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21 ، وانظر الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(46) - الحديث في سنن أبي داود [ جزء 1 -  صفحة 488] قال الألباني : ضعيف. انظر: مختصر إرواء الغليل 1/159 برقم 827، وانظر سنن البيهقي الكبرى  4/146.

[47) - المغني ج: 2 ص: 335 ، وانظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(48) - المغني ج: 2 ص: 335

(49) - المغني ج: 2 ص: 335 ، والحديث في سنن الترمذي 3/25, برقم: 629 وقد تقدم.

(50) - البحر الرائق ج: 2 ص: 245

(51) - بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21

(52) - المغني ج: 2 ص: 336 ، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159 ، وانظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(53) - انظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(54) - بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21، وانظر  المغني ج: 2 ص: 336، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159

(55) - المغني ج: 2 ص: 336

(56) - المغني ج: 2 ص: 336 ، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159

(57) - المغني ج: 2 ص: 336 ، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159 ، وانظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(58) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(59) - انظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(60) - صحيح البخاري 1/1، صحيح مسلم 3/1515.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
المسائل الفقهية في قيام الليل
الأحد 30 سبتمبر 2012

 المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

      أما بعد: فإن الله خص بعض عباده بخير عظيم وعمل كبير، وفتح لهم من أبواب الخير والطاعة ما زكت به قلوبهم، وعزّت نفوسهم، واستنارت صدورهم، وطابت حياتهم وأنسهم ونعيمهم. وبصّرهم بطريق الحق، ويسّر لهم أسباب السعادة، ومنّ عليهم بلذة العبادة ومناجاة الله في أسحارهم وخلواتهم:

قومٌ إذا جنّ الظلام  عليهم                         باتوا هنالك سجّداً وقياما
خمصُ البطونِ من التعفف ضمراً              لا يعرفون سوى الحلال طعاما

ويقول آخر :

بكى الباكون للرحمن ليلا                               وباتوا دمعهم لا يسأمونا

بقاع الأرض من شوق إليهم                             تحن متى إليّ يسجدون

 

ويقول ابن المبارك:

إذا ما الليل أظلم كابدوه           فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا        وأهل الأمن في الدنيا هجوع(1).

 

وفي هذا البحث المتواضع سأبدأ بذكر الآيات والأحاديث الواردة في التحريض في قيام الليل، وأذكر بعض أقوال السلف وأفعالهم في قيا م الليل، وهذا من أجل أن ننتفع بأفعالهم وأقوالهم، وأن نتأسى بهم في ذلك .

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم         إن التشبه بالرجال فلاح

ثم بعد ذلك أذكر المسائل الفقهية في أحكام قيام الليل، سائلا المولى - عز وجل- التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل.

       

أولا: التحريض في قيام الليل:

من القران: قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ [الإسراء:79]، وقال تعالى: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾[المزمل:2]، والخطاب من الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم – هو خطاب لأمته إلا إن ورد دليل بالخصوصية، فيختص به دون غيره.

ووصف الله عباد الرحمن، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾[الفرقان:64]، وقال

تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[المزمل:20].

 

قال الإمام النووي – رحمه الله – : نستفيد من هذه الآية أن  وجوب صلاة الليل منسوخ في حق هذه الأمة، وهذا مجمع عليه(2).

ومن السنة: عن أبي هريرة – رضي الله عنه -  قال:  قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"(3).

 وعن أبي إدريس الخولاني عَنْ بِلَالٍ – رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:" عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَد"ِ(4).

  

وجاء هذا الحديث من رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي أمامة – رضي الله عنه - (5).

عن أبي الدرداء - رضي الله عنه-  يبلغ به النبي - صلى الله عليه و سلم- :" من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه" (6).

عن سالم عن أبيه - رضي الله عنه- قال: كان الرجل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا رأى رؤيا فأقصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. وكنت غلاما شابا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية(7) كطي البئر وإذا لها قرنان(8) ،وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار قال: فلقينا ملك آخر قال لي: لم ترع(9) . فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ". فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا (10).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما-  قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :" يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل "(11).

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- : عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " استعينوا بطعام السحر على صيام النهار . وبالقيلولة على قيام الليل "(12).

 ( السحر ): آخر الليل . ( والقيلولة ): الاستراحة نصف النهار .

وقيام الليل سنة. عن عمرة عن عائشة – رضي الله عنها -  قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص النبي - صلى الله عليه وسلم- فقام أناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك فقام ليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثا حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج فلما أصبح ذكر ذلك الناس فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل"(13).

قال ابن عبد البر – رحمه الله - :(كان في أول الإسلام فريضة حولا كاملا فلما فرضت الصلاة الخمس صار قيام الليل فضيلة بعد فريضة)(14).

ثانياً: ذكر القائمين حتى تورمت أقدامهم :

   عن زياد قال سمعت المغيرة - رضي الله عنه -  يقول: "إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم-  ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه . فيقال له؟ فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا"(15). 

وعن امرأة مسروق قالت: كان (أي مسروق ) يصلي حتى ترم قدماه فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه(16)، وقيل: حج مسروق فما بات ليلة إلا ساجدا(17).

وعن مجاهد قال: لما قيل لمريم ، قال تعالى: ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ (آل عمران:43]، قامت حتى ورمت قدَماها (18).

ثالثاً: أفعال السلف وأقوالهم في القيام :

عن عبيد الله قال : كان عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- : إذا هدأت العيون قام فسمعت له دويا كدوي النحل (19).

وكان انس – رضي الله عنه - يصلي حتى تتفطر قدماه مما يطيل القيام – رضي الله عنه-(20).

قال الذهبي:" بلغنا أن معاذة العدوية كانت تحيي الليل عبادة وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور "(21) .

     وصدق الشاعر حيث قال:

صلاتك نور والعباد رقود                   ونومك ضد للصلاة عنيد

وعمرك غنم إن عقلت ومهلة                يسير ويفنى دائما ويبيد

وقال الربيع: بت في منزل الشافعي- رحمه الله- ليالي كثيرة فلم يكن ينام من الليل إلا يسيرا. وقال أبو الجويرية: لقد صحبت أبا حنيفة - رحمه الله- ستة أشهر فما فيها ليلة وضع جنبه على الأرض، وكان أبو حنيفة يحيي نصف الليل فمر بقوم فقالوا: إن هذا يحيى الليل كله، فقال: إني أستحي أن أوصف بما لا أفعل فكان بعد ذلك يحيى الليل كله(22).

 قال على بن الحسن بن شفيق: لم أر أحداً من الناس أقرأ من ابن المبارك، ولا أحسن قراءة ولا أكثر صلاة منه، وكان يصلي الليل كله في السفر وغيره. وقال محمد بن أعين ـ وكان صاحب ابن المبارك في الأسفار، وكان كريماً عليه. قال: ذهب عبد الله ذات ليلة ونحن في غزاة للروم ليضع رأسه ليريني أنه ينام، فوضعت رأسي على الرمح كأني أنام، فظن أني قد نمت، فقام فأخذ في صلاته، فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر وأنا أرمقه، فلما طلع الفجر أيقظني وهو يظن أني نائم وقال: يا محمد، فقلت: إني لم أنم، قال: فلما سمعها منى ما رأيته بعد ذلك يكلمني ولا ينبسط إليَّ في شيء من غزاته كلها، كأنه لم يعجبه ذلك مني لما فطنت له من العمل.

وقال إبراهيم الخوَّاص: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين(23). وبات مالك بن دينار- رحمه الله-  يردد هذه الآية ليلة حتى أصبح: ﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية : 21]. وقال المغيرة بن حبيب: رمقت مالك بن دينار فتوضأ بعد العشاء ثم قام إلى مصلاه فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول: حرم شيبة مالك على النار إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك وأي الدارين دار مالك؟ فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر. وقال مالك بن دينار: شهوت ليلة عن وردي ونمت فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون وفي يدها رقعة فقالت لي: أتحسن تقرأ؟ فقلت: نعم. فدفعت إلى الرقعة فإذا فيها :

أألهتك اللذائذ والأماني          عن البيض الأوانس في الجنان

تعيش مخلدا لا موت فيها       وتلهو في الجنان مع الحسان

تنبه من منامك إن خيرا          من النوم التهجد بالقرآن(24).

وقال الأوزاعي: ( من أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة )(25) .

    وما أجمل قول الشاعر:

وطول قيام الليل أيسر مؤنة                 وأهون من نار تفور وتلتهب

قال ثابت البناني - رحمه الله- : (ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل)،وقال: كابدت الصلاة عشرين سنة ، وتنعمت بها عشرين سنة (26) . وقال سفيان -رحمه الله- : ( إذا جاء الليل فرحت وإذا جاء النهار حزنت)(27)، وقال أبو سليمان الداراني - رحمه الله- :  (لأهل الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا)(28) . وقال حمد بن عنان - رحمه الله-: ثبوت الأقدام على الصراط يكون بحسب طول الوقوف بين يدي الله - عز وجل- في قيام الليل، ومزلة الأقدام تكون بحسب تركه القيام في بعض الليالي(29).

وقال الحسن: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل(30) .وقال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك. وقال رجل لبعض الحكماء إني لأضعف عن قيام الليل فقال له يا أخي لا تعص الله تعالى ولا تقم بالليل. وكان صلة بن أشيم - رحمه الله- يصلي الليل كله فإذا كان في السحر قال إلهي ليس مثلي يطلب الجنة ولكن أجرني برحمتك من النار(31).

فسبحان من تفضل على عباده بهذا النعيم قبل لقائه فحباهم من الخير والفضل ما فضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، فحازوا أسباب السعادة، واستمسكوا بطريق النجاة،واستعدوا للقاء الله ،وقدموا لأنفسهم، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . قال بعضهم ( مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ؟ قيل: وما أطيب ما فيها قال محبة الله تعالى ومعرفته وذكره)(32).

وقال آخر: ( إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب) وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ( إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة )(33).

والحديث عن هذه المقاصد العظيمة والمطالب العالية المتعلقة بفضل قيام الليل وشأنه في حياة القلوب وعز النفوس وانشراح الصدور ونعيم الأرواح ومجاهدة النفس والهوى ودفع الأعداء أمرٌ يطول ذكره .

وليس القصد من هذا البحث الحديث عن أقوال السلف وأفعالهم، وإنما هي إشارات يسيرة، بها تنشرح الصدور،وتزكوا القلوب.  

فالقصد هو تقييد بعض المسائل في أحكام قيام الليل وذكر أدلتها وبيان صحيحها من سقيمها. ولا يعظم العلم ويثمر إلا بالفقه الصحيح والعودة إلى الدليل وفهم مقاصد الشريعة وأسرارها وتسخير الجهود في ربط الوسائل بالمقاصد والغايات.

 

المسألة الأولى: افتتاح قيام الليل :

كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين لينشط لما بعدهما من الركعات. 

 عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: " لأرمقن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الليلة فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة"(34).

قال النووي: ولهذا يستحب أن تفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين(35).

وقال صاحب عون المعبود: هذا الحديث يدل على مشروعية افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين لينشط بهما لما بعدهما(36).

ومن الأذكار التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يقولها عند قيامه لليل، ما ورد عن طاوس أنه سمع ابن عباس - رضي الله عنهما-  قال:" كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد قال : اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد - صلى الله عليه وسلم- حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك"(37).

وعن عاصم بن حميد قال: - سألت عائشة ماذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يفتتح به قيام الليل ؟ قالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك . كان يكبر عشرا . ويحمد عشرا . ويسبح عشرا . ويستغفر عشرا . ويقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة" (38).  

 
المسألة الثانية: أفضل ساعات الليل للتهجد:

الأفضل في صلاة الليل الثلث الأخير من الليل لأنه وقت نزول  الرب - جل وعلا-  ، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة  -رضي الله عنه- : " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له"(39) .  

وجاء في صحيح  الإمام مسلم من طريق حفص وأبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : " من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر بالليل مشهودة وذلك أفضل"(40),  وقال أبو معاوية: محضورة ، أي : تحضرها ملائكة الرحمة .

فمن قام في أول الليل أوفي أوسطه، ففعله صحيح إذ قد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ذلك. فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت :" من كل الليل قد أوتر رسول الله من أول الليل وأوسطه وآخره..."(41), إلا أن آخر الليل أفضل لأنه الأمر الذي استقر عليه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم- فقد جاء في الصحيحين عن مسروق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت :" من كل الليل قد أوتر رسول الله فانتهى وتره إلى السحر"(42) .

وفي رواية لمسلم من طريق يحي بن وثّاب عن مسروق عن عائشة قالت : " من كل الليل قد أوتر رسول الله من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر "(43).

وقد ذهب أكثر أهل العلم: إلى أن الوتر من بعد صلاة العشاء، سواء جمعت جمع تقديم مع المغرب، أو أخرت إلى منتصف الليل، وأما قبل صلاة العشاء فلا يصح على الراجح(44).

وقد جاء من طريق ابن هبيرة عن أبي  تميم الجيشاني - رضي الله عنه-  أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه- : خطب الناس يوم جمعة فقال : إن أبا بصرة حدثني أن النبي - صلى الله عليه وسلم-   قال : " إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة

الفجر ....."(45) .وفي مسألة الوتر ثلاثة فروع:

             الفرع الأول : من نام عن وتره أو نسيه قبل صلاة الفجر:  ، فله صلاته بعد طلوع الفجر ، قبل صلاة الصبح . فقد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه-   قال : قال رسول الله - صلى  الله عليه وسلم- : " من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره "(46) .

وورد الإجمال في رواية مسلم"... من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها..." (47).

      وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول الإمام مالك، وقول للشافعي وأحمد(48) - رحمهم الله تعالى- .

الفرع الثاني:  من فاته الوتر حتى طلعت عليه الشمس، فاختف فيه أهل العلم على قولين:

القول الأول: يقضيه شفعاً . واستدلوا بحديث سعد بن هشام بن عامر ...قال: قلت لعائشة –رضي الله عنها-  أنبئيني عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقالت: ألست تقرأ: ﴿ يا أيها المزمل﴾ ؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله - عز وجل-  افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حولا وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. قال قلت يا أم المؤمنين: أنبئيني عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني فلما سن نبي الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعيه الأول فتلك تسع يا بني وكان نبي الله - صلى الله عليه وسلم-  إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ولا أعلم نبي الله - صلى الله عليه وسلم-  قرأ القرآن كله في ليلة ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان قال فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال صدقت لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني - به قال قلت لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها "(49).

الشاهد من الحديث :" وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة".

القول الثاني: أنه يقضيه وتراً. قاله طاووس ومجاهد والشعبي وغيرهم ، وحجتهم في ذلك حديث أبي سعيد ، وقد سبق ذكره ، ولفظه "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره "(50) فهذا الحديث يدل على مشروعية قضاء الوتر بعد طلوع الشمس لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا ذكره ". وقد قال الأوزاعي : ( يقضيه نهاراً وبالليل مالم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة ، ولا يقضيه بعد ذلك لئلا يجتمع وتران في ليلة)(51).

وردوا عن حديث عائشة – رضي الله عنها _ فقالوا: حديث عائشة ليس فيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يوتر، فلعله أوتر أول الليل مقتصراً على أقل العدد لغلبة النوم أو الوجع، فلما أصبح صلى قيام الليل. وفي هذا التوجيه نظر . ويبعد حمل حديث عائشة على أنه أوتر أول الليل فإن هذا الأمر لو حدث لبينت ذلك عائشة فإن هذا الحكم من الأهمية بمكان .

والظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم – عندما صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة لم يكن قد أوتر.. ويؤيده حديث جندب – رضي الله عنه-  قال: "اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين"(52).

 وقول عائشة - رضي الله عنها-  :" صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة " يدل على ذلك فإنه لو أوتر أول الليل لصلى من النهار عشر ركعات. فقد قالت عائشة - رضي الله عنها- :" ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"(53).

وعن حميد بن عبد الرحمن قال: من فاته ورده من الليل فليقرأه في صلاة قبل الظهر فإنها تعدل صلاة الليل(54).

وتفسير هذه الرواية: بأن يصلى من النهار من فاته ورده من الليل ثنتي عشرة ركعة، فيكون قد قضى الوتر شفعا .   

ويجاب عن حديث أبي سعيد: بأنه لم يقل بعمومه أحد من الصحابة والمنقول عن بعضهم  قضاء الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح، فيحمل الحديث على قضاء الوتر في هذا الوقت(بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح)  ولا تعارض بين قوله - صلى الله عليه وسلم-  وفعله – ،وهذا هو الصحيح _ والله أعلم-.

            الفرع الثالث: من ترك الوتر متعمداً حتى طلع الفجر ، فالحق أنه قد فاته ، وليس له حق القضاء . ففي حديث أبي سعيد وقد تقدم تقييدُ الأمر بالقضاء فيمن نام عن وتره أو نسيه، فيخرج منه العامد.  وفي صحيح ابن خزيمة  عن  أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال :" من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له "(55) ، وأصل الحديث في صحيح مسلم أن أبا سعيد أخبرهم أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الوتر ؟ فقال:" أوتروا قبل الصبح"(56) . فدل الحديث على أن وقت الوتر قبل الصبح، واستثني من نام عن وتره أو نسيه فله أن يصليه إذا ذكره ،- والله أعلم-.

المسألة الثالثة : في عدد ركعات قيام الليل  .

ثبتت في السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- من طرق متعددة أنه كان لا يزيد في قيام الليل على إحدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره .

فقد جاء في الصحيحين من طريق مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة - رضي الله عنها-  كيف كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؟ فقالت : " مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ(57) ثمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ: إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"(58). قال الإمام النووي – رحمه الله- :  هذا (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) من خصائص الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم-.

وروى مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر...)(59).

قال ابن عبد البر - رحمه الله-: ( وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة )(60).

وقال الترمذي: وأكثر ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم-  في صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقل ما وصف من صلاته بالليل تسع ركعات(61).

       قال الإمام النووي – رحمه الله- : ورد في البخاري عن عائشة – رضي الله عنها - : أن صلاته - صلى الله عليه وسلم- بالليل سبع وتسع، وعند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن صلاته - صلى الله عليه وسلم- من الليل ثلاث عشرة ركعة وركعتين بعد الفجر سنة الصبح، وفي حديث زيد بن خالد أنه - صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين خفيفتين ثم طويلتين ...فتلك ثلاث عشرة، قال القاضي: قال العلماء: في هذه الأحاديث إخبار كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهد، وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها فيحتمل أن أخبارها بأحد عشرة هو الأغلب وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر وأقله سبع وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة كما جاء في حديث حذيفة وبن مسعود أو لنوم أو عذر مرض أو غيره أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما قالت فلما أسن صلى سبع ركعات أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل كما رواه زيد بن خالد وروتها عائشة بعدها هذا في مسلم، وتعد ركعتي الفجر تارة وتحذفهما تارة(62).

 

وما جاء أن الناس كانوا يقومون في زمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. فقد رواه مالك (63) وغيره لكن بسند منقطع .

وجاء عند عبد الرزاق عن داود ابن قيس وغيره عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أن عمر- رضي الله عنه-  جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة يقرؤون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر ...) (64).

لكنه ورد عند مالك عن محمد بن يوسف:( أن عمر- رضي الله عنه- جمع الناس في رمضان ... بإحدى عشرة ركعة )، وهذا أصح من رواية داود ابن قيس ، وأهل العلم بالحديث يقدمون الأحفظ على من دونه بالحفظ، فرواية ممالك مقدمة، فتقرر بهذا أن السنة عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة، لأن هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم- ، الذي داوم عليه ولم يذكر عنه خلافه، وعليه جرى العمل في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- ووافقه عليه الصحابة ولم يأت عن أحد منهم شيء صحيح يخالف هذا، وغاية ما يحتج به القائلون بسنية ثلاث وعشرين ركعة اجتماع الناس في عهد عمر على ذلك، وعمومات صحّ تقييدها، والمحفوظ أنّه جمعهم على إحدى عشرة ركعة، كما تقدم.

 وأنبه على أن ترجيح هذا القول لا يجعل القول الآخر بدعة ،فالمسألة اجتهادية والخلاف فيها وارد .

وقد قال كثير من أهل العلم بالزيادة، ورأوا أن من صلى عشرين ركعة أو ثلاثاً وعشرين أو أكثر أنه مصيب ومأجور.

وذكر الإمام ابن عبد البر - رحمه الله- إجماع العلماء على هذا فقال: ( وقد أجمع العلماء على أن لا حدّ ولاشيء مقدر في صلاة الليل وأنها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود )(65) .

غير أن البحث  عن الراجح والعمل بالأفضل مطلب من مطالب الشريعة ، وقد بينت السنة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي داوم عليه حتى فارق الحياة وجرى عليه عمل أصحابه من بعده أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره، وهو الصحيح .

تنبيه: لم يصح عن أحد من الصحابة الكرام التفريق في رمضان بين أول الشهر وآخره على عادة الناس اليوم بل كانوا يقومون بهذا العدد طِوال حياتهم، ويجتهدون في العشر الأواخر في الكيفية دون الكمية، فيطيلون القيام والركوع والسجود متلذذين بتدبر القرآن، متنعمين بالوقوف بين يدي رب العالمين، ولم تكن همة أحدهم مصروفة إلى هَذّ القراءة أو تكثير عدد الركعات والإخلال بالطمأنينة .

 

المسألة الرابعة: في كيفية صلاة الليل:

ذهب الإمام مالك(66) والشافعي(67) وأحمد(68)وأبو يوسف ومحمد وغيرهم إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى  إلاّ ركعة الوتر، على خلاف بينهم هل هذا على الوجوب أم على الاستحباب. وحجتهم في هذا ما جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى"(69). وقوله : " مثنى مثنى " معدول عن اثنين اثنين .

وعندما سئل ابن عمر –رضي الله عنهما – عن معنى: مثنى مثنى ؟ قال: أن تسلم في كل ركعتين(70). إذًا فالمراد أن تسلم في كل ركعتين، قيل: وجوباً. وقيل: استحباباً.

قال في المبدع(71): فإن زاد على ذلك فاختار ابن شهاب والمؤلف أنه لا يصح ، وللإمام أحمد فيمن قام في التراويح إلى ثالثة ثلاثة أقوال:

1- يرجع وإن قرأ، لأن عليه تسليماً، ولابد للحديث السابق.

2- يصح مع الكراهة . ذكره جماعة، وهو المشهور، سواء علم العدد أو نسيه ).

         3- لا يكره(72)، وهو مذهب أبي حنيفة حيث قال - رحمه الله-  في صلاة الليل: ( إن شئت ركعتين وإن شئت أربعاً وإن شئت ستاً وثمانياً لا تسلم إلا في آخرهن )(73). والأفضل في مذهب أبي حنيفة: صلاة أربع بسلام واحد(74) لخبر عائشة في الصحيحين حين سألها أبو سلمة بن عبد الرحمن عن كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم- في الليل؟ قالت:" يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي  أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً... "(75).

وهذا الحديث مجمل ليس فيه التصريح بصلاة أربع بسلام واحد، والاحتمال فيه وارد، فعلى الأخذ بالظاهر فيكون صلى الأربع بسلام واحد، وحديث " صلاة الليل مثنى مثنى " يدل على التسليم في كل ركعتين، فللاحتمال السابق يحمل حديث ابن عمر على الاستحباب، وأنه الأكثر استعمالاً.

قال الإمام النووي – رحمه الله- : يجوز جمع ركعات بتسليمة واحدة، وهذا لبيان الجواز وإلا فالأفضل التسليم من كل ركعتين، وهو المشهور من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- (76).

والعبادات الواردة على وجوه متنوعة يعمل بها كلها، وهذا أفضل من المداومة على نوع واحد وهجر غيره  فإن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل الأمرين، وكان يصنع ذلك مثل دعاء الاستفتاح بالصلاة وغيره، وهذا أمر عام في كل العبادات الواردة على هذا الوجه والقول الجامع فيها مراعاة المصالح، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والبلاد والأشخاص - والله أعلم-  .

وعلى أنه يصلي أربعا هل يتشهد في الركعتين أم يصلي الأربع بتشهد واحد؟ لم يرد في ذلك دليل، أما التسليم فلا يسلم إلاّ في آخرهن.

فائدة : قال ابن عبد البر:قوله - صلى الله عليه وسلم-:" صلاة الليل مثنى مثنى..."وقوله -عليه الصلاة والسلام-:" لا وتران في ليلة "(77), ومعلوم أن المغرب إن أعادها كانت إحدى صلاتيه تطوعا وسنة التطوع أن تصلي ركعتين وغير جائز أن يكون وتران في ليلة لأن ذلك لو كان صار شفعا وبطل معنى الوتر فلما كان في إعادة المغرب مخالفة لهذين الحديثين منع مالك من إعادتها(78).  

وأما الوتر:

1-  فله أن يوتر بركعة. لحديث ابن عمر السابق: " فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ...". وعند مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن أبي مجلز قال : سمعت ابن عمر يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : " الوتر ركعة من آخر الليل " وإن صلى قبلها شفعاً فهذا أفضل للرواية الواردة:"... فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت "(79).

قال صاحب عون المعبود:قوله – عليه الصلاة والسلام-: "فإذا خشي أحدكم الصبح" استدل به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر، واستدل به على مشروعية الإيتار بركعة واحدة عند مخافة هجوم الصبح، ويدل أكثر الأحاديث الصحيحة الصريحة على مشروعية الإيتار بركعة واحدة من غير تقييد(80).

وعن عروة عن عائشة – رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين "(81).

وقد يطلق على الركعة سجدة. فعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن ابن عمر حدثهم أن رجلا نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد فقال: يا رسول الله كيف أوتر صلاة الليل ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :" من صلى فليصل مثنى مثنى فإن أحس أن يصبح سجد سجدة فأوترت له ما صلى"(82).

قال الأمام النووي – رحمه الله - : ونستفيد مما سبق أن الوتر ركعة وإن الركعة صلاة صحيحة" (83).

2- وله أن يوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع إلاّ أنه إذا أوتر بثلاث لا يتشهد تشهدين، بل يقتصر على التشهد في آخر الصلاة. عن عائشة – رضي الله عنها -  قالت:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها"(84).

 والسنة أيضاً لمن صلى تسع ركعات أن لا يجلس فيها إلاّ في الثامنة فيجلس ويذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض بدون سلام، ثم يصلى التاسعة ثم يسلم لحديث سعد بن هشام بن عامر قال: قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟ فَقَالَتْ :"كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنْ اللَّيْلِ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا..."(85) . وجاء في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين بعدما سلم وهو قاعد .

فالتنويع في هذه الصيغ أفضل محافظة على السنة واتباعاً للنصوص الواردة في هذا الباب، وعملا بالروايات الصحيحة كلها، والكل سنة بما في ذلك قيام الليل .

قال أبو عمر: القيام في رمضان تطوع، وكذلك قيام الليل كله تطوع، وقد خشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يفرض على أمته، فمن فرضه أوقع ما خشيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وخافه وكرهه على أمته، وإذا صح أنه تطوع فقد علمنا أن التطوع في البيوت أفضل إلا أن قيام رمضان لا بد أن يقام اتباعا لعمر ابن الخطاب، واستدلالا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فإذا قامت الصلاة في المساجد: فالأفضل عندي حينئذ حيث تصلح للمصلى نيته وخشوعه وإخباته وتدبر ما يتلوه في صلاته فحيث كان ذلك مع قيام سنة عمر فهو أفضل إن شاء الله(86).

         المسألة الرابعة: حكم الوتر:

  اختلف الفقهاء في حكم الوتر إلى قولين :

1- أنه سنة مؤكدة ، كما هو قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين . وهو قول مالك والشافعي وأحمد (87)، والأخبار في هذا كثيرة .

2- أنه واجب، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله-(88).وقال غيره : واجب على أهل القرآن.

من أدلة الجمهور:

1- ما ورد في الصحيحين من حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ- رضي الله عنه -  قال:"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصِيَامُ رَمَضَانَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"(89).

الشاهد من الحديث قوله:" لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" فما زاد على الخمس المفروضات فهو تطوع .

2- ما رواه أبو داود في سننه من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصُنابِحِيّ قال : زعم أبو محمد أن الوتر واجب . فقال عبادة بن الصامت : كذب أبو محمد . أشهد أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يقول: " خمس صلوات افترضهن الله - عز وجل- من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه "(90) .

ورواه أبو داود أيضاً من طريق مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمَخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. قَالَ الْمَخْدَجِيُّ فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَقُولُ:" خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ"(91).

ومن أدلة الموجبين :

1- حديث أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ – رضي الله عنه -  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- :" الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ "(92). وهذا الحديث لا يصح  إلاّ موقوفاً . قاله أئمة الحديث(93).

2- وحديث - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:" الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا"(94). وهذا الحديث فيه مقال شديد عند المحدثين، فلا يصح هذا الحديث(95).

3- وحديث علي – رضي الله عنه -   مرفوعاً :" يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر "(96) . وهو دليل لمن أوجب الوتر على أهل القرآن ، وهذا الحديث في صحته نظر، لان الحديث عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ، وأخذ الحديث عن أبي إسحاق جمع ، لكن أحفظ وأضبط من رواه عن أبي إسحق هو سفيان الثوري ، وفي روايته :" الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "(97). 

فترجح من هذا قول الجمهور أن الوتر سنة وليس بواجب وعلى افتراض أن في أحاديث الموجبين شيء من الصحة فتحمل على تأكد السنية إذ قد دلت أحاديث أخرى على عدم الوجوب -والله أعلم-  .

المسألة الخامسة : فيما يقرأ في الوتر:

السنة لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى:1], وفي الثانية: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ [الكافرون:1], وفي الثالثة: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص:1]. لحديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب- رضي الله عنه -  قال :" كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد "(98) .

وأما قراءة المعوذتين بعد الإخلاص :

فقد استحب الإمامان مالك والشافعي - رحمهما الله- قراءة المعوذتين بعد الإخلاص. وذلك لما ورد:

1- من طريق خصيف عن عبد العزيز بن جريج عن عائشة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- " كان يقرأ في الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين"(99) .

2- من طريق يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة به(100).

وقد أنكر الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم زيادة المعوذتين بعد الإخلاص في الوتر.

أقوال المحدثين في الحديث السابق ( حديث عائشة ) الذي ورد من طريق خصيف، ويحي ابن أيوب:

*من طريق خصيف: الحديث فيه انقطاع، قاله الإمام أحمد وابن حبان وجماعة، فإن ابن جريج لم يسمع من عائشة(101).  وقال البخاري: عبد العزيز بن جريج عن عائشة لا يتابع في الحديث(102) . والراوي عن عبد العزيز بن جريج خصيف بن عبد الرحمن وهو سيء الحفظ، وقد ضعفه أحمد وابن خزيمة، وقال يحيى بن سعيد  القطان: (كنا تلك الأيام نجتنب حديث خصيف )(103).

*من طريق يحي ابن أيوب: هذا الحديث صححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي بشيء، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار(104).

وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يُسأل عن يحيى بن أيوب المصري؟ فقال: كان يحدث من حفظه ، وكان لا بأس به ، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى عن عمرة عن عائشة :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ..."الحديث. فقال : ها ، من يحتمل هذا ، وقال مرة : كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا ، وأنكر حديث يحيى خاصة )(105) .

 وقال العقيلي: ( أما المعوذتين فلا يصح ) ففي هذا  الخبر ضعف، فيقرأ المصلي بالوارد من صحيح الأخبار ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1] في الأولى، وفي الثانية ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾  [الكافرون: 1] ، وفي الثالثة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]وكما تقدم فإن الإمام الألباني صحح الحديث .

وبعض أهل العلم لا يرى استحباب تقصد قراءة هذه السور الثلاث(106). وفي هذا الكلام نظر، وحديث أبي بن كعب وارد بذلك.

وقال بعض أهل العلم: لا يداوم على قراءة هذه السور في الوتر لأنه يفضي إلى اعتقاد أنها واجبة(107). لكن هذا التعليل ففيه نظر، وقد تقدم أن الوتر سنة، وقراءة هذه السور مسنون أيضا(108). 

ويستحب إذا سلم من وتره أن يقول: سبحان الملك القدوس ثلاثاً لحديث أبي بن كعب- رضي الله عنه-  قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية ب قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة ب قل هو الله أحد ولا يسلم إلا في آخرهن ويقول يعني بعد التسليم سبحان الملك القدوس ثلاثا"(109).

 وفي حديث عبد الرحمن ابن أبزى وهو صحابي صغير :" ويرفع بسبحان الملك القدوس صوته بالثالثة "(110) . وزاد الدار قطني(111) من حديث أبي ابن كعب:" رب الملائكة والروح " ولا تصح هذه الزيادة، والمحفوظ ما تقدم .

المسألة السادسة: في القنوت:

 أقوال الفقهاء في القنوت في الوتر:      

قال الإمام أحمد: لا يصح فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء....)(112) .

وقال الإمام ابن خزيمة - رحمه الله- : ( ولست أحفظ خبراً ثابتاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم-  في القنوت في الوتر ...)(113) . غير أنه ثبت عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم- كما قال عطاء حين سئل عن القنوت ؟ قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- يفعلونه(114).  وجاء عن بعض الصحابة أنه لا يقنت إلاّ في النصف من رمضان(115).

      وقال الإمام الزهري - رحمه الله- : ( لا قنوت في السنة كلها إلاّ في النصف الآخر من رمضان)(116) . وقال الإمام أبو داود: قلت لأحمد : القنوت في الوتر السنة كلها ؟ قال : إن شئت ، قلت : فما تختار ؟ قال : أما أنا فلا أقنت إلاّ في النصف الباقي، إلاّ أن أصلي خلف الإمام فيقنت فأقنت معه (117) .

     وذكر ابن وهب عن مالك في القنوت في رمضان أنه قال إنما  يكون في النصف الآخر من الشهر(118)  . وهذا مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله-(119). وفي وجه عنده يستحب القنوت في الوتر بالسنة كلها وهذه آخر الروايات عن الإمام أحمد - رحمه الله- (120) .  قال النووي - رحمه الله-: وهذا الوجه قوي في الدليل لحديث الحسن بن علي - رضي الله عنهما-(121) .

      وعمدة القائلين باستحباب القنوت في السنة كلها(122)  هو حديث الحسن بن علي - رضي الله عنهما- قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  كلمات أقولهن في قنوت الوتر " اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت "(123) والحديث من طريق أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن به . ورواه أحمد من طريق يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء بمثله(124) . و إسناده جيد، إلاّ زيادة  ( قنوت الوتر ) . فقد رواه أحمد في مسنده(125) عن يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني بريد بن أبي مريم بلفظ :" كان يعلمنا هذا الدعاء ، اللهم اهدني فيمن هديت ..." وشعبة أوثق من كل من رواه عن بريد فتقدم روايته على غيره، وزيادة الثقة تقبل بضوابط(126) .

                   قال ابن خزيمة - رحمه الله-: ( وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر . قال: وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد أو دلسه عنه. اللهم  إلاّ أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه . ولو ثبت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم-  أنه أمر بالقنوت في الوتر  أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي - صلى الله عليه وسلم-  ولست أعلمه ثابتاً )(127).

       وقد تقدم قول الإمام أحمد ( لا يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ) ولكن ثبت القنوت عن الصحابة(128) - رضي الله عنهم-  على خلاف بينهم ، هل يقنت في السنة كلها أم لا ، والحق فيه أنه مستحب لتعليم النبي – صلى الله عليه وسلم- الحسن ، ولفعل الصحابة الكرام –رضوان الله عليهم- ، والحديث صححه الشيخ الألباني .  

والقنوت يشرع بأي دعاء(129) ليس فيه اعتداء ولا سجع مكلف وتلحين مطرب ونحو ذلك مما اخترعه المتأخرون مما لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا جرى به عمل الأئمة. بل هي اجتهادات فردية ، أدّت إلى هذا ، وقد جرّ هذا الأمر المغلوط إلى إطالة الدعاء والمبالغة فيه بما يشق على المأمومين.

       هذا والأفضل في دعاء القنوت أن يبدأ الداعي أولاً بحمد الله تعالى والثناء عليه ويُثَنّي بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- ثم يدعو فإن هذا أقرب إلى الإجابة من دعاء مجرد من الحمد والثناء . لما روي عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه- قال :" سمع النبي - صلى الله عليه وسلم- رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم- . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- : عجل هذا ثم دعاه فقال له ولغيره : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم- ، ثم ليدع بعد بما شاء "(130) .

       قال ابن القيم - رحمه الله- : ( المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته كما في حديث فضالة بن عبيد ) (131).  وقد دل هذا الحديث على أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- من أسباب إجابة الدعاء ومن هنا كان أبيُ بن كعب يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم-  في قنوته بالصحابة(132) .

وسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي على النبي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  أيها المصلي أدع تجب وسل تعط(133).

 وقال الإمام إسماعيل القاضي: ... عن عبد الله بن الحارث أن أبا حليمة معاذاً كان يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم-  في القنوت )(134) . وهذا سند صحيح إلى أبي حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري وهو مختلف في صحبته .وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وهو ممن أقامه عمر بن الخطاب يصلى التراويح بالناس في شهر رمضان(135).

         المسألة السابعة : رفع اليدين في القنوت:

وأما رفع اليدين في القنوت فقد منعه الإمام الأوزاعي وجماعة من أهل العلم(136) . حتى قال الإمام الزهري: ( لم تكن ترفع الأيدي في الوتر في رمضان)(137).

 وذهبت طائفة من أهل العلم وهم الجمهور: إلى استحبابه لأن الأصل في الدعاء رفع اليدين. وقد قاسه جماعة من الفقهاء وأهل الحديث على قنوت النوازل . فقد سئل الإمام أحمد عن القنوت في الوتر قبل الركوع أم بعده وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر ؟ فقال : القنوت بعد الركوع . ويرفع يديه . وذلك على قياس فعل النبي - صلى الله عليه وسلم-  في القنوت في الغداة (138) .

وقال أبو داود : سمعت أحمد سئل ، يرفع يديه في القنوت ؟ قال: نعم يعجبني . قال أبو داود: فرأيت أحمد يرفع يديه في القنوت(139) . وذكر البخاري في جزء رفع اليدين(140) . من طريق أبي عثمان قال : كان عمر يرفع يديه في القنوت ، وقال البخاري:- رحمه الله-: ( وهذه الأحاديث كلها صحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-   وأصحابه لا يخالف بعضها بعضاً....) .

وذكر عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرأ في آخر ركعة من الوتر قل هو الله أحد ثم يرفع يديه فيقنت قبل الركعة(141).  

وقال البيهقي - رحمه الله- : (...إلا أن عدداً من الصحابة - رضي الله عنهم- رفعوا أيديهم في القنوت مع  ما رويناه عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم- )(142).

المسألة الثامنة: مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء:

 لم يثبت فيه حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ، ولم يصح عن الصحابة - رضي الله عنهم- لا في القنوت ولا في غيره، وقد اعتاد بعض العامة فعل ذلك ولم يرد ذلك . واعتاد آخرون رفع الأيدي عقب النوافل ومسح الوجه بها بدون دعاء .

قال الإمام أبو داود في مسائله(143) : سمعت أحمد سئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ ؟  قال: لم أسمع به . وقال مرة : لم أسمع فيه بشيء . قال : ورأيت أحمد لا يفعله .

وسئل مالك - رحمه الله- عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء ؟ فأنكر ذلك وقال : ما علمت )(144) .

قال العظيم آبادي: (ويستحب رفع اليدين فيه( أي الدعاء) ولا يمسح الوجه. وقيل: يستحب مسحه)(145).

ونقل المباركفوري قولا فقال: في الحديث دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء قيل: وكأن المناسبة أنه تعالى لما كان لا يردهما صفرا فكأن الرحمة أصابتهما فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم(146).

ونقل صاحب مغني المحتاج عن العز ابن عبد السلام فقال: (وأما مسح الوجه عقب الدعاء خارج الصلاة فقال ابن عبد السلام بعد نهيه عنه: لا يفعله إلا جاهل)(147)، وقال صاحب فقه العبادات: ولا يسن مسح الوجه أو الصدر عقب القنوت (148).

       وقال الحافظ البيهقي- رحمه الله- :( فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة وقد روي فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- حديث فيه ضعف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف - رضي الله عنهم- من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة)(149).

وسئل الشيخ ابن عثيمين: ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، ‏والجسم، وتقبيل العينين ؟
الجواب: الحمد لله لا يشرع مسح الوجه بعد الدعاء ، وقد تواتر في السنة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم- ربَّه ، ولم يثبت أنه كان يمسح وجهه بعد دعائه.

وقد استدل من قال بالمسح بأحاديث ، لكنها – عند التحقيق – ليست صحيحة ، ولا يقوِّي بعضها بعضاً .

والذي يظهر – والله أعلم أن الأولى تركه،وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .

 

كتبه الفقير إلى عفو ربه / يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ 1جماد الأول 1427ه الموافق 29/5/2006م.

مراجعة: علي عمر بلعجم.


(1) إحياء علوم الدين 1/357.

(2) شرح النووي على مسلم 1/168 .

(3) صحيح مسلم 2/821، برقم: 1163، سنن النسائي 3/206 ، برقم: 1613.

(4) سنن الترمذي 5/552 ، برقم: 3549، صحيح ابن خزيمة 4/313، برقم: 1072، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ قَالَ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسماعيل يَقُولُ مُحَمَّدٌ الْقُرَشِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّامِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَبِي قَيْسٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ وَقَدْ تُرِكَ حَدِيثُهُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وقال الشيخ الألباني: حسن ، مختصر إرواء الغليل 1/91، برقم: 452، وصححه في الجامع الصغير وزيادته 1/753، برقم: 7528،وضعفه في السلسلة الضعيفة 11/350 ، برقم: 5348 ، وهذا بسبب اختلاف الطرق فحسنه من رواية أبي أمامة، انظر: صحيح الترمذي 3/178، برقم: 2814 .

(5) سنن الترمذي 5/552, برقم: 3549، قال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح الترمذي 3/178، برقم: 2814 .

(6) سنن ابن ماجه1/426, برقم: 1344، سنن النسائي 3/258، برقم: 1787، وقال الشيخ الألباني: حسن، الجامع الصغير وزيادته 1/1089، برقم: 10885 .

(7) مطوية:مبنية الجوانب .

(8) قرنان : جانبان.

(9) لم ترع : لا خوف عليك .

(10) البخاري 1/378، برقم: 1070.

(11) البخاري 1/387، برقم: 1101

(12)سنن ابن ماجه 1/540، برقم: 1693، قال في الزوائد: في إسناده زمعة بن صالح ،وهو ضعيف، وقال الشيخ الألباني: ضعيف،انظر: السلسلة الضعيفة 6/259، برقم: 2758.

(13) البخاري 1/255، برقم: 696.

(14) التمهيد 7/208 .

(15) البخاري 1/380، برقم: 1078، ومسلم 4/2171، برقم: 2819.

(16) التهجد لابن أبي الدنيا ص 285.

(17) إحياء علوم الدين 1/356 .

(18) تفسير الطبري 6/402، تفسير القرطبي 4/84 ، تفسير البغوي 2/37 كلا هما من قول الأوزاعي .

(19) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 329.

(20) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 313.

(21) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 323.

(22) إحياء علوم الدين 1/355 .

(23) الأذكار للنووي 1/249 .

(24) إحياء علوم الدين 1/356 .

(25) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 338، ويروى هذا القول لحسان بن عطية، انظر: صفة الصفوة 4/222 .

 (26)صفة الصفوة 3/262، تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 334 .

(27) مقدمة الجرح والتعديل للإمام أبي حاتم 1/85 – 86 .

(28)حلية الأولياء 9/275 .

(29) العهود المحمدية 1/442 .

(30)ويروى هذا القول لبشر، انظر: ذم الهوى 1/184 .

(31) إحياء علوم الدين 1/355 .

(32)الوابل الصيب للإمام ابن القيم 58 .

(33) الوابل الصيب للإمام ابن القيم 57 .

(34) صحيح مسلم 1/531، برقم: 765.

(35) شرح النووي على مسلم 6/10 .

(36) عون المعبود 4/143 .

(37) البخاري 1/377، برقم: 1069.

(38) سنن أبي داود 1/263، برقم: 766، سنن ابن ماجه 1/431، برقم: 1356 ، سنن النسائي 3/208، برقم: 1617، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/146، برقم: 693 .

(39) البخاري 1/384، برقم: 1094، ومسلم 1/521، برقم: 758.

(40) مسلم 1/520، برقم: 755.

(41) مسلم 1/520، برقم: 755.

(42) البخاري 4/77، برقم: 941، ومسلم 4/100، برقم: 1230.

(43) مسلم 1/520، برقم: 755.

(44) نقل ابن عبد البر في الاستذكار 5/287، والقرطبي في المفهم 2/382 الاتفاق على هذا مع أن فقهاء الأحناف ذكروا أنه يؤدى في وقت العشاء ، انظر البناية 2/575 .

(45) مسند الإمام أحمد مسند أحمد بن حنبل 2/180، برقم: 6693، تعليق شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره ،وقال عنه ابن رجب في فتح الباري: إسناده جيد 9/146، قال الشيخ الألباني: صحيح ،صحيح الترغيب والترهيب 1/145، برقم: 596 .

وبلفظ:" إن الله زادكم صلاة فحافظوا عليها وهي الوتر" قال الشيخ الألباني : صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/266، برقم: 2653.

(46) سنن أبي داود 1/454، برقم: 1431. وقال: صحيح على شرط الشيخين من طريق محمد بن مطرف المدني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح أبي داود 1/268، برقم: 1268.

(47) صحيح مسلم 1/471، برقم: 680.

(48) انظر الاستذكار 5/288، وعون المعبود 4/309، وشرح مسلم للنووي 6/24، والمبدع في شرح المقنع 2/4 .

(49) صحيح مسلم 1/512، برقم: 746.

(50) تقدم تخريجه .

(51) فتح الباري لابن رجب 9/160، وانظر الأوسط لابن المنذر 5/194 .

(52) البخاري 1/378، برقم: 1072 .

(53) البخاري 1/372، برقم: 1051، ومسلم 1/509، برقم: 738.

(54) سنن النسائي 3/260، برقم: 1793، قال الشيخ الألباني : صحيح مقطوع ، صحيح وضعيف سنن النسائي 4/437، برقم: 1793.

(55) رواه ابن خزيمة في صحيحه 2/148، برقم: 1092من طريق أبي داود الطيالسي عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي نضرة، قال الشيخ الألباني: أخرجه الحاكم 1/302 وعنه البيهقي وقال : صحيح على شرط مسلم . ووافقه الذهبي . وأما البيهقي فأعله بقوله : "ورواية يحيى ابن أبي كثير كأنها أشبه يعني الحديث الأول ولا وجه لهذا الإعلال بعد صحة الإسناد وهو بمعنى الحديث الأول بل هو أصرح منه وأقرب إلى التوفيق بينه وبين حديث ابن مطرف، إرواء الغليل 2/153 - 154 .

(56) مسلم 1/519، برقم: 754 .

(57) المعنى : أنهن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيات بظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنه، شرح النووي على مسلم

 6/20 .

(58) البخاري 4/319، برقم: 1079، ومسلم 4/89 ، برقم: 1219.

(59) الموطأ رواية يحيى الليثي 1/115، برقم: 251، سنن البيهقي الكبرى 2/496، برقم: 4392، شرح معاني الآثار للطحاوي 1/293، برقم: 1610، قال الشيخ الألباني: سنده صحيح، صلاة التراويح 1/53، برقم: 52 .

(60) الاستذكار 5/236 .

(61) سنن الترمذي 2/305 .

(62) شرح النووي على مسلم 6/18- 19 بتصرف .

 (63)الموطأ رواية يحيى الليثي 1/115، برقم: 252 .، قال الشيخ الألباني: ضعيف، مختصر إرواء الغليل 1/90، برقم: 446 .

(64)المصنف 4/260, برقم: 7730، قال الشيخ الألباني : جاء من رواية السائب بن يزيد قال: " كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة قال : وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان -رضي الله عنه- من شدة القيام " قلت : هذه الطريق بلفظ العشرين هي عمدة من ذهب إلى مشروعية العشرين في صلاة التراويح، وظاهر إسناده الصحة ولهذا صححه بعضهم، ولكن له علة بل علل تمنع القول بصحته وتجعله ضعيفا منكرا وبيان ذلك : أن ابن خصيفة هذا وإن كان ثقة، فقد قال فيه الإمام أحمد في رواية عنه: " منكر الحديث ". ولهذا أورده الذهبي في " الميزان " ، صلاة التراويح 1/57، برقم: 56.

(65) الاستذكار 5/244 .

(66)الاستذكار 5/237 – 249 – 255 .

(67)المجموع 4/49 – 51 ، تحفة الأحوذي 2/416 .

(68) مسائل الإمام أحمد 2/296 رواية ابنه عبد الله ومسائل أبي داود ص 72 .

(69) صحيح البخاري 2/278، برقم: 452، صحيح مسلم – 4/112، برقم: 1239.

(70) صحيح مسلم 1/518, برقم: 749.

(71) المبدع 2/21 .

(72) الإنصاف 2/187 .

(73)البناية في شرح الهداية 2/613 ، وانظر الاستذكار 5/237 .

(74) تحفة الأحوذي 2/416 .

(75) تقدم تخريجه ص 12.

(76) شرح النووي على مسلم 6/20 .

(77)سنن أبي داود 4/227، برقم: 1227، سنن الترمذي 2/283، برقم: 432 ، من رواية قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي يُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ آخِرِهِ فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ بَعْدَهُمْ نَقْضَ الْوِتْرِ وَقَالُوا يُضِيفُ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَيُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يُوتِرُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَقُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَغَيْرِهِمْ إِذَا أَوْتَرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ وَيَدَعُ وِتْرَهُ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَحْمَدَ وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ صَلَّى بَعْدَ الْوِتْرِ، وهذه أشارة من الأمام الترمذي إلى حديث :" ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ" وسيأتي تخريجه ص17 ، سنن النسائي 6/172، برقم: 1661، قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود 3/439، برقم: 1439.

(78) التمهيد 4/258 .

(79) البخاري 1/180، برقم: 461 .

(80) عون المعبود 4/146.

(81) صحيح مسلم 1/508، برقم: 736 .

(82) صحيح مسلم 1/518، برقم: 749 .

(83) شرح النووي على مسلم 6/16 .

(84) صحيح مسلم 1/508، برقم: 737 .

(85) مسلم 4/104، برقم: 1233.

(86) انظر:التمهيد 8/120 .

(87) الاستذكار 2/82 ، المجموع 4/19 .

(88) البناية في شرح الهداية 2/565 حاشية رد المختار 2/3 ، 4 .

(89) صحيح البخاري 1/80، برقم: 44،صحيح مسلم 1/91، برقم: 12.

(90) سنن أبي داود 2/14، برقم: 361 ، قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1 /556، برقم: 5553 .

(91) سنن أبي داود 4/203، برقم: 1210، قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/556، برقم: 5553 .

(92) سنن أبي داود 4/206، برقم: 1212، قال الشيخ الألباني: ضعيف ، الجامع الصغير وزيادته 1/1431، برقم: 14306.

(93) قاله: أبو حاتم والذهلي والدار قطني وغيرهم . قال ابن حجر : وهو الصواب ، انظر التلخيص 2/14 .

(94) سنن أبي داود 4/202، برقم: 1209 قال الشيخ الألباني : ضعيف، الجامع الصغير وزيادته 1/1431، برقم: 14306.

(95) وفي إسناده عبيد الله بن عبد الله العتكي، قال عنه البخاري: عنده مناكير ، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلاّ به، انظر الضعفاء 3/121، وقال ابن حبان: يجب مجانبة ما ينفردبه كتاب المجروحين 2/64 .

(96) رواه أبو داود 4/199، برقم: 1207 من طريق زكريا والنسائي وابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش كلاهما عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي به، ورواه سفيان الثوري وغيره عند الترمذي والنسائي عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي - رضي الله عنه- قال: الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا هو المحفوظ فإن سفيان أحفظ وأضبط من كل من رواه عن أبي إسحق. قال الترمذي في جامعه: وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش 2/317، قال الشيخ الألباني :حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب 1/145، برقم: 594.

(97) سنن الترمذي 2/255، برقم: 415، قال الشيخ الألباني : صحيح لغيره، صحيح الترغيب والترهيب 1/144، برقم: 592.

(98) سنن النسائي 3/244، برقم: 1732، قال الشيخ الألباني: صحيح ،صحيح ابن ماجة 1/193، برقم: 962.

(99) يسنن الترمذي 2/326، برقم: 463، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، قال الشيخ الألباني: صحيح ، صحيح ابن ماجة 1/193، برقم: 963.

(100)رواه ابن حبان في صحيحه 10/335، برقم: 2473، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 1/193، برقم: 963.

(101)كتاب المراسيل 112 لابن أبي حاتم، ومشاهير علماء الأمصار 145 لابن حبان .

(102) التاريخ الكبير 6/23.

(103)انظر: المجروحين لابن حبان 1/283 .

(104)انظر: التلخيص 2/18 – 19 .

(105) الضعفاء للعقيلي 4/391 ، وتنقيح التحقيق 2/1061 .

(106)انظر: مختصر قيام الليل ص 303 ، والبناية 2/585 – 586 .

(107)انظر: حاشية الروض المربع 2/188 .

(108) انظر: أحكام قيام الليل لسليمان ابن ناصر العلوان ص 21-22-23 .

(109) سنن النسائي 3/235، برقم: 1710، قال الشيخ الألباني: صحيح ، صحيح أبي داود 1/268 ، برقم 1267.

(110) سنن النسائي 3/244، برقم: 1732، قال الشيخ محمد ابن عبد الله الخطيب التبريزي : صحيح، مشكاة المصابيح 1/283، برقم: 1275.

 (111)سنن الدارقطني 2/31 .

(112) التلخيص لابن حجر 2/18 .

(113)صحيح ابن خزيمة 2/151 .

(114) مختصر قيام الليل ص 66 .

(115) مصنف ابن أبي شيبة 2/98، برقم: 6934، وكذلك 2/99، برقم: 6935 ، قال الشيخ الألباني: ضعيف، ضعيف أبي داود 1/142، برقم: 311.

(116) رواه عبد الرزاق في المصنف /3/121، برقم: 4995.

(117) كتاب مسائل الإمام أحمد لأبي داود . ص 66 .

(118) الاستذكار 5/166 .

(119) المجموع للنووي 4/15 .

(120)انظر مسائل أحمد 1/99 رواية اسحاق بن إبراهيم . والإنصاف 2/170 .

(121) المجموع 4/15 .

(122) رسالة في أحكام قيام الليل لسليمان ابن ناصر العلوان ص 25-26 .

(123) سنن أبي داود 1/452، برقم: 1425، وسنن الترمذي 2/328، برقم: 464، وقال : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان ولا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في القنوت في الوتر شيئا أحسن من هذا .واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر: فرأى عبد الله بن مسعود: القنوت في الوتر في السنة كلها واختار القنوت قبل الركوع،وهو قول بعض أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحق وأهل الكوفة.

وقد روي عن علي بن أبي طالب : أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان وكان يقنت بعد الركوع،وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعي وأحمد، سنن الترمذي 2/328، سنن النسائي 3/248، برقم: 1745، سنن ابن ماجه 1/372، برقم: 1178، قال الشيخ الألباني: صحيح ، صحيح أبي داود 1/267، برقم: 1363.

(124) مسند أحمد بن حنبل 1/199، برقم: 1718، تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات، قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح ابن ماجة 1/194، برقم: 967.

 (125)أحمد في مسنده 1/200، برقم: 1723، تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح، قال الشيخ الألباني: صحيح ، صحيح أبي داود 1/267، برقم: 1363.

(126) انظر نظم الفرائد 376 للحافظ العلائي ، والنكت على كتاب ابن الصلاح 2/604 – 687 للحافظ ابن حجر .

(127) صحيح ابن خزيمة 2/152, برقم: 1096.

 (128)وأهل العلم مختلفون في محل القنوت فقال قوم بعد الركوع: وقال آخرون: قبل الركوع وسبب اختلافهم أنه لم يثبت في هذا الباب شيء .وقاسه أهل العلم على قنوت النوازل، والصحيح في المسألة جواز الأمرين .قال الإمام أحمد : وبعد الركوع أحب إلي. انظر مسائل أحمد رواية إسحاق بن إبراهيم 1/100 .

(129) انظر: أحكام قيام الليل لسليمان ابن ناصر العلوان ص 29 .

(130) سنن أبي داود 1/467، برقم: 1481، سنن الترمذي 5/517، برقم: 3477، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/278، برقم: 1314.

  (131)الوابل الصيب 110 .

(132) رواه ابن خزيمة في صحيحه 2/155/156، برقم: 1100.

(133) صحيح ابن خزيمة 1/351 ، برقم: 709، قال الشيخ الألباني: أحرجه النسائي بسند صحيح، صفة الصلاة 1/181 .

(134) فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- ص 86 .

 (135)انظر تهذيب الكمال 28/117 .

 (136)انظر مختصر قيام الليل ص 320 .

(137) رواه عبد الرزاق 3/122، برقم: 4999.

 (138)مختصر قيام الليل ص 318 .

 (139)كتاب مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص /66 .

(140) البخاري في رفع اليدين ص 68 .

(141) المعجم الكبير 9/283، برقم: 9425.

 (142)السنن الكبرى 2/211، برقم: 2965،

 (143)أبو داود ص 71 .

 (144)مختصر قيام الليل 327 .

(145) عون المعبود 4/222

(146) تحفة الأحوذي 9/232

(147) مغني المحتاج 1/165 .

(148) فقه العبادات - شافعي 1/307

(149) سنن البيهقي الكبرى 2 /212، برقم: 2968.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الزكاة في القرض
الأحد 30 سبتمبر 2012
 

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد - صلى الله عليه، وعلى آله وسلم - وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:-

فقد سألني بعض أصدقائي من التجار عن زكاة القرض له وعليه، فنويت أن أبحث هذه المسألة، وذلك على النحو الآتي:

1.    تعريف القرض لغة.

2.    تعريف القرض اصطلاحاً.

3.    زكاة من عليه دين. مع ذكر مذاهب الفقهاء في هذه المسألة، مبتدأً بمذهب الحنفية، ثم المالكية، ثم الشافعية، ثم الحنابلة.

4.    زكاة الدائن عن ديونه. مع ذكر مذاهب الفقهاء كما تقدم.

5.    الخلاصة والترجيح.


تعريف القرض لغة:

قال الصاحب بن عباد: (أقْرَضْت فلاناً: وهو ما تُعْطِيه لِيَقْضِيَكَه. ومن العَرَب مَنْ يَقُول: أقْرَضْتُه قِرْضاً، بكَسْرِ القاف)(1)، وقال الجوهري: (قَرَضْتُ الشيءَ أقْرِضُهُ - بالكسر - قَرْضاً: قطعته. يقال: جاء فلانٌ، وقد قَرَضَ رباطه. والفأرةُ تَقْرِضُ الثوب... والقَرْضُ: ما تعطيه من المال لتُقْضاهُ. والقِرْضُ: لغةٌ فيه. واستقرَضْتُ من فلان: أي طلبت منه القَرْضَ، فأقْرَضَني. واقْتَرَضْتُ منه: أي أخذت منه القَرْضَ. والقَرْضُ أيضاً: ما سَلَّفْتُ من إحسان ومن إساءة؛ وهو على التشبيه. وقال الله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ [الحديد: 18] ". وقَرَضْتُهُ قَرْضاً، وقارَضْتُهُ: أي جازيته)(2).

تعريف القرض اصطلاحاً:

عرَّفه ابن عابدين الحنفي بقوله: (ما تعطيه من مثليٍ لتتقاضاه)(3)، وعرَّفه في مجمع الأنهر بقوله: (عقدٌ مخصوصٌ، يرِد على دفع مالٍ مثليٍ لأخر؛ ليردَّ مِثله)(4)، ونقل الدسوقي عن ابن عرفة المالكي قوله: (دفع متمول، في عوض، غير مخالف له، لا عاجلاً؛ تفضلاً فقط، لا يوجب إمكان عارية لا تحل، متعلقاً بذمة)(5)، وعرَّفه الأنصاري الشافعي بقوله : (يطلق اسماً بمعنى الإقراض، وهو: تمليك الشيء على أن يرُدّ بدله)(6).

وسُمّي القرض بذلك؛ لأن المُقرِض يقطع للمقترض قطعةً من ماله. ويسميه أهل الحجاز سلفاً(7). ويسمى أيضاً دينٌ.

وسيتم بحث هذه المسألة - وهي زكاة القرض - من جهتين:

الأولى: زكاة من عليه دين.

الثانية: زكاة الدائن عن ديونه.

 

أولاً: زكاة من عليه دين:

من كان له مالٌ قد بلغ نصاباً، وقد دار عليه الحول، وكان عليه ديون للناس، فهل يجب عليه أن يزكي ماله هذا، أم أن الدين يسقط عنه وجوب الزكاة عليه؟ للعلماء في ذلك آراء وأقوال كالآتي:

·       مذهب الحنفية:

ذهب الحنفية إلى أنه لا زكاة على من كان عليه قرض يحيط بماله، وهو مطالب به من جهة العباد، فأما من كان عليه نذر أو كفارة، فلا يؤثر دلك في وجوب الزكاة عليه، إن بلغ ماله نصاباً، ودار عليه الحول(8). قال في العناية: (ومن كان عليه دين يحيط بماله، وله مطالب من جهة العباد، سواء كان لله كالزكاة، أو للعباد كالقرض، وثمن المبيع، وضمان المتلفات، وأرش الجراحة، ومهر المرأة. سواء كان من النقود أو من غيرها، وسواء كان حالاً أو مؤجلاً، فلا زكاة عليه)(9). وقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أن الدين يمنع وجوب العُشُر(10).

وقال بعض الحنفية: إن مهر المرأة المؤجل لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه غير مطالب به عادة، فأما المعجّل فيطالب به عادة، فيمنع وجوبها(11).

وقال بعضهم: إن كان الزوج على عزم من قضائه مَنَعَ الزكاة، وإن لم يكن على عزم القضاء لا يمنع؛ لأنه لا يعدُّه ديناً، وإنما يؤاخذ المرء بما عنده في الأحكام(12).

وقد عُلِّل عدم وجوب الزكاة عليه إن كان عليه دين يحيط بماله، بعلتين هما(13):

1.  أنه مشغول بحاجته الأصلية فاعتُبر معدوماً، ومعنى ذلك أنه مُعدٌّ لما يدفع الهلاك حقيقة أو تقديراً؛ لأن صاحبه يحتاج إليه؛ لأجل قضاء الدين دفعاً للحبس والملازمة عن نفسه، وكلُ ما هو كذلك اعتبر معدوماً، كالماء المستحق بالعطش لنفسه أو دابته، وثياب المهنة.

2.    وبأن ذلك راجع إلى نقصان الملك، فإن لصاحب الدين أن يأخذه من غير رضاه، ولا قضاء، فكان ملكاً ناقصاً.

فأما من كان ماله أكثر من دينه، فإنه يزكي الفاضل، إذا بلغ نصاباً. قال في العناية: (وإن كان ماله أكثر من دينه، زكّى الفاضل، إذا بلغ نصاباً؛ لفراغه عن الحاجة الأصلية)(14).

وقد استدل الحنفية على عدم وجوب الزكاة عليه، بأدلة منها:

1.  حديث عثمان بن عفان قال: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض دينه حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة "(15). قالوا: قال ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يُنكر عليه أحد منهم، فكان ذلك إجماعاً منهم على أنه لا تجب الزكاة في القدر المشغول بالدين، وبه تبين أن مال المديون خارج عن عمومات الزكاة(16).

2.    واستدلوا أيضاً بحديث " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"(17).

3.  ولأنه محتاج إلى هذا المال حاجة أصلية؛ لأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية، والمال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون مالاً للزكاة؛ لأنه لا يتحقق به الغنى(18).

 

·       مذهب المالكية:

ذهب المالكية إلى أن الدين يمنع زكاة المال الدراهم والدنانير، إلا أن كان المدِين له عروض تجارة فيها وفاء من دينه، فإنه لا يمنع. قال ابن رشد في بداية المجتهد:( وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناضّ فقط(19)، إلا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يمنع)(20). وهو ما نص عليه في المدونة حيث قال: (أرأيتَ لو أني أقرضت رجلاً مائة دينار، وقد وجبت عليّ زكاتها، ولم أخرج زكاتها، حتى أقرضتها، فمكثت عند الذي أقرضتها إياه سنتين، ثم ردها، ماذا يجب علي من زكاتها؟ فقال: زكاة عامين، وهي الزكاة التي كانت وجبت عليك، وزكاة عام بعد ذلك أيضاً، وهو قول مالك)(21).

وحجتهم في أن الدين يمنع الزكاة في مال من عليه الدين، أن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين لا مال من هو في بيده(22).

وأما تفرقتهم بين الناضِّ وغير الناضِّ، فقد قال ابن رشد: (وأما من فرَّق بين الحبوب وغير الحبوب، وبين الناضِّ وغير الناضِّ، فلا أعلم له شبهة بيِّنة)(23).

·       مذهب الشافعية:

للشافعية ثلاثة أقوال في هذه المسألة، وهي زكاة الرجل عن ماله مع كونه مديناً للغير، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وسواء كان من جنس المال أم لا.

الأول: لا زكاة على هذا المال مادام المرء مديناً للغير، بحيث أنه لو سدد ما عليه من الديون فإن النصاب سينكسر.

والثاني: عليه الزكاة.

والثالث: لا زكاة عليه في الأموال الباطنة، وهي الذهب والفضة وعروض التجارة، وعليه الزكاة في الأموال الظاهرة، وهي الماشية والزرع والثمر والمعدن.

قال النووي في الروضة: (الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ فيه ثلاثة أقوال: أظهرها، وهو المذهب والمنصوص في أكثر الكتب الجديدة: لا يمنع، والثاني: يمنع، قاله في القديم واختلاف العراقيين، والثالث: يمنع في الأموال الباطنة، وهي الذهب والفضة وعروض التجارة، ولا يمنع في الظاهرة، وهي الماشية والزرع والثمر والمعدن؛ لأن هذه نامية بنفسها. وهذا الخلاف جارٍ، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وسواء كان من جنس المال أم لا، هذا هو المذهب)(24). وقد قيل عندهم: إن القولين الأولين فيما إذا كان مال المدين من جنس الدين، فإن خالفه وجبت الزكاة قطعاً، وضعّف النووي هذا القول في المجموع(25)، ثم قال: (فالحاصل: أن المذهب وجوب الزكاة، سواء كان المال باطناً أو ظاهراً، أم من جنس الدين أم غيره. قال أصحابنا: سواء دين الآدمي، ودين الله عز وجل، كالزكاة السابقة، والكفارة، والنذر وغيرها)(26).

وقد ذكر النووي علة القول بوجوب الزكاة - وهو القول الجديد في المذهب - بأن الزكاة تتعلق بالعين، والدين يتعلق بالذمة؛ فلا يمنع أحدهما الآخر، كالدين وأرش الجناية لا يمنع أحدهما الآخر (27).

وعُلّل القول بعدم وجوب الزكاة - وهو القول القديم في المذهب – بعلتين، هما:

1.    ضعف ملك المديون.

2.    أن مستحق الدين (وهو الدائن) تلزمه الزكاة؛ فلو أوجبناها على المديون أيضاً، أدى ذلك إلى تثنية الزكاة في المال الواحد(28).

وعُلّل القول بالفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة، بأن الظاهرة نامية بنفسها(29).

·       مذهب الحنابلة:

عند الحنابلة لا زكاة على المديون في أمواله الباطنة إن كان النصاب سينقص(30). قال ابن قدامة: (ولا زكاة في مال من عليه دين يُنقص النصاب، إلا في المواشي والحبوب في إحدى الروايتين. وجملة ذلك: أن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة، وهي الأثمان وعروض التجارة، وبه قال عطاء، وسليمان بن يسار، والحسن، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي)(31). وقال أيضاً: (وإنما يمنع الدين الزكاة، إذا كان يستغرق النصاب أو يُنقِصه، ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب، أو ما لا يستغنى عنه)(32).

وعن أحمد: يمنع الدين الحال خاصة، كما جزم به في الإرشاد، وغيره(33).

والأموال الباطنة كما قال أبو الفرج هي: الذهب والفضة، وقال غيره: وقيمة عروض التجارة. وفي المعدن وجهان عندهم(34).

واختلفوا في زكاة الأموال الظاهرة على قولين: وجوب الزكاة، وعدم الوجوب. قال ابن قدامة في الشرح الكبير: (فأما الأموال الظاهرة، وهي المواشي والحبوب والثمار، ففيها روايتان: إحداهما: أن الدين يمنع وجوب الزكاة فيها لما ذكرنا. قال أحمد في رواية إسحق بن إبراهيم: يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة فيزكيه، ولا يكون على أحد دينه أكثر من ماله صدقة في إبل أو بقر أو غنم أو زرع، وهذا قول عطاء، والحسن، والنخعي، وسليمان بن يسار، والثوري، والليث، وإسحق. والرواية الثانية: لا يمنع الزكاة فيها، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي)(35)، ثم أورد ابن قدامة عن الإمام أحمد رواية ثالثة وهي: أنه لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة، إلا في الزروع والثمار فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة(36)، وعنه: خلا الماشية، وهو ظاهر كلام الخرقي، ومذهب ابن عباس؛ لتأثير ثقل المؤنة في المعشرات(37).

وقد استدلوا على عدم وجوب الزكاة في الأموال الباطنة، من الذهب والفضة وعروض التجارة، بأدلة منها:

1.    ما تقدم عن عثمان بن عفان. قالوا: قال ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فدل على اتفاقهم عليه(38).

2.  واستدلوا بحديث ابن عمر–رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا كان للرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم، فلا زكاة عليه"(39)وهذا نص في المسألة.

3.  ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم – لما بعث معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن قال له:" ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوه لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوه لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم "(40)، فدل على أنها إنما تجب على الأغنياء ولا تدفع إلا إلى الفقراء، وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة، فيكون فقيراً، فلا تجب عليه الزكاة؛ لأنها إنما تجب على الأغنياء؛ للخبر، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " لا صدقة إلا عن ظهر غنى "، فأما من لا دين عليه، فهو غني بملك النصاب فهو بخلاف هذا؛ يُحقِّق هذا أن الزكاة إنما وجبت؛ مواساة للفقراء، وشكراً لنعمة الغنى، والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل حاجة الملك لدفع حاجة غيره وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إبدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذى قرابتك "(41).

وإنما فرَّقوا بين الأموال الباطنة والظاهرة؛ لأن تعلُّق الزكاة بالظاهرة أبلغ في التأكيد لظهورها، ولأن الفقير يتعلق قلبه بها. قال ابن قدامة في الشرح الكبير: (والفرق بين الأموال الباطنة والظاهرة أن تعلق الزكاة بالظاهرة آكد لظهورها، وتعلُّق قلوب الفقراء بها؛ ولهذا يشرع إرسال السعاة؛ لأخذها من أربابها، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث السعاة، فيأخذون الصدقات من أربابها، وكذلك الخلفاء بعده، ولم يأت عنهم أنهم طالبوا أحداً بصدقة الصامت، ولا استكرهوه عليها، إلا أن يأتي بها طوعاً، ولأن السعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يسألون عما على صاحبها من الدين، فدل أنه لا يمنع زكاتها، ولأن تعلق الأطماع من الفقراء بها أكثر، والحاجة إلى حفظها أوفر، فتكون الزكاة فيها أوكد)(42).

ثم اختلف الحنابلة في وجوب الزكاة في الدَّين المؤجل، بعد اتفاقهم على عدم وجوبه في الدَّين الحال، فالمعتمد: أنه لا فرق بين الدَّين الحال والمؤجل في عدم الوجوب، وقال ابن أبي موسى: إن المؤجل لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه غير مطالب به في الحال(43).

 

ثانياً: زكاة الدائن عن ديونه:

من كان له قرض عند آخر، وكان هذا القرض قد بلغ نصاباً، وقد دار عليه الحول، ولمّا يقضه المدِين ما عليه، ففي وجوب الزكاة على المُقرِض عن هذا القرض، أقوال للفقهاء كالآتي:

·       مذهب الحنفية:

القرض عندهم إما أن يكون مجحوداً به، ومضى عليه أحوال ثم أقر به، وقبضه: فهذا لا تجب الزكاة فيه للسنين الماضية، وإما أن يكون القرض مقرّاً به، ومن عليه القرض موسراً، وهذا على ثلاث مراتب:

1.  دين قوي: وهو الذي وجب بدلاً عن مال التجارة، كثمن عرض التجارة من ثياب التجارة، وعبيد التجارة، أو غلة مال التجارة. ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى، ما لم يقبض أربعين درهماً، فكلما قبض أربعين درهماً، أدَّى درهماً واحداً، وعند أبي يوسف ومحمد: كلما قبض شيئاً يؤدي زكاته، قلَّ المقبوض أو كثُر(44).

2.  ودين ضعيف: وهو الذي وجب للرجل بدلاً عن شيء، سواء وجب له بغير صنعه كالميراث، أو بصنعه كالوصية، أو وجب بدلاً عما ليس بمال كالمهر، وبدل الخلع، والصلح عن القصاص، وبدل الكتابة. ولا زكاة فيه ما لم يقبض كله، ويحول عليه الحول بعد القبض(45).

3.  ودين وسط: وهو ما وجب للرجل بدلاً عن مال ليس للتجارة، كثمن عبد الخدمة، وثمن ثياب البذلة والمهنة. وفيه روايتان عن أبي حنيفة، الأولى: تجب فيه الزكاة قبل القبض، لكن لا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم، فإذا قبض مائتي درهم، زكَّى لما مضى، الثانية: لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين، ويحول عليه الحول من وقت القبض، وهو أصح الروايتين عنه(46).

وقال أبو يوسف ومحمد: الديون كلها سواء، وكلها قوية – ويسمونها ديون مطلقة - تجب الزكاة فيها قبل القبض، إلا الدية على العاقلة، ومال الكتابة، فإنه لا تجب الزكاة فيها أصلاً ما لم تقبض، ويحول عليها الحول(47).

ووجه قولهما أن ما سوى بدل الكتابة والدية على العاقلة، ملك صاحب الدين مِلكاً مطلقاً، رقبةً ويداً؛ لتمكنه من القبض بقبض بدله، وهو العين، فتجب فيه الزكاة، كسائر الأعيان المملوكة ملكاً مطلقاً، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لأنه ليس في يده حقيقة، فإذا حصل في يده، يخاطب بأداء الزكاة قدر المقبوض، كما هو مذهبهم في العين فيما زاد على النصاب، بخلاف الدية وبدل الكتابة؛ لأن ذلك ليس بملك مطلق، بل هو ملك ناقص(48).

ووجه قول أبي حنيفة وجهان:

1.  أن الدين ليس بمال، بل هو فعلُ واجب، وهو فعل تمليك المال، وتسليمه إلى صاحب الدين. والزكاة إنما تجب في المال، فإذا لم يكن مالاً، لا تجب فيه الزكاة(49).

2.  أن الدين مال مملوك أيضاً، لكنه مال لا يحتمل القبض؛ لأنه ليس بمال حقيقة، بل هو مال حكمي في الذمة، وما في الذمة لا يمكن قبضه، فلم يكن مالاً مملوكاً، رقبة ويداً، فلا تجب الزكاة فيه، مثل مال الضمار، فقياس هذا أن لا تجب الزكاة في الديون كلها؛ لنقصان الملك بفوات اليد، إلا أن الدين الذي هو بدل مال التجارة، التحق بالعين في احتمال القبض؛ لكونه بدل مال التجارة قابل للقبض، والبدل يقام مقام المبدل، والمبدل عين قائمة قابلة للقبض، فكذا ما يقوم مقامه(50).

 

·       مذهب المالكية:

الدين يُزكى عند المالكية زكاة واحدة، إذا قبضه صاحبه لسنة من حين زكى أصله، أو ملك أصله، إن لم تجر فيه الزكاة، لا من حين قبضه، وسواء أقام عند المدين سنين، أو سنة أو بعض سنة، كما لو أقام الدين عند مالكه بعد زكاته ستة أشهر، وستة أشهر عند المدين(51).

ومحل تزكيته لعام فقط، إن لم يؤخر قبضه فراراً من الزكاة، وإلا زكاه لكل عام مضى، عند ابن القاسم، بخلاف ما إذا كان الدين أصله هبة أو صدقة، واستمرا بيد الواهب والمتصدق، أو كان صداقاً بيد الزوج، أو كان خلعاً بيد دافعه، أو كان أرش جناية بيد الجاني، أو وكيل كلٍ مما تقدم ذكره، فلا زكاة فيه، إلا بعد حول من قبضه(52).

وللمالكية تفاصيل وتفريعات كثيرة، ليس المقام محلاً لها(53).

·       مذهب الشافعية:

لا زكاة عند الشافعية على إقراض السيد لعبده فيما يسمى بالكتابة، وكذا في إقراض الماشية، وتجب عندهم الزكاة في إقراض الدراهم، والدنانير، وعروض التجارة في المشهور عنهم، وهو قول الشافعي الجديد.

قال النووي: (الدين الثابت له على الغير أحوال:

أحدها: أن لا يكون لازماً، كمال الكتابة، فلا زكاة فيه.

والثاني: أن يكون لازماً، وهو ماشية، فلا زكاة أيضاً.

والثالث:أن يكون دراهم أو دنانير أو عروض تجارة، فقولان، القديم: لا زكاة في الدين بحال. والجديد- وهو المذهب الصحيح المشهور-وجوبها في الدين على الجملة)(54).

ولهم خلاف وتفصيل في زكاة القرض ذكره النووي، مَرَدُّه إلى إمكان استيفاء القرض من المُقرَض أم لا. قال النووي:

(إن تعذر الاستيفاء؛ لإعسار من عليه الدين، أو جحوده ولا بينة، أو مطَلِه، أو غيبته، فهو كالمغصوب، تجب الزكاة على المذهب. وقيل: تجب في الممطول، وفي الدين على مليء غائب قطعاً، ولا يجب الإخراج قبل حصوله قطعاً.

وإن لم يتعذر استيفاؤه، بأن كان على مليء باذل، أو جاحدٍ عليه بينة، أو يعلمه القاضي، وقلنا يقضى بعلمه، فإن كان حالّاً وجبت الزكاة، ولزم إخراجها في الحال، وإن كان مؤجلاً، فالمذهب أنه على القولين في المغصوب. وقيل: تجب الزكاة قطعاً، وقيل: لا تجب قطعاً. فإن أوجبناها، لم يجب الإخراج، حتى يقبضه على الأصح، وعلى الثاني: تجب فيه الحال)(55). وبنحوه ذكر الأنصاري في أسنى المطالب(56).

·       مذهب الحنابلة:

القرض عند الحنابلة إما أن يكون على مقر به باذل، فهذا يلزم فيه الزكاة. وأما إن يكون على معسر، أو جاحد، أو مماطل به. فهذا تجب فيه الزكاة في إحدى الروايتين عن أحمد.

قال ابن قدامة: (الدين على ضربين، أحدهما: دين على معترف به باذل له، فعلى صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى، رُوي ذلك عن علي - رضي الله عنه - وبهذا قال الثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.

والضرب الثاني: أن يكون على معسر، أو جاحد، أو مماطل به. فهذا هل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين، إحداهما: لا تجب، وهو قول قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق. والرواية الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى. وهو قول الثوري، وأبي عبيد)(57).

وقد علَّلوا وجوب الزكاة على المقرِض للباذل؛ بأن المقرِض يقدر على قبض ملكه من الباذل، والانتفاع به، فلزمته زكاته لما مضى كسائر أمواله، ولا يجب عليه زكاته قبل قبضه؛ لأنه دين ثابت في الذمة، فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، كالدين على المعسر، ولأن الزكاة تجب على سبيل المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به(58).

وأما المعسر، فقد علّلوا عدم وجوب الزكاة على الرواية الأولى بأنه غير مقدور على الانتفاع به، أشبه مال المكاتب.

كما علّلوا وجوب الزكاة عليه بناء على الرواية الثانية بعلتين هما:

1.    ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إن كان صادقاً، فليزكه إذا قبضه لما مضى. وروي نحوه عن ابن عباس.

2.    وبأنه مال مملوك يجوز التصرف فيه، فوجبت زكاته لما مضى، كالدين على المليء(59).

 

  

الخلاصة والترجيح:

النظر في زكاة القرض واقعٌ من جهتين:

1.    زكاة من عليه دين.

2.    زكاة الدائن عن ديونه.

فأما زكاة من عليه دين، فمذاهب الفقهاء فيه كالآتي:

·       فأما الحنفية فقالوا: لا زكاة على من كان عليه قرض متعلق بالعباد يحيط بماله.

·       وأما المالكية، فالدين عندهم يمنع زكاة الناضّ فقط، إلا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يمنع.

·       وأما الشافعية، فعندهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وسواء كان من جنس المال أم لا، وهي:

1.          لا زكاة على هذا المال، مادام المرء مديناً للغير، بحيث أنه لو سدد ما عليه من الديون، فإن النصاب سينكسر.

2.          عليه الزكاة.

3.    لا زكاة عليه في الأموال الباطنة، وهي الذهب والفضة وعروض التجارة، وعليه الزكاة في الأموال الظاهرة، وهي الماشية والزرع والثمر والمعدن.

·       وأما الحنابلة، فعندهم في الأموال الباطنة، روايات:

1.          لا زكاة على المديون في أمواله الباطنة، وهي الأثمان وعروض التجارة، إن كان النصاب سينقص.

2.          وعن أحمد: يمنع الدين الحالّ خاصة.

واختلفوا في زكاة الأموال الظاهرة، على قولين:

1.          وجوب الزكاة.

2.          عدم الوجوب.

ثم اختلفوا أيضاً في وجوب الزكاة في الدَّين المؤجل بعد اتفاقهم على عدم وجوبه في الدَّين الحالّ، على قولين:

1.          فالمعتمد عندهم: أنه لا فرق بين الدَّين الحال والمؤجل، في عدم الوجوب.

2.          وقال ابن أبي موسى: إن المؤجل لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه غير مطالب به في الحال.

والراجح، والله أعلم: هو القول بعدم وجوب الزكاة على من كان عليه دين، حتى يقضي دينه، إن كان النصاب سينكسر أو سيقِل، بإخراج زكاة ماله، وذلك للآتي:

1.          قوة أدلة من قال بعدم وجوب الزكاة عليه.

2.          أدلتهم غير قابلة للتأويل، وغير قابلة للرد عليها.

وأما الرد على أدلة القائلين بوجوب الزكاة، فكالآتي:

1.  أما القول بأن الزكاة تتعلق بالعين، والدين يتعلق بالذمة. فأين الدليل على أن هذه العلة مؤثرة في الحكم، ثم إن الزكاة تؤول إلى تعلقها بذمة مخرِجها للفقير، إن تأخر عن إخراجها للفقير، فهل يقولون بوجوبها عليه مرة أخرى؛ لتعلقها بالعين في المرة الأولى بحسب زعمهم، وتعلقها بالذمة؛ لأنها أصبحت ديناً للفقير في ذمته - في المرة الثانية؟!

2.  وأما قياس الزكاة على أرش الجناية، في أن أحدهما لا يمنع الآخر، فقياس مع الفارق؛ لأن الزكاة لا تسقط بإسقاط الفقير لها عن الغني، بل يجب عليه أن يخرجها لغيره، بخلاف أرش الجناية، فيسقط بإسقاط المجني عليه لها. ثم إن الزكاة قد اجتمع فيها حقان: حق لله وحق للفقير، بخلاف أرش الجناية، فهي حق محض للمجني عليه، وحق العبد مبني على المشاحّة. ثم إن أرش الجناية فيه معنى العقوبة على الجاني؛ لاعتدائه وسوء فعله بدون حق، فحقُّ ذلك أن يُشدَّد عليه، بإيجاب الدين عليه، وكذا أرش الجناية، بخلاف الزكاة، فليس فيها معنى العقوبة على المزكي، بل فيها معنى المواساة للفقير، فحق ذلك ألا يُشدَّد عليه بإيجاب الزكاة والدين معاً، ما دام دينه سيُنقِص النصاب.

وأما الرد على أدلة القائلين بوجوب الزكاة في الأموال الظاهرة دون الباطنة، بأن الظاهرة نامية بنفسها بخلاف الباطنة، فكالآتي:

1.  ذلك غير مسلَّم؛ لأنه لا يوجد دليل على اعتبار النماء بالنفس علة للزكاة، وإلا للزم من هذا، القولُ بعدم وجوب الزكاة فيما كان نامياً لا بنفسه، كالذهب والفضة وعروض التجارة. ثم إنه كان من الأحرى أن يقال: إن النماء هو الوصف المؤثر، سواء كان النمو بالنفس أو بغير النفس. ثم إن نماء الذهب، والفضة، وعروض التجارة أسرع وأكبر من نماء الماشية، والزرع، والثمر، والمعدن، وهي أموال ظاهرة، فكان يلزم على هذا إيجاب الزكاة فيها من باب الأولى.

2.  وأما استدلالهم بحديث " فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم "، وكذا حديث " لا صدقة إلا عن ظهر غنى " فلا أدري ما وجه الاستدلال بهما على الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة؛ لأن الغنى كما يكون بامتلاك الماشية والزرع والثمر والمعدن - وهي أموال ظاهرة - فإنه يكون أيضاً بامتلاك الذهب والفضة وعروض التجارة - وهي أموال باطنة - من بابٍ أولى. وأما استدلالهم بحديث " إذا كان للرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم، فلا زكاة عليه " فتقدم كلام ابن عبد الهادي فيه، وأنه حديث منكر أو موضوع.

3.  وأما قولهم: إن تعلُّق الزكاة بالأموال الظاهرة، أبلغ في التأكيد لظهورها، ولأن الفقير يتعلق قلبه بها، بخلاف الباطنة. فهذه حكمة للحكم، وليست علةً، وإنما تُعلّق الأحكام بالعلل لا بالحكم.

وأما الرد على من فرّق بين الناضِّ وغير الناضِّ، فيكفي في الرد عليه قول ابن رشد المتقدم.

 

وأما زكاة الدائن عن ديونه، فللعلماء في ذلك تفصيل وخلاف، خلاصته كالآتي:

·   فأما الحنفية، فقالوا: القرض المجحود به إن أقرَّ به المقرَض، فإنه لا تجب فيه الزكاة على المقرِض للسنين الماضية، وأما القرض المقرّ به على الموسر، فهو على ثلاث مراتب:

1.  دين قوي: ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب - على الجملة - بأداء شيء من زكاة ما مضى. قال أبو حنيفة: ما لم يقبض أربعين درهماً، وقال أبو يوسف ومحمد: كلما قبض شيئاً فعليه أن يؤدِ زكاته قلَّ المقبوض أو كثُر.

2.    ودين ضعيف: لا زكاة فيه ما لم يُقبض كله، ثم يحول عليه الحول.

3.    ودين وسط: وفيه روايتان عن أبي حنيفة:

                                                          أ‌-         تجب فيه الزكاة قبل القبض، لكن لا يخاطب بالأداء، ما لم يقبض مائتي درهم.

                                                       ب‌-      لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين، ويحول عليه الحول من وقت القبض، وهو أصح الروايتين عنه.

وقال أبو يوسف ومحمد: الديون كلها سواء، وكلها قوية تجب الزكاة فيها قبل القبض.

·   وأما المالكية، فالدين عندهم يُزكَّى زكاة واحدة، إذا قبضه صاحبه لسنة من حين زكى أصله، أو ملك أصله، إن لم تجر فيه الزكاة كل ذلك إن لم يؤخر قبضه فراراً من الزكاة.

·   وأما الشافعية، فتجب الزكاة عندهم في إقراض الدراهم، والدنانير، وعروض التجارة فقط، ولهم خلاف وتفصيل في زكاة القرض، مَرَدُّه إلى إمكان استيفاء القرض من المُقرَض، فتجب فيه الزكاة إن كان حالّاً، ولا تجب إن كان مؤجلاً على قولٍ غير معتمد، أم لا يمكن استيفاؤه، فتجب الزكاة فيه عندهم على المعتمد من المذهب.

·   وأما الحنابلة، فالقرض عندهم تجب فيه الزكاة إن كان على مقر به باذل،. وتجب فيه الزكاة في إحدى الروايتين عن أحمد، إن كان على معسر، أو جاحد، أو مماطل.

والظاهر عندي أن يقال: إنه لا زكاة في هذا القرض إن كان على معسر، أو جاحد به، أو مماطل؛ لأن وجوده وعدمه على السواء، فلا يُجمع على المقرِض بين مشقتين: مشقة البحث عن دينه وتحصيله، ومشقة إيجاب الزكاة عليه عن ماله الضائع هذا، والذي لا يستطيع الوصول إليه.

وأما إن كان على مقر به باذل، فهذا تجب فيه الزكاة، إذا قبضه، ودار عليه الحول، ما لم يتأخر في قبضه عمداً؛ للفرار من الزكاة، فيحسب عليه الحول على الفور، حتى وإن لم يقبضه.

والله تعالى أعلى وأعلم، وهو الموفق للصواب.

 

 

والحمد لله رب العالمين

وهو الهادي إلى سواء السبيل  

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي

علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الخميس – 3 ذو القعدة 1427هـ، 23/11/2006م

 مراجعة: علي عمر بلعجم 4/12/2006م.



(1)  المحيط في اللغة (1/440).

(2)  الصحاح في اللغة (2/71).

(3)  الدر المختار (5/286).

(4)  مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (5/348).

(5)  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (12/450). قال الدسوقي: (فأخرج بقوله: متمول، دفع غير المتمول، كقطعة نار فليس بقرض، وقوله: في عوض، أخرج دفعه هبة، وقوله: غير مخالف له، أخرج السلم والصرف، وقوله: لا عاجلاً، عطف على محذوف، أي حالة كون ذلك العوض مؤجلاً لا معجلاً، وأخرج بهذا المبادلة، المثلية، كدفع دينار أو إردب في مثله حالاً، وقوله: تفضلاً أي حالة كون ذلك الدفع تفضلاً، أو لأجل التفضل، ولا يكون الدفع تفضلاً، إلا إذا كان النفع للمقترض وحده، وقوله: لا يوجب إمكان، أي لا يقتضي ذلك الدفع جواز عارية لا تحل، واحترز بذلك من دفعٍ يقتضي جواز عارية لا تحل، فلا يسمى قرضاً شرعاً بل عارية، وقوله: متعلقاً بالذمة حال من عوض. انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (12/450).

(6)  أسنى المطالب (9/96).

(7)  أسنى المطالب (9/96).

(8)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/390).

(9)  العناية شرح الهداية (3/51).

(10)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/390).

(11)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/391).

(12)  المصدر السابق.

(13)  العناية شرح الهداية (3/51).

(14)  العناية شرح الهداية (3/52).

(15)  سنن البيهقي الكبرى (4/148), برقم: 7396، قال الألباني: صحيح. إرواء الغليل (3/260), برقم: 789.

(16)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/390).

(17)  صحيح البخاري (5/ 2048), برقم: 5041، صحيح مسلم (2/ 717), برقم: 1034.

(18)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/390).

(19)  قال ابن منظور الأفريقي في لسان العرب (7/236): (والنَّضُّ الدِّرهم الصامِتُ، والناضُّ من المَتاعِ ما تحوَّل ورِقاً أَو عيناً. قال الأَصمعي: اسم الدراهم والدنانير عند أَهل الحجاز: الناضُّ، والنضُّ. وإِنما يسمونه ناضّاً، إِذا تحوّلَ عيناً بعدما كان مَتاعاً؛ لأَنه يقال: ما نضَّ بيدي منه شيء)، وانظر: القاموس المحيط (1/845).

(20)  بداية المجتهد (1/197).

(21)  المدونة (2/128).

(22)  انظر: بداية المجتهد (1/197).

(23)   بداية المجتهد (1/197).

(24)  روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/213)، المجموع (5/343).

(25)  انظر: المجموع (5/344).

(26)  انظر: المجموع (5/344).

(27)  المجموع (5/344).

(28)  انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/214).

(29)  المجموع (5/344).

(30)  الشرح الكبير لابن قدامة (2/451).

(31)  الشرح الكبير لابن قدامة (2/450)، المغني (5/438).

(32)  الشرح الكبير لابن قدامة (2/453).

(33)  انظر: الفروع لابن مفلح (3/385)، الإنصاف (4/422).

(34)  الفروع لابن مفلح (3/385).

(35)  الشرح الكبير لابن قدامة (2/451)، الفروع لابن مفلح (3/385).

(36)  انظر: الشرح الكبير لابن قدامة (2/452)، الفروع لابن مفلح (3/385). 

(37)  انظر: الفروع لابن مفلح (3/385)، الإنصاف (4/422).

(38)  الشرح الكبير لابن قدامة (2/451)، المغني (5/438).

(39)  تنقيح تحقيق أحاديث التعليق (2/217) برقم 1063. قال ابن عبد الهادي الحنبلي:( هذا الحديث منكر، يشبه أن يكون موضوعاً).

(40)  صحيح البخاري (2/505) برقم 1331، صحيح مسلم (1/50) برقم 19.

(41)  انظر: الشرح الكبير لابن قدامة (2/451)، المغني (5/438) بتصرف، والحديث في صحيح مسلم (2/692), برقم: 997.

(42)  الشرح الكبير لابن قدامة (2/452).

(43)  الشرح الكبير لابن قدامة (2/451).

(44)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/403)، تحفة الفقهاء (1/293).

(45)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/403)، حاشية رد المحتار (2/332)، تحفة الفقهاء (1/294).

(46)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/403) تحفة الفقهاء (1/294)، حاشية رد المحتار (2/333).

(47)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/403) تحفة الفقهاء (1/294)، حاشية رد المحتار (2/333).

(48)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/404) تحفة الفقهاء (1/294)، حاشية رد المحتار (2/333).

(49)  انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  (3/404).

(50)  المصدر السابق.

(51)  انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (6/222)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (1/468).

(52)  انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير (1/468)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/363).

(53)  انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير (1/469)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/364)، منح الجليل شرح مختصر خليل (3/366).

(54)  روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/212).

(55)  روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/213).

(56)  أسنى المطالب (4/467 وما بعدها).

(57)  المغني (5/448) بتصرف.

(58)  انظر: الشرح الكبير لابن قدامة (2/442)، المغني (5/448).

(59)  انظر: المغني (5/448).

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم إمامة الفاسق
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد - صلى الله عليه، وعلى آله وسلم - وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:-

فلقد كثرت الفتن في هذا الزمان، واختلطت الأمور على الناس، وازداد الشقاق بين المسلمين، وتوسعت دائرة الخلاف بينهم، وتسلط الكافرون والمنافقون على المسلمين، ورفعوا لواء الحرب على الإسلام والمسلمين، ووجهت أصابع الاتهام للعلماء والصالحين، وازداد التضييق عليهم، وحاولوا محاصرتهم وعزلهم عن المجتمعات وعن حياة الناس، حتى آل الأمر إلى عزل بعضهم عن الخطب وإمامة الناس في صلاتهم، وربما وُلِّي أئمة غير متورعين عن المعاصي والشهوات، بل ربما جاهر بعضهم بها، وقد غَذَّى هذا الأمر وأعان عليه وجودُ العصبيات، مع تفرق المسلمين وتشتتهم وتمزقهم، حتى وُجِد التساؤل عند بعضهم عن حكم هذه الصلوات التي يؤدونها خلف هؤلاء الأئمة العصاة غير المتلبسين ببدع مكفرة، وهذه المسألة ليست جديدة بل هي قديمة قد تحدث العلماء عنها تحت عنوان: حكم إمامة الفاسق؛ فعزمت مستعيناً بالله تعالى على بيان حكم الشرع في هذه المسألة، فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل:

تعريف الإمام لغة واصطلاحاً:

قال ابن منظور: (تَأَمَّم به وأْتَمَّ: جعله أَمَّةً، وأَمَّ القومَ وأَمَّ بهم: تقدَّمهم، وهي الإِمامةُ. والإِمامُ كل من ائتَمَّ به قومٌ، كانوا على الصراط المستقيم، أَو كانوا ضالِّين، والإِمامُ ما ائْتُمَّ به من رئيسٍ وغيرِه. والجمع أَئِمَّة، وفي التنزيل العزيز ﴿ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴾ [التوبة: 12]أَي: قاتِلوا رؤساءَ الكُفْر وقادَتَهم، الذين ضُعَفاؤهم تَبَعٌ لهم. وإِمامُ كلِّ شيء قَيِّمُهُ والمُصْلِح له، والقرآنُ إِمامُ المُسلمين، وسَيدُنا محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِمام الأَئِمَّة، والخليفة إمام الرَّعِيَّةِ، وإِمامُ الجُنْد قائدهم)(1)، وقال الفيروز آبادي: (وأمَّهُمْ وبهم: تَقَدَّمَهُمْ، وهي: الإمامةُ. والإمامُ: ما ائْتُمَّ به من رئيسٍ أو غيرِهِ)(2)، وقال الرازي: (وأَمَّ القوم في الصلاة يؤم، مثل رد يرد، إمامةً، وأْتَمَّ به: اقتدى)(3).

وقد عرَّف العدوي المالكي الإمامة، فقال: (صفة حكمية توجب لموصوفها كونه متبوعاً لا تابعاً)(4).

تعريف الفسق لغة واصطلاحاً:

قال الفيروز آبادي: (الفِسْقُ، بالكسرِ: التَّرْكُ لأَمْرِ اللّهِ تعالى والعِصْيانُ، والخُروجُ عن طَرِيقِ الحَقِّ، أو الفُجورُ، كالفُسوقِ، فَسَقَ كنَصَرَ وضَرَبَ وكَرُمَ، فِسْقاً وفُسوقاً. وإنه لَفِسْقٌ: خُروجٌ عن الحَقِّ. وفَسَقَ: جارَ، وعن أمرِ ربِّهِ خَرَجَ، والرُّطَبَةُ عن قِشْرِها: خَرَجَتْ، كانْفَسَقَتْ. قيلَ: ومنه: الفاسِقُ؛ لانْسلاخِهِ عن الخَيْرِ. ورجلٌ فُسَقٌ، كصُرَدٍ وسِكِّيتٍ: دائمُ الفِسْقِ)(5)، وقال المرتضى الزبيدي: (الفِسْق، بالكَسْر: التّرْكُ لأمْر الله عزّ وجلَّ والعِصْيانُ والخُروجُ عن طَريق الحَقِّ سبحانَه، قالَه اللّيث. أو هو الفُجورُ، كالفُسوقِ بالضّمِّ. وقيل: هو المَيْلُ إلى المَعصِية. قال الأصبهانيُّ: الفِسْق أعمُّ من الكُفْر، والفِسْقُ يقعُ بالقَليلِ من الذُنُوبِ وبالكَثيرِ، ولكِن تُعورِفَ فيما كانَ بكَثيره. وأكثرُ ما يُقالُ الفاسِقُ لمَنْ التَزَم حُكمَ الشّرع وأقرّ بهِ، ثم أخلّ بجَميعِ أحكامِه أو ببَعْضِها. وإذا قيل للكافِر الأصل فاسِق؛ فلأنّه أخَلّ بحُكمِ ما ألزمَه العَقل واقتَضَتْه الفِطْرَةُ)(6).

وعرَّف أبو النجا الحجاوي الحنبلي الفاسقَ، فقال: (الفاسق: من أتى كبيرة، أو داوم على صغيرة)(7).

مكانة الإمامة:

قال السرخسي: (والأصل فيه أن مكان الإمامة ميراثٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه أول من تقدم للإمامة، فيختار له من يكون أشبه به خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكان استنبط منه الخلافة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، قالت الصحابة بعد موته: أنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المختار لأمر دنياكم. فإنما يختار لهذا المكان، من هو أعظم في الناس)(8).

الأحق بالإمامة:

قال السرخسي: (ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنة، وأفضلهم ورعاً، وأكبرهم سناً؛ لحديث أبي مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا سواء، فأعلمهم بالسنة. فإن كانوا سواء، فأقدمهم هجرة. فإن كانوا سواء فأكبرهم سناً، وأفضلهم ورعاً "(9)، وزاد في حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - " فإن كانوا سواء فأحسنهم وجهاً "(10))(11).

على أن الفسق ينقسم على قسمين:

1.    فمنه ما هو فسق من جهة العمل.

2.    ومنه ما هو فسق من جهة الاعتقاد.

والمسألة التي سأتحدث عنها هي الفسق من جهة العمل.

وأما حكم هذه الصلاة خلف الفاسق من جهة العمل، فهو كالآتي:

·       مذهب الحنفية:

ذهب الحنفية إلى صحة الصلاة خلف الفاسق العاصي لله سبحانه، غير المتلبس ببدعة مكفرة، إلا أن تقدُّمه للإمامة عندهم مكروه. قال السرخسي: (ويجوز إمامة الأعمى، والأعرابي، والعبد، وولد الزنا، والفاسق. وغيرهم أحب إليَّ)(12). ثم قال: (قال أبو يوسف في الأمالي: أكره أن يكون الإمام صاحب هوى أو بدعة، لأن الناس لا يرغبون في الإقتداء به)(13)، وقال في الكتاب: (ويكره تقديم العبد، والأعرابي، والفاسق، والأعمى، وولد الزنا. فإن تقدموا جاز)(14)، وقال في اللباب في شرح الكتاب: (ويكره تنـزيها تقديم الفاسق؛ لأنه يتهم بأمر دينه)(15).

وقد نقل الطحاوي عن البدر العيني قوله: (يجوز الاقتداء بالمخالف، وكل بر وفاجر، ما لم يكن مبتدعاً بدعة يكفُر بها، وما لم يتحقق من إمامِه مفسداً لصلاته في إعتقاده أهـ. ثم قال: وإذا لم يجد غير المخالف، فلا كراهة في الاقتداء به، والاقتداء به أولى من الانفراد، على أن الكراهة لا تنافي الثواب. أفاده العلامة نوح)(16).

وأما المتلبس ببدعة غير مكفرة، فقد كره أبو يوسف إمامته أيضاً، وهو ما ذكره الكاساني حيث قال: (وإمامة صاحب الهوى والبدعة مكروهة، نص عليه أبو يوسف في الأمالي، فقال: أكره أن يكون الإمام صاحب هوى وبدعة؛ لأن الناس لا يرغبون في الصلاة خلفه. وهل تجوز الصلاة خلفه؟ قال بعض مشايخنا: إن الصلاة خلف المبتدع لا تجوز. وذكر في المنتقى رواية عن أبي حنيفة أنه كان لا يرى الصلاة خلف المبتدع. والصحيح: أنه إن كان هوى يكفره: لا تجوز، وإن كان لا يكفره: تجوز مع الكراهة)(17).

·       مذهب المالكية:

الفاسق عند المالكية إما فاسق بحارحته أو فاسق بصلاته، والمعتمد عندهم هو صحة إمامة الفاسق بالجارحة، كزان وشارب خمر وعاق لوالديه ونحو ذلك، ما لم يتعلق فسقه بالصلاة، كأن يقصد الكِبر بتقدمه إماماً، أو يخل بركن من أركان الصلاة، أو شرط من شروطها، أو سنة من سننها، على القول عندهم بأن الإخلال بما ذُكِر مبطل للصلاة مطلقاً، وعلى اعتبار ما يعتبر تعمد فعله مبطل للصلاة وذلك في مذهبهم أيضاً، ولهم تفصيل وتفريع كثير في هذه المسألة(18). قال أبو البركات الدردير: (والمعتمد أنه لا تشترط عدالته، فتصح إمامة الفاسق بالجارحة، مالم يتعلق فسقه بالصلاة، كأن يقصد بتقدمه الكِبر، أو يخل بركن أو شرط، أو سنة على أحد القولين في بطلان صلاة تاركها عمداً، على أن عدم الإخلال بما ذكر شرط في صحة الصلاة مطلقاً...)(19).

وأما القول ببطلان الصلاة عندهم خلف الفاسق بالجارحة، فهو الذي ذكره خليل بن إسحاق المالكي في مختصره حيث قال: (وبطلت باقتداء بمن بان كافراً أو امرأة أو خنثى مشكلاً، أو مجنوناً، أو فاسقاً بجارحة، أو مأموماً، أو محدثاً، إن تعمد أو علم مؤتمُّه)(20)، وقال اللخمي: إن كان فسقه لا تعلق له بالصلاة - كالزنا وغصب المال – أجزأته، لا إن تعلق بها كالطهارة(21). وقال ابن بشير: (القسم الثاني من موانع الإمامة، ما يرجع إلى الجوارح، وهو الفاسق بجوارحه كشارب الخمر وما في معناه. وفي صحة الصلاة خلف من هذه حاله قولان: أحدهما: أنه لا تصح؛ لأنه إذا ارتكب كبيرة أمكن أن يترك ما يؤتمن عليه من فروض الصلاة. والثاني: صحت إمامته؛ لأن فسقه غير متعلق بأحكام الصلاة، وهو خلاف في حال، وإنما ينبغي أن يعتبر حاله. فإن كان من التهاون والاستهزاء بحيث يمكن أن يترك بعض الفروض، فلا تصح إمامته. وإن كان ممن اضطره هوى غالب إلى ارتكاب كبيرة مع براءته من التهاون والجرأة، صحت إمامته. وهذا يُعلم بقرينة الحال)(22).

وللمالكية أقوال أخرى في هذه المسألة، ذكرها الحطاب الرعيني في مواهب الجليل(23)، وهي كالآتي:

1.  قال ابن بزيزة: المشهور إعادة من صلى خلف صاحب كبيرة أبداً. وقال الأبهري: هذا إذا كان فسقه مجمعاً عليه، كالزنا وترك الطهارة، وإن كان بتأويل أعاد في الوقت. وعلى هذا القول تكون الصلاة باطلة.

2.  وقال ابن حبيب: من صلى خلف شارب الخمر أعاد أبداً، إلا أن يكون الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة، فلا إعادة عليه، إلا أن يكون سكراناً حينئذ.

وقد نقل الحطاب الرعيني أيضاً في المواهب(24) أقوال ستة عن ابن عرفة في إعادة صلاة المؤتم بالفاسق، وهي كالآتي:

1.    يعيد في الوقت.

2.    يعيد أبداً.

3.    يعيد إن تأول.

4.    لم يعد أبداً، إن كان الإمام الفاسق، هو الوالي أو الخليفة.

5.    إن خرج فسقه عن الصلاة أجزأت، وإلا فيعيد أبداً.

6.    لا إعادة عليه.

وقال في التلقين: (ولا تجوز إمامة الفاسق، ولا المرأة، ولا الصبي، إلا في نافلة، فتجوز دون المرأة، ولا العبد في الجمعة)(25). ولعل هذا قول آخر عندهم، وهو صحة إمامة الفاسق في النافلة فقط. وقد أشار ابن رشد الحفيد إلى هذه الأقوال في بداية المجتهد(26).

وخلاصة مذهب المالكية ما نقله الرعيني عن البرزلي قال: فالمحصول من هذه المسائل: أن في إمامه الفاسق خلافاً إذا وقعت. هل يعيد في الوقت أو أبداً؟ والفرق بين أن يكون فسقه متعلقاً بالصلاة أو لا يحتمل أن يكون خلافاً وإليه أشار بعض شيوخنا ومنهم من استبعد فيه الخلاف)(27).


·       مذهب الشافعية:

والشافعية في هذه المسألة كالحنفية، يصححون الصلاة مع الكراهة خلف الفاسق العاصي، وكذا المظهر للبدع الذي لا يكفر بها، وعليه فلا إعادة على من صلى خلفه. قال الشافعي: (وكذلك أكره إمامة الفاسق، والمظهر البدع. ومن صلى خلف واحد منهم أجزأته صلاته، ولم تكن عليه إعادة، إذا أقام الصلاة)(28)، وقال في فقه العبادات من كتبهم: (والعدل أولى من الفاسق، وإن كان الفاسق أفقه، على أن الصلاة خلفه تصح)(29)، وقال الشربيني: (والعدل أولى بالإمامة من الفاسق، وإن اختص الفاسق بصفات مرجحة، ككونه أفقه أو أقرأ)(30)، وقال الشيرازي في المهذب: (وتجوز الصلاة خلف الفاسق)(31)، وقال المزني: (وأكره إمامة الفاسق، والمظهر للبدع. ولا يعيد من ائتم بهما)(32)، وقال في فقه العبادات: (تكره إمامة الأقلف، والفاسق، والمبتدع الذي لا يكفر ببدعته. والكراهة للإمام، أما المؤتمون فتحصل لهم فضيلة الجماعة)(33)، وقال في الأشباه والنظائر: (من تكره إمامته وهم: ولد الزنا، والفاسق، والمبتدع، واللاحن، والتمتام، والفأفاء، وغير الحر)(34).

·       مذهب الحنابلة:

وأما الحنابلة فقد ذهبوا في المعتمد عندهم إلى عدم صحة إمامة الفاسق، سواء كان فسقه بفعل أو اعتقاد، إلا في صلاة جمعة أو عيد تعذر أن تصليا خلف غيره، فعند ذلك تصح إمامته، ولا تجب الإعادة عليه لتلك الصلاة. وكذا يصح الاقتداء به إن خاف المرء أذى على نفسه، فإنه والحال هذه يُصلى خلفه، ولكن عليه الإعادة في هذه الحال. قال مرعي بن يوسف في دليل الطالب: (ولا تصح إمامة الفاسق، إلا في جمعة وعيد تعذرا خلف غيره)(35)، وقال في الإقناع: (ولا يصح إمامة فاسق بفعل أو اعتقاد، ولو كان مستوراً، ولو بمثله. عَلِم فسقَه ابتداء أو لا، فيعيد إذا علم، وتصح الجمعة والعيد بلا إعادة، إن تعذرت خلف غيره. وإن خاف أذى صلى خلفه وأعاد، نصاً. وإن نوى مأموم الانفراد، ووافقه في أفعالها صحَّ ولم يعد، حتى ولو جماعة صلوا خلفه)(36).

على أن للحنابلة أقوال أخرى في صحة الصلاة خلف الفاسق، خلاصتها كالتالي:

1.    تصح وتكره.

2.    تصح في النفل.

3.    وعن أحمد: تصح خلف الفاسق بالعمل لا بالاعتقاد.

وقد ذكر المرداوي في الإنصاف(37) هذا الخلاف، فقال: (أما الفاسق: ففيه روايتان. إحداهما: لا تصح، وهو المذهب. سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد أو من جهة الأفعال، من حيث الجملة، وعليه أكثر الأصحاب)، ونسب هذه الرواية إلى ابن الزاغوني وابن أبي موسى والقاضي والشيرازي وابن هبيرة، ونصرها أبو الخطاب والشريف أبو جعفر، واختارها أبو بكر والآمدي والمجد والشيخ تقي الدين، وجزم بها ابن عقيل. ثم قال: (والرواية الثانية: تصح وتكره. وعنه: تصح في النفل، وجزم به جماعة. قال ابن تميم: ويصح النفل خلف الفاسق رواية واحدة، قاله بعض أصحابنا. وعنه: لا تصح خلف فاسقٍ بالاعتقاد بحال).

على أن الحنابلة يجيزون الصلاة خلف من ارتكب صغيرة، ولم يداوم عليها. قال أبو النجا الحجاوي في الإقناع: (ومن فعل ما يعتقد تحريمه في غير الصلاة مما اختلف فيه كنكاح بلا ولي، وشرب نبيذ ونحوه: فإن داوم عليه فسق، ولم يصل خلفه. وإن لم يداوم، فقال الموفق: هو من الصغائر، ولا بأس بالصلاة خلفه)(38).

وأما إعادة المؤتم لهذه الصلاة التي صلاها خلف الفاسق، ففيها خلاف عند الحنابلة مبني على الخلاف في صحة صلاته.

·       فالمعتمد أنه يلزم من صلى خلفه الإعادة مطلقاً.

·       وقيل: لا يلزم من صلى خلفه الإعادة إذا جهل حاله مطلقاً.

·       وقيل: إن كان فسقه ظاهراً أعاد، وإلا فلا؛ للعذر.

·       وقال في الرعاية: الأصح أن يعيد خلف المعلِن بالفسق.

·   لا إعادة على من صلى خلفه الجمعة أو العيد لتعذر أن يصليهما خلف غيره، كما يجب عليه الإعادة إن صلى خلفه خوفاً على نفسه من الأذى، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا القول.

قال المرداوي: (فعلى المذهب: يلزم من صلى خلفه الإعادة. سواء علم بفسقه وقت الصلاة أو بعدها، وسواء كان فسقه ظاهراً أو لا، وهذا الصحيح من المذهب، ونص عليه. وقال ابن عقيل: لا إعادة، إذا جهل حاله مطلقاً كالحدث والنجاسة، وقيل: إن كان فسقه ظاهراً أعاد، وإلا فلا للعذر، وقال في الرعاية: الأصح أن يعيد خلف المُعلِن، وفي غيره روايتان. وقيل: إن علم لما سلّم فوجهان، وإن علم قبله فروايتان. قال في المحرر والفائق: وإن ائتم بفاسقٍ من يعلم فسقَه فعلى روايتين، وقيل: يعيد لفسق إمامه المجرد، وقيل: تقليداً فقط)(39).

وأما إعادة الجمعة، فقال ابن قدامة: (قال أحمد: أما الجمعة، فينبغي شهودها، فإن كان الذي يصلي منهم أعاد. وروي عنه أنه قال: من أعادها فهو مبتدع. وهذا يدل بعمومه على أنها لا تعاد خلف فاسق ولا مبتدع؛ لأنها صلاة أُمِر بها، فلم تجب إعادتها كسائر الصلوات)(40)، وقال في موضع آخر: (وتجب الجمعة والسعي إليها، سواء كان من يقيمها سنياً أو مبتدعاً أو عدلاً أو فاسقاً. نص عليه أحمد. وروي عن العباس بن عبد العظيم أنه سأل أبا عبد الله عن الصلاة خلفهم؟ يعني المعتزلة يوم الجمعة. قال: أما الجمعة: فينبغي شهودها، فإن كان الذي يصلي منهم أعاد، وإن كان لا يدري أنه منهم فلا يعيد. قلت: فإن كان يقال أنه قد قال بقولهم؟ قال: حتى يستيقن، ولا أعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً)(41). فإذا كان قد نص في قولٍ له على عدم الإعادة لمن صلى خلف الفاسق من جهة الاعتقاد، وهو المسمى بـ (المبتدع)، فبالأولى منه في الفاسق من جهة الأعمال.

وقال أيضاً: (ولأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة، ويتولاها الأئمة ومن ولَّوه، فتركُها خلف من هذه صفته يؤدي إلى سقوطها) (42).

أدلة القائلين بصحة الصلاة خلف الفاسق:

وقد استدلوا على صحة الصلاة خلف الفاسق(43)، بأدلة منها:

1.  حديث أبي ذر قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتونها عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة "(44). ووجه الدلالة: أن تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر شرعي، يعتبر من الفسق، ومع ذلك فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلف من أخرها، فهو دليل على أن هذه الصلاة صحيحة؛ لأنها لو كانت غير صحيحة لما كتبت لهم، ولا حتى نافلة.

وقد عورض هذا الاستدلال بأن الحديث يدل على صحتها نافلة، والنزاع إنما هو في الفرض(45). والجواب عن ذلك أنها إنما قُبلت نافلة؛ لأنهم قد صلوا الفريضة في وقتها، ولا يمكن أن تصلى الفريضة مرتين، على أن قبولها منهم نافلة يدل على صحتها، إذ لو كانت غير صحيحة لما قبلت منهم أصلاً، فضلاً عن قبولها منهم نافلة. وهذا هو المطلوب.

2.  وعن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، براً كان أو فاجراً. والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر. والصلاة واجبة على كل مسلم، براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر. والصيام واجب على كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر "(46).

3.  وعن أبي هريرة – رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر "(47). قال الكاساني: (والحديث - والله أعلم - وإن ورد في الجُمَع والأعياد؛ لتعلقهما بالأمراء - وأكثرهم فساق - لكنه بظاهره حجة فيما نحن فيه، إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب)(48).

4.  وعن ابن عمر – رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله"(49).

5.  ولأن الصحابة والتابعين كانوا لا يمتنعون عن الإقتداء بالحَجَّاج في صلاة الجمعة وغيرها، مع أنه كان أفسق أهل زمانه، حتى قال الحسن - رحمه الله تعالى -: لو جاء كل أمة بخبيثاتها، ونحن جئنا بأبي محمد (وهي كنية الحَجَّاج) لغلبناهم(50). وكان الحسن والحسين – رضي الله عنهما - يصليان وراء مروان، وقال الحسن: صلِ، وعليه بدعته(51). والذين كانوا في ولاية زياد وابنه كانوا يصلون معهما، وصلوا وراء الوليد بن عقبة، وقد شرب الخمر، فصار هذا إجماعاً(52).

6.  واستدلوا أيضاً(53) بما رواه البخاري عن عبيد الله بن عدي بن خيار: أنه دخل على عثمان بن عفان – رضي الله عنه - وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج؟ فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم(54).

7.    ولأن فسقه غير متعلق بأحكام الصلاة، والفسق قد يكون في حال دون حال، وإنما ينبغي أن يعتبر حاله هنا بالصلاة(55).

8.  ولأن الفسق لما كان لا يبطل صحة الصلاة، ولم يكن ما يحتاج المأموم من إمامه إلا صحة صلاته فقط، وهي هنا صحيحة، وعليه فالصلاة خلفه صحيحة. وهذا يصح على قول من يرى أن الإمام يحمل عن المأموم(56).

أدلة من قال بالكراهة:

وأما من قال بكراهة الصلاة خلفه، فقد استدلوا بأدلة، منها:

1.    أنه لا يوثق به، كما قال الشربيني من الشافعية(57).

2.  ولأن في تقديمه تقليل الجماعة، وقلما يرغب الناس في الإقتداء به، كما قال السرخسي والكاساني الحنفيان(58). ولأن جواز الصلاة متعلق بأداء الأركان، وهؤلاء قادرون عليها؟ لا أن غيرهم أولى؛ لأن مبنى الإمامة على الفضيلة، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤم غيره، ولا يؤمه غيره، وكذا كل واحد من الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - في عصره، ولأن الناس لا يرغبون في الصلاة خلف هؤلاء، فتؤدي إمامتهم إلى تقليل الجماعة وذلك مكروه(59).

أدلة من منع إمامة الفاسق:

استدل من منع إمامة الفاسق بأدلة، منها:

1.  قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ ﴾ [السجدة: 18]. ووجه الدلالة هو عدم المساواة بين المؤمن والفاسق، فإذا كانت صلاة المؤمن مقبولة، فلا ينبغي أن يسوى به الفاسق في ذلك.

2.  واستدلوا بما رواه ابن ماجه عن جابر – رضي الله عنهما – عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - قال : " لا تؤمن امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجراً، ولا فاجر مؤمناً، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه وسيفه "...)(60).

3.  ولأن الفاسق لما ظهرت منه الخيانة في الأمور الدينية، فلا يؤتمن في أهم الأمور؛ وقاسوا ذلك على الشهادة، فكما أسقط الشرع شهادته؛ لكونها أمانة، فكذلك الصلاة. ذكره السرخسي(61)، والكاساني(62). قال في مواهب الجليل: (لأنه إذا ارتكب كبيرة أمكن أن يترك ما يؤتمن عليه من فروض الصلاة)(63).

4.  ولأنه متهم بأنه يكون يصلي صلاة فاسدة، كما يتهم في الشهادة أن يكذب، ولذا لم تجز إمامته. قال ابن رشد: (ولذلك فرق قوم بين أن يكون فسقه بتأويل أو بغير تأويل. وإلى قريب من هذا يرجع من فرق بين أن يكون فسقه مقطوعاً به أو غير مقطوع به؛ لأنه إذا كان مقطوعاً به، فكأنه غير معذور في تأويله... ومنهم من فرَّق بين أن يكون فسقه في شروط صحة الصلاة أو في أمور خارجة عن الصلاة بناء على أن الإمام إنما يشترط فيه وقوع صلاته صحيحة)(64).

5.    ولأن الإمامة تتضمن حمل القراءة، ولا يؤمن تركه لها، ولا يؤمن تركه لبعض شرائطها كالطهارة(65).

أدلة من صحح صلاته في الجمعة والعيدين:

وإنما أجاز الحنابلة الصلاة خلفه في صلاة الجمعة والعيدين، لأدلة ذكرها ابن قدامة(66)، منها:

1.  عموم قول الله تعالى: ﴿ إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة : 9].

2.  ولحديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال:" أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا. وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا. وصلوا الذي بينكم وبين ربكم، بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا. واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة. فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل أو جائر؛ استخفافاً بها، أو جحوداً لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره. ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بر له حتى يتوب. فمن تابَ، تاب الله عليه. ألا لا تؤمن امرأة رجلاً. ولا يؤم أعرابي مهاجراً. ولا يؤم فاجر مؤمناً، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه"(67). وهذا الحديث ظاهر الدلالة على ما أرادوا؛ لأنه ذكر فيه الجمعة بخصوصها. 

3.  ولإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإن عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يشهدونها مع الحجَّاج ونظرائه، ولم يسمع من أحد منهم التخلف عنها(68). وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة، وكذلك العلماء الذين في عصره... ولأن هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة، وتليها الأئمة دون غيرهم، فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية)(69).

الخلاصة:

اختلف العلماء في صحة إمامة الفاسق أو المبتدع بدعة غير مكفرة، كالآتي:

فأما الحنفية والشافعية، وهو قول عند الحنابلة، فقالوا: بصحة الصلاة خلف الفاسق مع الكراهة.

وأما المالكية، فلهم في المسألة أقوال، هي:

1.    القول المعتمد عندهم صحة إمامة الفاسق بالجارحة.

2.    إن كان فسقه لا تعلق له بالصلاة - كالزنا وغصب المال – أجزأته، لا إن تعلق بها كالطهارة.

3.  عدم الصحة خلف شارب الخمر، إلا أن يكون هو الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة، فهي صحيحة، إلا أن يكون صلى بهم، وهو سكران.

4.    صحة إمامة الفاسق في النافلة، وهذا قول عند الحنابلة.

5.    وأما الحنابلة، فلهم في المسألة أقوال أيضاً، هي:

1.    عدم صحة إمامة الفاسق، سواء كان فسقه بفعل أو اعتقاد، إلا في صلاة جمعة أو عيد. وهذا هو المعتمد.

2.    وعن أحمد: لا تصح خلف الفاسق بالاعتقاد.

الترجيح:

ومن خلال عرض أدلة كل قولٍ مما سبق، يتبين أن القول القائل بصحة الصلاة خلف الفاسق هو الراجح؛ للآتي:

1.    لأن الأدلة التي استدلوا بها أوجه من حيث الاستدلال.

2.  ولأنه قد صح فيما يقوّي هذا القول حديث أبي ذر الغفاري المتقدم، الذي رواه مسلم والنسائي، والذي فيه صحة الصلاة خلف من يؤخر الصلاة عن وقتها، وقد سبق ذكر وجه الدلالة منه.

3.  ولأن أدلة القائلين بالبطلان إما أدلة عقلية لا تصلح لمصادمة النصوص الشرعية وردها. أو أحاديث ضعيفة لا تقوى على مواجهة حديث أبي ذر الصحيح، أو غير واضحة الدلالة في المراد، وذلك أن قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ ﴾ [السجدة: 18]، إنما جاءت في سياق التمييز بين الفريقين في الثواب والأجر والمقدار عند الله سبحانه، وليس فيها ذكر لصحة الصلاة أو بطلانها. وقد بيَّن إجمال هذه الآية وبيان المقصود من عدم استواء المؤمن والفاسق الآيتين بعدها، وذلك قوله تعالى: ﴿ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ [السجدة: 19،20]. فبين أن المقصود هو عدم التساوي في الجزاء.

على أنه يمكن ترجيح صحة صلاة الفاسق باستواء المؤمن معه في ولاية كلٍ منهم على ابنته في عقد النكاح، فليس الفسق هنا مبرراً لسقوط ولاية الرجل على ابنته في النكاح. وهذا مثله بل أولى منه؛ لأن التقدم لإمامه الناس في الصلاة ولاية أضعف من ولاية الرجل على ابنته في النكاح، فإذا صحت ولاية الفاسق في النكاح فهذا أولى منه.

وأما ما استدل به الحنابلة على صحة الجمعة والعيد فقط خلفه، فليس في أدلتهم ما يدل على الاختصاص، والأصل عدم الاختصاص حتى يرد الدليل به. والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبي ونٍعم الوكيل, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الاثنين – 5 ذو الحجة 1427هـ، 25/12/2006م

مراجعة: علي عمر بلعجم. 6/1/2007م.

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1)  لسان العرب (12/22) بتصرف.

(2)  القاموس المحيط (1/1392).

(3)  مختار الصحاح (1/20).

(4)  حاشية العدوي (1/376).

(5)  القاموس المحيط (1/1185).

(6)  تاج العروس (1/6549).

(7)  الإقناع (1/165).

(8)  المبسوط (1/40).

(9)  صحيح مسلم (1/465), برقم: 290، سنن النسائي (2/77), برقم: 780.

(10)  سنن البيهقي الكبرى (3/121), برقم: 5082. قال الألباني: منكر. السلسلة الضعيفة (2/76), برقم: 609 .

(11)  المبسوط (1/41).

(12)  المبسوط (1/40).

(13)  المبسوط (1/41).

(14)  الكتاب (1/55).

(15)  اللباب في شرح الكتاب (1/26) بتصرف، وانظر: الهداية (1/56).

(16)  حاشية الطحاوي على المراقي (2/299).

(17)  بدائع الصنائع (1/386).

(18)  انظر: مواهب الجليل (2/92) وما بعدها.

(19)  الشرح الكبير (1/327، وانظر: حاشية الدسوقي (1/307).

(20)  مختصر خليل (1/40).

(21)  مواهب الجليل (2/92).

(22)  مواهب الجليل (2/95).

(23)  مواهب الجليل (2/92).

(24)  مواهب الجليل (2/93)، وما بعدها.

(25)  التلقين (1/116).

(26)  بداية المجتهد (1/226).

(27)  مواهب الجليل (2/94).

(28)  الأم (1/295).

(29)  فقه العبادات (1/407).

(30)  مغني المحتاج (1/237).

(31)  المهذب (1/183).

(32)  مختصر المزني (1/26).

(33)  فقه العبادات شافعي (1/411).

(34)  الأشباه والنظائر شافعي (1/685).

(35)  دليل الطالب (1/90).

(36)  الإقناع (1/165).

(37)  انظر: الإنصاف (2/252)، الكافي في فقه ابن حنبل (1/293).

(38)  الإقناع (1/165).

(39)  الإنصاف (2/252) بتصرف.

(40)  المغني (2/27).

(41)  المغني (2/149).

(42)  المغني (2/149).

(43)  انظر: المبسوط (1/40)، بدائع الصنائع (1/386)، الشرح الكبير (2/24).

(44)  صحيح مسلم (1/448), برقم: 238، سنن النسائي (2/113), برقم: 859.

(45)  الشرح الكبير (2/24).

(46)  سنن أبي داود (2/22), برقم: 2533، سنن الدارقطني (2/56), برقم: 6، سنن البيهقي الكبرى (3/121), برقم: 5083. قال الألباني: ضعيف. انظر: إرواء الغليل (2/304), برقم: 527.

(47)  سنن الدارقطني (2/57), برقم: 10، سنن البيهقي الكبرى (4/19), برقم: 6623. قال الدارقطني: مكحول لم يسمع من أبي هريرة ومن دونه ثقات. قال الألباني: ضعيف. انظر: الجامع الصغير وزيادته (1/792), برقم: 7920.

(48)  بدائع الصنائع (1/386).

(49)  سنن الدارقطني (2/56), برقم: 3. قال الألباني: وهذا سند واهٍ جداً. عثمان بن عبد الرحمن هو، الزهري الوقاصي: متروك، وكذبه ابن معين . انظر: إرواء الغليل (2/306).

(50)  المبسوط (1/40)، وبنحوه في بدائع الصنائع (1/386)، المهذب (1/183)، منار السبيل (1/90). 

(51)  انظر: منار السبيل (1/90).

(52)  الشرح الكبير (2/24).

(53)  منار السبيل (1/90).

(54)  صحيح البخاري (1/246), برقم: 663.

(55)  انظر: مواهب الجليل (2/95).

(56)  بداية المجتهد (1/226).

(57)  مغني المحتاج (1/237).

(58)  المبسوط (1/40)، وبنحوه في بدائع الصنائع (1/386).

(59)  بدائع الصنائع (1/386).

(60)  منار السبيل (1/90)، والحديث في سنن ابن ماجه (1/343), برقم: 1081، سنن البيهقي الكبرى (3/171), برقم: 5359. قال الألباني: ضعيف. انظر: إرواء الغليل (2/303), برقم: 524.

(61)  انظر: المبسوط (1/40).

(62)  انظر: بدائع الصنائع (1/386).

(63)  مواهب الجليل (2/95).

(64)  بداية المجتهد (1/226).

(65)  انظر: الشرح الكبير (2/24).

(66)  المغني (2/27)، وانظر: المغني (2/149).

(67)  سنن ابن ماجه (1/343), برقم: 1081، مسند أبي يعلى (3/381), برقم: 1856. قال الألباني: ضعيف. انظر: إرواء الغليل (3/50), برقم: 591.

(68)  المغني (2/149).

(69)  المغني (2/27).

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
تسجيل خطبة الجمعة هل يعتبر لغو؟
الأحد 30 سبتمبر 2012

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

 أما بعد:

فهذا البحث المتواضع بعنوان: (تسجيل خطبة الجمعة هل يعتبر لغو؟). 

سائلاً من الله تعالى التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

تمهيد:

الجمعة هي أفضل أيام الأسبوع، وسميت الجمعة بهذا الاسم لجمعها الخلق الكثير في هذا اليوم(1)، ولا يجوز الكلام فيها والإمام يخطب إذا كان منه بحيث يسمعه؛ لقوله تعالى:﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  ﴾ [الأعراف:204].

وعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما-  عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام"(2) وذلك أن الله تعالى يقول:﴿ مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام:160].

وأما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فله أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمعها من الخطيب. قال البهوتي: وتسن  الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - سرا كدعاء وتأمين عليه وحمده خفية إذا عطس ورد سلام وتشميت عاطس. وإشارة أخرس إذا فهمت ككلام، لا تسكيت متكلم بإشارة(3). ما علاقة هذا بالموضوع

وأما جواز الكلام في خطبة الجمعة: فإنما هو مختص بمن كلم الإمام أو كلمه الإمام؛ لأنه لا يشتغل بذلك عن سماع خطبته.وقد سأل عمر عثمان حين دخل وهو يخطب فأجابه؛ وذلك لأن تحريم الكلام علته التشاغل عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة ولا يحصل ها هنا، وكذلك من كلم الإمام لحاجة أو سأله عن مسألة. فتعين حمل أخبارهم على هذا جمعا بين الأخبار وتوفيقا بينها ولا يصح قياس غيره عليه لأن كلام الإمام لا يكون في حال الخطبة خلاف غيره، وإن قدّر التعارض فالأخذ بالحديث أولى لأنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ونصه وذلك سكوته والنص أقوى من السكوت، قاله ابن قدامة(4).

فضل الاستماع وعدم اللغو في خطبة الجمعة

1-              عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما-  عن النبي  صلى الله عليه وسلم - قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام"(5) وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام:160]

2-              وعن أبي هريرة- رضي الله عنه-  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له مابينه وبين الجمعة, وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا "(6).

3-              وعن أوس بن أوس الثقفي- رضي الله عنه-  قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها"(7).

4-              وعن سلمان الفارسيّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجلٍ يتطهّر يوم الجمعة كما أمر ثمّ يخرج إلى الجمعة فينصت حتى يقضي صلاته إلاّ كان كفّارةً لما كان قبله من الجمعة "(8).

5-              وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم -: "كان يقرأ سورةً على المنبر. فقال أبو ذرٍّ لأبي بن كعبٍ: متى نزلت هذه السّورة؟ فأعرض عنه أبيٌّ. فلما قضى صلاته، قال أبيّ بن كعبٍ لأبي ذرٍّ: ما لك من صلاتك إلاّ ما لغوت. فدخل أبو ذرٍّ على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، فقال: صدق أبيّ بن كعبٍ "(9).

6-              وعن عطاء الخراساني، عن مولى امرأته أمّ عثمان قال: سمعت علياً - رضي الله عنه - على منبر الكوفة يقول: إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث، أو الربائث، ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة فيجلسون على أبواب المسجد فيكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام، فإذا جلس الرجل مجلساً يستمكن فيه من الاستماع والنظر فأنصت ولم يلغ كان له كفلان من أجر، فإن نأى وجلس حيث لا يسمع فأنصت ولم يلغ كان له كفلٌ من أجره، وإن جلس مجلساً يستمكن فيه من الاستماع والنظر فلغا ولم ينصت كان له كفلٌ من وزرٍ، ومن قال يوم الجمعة لصاحبه: "صه" فقد لغا، ومن لغا فليس له في جمعته تلك شيء، ثم يقول في آخر ذلك: سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك"(10).

حكم العبث في خطبة الجمعة.

اتفق العلماء على أن العبث في خطبة الجمعة مكروه. ومما ذكروه في كتبهم ما يلي:

قال ابن قدامة:  ويكره العبث والإمام يخطب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"  ومن مس الحصى فقد لغا"(11).واللغو: الإثم. قال الله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾. ولأن العبث يمنع الخشوع والفهم. ويكره أن يشرب والإمام يخطب إن كان ممن يسمع، وبه قال مالك والأوزاعي، ورخص فيه مجاهد والشافعي؛ لأنه لا يشغل عن السماع. ولنا إنه فعل يشتغل به أشبه مس الحصى، فأما إن كان لا يسمع فلا يكره نص عليه لأنه لا يستمع فلا يشتغل به(12).

وقال البهوتي: ويكره العبث حال الخطبة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:" ومن مس الحصى فقد لغا" ولأن العبث يمنع الخشوع، وكذا الشرب يكره حال الخطبة إذا كان يسمع؛ لأنه فعل به أشبه مس الحصى ما لم يشتد عطشه فلا يكره شربه(13).

وقال مصطفى السيوطي الرحيباني: ويكره العبث حال خطبة الجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ومن مس الحصى فقد لغا" ولأن العبث يمنع الخشوع، وكذا يكره الشرب، لأنه فعل يشتغل به أشبه مس الحصى بلا حاجة كاشتداد عطش فلا يكره شربه(14).

وقال ابن حزم(15): ولا يجوز المسّ للحصى مدّة الخطبة؛ لما ورد عن سلمان الفارسيّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجلٍ يتطهّر يوم الجمعة كما أمر ثمّ يخرج إلى الجمعة فينصت حتى يقضي صلاته إلاّ كان كفّارةً لما كان قبله من الجمعة"(16).

وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم -:" كان يقرأ سورةً على المنبر فقال أبو ذرٍّ لأبي بن كعبٍ: متى نزلت هذه السّورة؟ فأعرض عنه أبيٌّ. فلما قضى صلاته، قال أبيّ بن كعبٍ لأبي ذرٍّ: ما لك من صلاتك إلاّ ما لغوت. فدخل أبو ذرٍّ على رسول اللّه  صلى الله عليه وسلم  فأخبره بذلك، فقال: صدق أبيّ بن كعبٍ"(17).

وعن إبراهيم النّخعيّ: أنّ رجلاً استفتح عبد اللّه بن مسعودٍ آيةً والإمام يخطب، فلما صلى قال: هذا حظّك من صلاتك. وعن نافعٍ أنّ ابن عمر: حصب رجلين كانا يتكلّمان يوم الجمعة، وأنّه رأى سائلاً يسأل يوم الجمعة فحصبه، وأنّه كان يومئ  إلى الرّجل يوم الجمعة أن اسكت(18).

قال ابن حزم: (فهؤلاء ثلاثةٌ من الصّحابة - رضي الله عنهم - لا يعرف لهم مخالفٌ كلهم يبطل صلاة من تكلّم عامدًا في الخطبة. وبه نقول وعليه إعادتها في الوقت؛ لأنه لم يصلّها، والعجب ممّن قال: معنى هذا أنّه بطل أجره. قال أبو محمد: وإذا بطل أجره فقد بطل عمله بلا شكٍّ)(19).

وقال أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي المالكي: قوله صلى اللّه عليه وسلم:" إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت". وروي:" من لغا فلا جمعة له" ووجه الدّلالة منه: أنّه سمّى الأمر بالمعروف فيه لغوًا واللّغو الكلام الذي لا خير فيه وما نفي عنه الخير على سبيل الاستغراق نصًّا أو ظهورًا يقبح التّكلّم به بل يحرم في هذا المقام ... ويفهم من وجوب الإنصات - ولو على غير السّامع - حرمة كل ما ينافيه من أكلٍ وشربٍ وتحريك شيءٍ يحصل منه تصويتٌ كورقٍ أو ثوبٍ أو فتح بابٍ أو سبحةٍ أو مطالعةٍ في كرّاسٍ بل يقتضي المذهب منع الإشارة لمن لغا(20).

وقال ابن عبد البر: ومعنى حديث: "من لغا فلا جمعة له" يريد ذهاب أجر جمعته باللغو(21).

وقال أبو جعفر الطحاوي: أجمع المسلمون أنّ نزع الرّجل ثوبه والإمام يخطب مكروهٌ، وأنّ مسّه الحصا والإمام يخطب مكروهٌ، وأنّ قوله لصاحبه أنصت والإمام يخطب مكروهٌ أيضاً، فذلك دليلٌ على أنّ ما كان أَمَر به رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سليكاً، والرّجل الذي أمر بالصّدقة عليه كان في حالٍ الحكم فيها في ذلك بخلاف الحكم فيما بعد(22). قلت: كلام الإمام لغيره جائز، وكذلك كلام المأموم للإمام جائز عند الحاجة كما تقدم.

وقال محمد بن عبد الوهاب: ولا يعبث- أي المستمع لخطبة الجمعة- والإمام يخطب(23).

وقال بدر الدين محمود بن أحمد العيني: واللغو قد يكون بغير الكلام كمس الحصى وتقليبه بحيث يشغل سمعه وفكره . والاستماع هو: إلقاء السمع لما يقوله الخطيب. والإنصات هو: ترك الكلام. والكمال هو الجمع بين الإنصات والاستماع(24). قال: وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وكذلك مس الحصى، وقول الرجل لصاحبه أنصت كل ذلك مكروه(25).

وقال العظيم آبادي: ومعنى عدم اللغو: أي استمع إلى الخطبة ولم يشتغل بغيرها. قال ابن الأثير: لغا الإنسان ولغى يلغي: إذا تكلم بالمطرح من الكلام وما لا يعني. وفي الحديث من قال لصاحبه والإمام يخطب: صه. فقد لغا. وقوله: من مس الحصى لغا. أي تكلم. وقيل: عدل عن الصواب. وقيل خاب. والأصل الأول(26).

 قال ابن حجر: وجاء في حديث من لغا أي: تكلم بما لا يشرع له، أو عبث بما يظهر له صوت فلا جمعة له. أي لا جمعة له كاملة (27).

وقال البهوتي: النهي الوارد عن الكلام إنما هو حال الخطبة للجمعة لحديث"والإمام يخطب"  فهذه جملة حالية يخرج ما قبل خطبته من حين خروجه وما بعده إلى أن يشرع في الخطبة ... وحديث:" من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا" المراد بالصاحب: من يخاطبه بذلك مطلقا وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب ... قوله:" فقد لغا ".  قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو الإثم. وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام. وأغرب أبو عبيد الهروي في الغريب فقال: معنى لغا تكلم كذا أطلق والصواب التقييد. وقال النضر بن شميل: معنى لغوت خبت من الأجر. وقيل: بطلت فضيلة جمعتك. وقيل: صارت جمعتك ظهراً(28).

وأقوال أهل اللغة متقاربة في المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود وابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: "ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا"(29) . قال ابن وهب أحد رواته معناه: أجزأت عنه الصلاة وحُرِم فضيلة الجمعة.

وقال العظيم أبادي: فَيُحرَمُ هذا المصلى بتخطي رقاب الناس واللغو عند الخطبة عن هذا الثواب الجزيل الذي يحصل لمصلى صلاة الجمعة وهو الكفارة من هذه الجمعة الحاضرة إلى الجمعة الماضية أو الآتية وأجر عبادة سنة قيامها وصيامها(30)

قال ابن حجر: فإذا كان قوله أنصت مع كونه أمراً بمعروف لغواً، فغيره من الكلام أولى أن يسمى لغواً. وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث بعد قوله فقد لغوت عليك بنفسك، واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حق من سمعها، وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر(31).

قال النووي: قوله: أنصت: نَبَّه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت. وهو في الأصل أمر بمعروف وسماه لغواً، فيسيره من الكلام أولى وإنما طريقه إذا أراد نهى غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن(32).

قال ابن العربي: فإذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى(33).

وقال العيني: فإذا منعه من الأمر بالمعروف الذي هو فرض في هذه الحالة، فمنعه من إقامة السنة أو الاستحباب بالطريق الأولى(34). قلت: صلاة التحية عند خطبة الجمعة قد أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سُليكاً، ولا تعارض فيها مع غيرها.

بيان أقوال العلماء في شرح حديث:" ومن مس الحصى فقد لغا".

قال النووي عند شرح هذا الحديث : " من مس الحصى فقد لغا ". هذا الحديث يفيد النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو ها هنا: الباطل المذموم المردود(35).

وقال ابن رجب: إن المس المنهي عنه للحصى هو المس عبثا محضاً لغير وجه، فهذا مكروه؛ في حال استماع الخطبة(36).

وقال أبو الحسن السندي: قوله :" من مسّ الحصى". أي: عابثًا به." فقد لغا". أي: أتى بما لا يليق وقد جاء في الجمعة: ومن لغا فلا أجر له. والفعل المبطل لأجر الجمعة لا يخلو عن قبح وقد يمنع بأن يحرم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر يوم الجمعة عند الخطبة(37).

فهذه أقوال العلماء في كراهة مس الحصى في خطبة الجمعة، وهي مقيدة بالعبث عند مسها، وحصول التشويش فيها، وأنَّ من مسها عابثاً فقد لغا. وعند النظر إلى أقوالهم يتبين أن تسجيل خطبة الجمعة لا يعتبر لغو لأن من يقوم بتسجيل الخطبة لا يعتبر عابثاً، ولا يحصل منه تشويش ، فلا يقاس تسجيل خطبة الجمعة على مس الحصى للاختلاف بينهما.

تسجيل خطبة الجمعة لا يعتبر لغو:

الذي يظهر- والله أعلم – أن تسجيل خطبة الجمعة لا يعتبر لغو ، بشرط عدم العبث بالتسجيل، وبان لا يكون فيه تشويش، وذلك للاعتبارات التالية: ‏

1-              ليس كل عمل يعمله المسلم في المسجد حين الخطبة يعتبر لغو، فإن تحية المسجد عمل مشروع وقت الخطبة، ولمن في المسجد أن يسأل الخطيب ويجيبه إذا سأله، ويتكلم معه في شأن من شئون الإسلام‏ عند الحاجة، وهذه حاجة يريدها صاحبها، وذلك لتحقق منفعتها.

2-              لا يقاس مس الحصى على تسجيل خطبة الجمعة في أن كليهما لغو، لأن مس الحصى يكون فيه تشويش ، وقد يكون مس الحصى عبثا، فهذا لغوٌ بخلاف تسجيل خطبة الجمعة، فليس فيه تشويش ولا عبث. ‏

3-              ولأن التسجيل يحصل بدون كلام من صاحب المسجل ولا تشويش‏. وقد تقدم كلام النفراوي المالكي، وابن حجر العسقلاني في هذا.

والله تعالى أعلم

والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ 18ذو الحجة 1427هـ الموافـق 7/1/2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم 7/1/2007م.


(1)  الروض المربع 1/283.

(2)  سنن أبي داود 1/ 359, برقم: 1113. قال الشيخ الألباني: حسن ، انظر: صحيح أبي داود 1/ 207, برقم: 984. 

(3)  الروض المربع 1/304.

(4)  المغني 2/86.

(5) سنن أبي داود 1 / 359, برقم: 1113. قال الشيخ الألباني: حسن، انظر: صحيح أبي داود 1/ 207, برقم: 984. 

(6)  صحيح مسلم 2 / 587, برقم: 857  .

(7)  سنن أبي داود 1 / 148, برقم: 345، قال الشيخ الألباني : صحيح، صحيح أبي داود 1 / 70, برقم: 333. 

(8) صحيح ابن خزيمة 3 / 118, برقم: 1732. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: الجامع الصغير وزيادته 1/ 1065, برقم: 10647. 

(9) صحيح ابن خزيمة 3 / 154, برقم: 1807.وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1 / 176, برقم: 718.

(10) سنن أبي داود 3 / 245, برقم: 887. قال الألباني :ضعيف ، انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود - 3 / 51, برقم:1051.

(11) صحيح مسلم 2/ 587, برقم: 857.

(12) المغني 2/87.

(13) كشاف القناع 2/48- 49.

(14) مطالب أولي النهى 1/790

(15) المحلى 5/62.

(16) صحيح ابن خزيمة 3 / 118, برقم: 1732. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: الجامع الصغير وزيادته1/ 1065, برقم: 10647.

(17) صحيح ابن خزيمة  3 / 154, برقم: 1807.وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب1/ 176, برقم: 718.

(18) مصنف عبد الرزاق 3/ 225, برقم: 5428.

(19) المحلى 5/63.

(20) الفواكه الدواني 1/263-264.

(21) الاستذكار 3/325.

(22) شرح معاني الآثار 1/366..

(23) آداب المشي إلى الصلاة 1/33.

(24) عمدة القاري 6/176.

(25) عمدة القاري 6/233.

(26) عون المعبود 2/9.

(27) مرقاة المفاتيح 3/430.

(28) كشاف القناع 2/48، شرح الزرقاني 1/308.

(29) سنن أبي داود 1/ 149, برقم: 347. قال الشيخ الألباني: حسن، انظر:  صحيح أبي داود 1/ 71, برقم: 335.

(30) عون المعبود 2/9.

(31) فتح الباري 2/415.

(32) شرح النووي على صحيح مسلم 6/138.

(33) فتح الباري 2/409.

(34) عمدة القاري 6/233.

(35) تحفة الأحوذي 3/8،  آداب المشي إلى الصلاة  1 / 16.

(36) فتح الباري لابن رجب 4 / 38، 7 / 186، العرف الشذي للكشميري 2 / 50.

(37) حاشية السندي على ابن ماجه 2 / 379.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم مس الكافر للمصحف و حكم المصاحف المترجمة
الأحد 30 سبتمبر 2012

حكم: 1/مس الكافر للمصحف

         2/ حكم المصاحف المترجمة

 

          الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:

          فلقد جاءنا سؤال من الأخ/ جيلاني عبد السلام- اليابان. وطلب مني مركز البحوث التابع لجامعة الإيمان الإجابة عن هذا السؤال. والسؤال هو: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما هو القول الراجح في قوله تعالى:﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾؟ فهل يستنبط من هذه الآية تحريم مس المصحف للكافر، أو من أدلة أخرى؟ وإن كان الجواب نعم، فهل المصاحف المترجمة داخلة في الحكم؟ أفتونا مأجورين.

والجواب وبالله التوفيق: هذا السؤال مكون من ثلاثة أسئلة، وسأجيب عن كل سؤال على حدة.

1- ما هو القول الراجح في قوله تعالى:﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾؟

اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى:" ﴿ إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة77- 79].على قولين، وأكثر المفسرين قد حكوا القولين في كتبهم، ومنهم من اقتصر على قول واحد، ومنهم من صحح أحد القولين، وإليك أخي السائل بيان هذه الأقوال، ثم ذكر القول الراجح،  ثم بيان أقوال الفقهاء في الاستشهاد بهذه الآية على منع المحدث من مس المصحف.  

القول الأول: المراد بالكتاب: هو اللوح المحفوظ، وأن الذي يمسه: هم الملائكة. وإلى هذا القول ذهب أكثر المفسرين، ومن أقوالهم في أن المراد الملائكة ما يلي:

1.    عن ابن عباس - رضي الله عنهما-  في قوله: لا يمسه إلا المطهرون. قال: الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة.

2.     عن أنس - رضي الله عنه- في قوله: لا يمسه إلا المطهرون.  قال: الملائكة عليهم السلام.

3.  وعن قتادة - رضي الله عنه- في قوله: لا يمسه إلا المطهرون. قال: ذاكم عند رب العالمين لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة، فإما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق والرجس(1).

4.    وقال محمد بن أحمد بن محمد الغرناطي:المقصود بالآية: الملائكة(2).

5.  وقال فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي: المقصود  بالكتاب: اللوح المحفوظ. وقوله: إِلاَّ المُطَهَّرُونَ:  هم الملائكة(3).

6.  وقال أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري: المراد الملائكة ولا يطلع عليه- أي الكتاب- من سواهم، وهم المطهرون من جميع الأدناس(4).

7.  وقال أبو السعود محمد بن محمد العمادي: إما أن تكون الجملة صفة للكتاب، فالمراد بالمطهرين الملائكة المنزهون عن الكدورات الجسمانية وأوضار الأوزار (5).  

8.  وقال أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي: قد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون. بأنهم الملائكة. وبهذا القول قال: أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد وأبو نهيك والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم(6).

9.  وفال البغوي: إلا المطهرون. وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة يروى هذا عن أنس وهو قول سعيد بن جبير وأبي العالية وقتادة وابن زيد أنهم الملائكة(7) .

10.وقال البيضاوي: لا يمسه إلا المطهرون. أي: لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورات الجسمانية وهم الملائكة(8) .

11.وقال أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني: أكثر المفسرين على أن المراد به أنه لا يمس ذلك الكتاب إلا الملائكة المطهرون. قال قتادة: فأما المصحف يمسه كل أحد وإنما المراد ذلك الكتاب في السماء(9).

وقد صحح هذا القول ابن تيمية رحمه الله حيث قال: والصحيح أن الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة لوجوه:

·   أحدهما: أن هذا تفسير جماهير السلف من الصحابة ومن بعدهم حتى الفقهاء الذين قالوا لا يمس القرآن إلا طاهر من أئمة المذاهب صرحوا بذلك وشبهوا هذه الآية بقوله:  ﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾[عبس:11-16].  

·   وثانيها: أنه أخبر أن القرآن جميعه في كتاب وحين نزلت هذه الآية لم يكن نزل إلا بعض المكي منه ولم يجمع جميعه في المصحف إلا بعد وفاة النبي  صلى الله عليه وسلم.

·       وثالثها: أنه قال: في كتاب مكنون، والمكنون: المصون المحرر الذي لا تناله أيدي المضلين فهذه صفة اللوح المحفوظ

·   ورابعها: أن قوله: لا يمسه إلا المطهرون. صفة للكتاب، ولو كان معناها الأمر لم يصح الوصف بها وإنما يوصف بالجملة الخبرية.

·       وخامسها: أنه لو كان معنى الكلام الأمر لقيل فلا يمسه لتوسط الأمر بما قبله.

·   وسادسها: أنه لو قال المطهرون وهذا يقتضي أن يكون تطهيرهم من غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم فقط لقيل المتطهرون كما قال تعالى: ﴿ِفيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾[التوبة:108].  وقال تعالى: ﴿  إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:222].  

·       وسابعها: أن هذا مسوق لبيان شرف القرآن وعلوه وحفظه(10) .  

وكذلك صحَّحَ ابن القيم(11) هذا القول: بان المراد في قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾: الملائكة، واستدل على هذا بوجوه عدة، منها: 

·       أنه وصف الكتاب بأنه مكنون، والمكنون: المستور عن العيون، وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة(12).

·   أنه قال: لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة، ولو أراد المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة:222]. فالملائكة: مطهرون، والمؤمنون: متطهرون.

·        أن هذا إخبار ولو كان نهيا لقال: لا يمسسه بالجزم والأصل في الخبر: أن يكون خبراً صورة ومعنى.

·   أن  ما ورد في الآية: إنما جاء رداً على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن فأخبر تعالى: أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين ولا وصول لها إليه، كما قال تعالى في آية الشعراء: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَت بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُم وَمَا يَستَطِيعُونَ﴾[الشعراء:210-211]. وإنما تناله الأرواح المطهرة وهم الملائكة.

·   أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس:﴿ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ* مَّرفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾[عبس:12-16].

          ولقد استدلت الظاهرية على هذا القول من التفسير، وقالوا: الآية خاصة بالملائكة، وبناءً عليه: فيجوز مس المصحف للمسلم مطلقاً، ولا تشترط الطهارة الصغرى والكبرى للمسلم عند مسه للمصحف. وضعفوا الأحاديث الواردة في المنع. وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي: أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله(13).

          واستدلوا على قولهم: بحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن أبا سفيان ابن حرب أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعث كتاباً إلى هرقل عظيم الروم، وفيه قوله تعالى: ﴿ قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَينَنَا وَبَينَكُم أَلاَّ نَعبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشرِكَ بِهِ شَيئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضاً أَربَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ ﴾[آل عمران:64] (14). وعلَّق ابن حزمٍ على هذا الحديث، فقال: فهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد بعث كتاباً، وفيه هذه الآية إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك(15).

فإن قالوا: إنما بعث رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى هرقل آيةً واحدةً. قيل لهم: ولم يمنع رسول الله  صلى الله عليه وسلم من غيرها وأنتم أهل قياسٍ فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها .

فإن ذكروا قول الله تعالى : ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ  فهذا لا حجة لهم فيه، لأنه ليس أمرًا وإنما هو خبرٌ والله تعالى لا يقول إلا حقا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي أو إجماعٍ متيقنٍ، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه عز وجل لم يعن المصحف(16).

 

القول الثاني: المراد بالكتاب: هو المصحف، وأن المس: هو اللمس الحسي المعروف. ، وأن الذي يمسه هم المؤمنون المطهرون من الحدث.

وقد ذهب إلى هذا القول جمع من المفسرين، وإليك  أخي السائل بيان ما ذكروه في كتبهم:

1.  أخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أنس - رضي الله عنه- قال: خرج عمر متقلدا بالسيف، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال له: أين تغدو يا عمر. قال: أريد أن أقتل محمدا. قال: وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة. فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك. قال: أفلا أدلك على العجب إن أختك وختنك قد صبئآ وتركا دينك، فمشى عمرا زائرا حتى أتاهما وعندهما خباب، فلما سمع خباب بحس عمر توارى في البيت فدخل عليهما، فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم وكانوا يقرأون طه  فقالا: ما عدا حديثا تحدثنا به، قال: فلعلكما قد صبأتما. فقال له ختنه: يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عمر على خنته فوطئه وطأ شديدا، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفخها نفخة بيده فدمى وجهها. فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه. فقالت أخته: إنك رجس وإنه  لا يمسه إلا المطهرون، فقم فتوضأ، فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ من بداية سورة طه حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعبُدنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكرِي﴾ [طه:14](17).

2.  وعن عبد الرحمن بن زيد قال: كنا مع سلمان فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا، فخرج إلينا، فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن. فقال: سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾,(18).  فهذا هو الفهم الذي فهموه من تفسير الآية.   

3.  وقال محمد بن أحمد بن محمد الغرناطي: وإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين المسلمين؛ لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد المطهرين من الحدث الأكبر وهي الجنابة أو الحيض فالطهارة على هذا الاغتسال، أو المطهرين من الحدث الأصغر فالطهارة على هذا الوضوء(19).

4.  وقال أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي: إلا المطهرون: أي من الجنابة والحدث ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب. قالوا: والمراد بالقرآن ههنا المصحف كما روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نهى أن يسافر بالقرآن إلى ارض العدو مخافة أن يناله العدو(20). أي المصحف.

5.  وقال البغوي: والمراد بالقرآن المصحف سماه قرآنا على قرب الجواز والاتساع كما روي أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وأراد به المصحف(21).

6.    وقال عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي: وقال بعض المتأولين: أراد بالكتاب مصاحف المسلمين(22).

7.  وقال أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري: وإن كانت الجملة صفة للقرآن فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس يعني مس المكتوب منه(23).

8.  وقال عبد الرزاق بن همام الصنعاني: عن قتادة في قوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون. قال: لا يمسه في الآخرة إلا المطهرون، فأما في الدنيا فقد مسه الكافر النجس والمنافق الرجس(24).

9.  وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: وقيل المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا وهو الأظهر، والمعنى لا يمسه أحد منهم شرعا(25).

10.                 وقال الواحدي: لا يمسه باليد أي المصحف إلا المطهرون من الجنابات والأحداث(26).

11.        وقال عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي: ومن قال هو المصحف ففي المطهرين أربعة أقوال: أحدها: أنهم المطهرون من الأحداث قاله الجمهور, فيكون ظاهر الكلام النفي ومعناه النهي. والثاني: المطهرون من الشرك قاله ابن السائب. والثالث: المطهرون من الذنوب والخطايا قاله الربيع بن أنس. والرابع: أن معنى الكلام لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به, حكاه الفراء(27).

12.  وقال العز ابن عبد السلام: وإن جعلناه المصحف الذي بأيدينا فلا يمسه بيده إلا المطهرون من الشرك أو من الذنوب والخطايا أو من الأحداث(28).

13.  وقال أبو السعود محمد بن محمد العمادي : أو أن تكون الجملة صفة  للقرآن، فالمراد بهم المطهرون من الأحداث فيكون نفيا بمعنى النهى أي لا ينبغي أن يسمه إلا من كان على طهارة من الناس. وقيل: لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر(29).

14.  وقال البغوي: وقال قوم معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنابات. وظاهر الآية نفي ومعناها نهي قالوا لا يجوز للجنب ولا للحائض ولا المحدث حمل المصحف ولا مسه. وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وهو قول أكثر الفقهاء(30).

15.     وقال البيضاوي: أو لا يمس القرآن  إلا المطهرون من الأحداث فيكون نفيا بمعنى النهي أو لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر(31) .

16.  وقال السمعاني: والقول الثاني: أن المراد به المصحف وقوله: لا يمسه إلا المطهرون   خبر بمعنى النهي أي لا تمسوه إلا على الطهارة(32).

وبناءً على هذا القول في تفسير الآية فقد ذهب جمهور العلماء إلى منع المحدث من مس المصحف، وقالوا: تشترط الطهارة الصغرى والكبرى لمن أراد مس المصحف؛ تعظيماً لكتاب الله تعالى(33).

 واستدلوا على قولهم: بحديث عمرو ابن حزم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يمس القران إلا طاهر"(34).  وحديث ابن عمر مرفوعا: " لا يمسَّ القرآن إلا طاهر "(35). وحديث حكيم بن حزامٍ، قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن، قال: " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهرٌ "(36). وعن ابن عمر - رضي الله عنهما- أنه كان لا يمس المصحف إلا متوضئا (37).

وقال الشافعي: ليس للمحدث بالجنابة أن يمس جلد المصحف(38).وهو الذي رجحه ابن عبد البر في تفسير الآية، وقال: إن النهي قد يأتي بلفظ الخبر ويكون معناه النهي(39). وقد قوَّى ابن تيمية القول الثاني، وقال: تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر؛ لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله، فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر(40). وقال: ومس المصحف يشترط له الطهارة الكبرى والصغرى عند جماهير العلماء، ولقد دل عليه الكتاب والسنة، وهو ثابت عن سلمان وسعد وغيرهم من الصحابة، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المساجد(41).  

ومما يؤيد القول الثاني: في أن المراد بالكتاب: المصحف، أنه أقرب مذكور، وعوده إلى اللوح المحفوظ ممنوع؛ لأنه غير منزل؛ إذ قد ورد بعد هذه الآيات الثلاث قوله تعالى: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ [الواقعة:80].  وكذلك لا يمكن أن يراد بالمطهرين الملائكة، لأن السماء ليس فيها غير مطهر، فعُلِم أنه أراد الآدميين(42).قال السرخسي: وهذا وإن قيل في تأويله: لا ينزله إلا السفرة الكرام البررة فظاهره يفيد منع غير الطاهر من مسه(43).

          وقد ردَّ الجمهور على ما استدلّ به الظاهرية: بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعث كتاباً إلى هرقل عظيم الروم، وفيه الآية السابقة. بأن الرسالة لا تسمى مصحفاً، وأن الآية التي بعث بها النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل: إنما قصد بها المراسلة، والآية في الرسالة أو في كتاب من الكتب لا تمنع مسه، ولا يصير الكتاب بها مصحفا، ولا تثبت له حرمته(44).

          ومن الأقوال في تفسير الكتاب: المصحف، والذي يمسه: هم المؤمنون المطهرون من الشرك، وإليه ذهب المحدث الألباني، وقال: الطاهر هو المؤمن، وهذا لا يدل على تحريم مس القرآن على المؤمن مطلقا(45). وبناءً على هذا القول: فيجوز مس المصحف من المؤمن مطلقا، وإنما يمتنع مس المصحف على الكافر.

الخلاصة:

          المفهوم من قوله تعالى: ﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة:79]متنازع فيه بين أن يكون المطهرون هم بنو آدم، وبين أن يكونوا هم الملائكة، وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي، وبين أن يكون خبراً لا نهياً. فمن فهم أن المطهرون: هم بنو آدم، وفهم من الخبر النهي قال: لا يجوز أن يمس المصحف إلا طاهر. ومن فهم أن المطهرون: الملائكة، وفهم من النهي الخبر فقط قال: إنه ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف وإذا لم يكن هنالك دليل لا من كتاب ولا من سنة ثابتة بقي الأمر على البراءة الأصلية وهي الإباحة(46). وكلمة الطاهر لفظ مشترك، يطلق: على الطاهر من الحدث الأكبر، وعلى الطاهر من الحدث الأصغر، وعلى المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، وعليه: فلابد من قرينةٍ لحمله على معنى معين. وقد يستأنس بما ورد في بعض الروايات:" لا تمس القرآن إلا وأنت طاهرٌ". فهذا خطاب للمؤمن أن لا يمس القرآن إلا على طهارة. بالإضافة إلى كرامة القرآن وعظمته، فلا يمسه إلا من كان طاهراً، وقد تقدم كلام ابن تيمية في هذا.

القول الراجح:

الذي يظهر لي راجحاً - والله أعلم- هو القول الأول وأن المراد من المطهرين الملائكة، وقد تكون الآية عامة وشاملة للملائكة وللمطهرين من بني آدم ولا تعارض بين القولين.

          قال ابن جرير الطبري: والصواب من القول من ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر أن لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون فعم بخبره المطهرين ولم يخصص بعضا دون بعض فالملائكة من المطهرين والرسل والأنبياء من المطهرين وكل من كان مطهرا من الذنوب فهو ممن استثني(47).

          وقال ابن تيمية: ويكون معنى الوجه في هذا والله أعلم أن القرآن الذي في اللوح المحفوظ هو القرآن الذي في المصحف كما أن الذي في هذا المصحف هو الذي في هذا المصحف بعينة سواء كان المحل ورقا أو أديما أو حجرا أو لحافا فإذا كان من حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك لأن حرمته كحرمته أو يكون الكتاب اسم جنس يعم كل ما فيه القرآن سواء كان في السماء أو الأرض(48) .

          وقال منصور بن يونس بن إدريس البهوتي: المراد بهم الملائكة وكذلك بنو آدم قياسا عليهم(49).

          وقال شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي: نهى الله  تعالى عن ملامسة القرآن ومسه لغير الطاهرين إجلالا،والألف واللام للعموم فيشمل أهل الأرض والسماء والأصل عدم التخصيص فيحصل المطلوب(50).

 

2- وهل يستنبط من هذه الآية تحريم مس المصحف للكافر، أو من أدلة أخرى؟

          والجواب: أنه قد يستنبط من قوله تعالى: ﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة:79]  تحريم مس المصحف للكافر، وذلك للاختلاف المتقدم في تفسير الآية. قال محمد بن أحمد بن محمد الغرناطي: وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز أن يمس المصحف كافر لأنه إن أراد بالمطهرين المسلمين فذلك ظاهر(51).

          وقد قال الجمهور من العلماء: باشتراط الطهارة للمسلم عند مسه للمصحف، فمن باب أولى عدم جواز مسه للكافر. وذهب الألباني: إلى جواز مس المصحف للمؤمن مطلقاً، فيكون المنع من مسه على الكافر. قال محمد الشربيني الخطيب: ويمنع الكافر من مسه لا سماعه ويحرم تعليمه وتعلمه إن كان معاندا وغير المعاند إن رجي إسلامه جاز تعليمه وإلا فلا(52). وقال زين الدين ابن نجيم الحنفي: والنصراني إذا تعلم القرآن يعلم والفقه كذلك لأنه عسى يهتدي لكن لا يمس المصحف وإذا اغتسل ثم مس لا بأس به في قول محمدٍ وعندهما يمنع من مس المصحف مطلقًا(53).

          وكذلك يستفاد تحريم مس المصحف على الكافر من الأحاديث التي تقدم ذكرها. قال إسحاق بن راهويه: لا يقرأ أحد في المصحف إلا وهو متوضئ. وليس ذلك لقول الله عز وجل: ﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة:79].  ولكن لقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم: " لا يمس القرآن إلا طاهر"(54).

3- وإن كان الجواب نعم، فهل المصاحف المترجمة داخلة في الحكم؟

          والجواب: أن المصاحف المترجمة تأخذ حكم كتب التفسير وتقاس عليها مع أن كتب التفسير تشمل القرآن وتفسيره، والمصاحف المترجمة إنما هي معاني لكلمات القرآن، لكن هنالك تشابه في أن كليهما تفسير للقرآن، وإن اختلفت اللغة المفسرة. وقد ذهب الفقهاء إلى جواز مس كتب التفسير للمحدث،كذلك يقاس عليها المصاحف المترجمة. والآن سأذكر أقوال الفقهاء في هذا.

أقوال أئمة المذاهب في حكم مس كتب التفسير:

·   المذهب الحنبلي:

1.    قال عبد الله بن قدامة المقدسي:وإن مس المحدث كتاب فقه أو رسالة فيها آي من القرآن الكريم جاز لأنه لا يسمى مصحفا(55).

2.  وقال أيضاً: ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها والرسائل وإن كان فيها آيات من القرآن بدليل أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كتب إلى قيصر كتابا فيه آية ولأنها لا يقع عليها اسم مصحف ولا تثبت لها حرمته(56).

3.  وقال إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق: وله مس تفسير على المذهب ومنسوخ تلاوته على الأصح والأحاديث المأثورة والتوراة والإنجيل لأنها ليست بقرآن(57).

4.  وقال أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني: وما فيه شيء من القرآن حكمه حكم المصحف إن كان مفردا، فإن كتب مع القرآن غيره، فالحكم للأغلب، فيجوز مس كتب التفسير والحديث والفقه والرسائل التي فيها شيء من القرآن؛ لأنها ليست مصحفا(58).

 

·   المذهب الشافعي:

1.    قال أبو بكر ابن السيد محمد شطا الدمياطي: المراد بالمطهرين: المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي. وقال: ولا يحرم حمل المصحف مع تفسيره ولا مسه(59).

2.    وسئل ابن حجر: هل يحرم كتابة القرآن الكريم بالعجمية كقراءته؟ فأجاب: ما في المجموع عن الأصحاب التحريم، وأما ما نقل عن سلمان - رضي الله عنه- أن قوما من الفرس سألوه أن يكتب لهم شيئا من القرآن فكتب لهم فاتحة الكتاب بالفارسية، فأجاب عنه أصحابنا: بأنه كتب تفسير الفاتحة لا حقيقتها(60). فهذا الجواب يُبيِّن أنه يجوز كتابة تفسير القرآن للأعاجم.

3.    وقال محمد الشربيني الخطيب: ويحل حمله في تفسير سواء تميزت ألفاظه بلون أم لا إذا كان التفسير أكثر من القرآن لعدم الإخلال بتعظيمه حينئذ وليس هو في معنى المصحف بخلاف ما إذا كان القرآن أكثر منه لأنه في معنى المصحف أو كان مساويا له.

          وقال: وظاهر كلام الأصحاب حيث كان التفسير أكثر لا يحرم مسه مطلقا(61).

فالشافعية : يفرقون في المنع من مس كتب التفسير ومن عدمه بناءً على الأغلب، فإن زاد القرآن على التفسير في الحجم، أو تساويا، فيُمنع المحدث من مسه، لأن التفسير في هذه الحالة في معنى المصحف، أما إن زاد حجم التفسير على القرآن فلا مانع من مسه للمحدث، وهكذا حكم المصاحف المترجمة قياساً.  

·       المذهب الحنفي:

1.  قال زين الدين ابن نجيم الحنفي: هذا الكتاب كريمٌ على الله تعالى ومن كرمه أنه أثبته عنده في اللوح المحفوظ وعظم شأنه بأن حكم بأنه لا يمسه إلا الملائكة المقربون وصانه عن غير المقربين فيجب أن يكون حكمه عند الناس كذلك بناءً على أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعرٌ بالعلية لأن سياق الكلام لتعظيم شأن القرآن. قال: ويكره مس كتب التفسير والفقه والسنن؛ لأنها لا تخلو عن آيات القرآن. وقال: ورخِّص المس باليد في الكتب الشرعية إلا التفسير(62).

2.    وقال علاء الدين الكاساني: ويكره مس كتاب التفسير؛ لأنه يصير بمسه ماسا للقرآن، وأما مس كتاب الفقه فلا بأس به(63).

3.  وقال ابن عابدين: القول الأول: المراد من المطهرين الملائكة المقربون؛ لأنهم مطهرون عن أدناس الذنوب أي لا يطلع عليه سواهم والقول الثاني: المراد منهم الناس المطهرون من الأحداث وعليه أكثر المفسرين، ويؤيده أن فيه حمل المس على حقيقته، والأصل في الكلام الحقيقة(64).قال: ويجوز مس التفسير فهو كسائر الكتب الشرعية بل ظاهره أنه قول أصحابنا جميعا، ومن أثبت الكراهة في التفسير نظر إلى ما فيها من الآيات، ومن نفاها نظر إلى أن الأكثر ليس كذلك، إلا أن يقال إن القرآن فيه أكثر من غيره(65).

·       المذهب المالكي:

يرى المالكية: أن القرآن لو كتب بلغة أعجمية، فإنه يجوز للمحدث مسه، لأن كتابة القرآن بغير العربية، يكون تفسيراً للقرآن وليس بقرآن. قال الدسوقي:  وأما لو كتب القرآن بالعجمي لجاز للمحدث مسه لأنه ليس بقرآنٍ بل هو تفسيرٌ للقرآن(66). أما إن كان المكتوب بغير العربية هو معاني القرآن، وليس القرآن، فمن باب أولى جواز مسه عند المالكية.

وقد رخَّص المالكية في مس المصحف للمحدث بشرط أن يكون حامله معلما أو متعلما

حتى ولو كانت امرأة حائضا، وهذا منهم مراعاة للضرورة(67).

ومن أقوال المالكية في جواز مس كتب التفسير للمحدث ما يلي:

1.    قال الدسوقي: يجوز مس التفسير وحمله والمطالعة فيه للمحدث ولو كان جنبًا، لأن المقصود من التفسير معاني القرآن لا تلاوته(68).

2.    وقال شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي: ولا بأس بمس كتب التفسير أو الفقه المتضمنة للقرآن، لأنها المقصود دونه (69).

والله تعالى أعلم

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

أجاب عنه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ27  ذو الحجة 1247هـ الموافق 16/1/ 2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم



(1) الدر المنثور 8/26.

(2) التسهيل لعلوم التنزيل 4/92.

(3) التفسير الكبير 29/170.

(4) الكشاف 4/467.

(5) تفسير أبي السعود 8/200

(6) تفسير ابن كثير 4/299

(7) تفسير البغوي 4/289

(8) تفسير البيضاوي 5/292

(9) تفسير السمعاني 5/359.

(10) شرح العمدة 1/383- 384.

(11) التبيان في أقسام القرآن ص :141.

(12) مدارج السالكين 2 / 416.

(13) تفسير القرطبي 17/227. وانظر: تفسير الثعلبي 9/220.

(14)  صحيح البخاري 1 / 7 , رقم 7، صحيح مسلم  3 / 1393, رقم 1773.

(15)  المحلى 1/84.

(16) المحلى 1/83.

(17) الدر المنثور 5/560.

(18) الدر المنثور 8/27

(19) التسهيل لعلوم التنزيل 4/92.

(20) تفسير ابن كثير 4/299.

(21) تفسير البغوي 4/289. وانظر: تفسير الثعلبي 9/219

(22) تفسير الثعالبي 4/257.

(23) الكشاف 4/467

(24) تفسير الصنعاني 2/272.

(25) تفسير القرطبي 2/407- 17/225.

(26) تفسير الواحدي 2/1064.

(27) زاد المسير 8/152.

(28) تفسير العز بن عبد السلام 3/280.

(29) تفسير أبي السعود 8/200

(30) تفسير البغوي 4/289

(31) تفسير البيضاوي 5/292

(32) تفسير السمعاني 5/359.

(33)  البدائع 1/33، مغني المحتاج 1/36.

(34) سنن الدار قطني  2 /285  رقم222، سنن البيهقي الكبرى  1 / 309  رقم 1374، وقال الألباني: صحيح ، مختصر إرواء الغليل 1/25 رقم 122. 

(35)  سنن الدار قطني  1 / 121 رقم 3، وقال الألباني: صحيح ، الجامع الصغير وزيادته  1 / 1374 رقم 13738.

(36) المعجم الكبير للطبراني 3 / 337 رقم 3429، وقال الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف الجامع الصغير 29/ 423رقم 14423.

(37) الدر المنثور 8/27

(38) التفسير الكبير 22/38

(39) التمهيد  17 / 398- 399. بتصرف. وقد تقدم تخريج الحديث. 

(40) مدارج السالكين 2 / 417. 

(41) مجموع الفتاوى 26 / 200 بتصرف. 

(42) كفاية الأخيار1 / 115.

(43) المبسوط3/ 152. 

(44) البدائع 1/33، مغني المحتاج 1/36، المغني 1 / 168.  

(45) انظر:تمام المنة 1 / 107 .  

(46) بداية المجتهد 1 / 52. 

(47) تفسير الطبري 27/206.

(48) شرح العمدة 1/383- 384.

(49) كشاف القناع 1/134

(50) الذخيرة 1/239

 (51) التسهيل لعلوم التنزيل 4/92.

(52) الإقناع للشربيني 1/104.

(53) البحر الرائق 1/212.

(54) الاستذكار 2/472.

(55) الكافي في فقه ابن حنبل 1/48.

(56) المغني 1/99.

(57) المبدع 1/174.

(58) شرح العمدة 1/385

(59) إعانة الطالبين 1/66.

(60) إعانة الطالبين 1/68.

(61) الإقناع للشربيني 1/101.

(62) البحر الرائق 1/211-212.

(63) بدائع الصنائع 1/33

(64) حاشية ابن عابدين 1/89.

(65) حاشية ابن عابدين 1/176بتصرف.

(66) حاشية الدسوقي 1/ 125.

(67) الفقه على المذاهب الأربعة    1 / 48.

(68) حاشية الدسوقي 1/125.

(69) الذخيرة 1/ 237.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
إهداء ثواب قراءة القرآن للميت
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد - صلى الله عليه، وعلى آله وسلم - وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:-

فكثيراً ما نسمع من بعض المصلين في بعض مساجد صنعاء من يقول للناس بعد الصلاة: الفاتحة نهدي ثوابها إلى روح آبائنا وآبائكم، وأمهاتنا وأمهاتكم، وكل من له حق علينا، بأن الله يُسكنهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وأن يُدخل عليهم البهجة والسرور، والضياء والنور من يومنا هذا إلى يوم النشور، وأن يغفر لنا ولهم... وكذا نسمع مثل هذه العبارات في مآتم الأموات، وكذا عند زيارة المرضى، ومثله عند زيارة المقابر... وغيرها من المواضع.

وقد وُجد من الناس من يُنكر مثل هذه الأفعال، ويقول بحرمة إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الأموات، وأن ذلك مما لا ينفع الميت، وأنه لا يصل إليه، ويعتبر أن مثل هذه الأفعال من البدع المنكرة، التي لا بد من اجتنابها، كما وُجد فريق آخر يقول: إن ذلك من الأمور الجائزة، وأنه مما يجوز فعله، وأنه مما ينفع الميت، وأنه يصل إليه؛ ولذا فقد أحببت أن أبحث هذه المسألة من خلال ما قاله فقهاء المسلمين، وما قال علماء التفسير، وسيكون سير البحث على النحو الآتي:

1.    تمهيد.

2.    إهداء ثواب قراءة القرآن للميت.

3.    الأدلة على أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى.

4.    الأدلة على أن القراءة يصل إهداء ثوابها إلى الموتى.

5.    تأويل المجيزين لأدلة المحرمين.

6.    الخلاصة.

7.    الراجح.

ولذلك أقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي، ونِعم الوكيل:

تمهيد:

أجمع العلماء على أن إهداء أجر الصدقة إلى الميت جائز، وأنه يصل إلى الميت، وأنه ينفعه، ومثله الدعاء للميت. قال ابن كثير: » فأما الدعاء والصدقة، فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما «(1). ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به "(2)، فهذه الثلاثة - في الحقيقة - هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه "(3)... وثبت في الصحيح: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً "(4). وقال في فتح الوهاب من كتب الشافعية: »وينفعه أي الميت من وارث وغيره صدقة ودعاء، بالإجماع وغيره«(5). وقد نقل هذا الإجماع أيضاً ابن قدامة الحنبلي في الشرح الكبير، حيث قال: » وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وقضاء الدين وأداء الواجبات فلا نعلم فيه خلافاً إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة «(6).

وقال النووي: » وأما ما حكاه أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه الحاوي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل، قطعاً وخطأ بيِّن، مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا التفات إليه ولا تعريج عليه «(7).

كما أجمعوا على أنه لا يصلي أحد عن أحد. قال القرطبي: » وأجمعوا أنه لا يصلي أحد عن أحد « (8).

ومثله الإيمان والتوحيد، لا يمكن للعبد أن يهبه لغيره. قاله القرافي المالكي(9).

واختلفوا في إهداء ثواب ما سوى ذلك من الأعمال، ومن هذه المسائل إهداء ثواب قراءة القرآن للميت وذلك على النحو الآتي:

إهداء ثواب قراءة القرآن للميت:

وقع بين فقهاء المسلمين اختلاف في إهداء ثواب قراءة القرآن للميت، هل يجوز له ذلك؟ وهل يصل ذلك إلى الميت؟ وهل ينفعه؟ واليك بيان ذلك على حسب مذاهبهم كالآتي:

·       مذهب الحنفية:

يرى الحنفية أن إهداء ثواب قراءة القرآن للميت جائز، وأن ذلك ينفعه، وأنه يصل إليه، وهو ما نص عليه في تبيين الحقائق من كتبهم(10).

 

·       مذهب المالكية:

يذهب الإمام مالك إلى عدم جواز إهداء قراءة القرآن للميت، وأن ذلك لا ينفعه، ولا يصل إليه. وقال بعض أصحابه: إن ذلك ينفعه، ويصل إليه. قال في منح الجليل:» قال القرافي: القربات ثلاثة أقسام:

1.    قسم حجر الله تعالى على عبده في ثوابه، ولم يجعل له نقله إلى غيره، كالإيمان والتوحيد.

2.    وقسم اتفق على جواز نقله، وهو القربات المالية.

3.    وقسم اختلف فيه، وهو الصوم والحج والقراءة، فمنعه مالك والشافعي، رضي الله تعالى عنهما...

ثم قال: فينبغي للإنسان أن لا يتركه، فلعل الحق هو الوصول، فإنه مغيب، وكذا التهليل الذي اعتاد الناس ينبغي عمله، والاعتماد على فضل الله تعالى «(11).

ونقل في منح الجليل أيضاً عن ابن رشد قوله في فتوى له عن معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [ النجم: 39 ]، قال:» إن قرأ وأهدى ثواب قراءته للميت، جاز ذلك، وحصل أجره للميت، ووصل إليه نفعه إن شاء الله تعالى؛ لحديث النسائي عنه - صلى الله عليه وسلم- :" من دخل مقبرة وقرأ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[الإخلاص: 1]. إحدى عشرة مرة، وأهدى ثوابها لهم، كتب الله له من الحسنات بعدد من دفن فيها "(12). ونقل الدسوقي عن ابن رشد هذا القول أيضاً، ونقل مثله عن ابن هلال، ونسب هذا القول للأندلسيين، حيث قال: » وقال ابن هلال في نوازله: الذي أفتى به ابن رشد وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيين: أن الميت ينتفع بقراءة القرآن الكريم ويصل إليه نفعه، ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له، وبه جرى عمل المسلمين شرقاً وغرباً، ووقفوا على ذلك أوقافاً، واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة «(13). وهذا هو مذهب المتأخرين من المالكية، كما نص عليه الدسوقي، حيث قال: » لكن المتأخرون على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذكر، وجعل ثوابه للميت، ويحصل له الأجر، إن شاء الله «(14).

وقد ذكر المالكية قولاً ثالثاً في هذه المسألة، وهو: حصول ثواب الاستماع للميت، ولكن لا يصح منه ذلك؛ لانقطاع التكليف عنه (15). ولعل مقصودهم بهذا القول هو عدم وصول ثواب الإهداء للميت، ولكنه ينتفع بهذه القراءة من جهة سماعه لها.

وقد علَّق في منح الجليل على انقطاع التكليف عنه، فقال: » والظاهر حصول بركة القراءة؛ لحصولها بمجاورة الرجل الصالح، ولا تتوقف على التكليف، فقد حصلت بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للخيل والدواب وغيرهما، كما ثبت بالجملة «(16).

 

·       مذهب الشافعية:

للشافعية في هذه المسألة أقوال:

1.    فالمشهور عن الشافعي: عدم جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للميت، وأن ذلك لا ينفعه، ولا يصل إليه.

2.    وقال الكثيرون من أصحابه: يجوز إهداء ثواب قراءة القرآن للميت، وأن ذلك ينفعه، وأنه يصل إليه.

قال النووي: » وأما قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي، أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، وقال بعض أصحابه: يصل ثوابها إلى الميت «(17). وقد علَّق في فتح المعين على كلام النووي هذا فقال: » وحمل جمع عدم الوصول الذي قاله النووي على ما إذا قرأ لا بحضرة الميت، ولم ينو القارئ ثواب «(18)، ونقل في فتح الوهاب عن السبكي قوله: » الذي دل عليه الخبر بالاستنباط، أن بعض القرآن، إذا قُصِد به نفع الميت نفعه«(19). وقد نقل في فتح المعين أن القول بالجواز، هو ما اختاره كثيرون من أئمة الشافعية(20).

وقال في نهاية المحتاج: »وفي القراءة وجه - وهو مذهب الأئمة الثلاثة - بوصول ثوابها للميت بمجرد قصده بها، واختاره كثير من أئمتنا... قال ابن الصلاح: وينبغي الجزم بنفع: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه. أي: مثله فهو المراد، وإن لم يصرح به لفلان؛ لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعي، فما له أولى « (21).

 

·       مذهب الحنابلة:

وللحنابلة في هذه المسألة أقوال أيضاً كالمالكية، وهي كالآتي:

1.    جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للميت وأن ذلك ينفعه ويصل إليه. وهذا هو المشهور عن أحمد.

2.    عدم جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للميت وأن ذلك ينفعه ويصل إليه. ونسبه البهوتي إلى الأكثر.

3.    وقيل: الثواب للقارئ، ولكن الرحمة تُرجى للميت بها.

قال ابن قدامة: » وأي قربة فعلها، وجعل ثوابها للميت المسلم، نفعه ذلك «(22). وقال البهوتي: » وكل قربة فعلها المسلم، وجعل ثوابها أو بعضها، كالنصف ونحوه، كالثلث أو الربع، لمسلم حي أو ميت، جاز ذلك ونفعه، ذلك لحصول الثواب له، حتى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكره المجد، من بيان لكل قربة تطوع وواجب، تدخله النيابة، كحج ونحوه كصوم نذر، أو لا تدخله النيابة، كصلاة وكدعاء واستغفار، وصدقة وعتق وأضحية وأداء دين وصوم وكذا قراءة وغيرها. قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير؛ للنصوص الواردة فيه، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر، ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعاً «(23).

وقال بعضهم: إذا قرئ القرآن عند الميت، أو أهدي إليه ثوابه، كان الثواب لقارئه، ويكون الميت كأنه حاضرها فترجى له الرحمة(24).

وقال البهوتي: » وقال الأكثر: لا يصل إلى الميت ثواب القراءة وأن ذلك لفاعله «(25).

 

الأدلة على أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى:

استدل من قال من العلماء بعدم وصول إهداء ثواب قراءة القرآن للموتى، وبأن ذلك لا ينفعهم، بأدلة منها:

1.  قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [النجم: 39] (26)، ووجه الدلالة من الآية هو أن القراءة للأموات ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء(27).

2.  وقوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ البقرة: 134],(28). فقد دلت الآية على أن الإنسان يؤاخذ بفعل نفسه، ولا يؤاخذ بفعل غيره.

3.  واستدلوا أيضاً (29) بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له". فقد دل الحديث على انقطاع العمل عن الميت، إلا هذه الثلاث المذكورة في الحديث، وليس إهداء ثواب القراءة منها.

4.    واستدلوا أيضاً بقياس القراءة على الصلاة في عدم الوصول؛ لأن كل منهما عبادة بدنية(30).

5.  واستدلوا أيضاً بأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يُهدُون ثواب القراءة للأموات، ولو كان خيراً لسبقونا إليه (31).

6.    واستدلوا أيضاً بأن باب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء(32).

7.    واستدلوا أيضاً بأن ثواب القراءة هو الجنة، وليس في قدرة العبد أن يجعلها لنفسه فضلاً أن يجعلها لغيره(33).

8.    واستدلوا أيضاً بأن نفع القراءة لا يتعدى فاعله، فلا يتعداه ثوابه(34).

الأدلة على أن القراءة يصل إهداء ثوابها إلى الموتى:

استدل من قال من العلماء بوصول إهداء ثواب قراءة القرآن للموتى، وأن ذلك ينفعهم، بأدلة منها:

1.  قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ [غافر: 7،8]، ودعاء الميت لهم؟ ليس من عمل الأموات بل ذلك من عمل الغير وقد نفعهم(35).

2.  وقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر: 10](36). ودلالته على المراد كسابِقِه.

3.  وقال سبحانه: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد: 19](37). فقد أمر الله نبيه أن يستغفر للمؤمنين، فدل ذلك أن الاستغفار يصل إليهم وينفعهم. قال في تبيين الحقائق: » وروي عن أبي هريرة قال: يموت الرجل، ويدع ولداً، فيرفع له درجة، فيقول: ما هذا يا رب؟! فيقول سبحانه وتعالى: "استغفار ولدك". ولهذا قال تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد: 19]، وما أمر الله به من الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم «(38).

4.  واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ [الطور: 21]، فقد دلت الآية على أن الله سبحانه يُلحق الأبناء المؤمنين بآبائهم المؤمنين، وهذا دليل على أن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره(39).

5.  واستدلوا أيضاً بحديث(40): "من مر بالمقابر، فقرأ إحدى عشرة مرة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص:1 ]، ثم وهب أجره الأموات، أعطى من الأجر بعدد الأموات"(41).

6.  وبحديث معقل بن يسار(42) – رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" اقرءوا يس على موتاكم " رواه أبو داود(43). فقد أمر - صلى الله عليه وسلم - بقراءة سورة يس - وهي من القرآن - على الموتى، وهذا دليل على أن القراءة تنفعهم، وإلا لما كان في الأمر لهم بقراءة يس فائدة.

7.  وعن عائشة وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين سمينين عظيمين أملحين أقرنين موجوئين، فذبح أحدهما، فقال : "اللهم عن محمد وأمته، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ"(44). أي جعل ثوابه لأمته، وهذا تعليم منه عليه الصلاة والسلام أن الإنسان ينفعه عمل غيره، والاقتداء به هو الاستمساك بالعروة الوثقى(45).

8.  واستدلوا أيضاً بحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه – قال: لما أصيب عمر - رضي الله عنه - جعل صهيب يقول: وا أخاه! فقال عمر - رضي الله عنه – أما علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي"(46). فإذا كان البكاء يضره فالقراءة تنفعه، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب عنه المثوبة(47).

9.  واستدلوا أيضاً بإجماع المسلمين على جواز ذلك؛ فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون، ويقرأون القرآن، ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير(48).

قلت: نقْلُ الإجماع في هذه المسألة غريب؛ لأن الخلاف في المسألة مشهور.

10.  والقياس على الصدقة والحج، فإنهما تصلان إلى الميت بالإجماع(49)، وبالنصوص الشرعية الدالة على ذلك، كحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: " نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى"(50). وعنه أيضاً - رضي الله عنهما - أنه قال: كان الفضل بن عباس – رضي الله عنهما - رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءته امرأةٌ من خثعم، تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. قالت: "يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه ؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع"(51). وعنه أيضاً - رضي الله عنهما - أن رجلاً قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أمه توفيت، أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: " نعم "(52)، فقد دلت هذه الأحاديث على أن الميت ينتفع بحج الحي عنه، وكذا تصدقه عنه، ويقاس عليه القراءة، فيقال: إن الميت ينتفع بقراءة الميت له. قال ابن قدامة: » وكلها أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار كلها عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس وتخفيف الله عز وجل عن أهل المقابر بقراءته، ولأنه عمل بر وطاعة، فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصيام والحج الواجب «(53).

11.  واستدلوا أيضاً بالقياس على الدعاء (54) الذي ورد في مشروعيته للميت نصوص كثيرة، منها حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده عن عبد الله ذي البجادين، الذي هلك في غزوة تبوك أنه هلك في جوف الليل، فنـزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حفرته، وقال لأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما- : "أدليا إلي أخاكما "، فلما وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في لحده قال: "اللهم إني راض عنه، فارض عنه " فقال أبو بكر: والله لوددت أني صاحب الحفرة"(55). فقد دل الحديث على مشروعية الدعاء للميت، وهو دليل على انتفاعه بهذا الدعاء، والدعاء ليس من عمل الميت، مع أنه ينتفع به. ومثل هذا يقال في الأحاديث الواردة في الدعاء على الجنازة(56)، كحديث أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنازة؟ فقال: قال: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإِسلام، وأنت أعلم بسرِّها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها "(57). وعن عوف بن مالك – رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فقال: " اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه، وعافه، وأكرم نزله ووسِّع مَدخله، واغسله بماءٍ وثلج وبرد، ونقِّه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدَّنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقِهِ فتنة القبر، وعذاب النار"(58). وغيرها.

 

تأويل المجيزين لإهداء ثواب قراءة القرآن للموتى، لأدلة المحرمين:

أوَّل المجيزون لإهداء ثواب قراءة القرآن للميت أدلة المحرمين لذلك بالآتي:

·       أما قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [ النجم: 39 ]، فأوَّلوه بالآتي:

1.  قال القرطبي: » ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى خاص في السيئة، بدليل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " قال الله عز وجل:"إذا همَّ عبدي بحسنة، ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها، لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة "(59).

2.  وقال أبو بكر الوراق: ﴿ إِلَّا مَا سَعَى إلا ما نوى، بيانه قوله - صلى الله عليه وسلم- : " يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم "(60).

3.  ونقل عن ابن عباس قوله: إن قوله تعالى ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى منسوخ بقوله تعالى: ﴿ والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ ﴾ [الطور: 21] (61).

4.  وقيل: هي خاصة بقوم موسى وإبراهيم؛ لأنه وقع حكاية عما في صحفهما عليهما الصلاة والسلام، بقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾[ النجم: 36،37](62). قال عكرمة: هذا في حقهم خاصة بخلاف شرعنا؛ بدليل حديث الخثعمية(63).

5.  وقيل: أريد بالإنسان في الآية: الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى أخوه(64). قال في كشاف القناع: » أو أنها مختصة بالكافر أي: ليس له من الخير إلا جزاء سعيه، يوفَّاه في الدنيا، وماله في الآخرة من نصيب «(65).

6.    وقيل: ليس للإنسان من طريق العدل إلا ما سعى هو، وله من طريق الفضل ما سعى غيره به له(66).

7.  وقيل اللام في (للإنسان) بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [الإسراء:7] أي: فعليها، وكقوله تعالى:﴿ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ [الرعد: 25 ] أي: عليهم(67).

8.  وقيل ليس له إلا سعيه، لكن سعيه قد يكون بمباشرة أسبابه؛ بتكثير الإخوان، وتحصيل الإيمان، حتى صار ممن تنفعه شفاعة الشافعين(68).

وقد رام بعض العلماء الجمع بين قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، وقوله تعالى: ﴿ والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ ﴾ [الطور: 21]، ومن هؤلاء الإمام الشنقيطي، حيث قال: » ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ يدل على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على ما سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات، لأن قوله: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى ﴾ قد دلت اللام فيه على أنه لا يستحق، ولا يملك شيئاً، إلا بسعيه، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكاً له ولا مستحقاً له «(69).

وقال أيضاً: » الآية [يقصد آية النجم] إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره، لأنه لم يقل: وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى، وإنما قال: وأن ليس للإنسان، وبين الأمرين فرق ظاهر، لأن سعي الغير ملك لساعيه، إن شاء بذله لغيره، فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه...

الثاني: أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا كفاراً لما حصل لهم ذلك. فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفرداً، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير، سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة، وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ ﴾.

الثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد، ليس للأولاد، كما هو نص قوله تعالى:﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى ﴾ [ النجم: 39 ]، ولكن من سعي الآباء، فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه، بأن رفع إليهم أولادهم؛ ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم. فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها؛ لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد، فانتفاع الأولاد تبع، فهو بالنسبة إليه تفضل منَّ الله عليهم بما ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين، والخلق الذين ينشؤهم للجنة. والعلم عند الله تعالى « (70).

·   كما إنهم أوَّلوا قوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ﴾ [ البقرة: 134](71). بأنها تدل بالمفهوم على أن المرء لا ينتفع بعمل غيره، ولكن منطوق الأحاديث التي استدلوا بها قد دلت على خلافه، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق قُدِّم المنطوق(72).

·    وأما حديث " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " فقد أوَّلوه، بأن الخلاف في عمل غيره لا في عمله هو. ولا يضر جهل الفاعل بالثواب؛ لأن الله يعلمه(73). قال ابن قدامة: » ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به؛ لأنه إنما دل على انقطاع عمله، وليس هذا من عمله، فلا دلالة عليه فيه، ولو دل عليه كان مخصوصاً بما سلموه، فيتعدى إلى ما منعوه، وما ذكروه من المعنى غير صحيح، فإن تعدي الثواب ليس بفرع لتعدي النفع، ثم هو باطل بالصوم والدعاء والحج، وليس له أصل يعتبر به «(74). وقال في تبيين الحقائق عن هذا الحديث: » لا يدل على انقطاع عمل غيره، والكلام فيه، وليس فيه شيء مما يستبعد عقلا؛ لأنه ليس فيه إلا جعل ما له من الأجر لغيره، والله - تعالى - هو الموصل إليه، وهو قادر عليه، ولا يختص ذلك بعمل دون عمل «(75).

الخلاصة:

اختلف العلماء في إهداء الحي لقراءة القرآن للميت، وهل يصل إليه ذلك وينفعه؟ على ثلاثة أقوال، كالآتي:

1.  إهداء القرآن من الحي للميت جائز، ويصل إليه وينفعه. وبه قال الحنفية، وبعض أصحاب مالك، والكثيرون من أصحاب الشافعي، وهو المشهور عن أحمد.

2.  لا يجوز إهداء القرآن للميت، وذلك لا يصل إليه، ولا ينفعه. وبه قال مالك، وهو المشهور عن الشافعي، وهو قول الأكثر من أصحاب أحمد، ونسبه في تبيين الحقائق من كتب الحنفية للمعتزلة(76).

3.    حصول ثواب الاستماع للميت، ولكن لا يصح منه ذلك. وهو قولٌ عند المالكية، وقول عند الحنابلة.

الراجح:

من خلال العرض السابق لأدلة الفريقين، يتبين لنا أن الراجح هو قول القائلين بالجواز؛ للآتي:

1.    لأن أدلة القائلين بالجواز أوضح في الدلالة على حكم هذه المسألة، من أدلة القائلين بالحرمة.

2.    ولأن أدلة القائلين بالحرمة يمكن تأويلها أو الرد عليها كالآتي:

·   أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [النجم: 39] (77)، وقوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ البقرة: 134]، وأن القراءة للأموات ليس من عملهم ولا كسبهم، فجوابه كالآتي:

إن الآيتين تتحدثان عن أصل من أصول الشريعة، وهو أن الإنسان ليس له من عمله، إلا ما كسبه هو أو سعى في تحصيله، وهذا ما هو مقرر في غير هذه الآيتين، كقوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38]، وليس في الآيتين ما يدل على أن المرء لا ينتفع بما يهبه غيره له من ثواب الأعمال، على أنه يمكن القول: إن إهداء الحي للميت ثواب القراءة، من سعي الإنسان ومن كسبه؛ لأن هذا الإهداء - في الغالب - إنما يكون عن صلةٍ وعلاقةٍ وحبٍ بين الحي والميت، وهذا من كسب الميت في حياته.

وعلى فرض صحة استدلال المحرمين بهاتين الآيتين، فإنه يقال: إن الآيتين في غير موضع النـزاع؛ لأنهما تتحدثان عن سعي الإنسان لنفسه، لا في سعي الغير له، وهو موضع الخلاف.

على أن هاتين الآيتين - وهما غير صريحتين في المراد - قد عارضتا ما هو صريح في المراد، وذلك قوله تعالى: ﴿ والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ [الطور: 21]، والتي تدل على أن المرء ينتفع بفعل الغير.

·       وأما استدلالهم بحديث:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: ...". فجوابه كالآتي:

 إن الحديث في غير موضع الخلاف، كما في الآيتين المتقدمتين؛ لأن الحديث يتكلم عن عمل الميت نفسه، ولم يتكلم عن عمل الغير، يُهدَى للإنسان.

كما أن هذا الحديث - وهو غير صريح في المراد - قد عارض ما هو صريح في المراد، وذلك ما تقدم في صيام المرأة وحجها وصدقتها عن أبيها أو أمها.

·   وأما استدلالهم بقياس القراءة على الصلاة في عدم الوصول؛ لأن كل منهما عبادة بدنية فجوابه: أن الأولى هو قياس هذه المسألة على الدعاء، والحج، فإنهما تصلان إلى الميت، وقراءة القرآن للميت مثلهما؛ بجامع أن كلاً منها عبادة بدنية.

فإن قيل: إن الصلاة عبادة بدنية، ولكن مع ذلك لا يصل ثوابها إلى الميت، فلِمَ لا تقاس القراءة على الصلاة، في عدم جواز الإهداء، وعدم وصول ثوابها للميت؟

فالجواب عنه: إن هناك فرقاً بين المسألتين، فإن الصلاة لا يمكن النيابة فيها، ولا يمكن للمرء أن يقوم بها عن غيره، سواء قدر المرء على أدائها بنفسه، أم لم يقدر، أما في حال القدرة فواضح، وأما في حال العجز؛ فلأنه قد سقط وجوبها عنه.

بخلاف الدعاء والحج، فأما الدعاء، فإنه يمكن أن يقوم الغير به؛ بدلالة النصوص المتقدم ذكرها. وأما في الحج؛ فلأنها عبادة تقبل النيابة ممن عجز عن أدائها بنفسه.

كما أن القراءة بقيت على أصلها في جواز إهداء العبادات البدنية، المدلول عليه بأحاديث الدعاء والحج المتقدمة. وأما الصلاة، وهي وإن كانت عبادة بدنية، إلا أنه لا يجوز إهداؤها للإجماع - كما تقدم - على عدم جواز ذلك، فخرجت بهذا من الأصل الذي كانت عليه من جواز إهداء العبادات البدنية.

·       وأما ما تبقى من أدلتهم، فلا تقوى على دفع النصوص الشرعية الدالة على الجواز.

والله تعالى أعلى وأعلم. وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

غفر الله له ولوالديه ومشايخه في الدين

الخميس – 14 ربيع الآخر 1428هـ، 3/5/2007م

راجعه: يونس بن عبد الرب الطلول  ، وعبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي


(1) - تفسير ابن كثير 7/465.

(2) - صحيح مسلم 8/405، برقم: 3084، سنن النسائي 11/424، برقم: 3591، سنن الترمذي 5/243، برقم: 1297.

(3) - سنن النسائي 13/462، برقم: 4373، سنن أبي داود 9/406، برقم: 3061، عن عائشة. والحديث صحيح. انظر: مختصر إرواء الغليل 1/429، برقم: 2162.

(4) - صحيح مسلم 13/164، برقم: 4831، سنن الترمذي 9/284، برقم: 2598. عن أبي هريرة.

(5) - فتح الوهاب 2/31.

(6) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/425.

(7) - شرح النووي على مسلم 1/25.

(8) - تفسير القرطبي 17/114.

(9) - منح الجليل شرح مختصر خليل 3/176.

(10) - انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/131.

(11) - منح الجليل شرح مختصر خليل 3/176.

(12) - منح الجليل شرح مختصر خليل 16/172. والحديث سيأتي تخريجه قريباً.

(13) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/173.

(14) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/172.

(15) - منح الجليل شرح مختصر خليل 3/177.

(16) - منح الجليل شرح مختصر خليل 3/177.

(17) - شرح النووي على مسلم 1/25.

(18) - انظر: فتح المعين 3/258.

(19) - فتح الوهاب 2/31.

(20) - انظر: فتح المعين 3/258.

(21) - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 19/341.

(22) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/425.

(23) - كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431.

(24) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/426.

(25) - كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431.

(26) - شرح النووي على مسلم 1/25، تفسير ابن كثير 7/465، تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/131، كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431. منح الجليل شرح مختصر خليل 3/177.

(27) - تفسير ابن كثير 7/465.

(28) - كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431.

(29) - شرح النووي على مسلم 1/25، الشرح الكبير لابن قدامة 2/426، كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431. منح الجليل شرح مختصر خليل 3/177. والحديث تقدم تخريجه.

(30) - منح الجليل شرح مختصر خليل 3/177.

(31) - تفسير ابن كثير 7/465.

(32) - تفسير ابن كثير 7/465.

(33) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/131، المغني5/80.

(34) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/426.

(35) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير  6/135.

(36) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/425، المغني5/79.

(37) - انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 2/425، المغني5/79. 

(38) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132.

(39) - أضواء البيان 8/53.

(40) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/131.

(41) - كشف الخفاء 2/282 ، برقم: 2630، وقال: رواه الرافعي في تاريخه عن علي.قال الألباني: موضوع. انظر: السلسلة الضعيفة 3/289، برقم: 1290.

(42) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132.

(43) - سنن أبي داود 8/385، برقم: 2714، سنن ابن ماجة 4/380، برقم: 1438، قال الألباني: ضعيف. انظر: مختصر إرواء الغليل 1/138، برقم: 688.

(44) - المستدرك على الصحيحين للحاكم 17/406، برقم: 7654، شعب الإيمان للبيهقي 3/485، برقم: 1429. والحديث صححه الألباني بلفظ" أن أنس بن مالك حدثهم أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أقرنين أملحين يطأ على صفاحهما ويذبحهما ويسمي ويكبر ". انظر: صحيح وضعيف سنن النسائي 9/490 ، برقم: 4418.

(45) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132.

(46) - صحيح البخاري 5/35، برقم: 1208، صحيح مسلم 4/496، برقم:1539.

(47) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/426.

(48) - المصدر السابق.

(49) - شرح النووي على مسلم 1/25.

(50) - صحيح البخاري 7/52، برقم: 1817، صحيح مسلم 6/6، برقم: 1936.

(51) - صحيح مسلم 7/35، برقم: 2375، سنن النسائي 8/464، برقم: 2593.

(52) - صحيح البخاري 9/321، برقم: 2563، سنن أبي داود 8/79، برقم: 2496.

(53) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/425، المغني 5/79.

(54) - منح الجليل شرح مختصر خليل 3/177.

(55) - المعجم الأوسط للطبراني 19/444، برقم: 11165. وكثير ضعيف. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/466.

(56) - انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 2/425، المغني5/79. 

(57) - سنن أبي داود 8/492 ، برقم: 2785، مسند أحمد 17/231 ، برقم: 8189. قال الألباني: ضعيف. انظر: مشكاة المصابيح 1/380 ، برقم: 1688.

(58) - صحيح مسلم 5/75 ، برقم: 1601، سنن النسائي 7/84 ، برقم: 1957.

(59) - صحيح مسلم 1/320 ، برقم: 184، سنن الترمذي 10/337 ، برقم: 2999.

(60) - تفسير القرطبي 17/115. ومراده بالحديث هو حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم " رواه البخاري 7/314، برقم: 1975، ومسلم 14/55، برقم: 5134.

(61) - انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير 6/133، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 19/340، كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431، 432.

(62) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير 6/133.

(63) - كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431، 432. ومراده بحديث الخثعمية، هو قولها:" إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً " وقد تقدم ذكره وتخريجه.

(64) - انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير 6/133. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 19/340.

(65) - كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431، 432.

(66) - انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير 6/133. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 19/340، كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431، 432.

(67) - انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير 6/133، كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431، 432.

(68) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير 6/133.

(69) - أضواء البيان 8/52.

(70) - أضواء البيان 8/53.

(71) - كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431.

(72) - انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431، 432.

(73) - المصدر السابق.

(74) - الشرح الكبير لابن قدامة 2/426.

(75) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/132، فتح القدير 6/133.

(76) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/131.

(77) - شرح النووي على مسلم 1/25، تفسير ابن كثير 7/465، تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 5/131، كشاف القناع عن متن الإقناع 4/431. منح الجليل شرح مختصر خليل 3/177.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
صيام التَّطوع لمن عليه قضاء
الأحد 30 سبتمبر 2012

المقدمة:

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين محمد - صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أمّا بعد:

فإن الشريعة الإسلامية، قد حثَّت على صوم التطوع، ورغَّبت فيه. فقد جاء عن أبي سعيد - رضي الله عنه- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صام يوماً في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفا"(1). فهذا فضل عظيم لمن صام يوماً في سبيل الله.

 والصوم عبادة من أجلِّ العبادات، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركةٌ لها آثارها العظيمة الكثيرة العاجلة والآجلة، من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح والحواس من الفتن والشرور، وتهذيب الأخلاق.

وباب التطوع واسع، ومحله كل أيام السنة عدا الأيام المنهي عنها، ويدخل فيه: صوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء، والست من شوال، وصيام يوم وإفطار يوم، وثلاثة أيام من كل شهر...

فهل يشترط لمن يريد صيام التطوع، أن يكون قد أكمل ما عليه من الفرض، ثم يصوم تطوعاً؟ أم أن له أن يصوم تطوعاً، ولو كان عليه هناك فرضٌ من الصيام ؟

هذا ماسأذكره في هذا البحث، والذي هو بعنوان: (صيام التَّطوع لمن عليه قضاء). وبيان أقوال العلماء، والقول الراجح إن شاء الله تعالى.

سائلاً من الله تعالى التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

ويشتمل هذا البحث على النقاط التالية:

1.    تعريف الصوم.

2.    تعريف التطوع، وأنواعه.

3.    تعريف القضاء.

4.    حكم صوم التطوع لمن عليه قضاء.

5.    أدلة أقوال الفقهاء في حكم صوم التطوع قبل القضاء.

6.    القول الراجح في حكم صوم التطوع لمن عليه قضاء.

7.    الخاتمة.

فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل:

تعريف الصوم:

1. تعريف الصوم في اللغة:

الصَّوْمُ: صامَ يَصُوم صَوْماً وصِياماً، ورجل صائمٌ وصَوْمٌ من قومٍ: صُوَّامٍ وصُيّامٍ وصُوَّمٍ وصُيَّم، والصوم: تَرْكُ الطعامِ، والشَّرابِ، والنِّكاحِ(2).

قال الرازي: «والصوم أيضاً: الإمساك عن الطُّعم، وقد صَامَ الرجل من باب: قال، وصِيَاماً أيضاً، وقوم صُوَّمٌ بالتشديد وصُيَّم أيضاً، ورجلٌ صَوْمانُ: أي صائم»(3).

2. تعريف الصوم في الشرع:

الصوم في الشرع: هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع النية(4).

تعريف التطوع، وأنواعه:

1.          تعريف التطوع في اللغة:

التَّطَوُع بالشيء: التبرع به، والمُطَّوِّعَةُ: الذين يتطوعون بالجهاد(5).

قال الخليل: «والتَّطوُّعُ: ما تبرّعتَ به، ممّا لا يلزمك فريضته، والمُطّوِّعة (بكسر الواو وتثقيل الحرفين): القوم الذين يتطوّعون بالجهاد يخرجون إلى المُرابَطات»(6). وقال الجرجاني: «التطوع: اسمٌ لما شُِرِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِعِِِِِِِِِِِِِِِِ زيادةً على الفرض والواجبات»(7).

2. تعريف التطوع في الشرع:

جاء في فقه العبادات للمالكية، التّطوع: «هو ما يطلب فعله زيادةً على المكتوبة طلباً غير جازم، إما على سبيل النَّدب، أو السنَّة، أو الرَّغِِِِِيبة(8)»(9). وقال الشّربيني الشافعي: «والتطوع التقرّب إلى الله تعالى بما ليس بفرضٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ من العبادات»(10).

3.    أنواع صيام التطوع:

أنواع صيام التطوع(11) ما يلي:

أ- صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم- بثلاث: " صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام"(12). قال صاحب المراقي: «ويندب كونها، أي الثلاثة الأيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر»(13).

ب- صوم يومي الاثنين والخميس، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحٍِِِِِِِِِِِِِِبٍٍٍٍٍٍِِ أن يعرض عملي وأنا صائم"(14).

ج- صوم ستة أيام من شوال، لحديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوّال، كان كصيام الدهر"(15).

د- صوم يوم عرفة لغير الحاجّ (16)، لحدٍٍٍِِِيث أبي قتادة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده"(17). وأما الحاجّ فيستحب له الفطر، لحديث أم الفضل – رضي الله عنها- قالت: "شك الناس يوم عرفة، في صوم النبي - صلى الله عليه وسلم- فبعثت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- بشرابٍٍٍ فشربه"(18).

هـ- صوم يوم عاشوراء، لحديث أبي قتادة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "...وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله"(19).

ح- صوم عشر ذي الحجة، لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما- قال -: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"(20).

ط- صوم شهر محرم، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الصيام بعد رمضان: شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة: صلاة الليل"(21).

ي- صوم شهر شعبان، لحديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان"(22).

ك- صوم يوم وإفطار يوم، لحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "فصم يوما وأفطر يوما، وذلك صيام داود، وهو أعدل الصيام"(23).

ل- النفل المطلق: وهو مالم يثبت عند الشارع كراهته، ولا يخصص بوقت، لعموم ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صام يوماً في سبيل الله، بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفا"(24).

تعريف القضاء:

1. تعريف القضاء في اللغة:

القضاء في اللغة، عرَّفه زكريا الأنصاري، فقال: «القضاء فعل الشيء خارج وقته»(25). وقال الجرجاني: «القضاء تسليم مثل الواجب بالسبب»(26).

2. تعريف القضاء في الشرع:

القضاء في الشرع: هو فعل كل ما خرج وقت أدائه.

فقد جاء في الفقه المالكي، أن القضاء «هو استدراك (تحصيل) ما خرج وقته ليسقط عن الذمة»(27).

وقال السيوطي في منظومته المسماه بالكوكب الساطع:

وفعلُ كلٍّ أو فبعضِ ما مضى وقتٌ له مستدرِِِِِكاً به القضا(28).

فقد ذكر السيوطي تعريف القضاء، وهو فعل كل ماخرج وقته، وقيل: فعل ماخرج بعض وقته، والصحيح الأول، كما تقدم في تعريف المالكية، وكما رجحه السيوطي في شرحه لهذا البيت(29).

 حكم صوم التطوع لمن عليه قضاء.

اختلف الفقهاء في حكم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان إلى ثلاثة أقوال، وإليك بيان مذاهب الفقهاء، وأقوالهم:

·        مذهب الحنفيّة:

 ذهبت الحنفية: إلى جواز التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة. فقد نقل الكاساني، عن أصحابه من الحنفية الجواز، فقال: «ولهذا قال أصحابنا: إنه لا يكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع، ولو كان للوجوب على الفور لكره له التطوع قبل القضاء؛ لأنه يكون تأخيراً للواجب عن وقته المضيق وأنه مكروه»(30). وقال الزيلعي الحنفي: «ولا يكْره صوم التّطوّع لمن عليه قضاء رمضان، إلّا روايةً عن أحمد: أنّه لا يجوز ممّن عليه فرضٌ»(31). وقال ابن نجيم الحنفي: «ولهذا له التّطوّع قبل القضاء؛ لأنّه يكره له تأخير الواجب عن وقته المضيّق»(32). وقال ابن عابدين: «قوله: (جاز التطوع قبله) ولو كان الوجوب على الفور لكره؛ لأنه يكون تأخيراً للواجب عن وقته المضيق»(33).

والسبب في قول الحنفية، إنه يجوز التطوع بالصوم قبل القضاء، هو أن القضاء لا يجب على الفور في القول المعتمد عندهم، وإنما هو على التراخي، إذ لو كان الوجوب على الفور لكره التطوع؛ لأنه يكون تأخيراً للواجب عن وقته المضيق. قال الكاساني مبينا أن الأمر بالقضاء لا يجب في وقت معين من الأوقات، وإنما يجب في مطلق الوقت، ما نصّه: « وحكى القدوري عن الكرخي: أنه كان يقول في قضاء رمضان أنه مؤقت بما بين رمضانين. وهذا غير سديد، بل المذهب عند أصحابنا أن وجوب القضاء لا يتوقت، لما ذكرنا أن الأمر بالقضاء مطلق عن تعيين بعض الأوقات دون بعض فيجري على إطلاقه... وعلى هذا قال أصحابنا: إنه إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر فلا فدية عليه»(34). وبمثل قول الكاساني في عدم وجوب الفدية على من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر، قال الرازي في كتابه: تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان(35). وكذلك جاء هذا النص في (الكتاب) للحنفية(36)، وفي (درر الحكام شرح مجلة الأحكام)(37).

·        مذهب المالكيّة:

ذهبت المالكية إلى كراهة التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان. قال الدردير: «وكره تطوع بصيام قبل صوم نذر غير معين أو قبل قضاءٍ وكفارة بصوم، وأما المعين فلا يكره التطوع قبله ولا يجوز التطوع في زمنه فإن فعل لزمه قضاؤه؛ لأنه فوته لغير عذر»(38). ومعنى قوله: «وأما المعين فلا يكره التطوع قبله ولا يجوز التطوع في زمنه» فإنه يقصد به النذر المعين، فإنه يجوز التطوع قبله، ولا يجوز التطوع في زمنه، إذ لو تطوع في زمن الفعل فيكون قد أبطل الفعل ويلزمه قضاء النذر، فقد جاء في فقه العبادات للمالكية: «يكره صوم التطوع قبل صوم واجب غير معين كقضاء رمضان وكفارة ونذر، وإن عين كنذر يوم معين حرم التطوع فيه»(39).

وقد بيَّن الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير، أنه يكره التطوع بالصوم مطلقا قبل القضاء سواء كان التطوع مؤكدا أو غير مؤكد، فقال: «يكره التّطوّع بالصّوم لمن عليه صومٌ واجبٌ كالمنذور والقضاء والكفّارة، وذلك لما يلزم من تأخير الواجب وعدم فوريّته، وهذا بخلاف الصّلاة فإنّه يحرّم كما تقدّم، وظاهر (كلام) المصنّف الكراهة مطلقًا، سواءٌ كان صوم التّطوّع الّذي قدّمه على الصّوم الواجب غير مؤكّدٍ أو كان مؤكّدًا كعاشوراء وتاسوع ذي الحجّة، وهو كذلك على الرّاجح »(40). وبمثل قول الدسوقي، قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير(41). وكذلك قال الجزيري في كتابه: الفقه على المذاهب الأربعة (42).

·        مذهب الشّافعيّة:

ذهبت الشّافعيّة إلى كراهة التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان، وهذا القول موافق لمذهب المالكية، كما تقدم. فقد جاء في فقه العبادات للشافعية: «ويكره التطوع بصيام يوم وعليه قضاء فرض»(43). وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: «ويكره التطوع بصيام يوم وعليه قضاء فرض، لأن أداء الفرض أهم من التطوع»(44).

·        مذهب الحنابلة:

 للحنابلة قولان في حكم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، وهما:

1. الحرمة.

2. الجواز.

قال ابن قدامة: « واختلفت الرواية عن أحمد في جواز التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض، فنقل عنه حنبل أنه قال: لا يجوز له أن يتطوع بالصوم، وعليه صوم من الفرض حتى يقضيه... وروي عن أحمد: أنه يجوز له التطوع»(45).

وممن نقل الحرمة في صوم التطوع قبل قضاء رمضان من الحنابلة، أبو النجا الحجاوي، في كتابه الإقناع، فقال: «ويحرم التطوع بالصوم قبله ولا يصح، ولو اتسع الوقت»(46). وكذلك المرداوي في كتابه الإنصاف، فقال: «وقال في الكبرى أيضاً: ويحرم نفل الصوم قبل قضاء فرضه لحرمته نص عليه، وعنه: يجوز»(47). وقال ابن ضويّان: «ولا يصح ابتداء تطوع من عليه قضاء رمضان نص عليه»(48). وبمثل هذا الكلام، قال مرعي بن يوسف الحنبلي، في كتابه (دليل الطالب)(49). وكذلك ما تقدم عن ابن قدامة في كتابه المغني.

 وممن نقل الجواز في صوم التطوع قبل قضاء رمضان من الحنابلة، ابن قدامة في كتابه المغني، والمرداوي في كتابه الإنصاف، كما تقدم، وقد جاء في فقه العبادات للحنابلة، ما نصه: «يجوز التطوع بالصوم لمن كان عليه قضاء رمضان»(50).

·        مذهب الظاهرية:

ذهبت الظاهرية إلى جواز التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان.

قال ابن حزم: «وقد أشار قوم من إخواننا إلى أنه لا يقبل تطوع من عليه فرض... والصحيح في هذا الباب: أن كل فرض تعين في وقت لا فسحة فيه، فإنه لا يجزي أحداً أداه غيره في ذلك الوقت، وذلك كإنسان أراد صيام نذر عليه، أو تطوع في شهر رمضان وهو مقيم صحيح، فهذا لا يجزيه، أو كإنسان لم يبق عليه من وقت الصلاة إلا مقدار ما يدخل فيها فقط، فهذا حرام عليه أن يتطوع أو يقضي صلاة عليه، أو يصلي صلاة نذر عليه، حتى تتم التي حضر وقتها بلا مهلة ولا فسحة... أما إذا دخل وقت الصلاة وفيه مهلة بعد، فلا خلاف بين أحد من المسلمين في جواز التطوع حينئذ، وبهذا جاءت النصوص، وأما من سافر في رمضان، أو مرض فهو غير مأمور بصيامه لرمضان، وغير منهي عن صيامه لغير رمضان، فله أن يصومه لما شاء من نذر، أو تطوع أو قضاء واجب»(51).

ومعنى كلام ابن حزم: أن الفرض إذا تعين في وقت مضيق، فلا يجوز الانشغال بغيره، بل يلزم أداؤه، أما إن كان وقت الفرض موسع، فيجوز التطوع قبل أدائه.

 

خلاصة أقوال الفقهاء في حكم صوم التطوع قبل قضاء رمضان:

للفقهاء في حكم صوم التطوع قبل قضاء رمضان ثلاثة أقوال، كالتالي:

القول الأول: الجواز، وبه قالت الحنفية، والحنابلة في قولٍ لهم، والظاهرية.

القول الثاني: الكراهة، وبه قالت المالكية والشافعية.

القول الثالث: الحرمة، وبه قالت الحنابلة.

 

أدلة أقوال الفقهاء في حكم صوم التطوع قبل القضاء.

أدلة الجواز:

استدل الحنفية، والحنابلة (على روايةٍ عندهم) والظاهرية: على جواز صوم التطوع قبل قضاء رمضان، بما يلي:

1.  حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت:" كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان"(52). قالوا: (53) فهذا الحديث يدل على أن عائشة كانت تقضي الصوم الواجب عليها في شعبان، ومعلوم حرص عائشة على نفل الصيام كغيرها من أمهات المؤمنين. فهل يمكن أن نقول: أن عائشة كانت لا تصوم ستة أيام شوال، ولا يوم عرفة وعاشوراء؟ وهل يظن أنها لا تتطوع في هذه الأيام الفاضلة بصيام؟ الجواب: لا.

قال ابن حجر: «في الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً، سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الزيادة كما بيناه مدرجة ( والزيادة: وذلك لمكان رسول الله) فلو لم تكن مرفوعة لكان الجواز مقيدا بالضرورة؛ لأن للحديث حكم الرفع؛ لأن الظاهر إطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم- على ذلك مع توفر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع فلولا أن ذلك كان جائزاً لم تواظب عائشة عليه»(54). وبمثله قال القرطبي في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)(55). وقد بيَّن ابن حجر، أنه لا يستدل بهذا الحديث على عدم جواز التطوع بالصوم قبل القضاء (56)،كما سيأتي قوله لاحقاً.

2.  واستدلوا (57)، على جواز التطوع بالصوم قبل القضاء: بالنظر، وذلك أن وقت القضاء لرمضان موسّع، لقوله تعالى: ﴿ فََمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]. ولو كان القضاء واجباً على الفور لكره التطوع قبل القضاء. قال ابن بطّال في شرح البخاري: «وأجمع أهل العلم على أن من قضى ما عليه من رمضان في شعبان بعده: أنه مؤدٍّ لفرضه غير مفرّط»(58).

ومن المقرّر عند الفقهاء: أن الواجب الموسّع يجوز الاشتغال بالتطوع من جنسه قبل الاشتغال به. قال ابن رجب في القواعد: «القاعدة الحادية عشرة: من عليه فرض، هل له أن يتنفّل قبل أدائه بجنسه أم لا ؟ هذا نوعان: أحدهما: العبادات المحضة، فإن كانت موسّعة جاز التنفّل قبل أدائها كالصلاة بالاتفاق، وقبل قضائها أيضاً كقضاء رمضان على الأصح»(59). وقال ابن قدامة معلِّلاً سبب الجواز: « لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع بها في وقتها قبل فعلها»(60).

وقد تقدم قول ابن حزم، في أنه إذا دخل وقت الفعل، وكان هناك مهلةٌ للتطوع، فلا خلاف بين أحدٍ من المسلمين في جواز التطوع قبل أداء ذلك الفعل(61).

أدلة الكراهة:

استدل المالكية والشافعية على كراهة التطوع بالصوم قبل القضاء بما يلي:

1. أنه يلزم تأخير الواجب وعدم فوريّته(62).

2. أن أداء الفرض أهم من التطوع، ولذلك يكره الانشغال بالتطوع قبل أداء الفرض(63).

أدلة التحريم:

استدل الحنابلة على تحريم التطوع بالصوم قبل القضاء بما يلي:

1. حديث(64) أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه، ومن صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه"(65). قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الأوسط باختصار، وهو حديث حسن(66).

 2. حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت:" كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان ".

قال ابن حجر: «استدل به على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام لا في عشر ذي الحجة ولا في عاشوراء ولا غير ذلك، وهو مبنى على أنها كانت لا ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ومن أين لقائله ذلك»(67). وقال العيني: «ولكن من أين ذلك لمن يقول به، والحديث ساكت عن هذا»(68)، وبمثله قال الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار)(69).

3. حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر"(70). وقد ذكر شيخنا العلامة القاضي العمراني، أن هذا الحديث قد أفاد تعليق الأجر المذكور على صوم رمضان كاملاً وإتباعه بست من شوال، فمن ابتغى هذا الأجر يلزمه أن يقضي ما فاته ليتحقق له صيام رمضان، ثم يصوم الست من شوال.

4. واستدلوا على منع التطوع بالصوم قبل القضاء، بالآثار الواردة في هذا المعنى، ومن هذه الآثار، ما يلي:

أ: عن حماد قال سألت إبراهيم وسعيد بن جبير، عن رجل عليه أيام من رمضان أيتطوع في العشر؟ قالا: يبدأ بالفريضة(71).

ب: وعن عثمان بن موهب قال: سمعت أبا هريرة – رضي الله عنه- وسأله رجل، فقال: إن علي رمضان وأنا أريد أن أتطوع في العشر. قال: لا بل ابدأ بحق الله فاقضه، ثم تطوع بعد ما شئت(72).

ج: وعن عطاء: أنه كره أن يتطوع الرجل بصيام في العشر وعليه صيام واجب(73).

د: وعن هشام عن أبيه قال: مثل الذي يتطوع وعليه قضاء من رمضان، مثل الذي يسبِّح وهو يخاف أن تفوته المكتوبة(74)

4.  واستدلوا(75) على منع التطوع بالصوم قبل القضاء، بأن التطوع عبادة يدخل في جبرانها المال، فلم يصح التطوع بها قبل أداء فرضها كالحج، وقياساً على الحج في عدم جواز أن يحج عن غيره أو تطوعاً قبل حج الفريضة.

قلت: القياس على الحج غير مسلّم؛ لأن وقت الحج معين، ولا يكفي الوقت فيه إلا لأداء الفريضة، بخلاف الصوم، فإن القضاء وقته موسع، وهناك وقت للتطوع قبله.

الراجح في حكم صوم التطوع قبل قضاء رمضان:

الأظهر في المسألة - والله أعلم- هو القول الأول، القائل بجواز إيقاع التطوع قبل صوم القضاء فيجوز صيام التطوع المحدد بزمنٍ معين؛ لأنه إذا فات وقته فات ثوابه، كستة أيام شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء؛ لمن يكون عليه قضاء من رمضان؛ لأنه يجوز تأخير القضاء إلى شعبان من نفس العام. وهذا القول هو قول الحنفية وهو موافقٌ لقول المالكية والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة، وهو قول الظاهرية.

وقد أجابوا عن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه". أن هذا الحديث غير صحيح. قال البهوتي: «الحديث يرويه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وفي سياقه ما هو متروك، فإنه قال في آخره: ومن أدركه رمضان وعليه من رمضان آخر شيء لم يتقبل منه »(76). وقد ضعَّف الحديث الألباني، كما تقدَّم.

والقول بجواز التطوع قبل القضاء، قد صححه ابن قدامة، حيث ذكر الروايتين عن الحنابلة، ثم صحح الجواز(77).

وقد اختار هذا القول، وهو جواز التطوع بالصوم قبل القضاء، الشيخ محمد بن عثيمين، حيث قال: « وهذا القول أظهر، وأقرب إلى الصواب، وأن صومه صحيح، ولا يأثم؛ لأن القياس فيه ظاهر»(78).

وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فقالت: «من صام تطوعاً قبل أن يقضي ما عليه من الصوم الواجب، ثم قضى ما عليه أجزأه قضاؤه، لكن كان ينبغي له أن يقضي ما عليه أولاً، ثم يصوم تطوعاً بعد ذلك؛ لأن الواجب أهم»(79).

ومع أن القول الراجح، هو جواز التطوع بالصوم قبل القضاء، إلا أن القضاء قد يضيق وقته، إذا أخَّره صاحبه إلى شهر شعبان، ولم يبق من شهر شعبان، إلا ما يكفي للقضاء، فعندئذٍ لا يصح النفل في هذا الوقت المضيَّق، بل يلزمه القضاء. قال بدر الدين العيني:« ومما يستفاد من هذا الحديث (حديث عائشة المتقدم، والذي فيه أنه كانت تؤخر القضاء إلى شعبان) أن القضاء موسّع ويصير في شعبان مضيقاً، ويؤخذ من حرصها على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان»(80). وبمثله قال ابن حجر في الفتح(81). بل قد نص ابن ضويّان الحنبلي، على أن القضاء إن ضاق وقته، فيجب التتابع في القضاء، فقال: «إلا إذا بقي من شعبان بقدر ما عليه فيجب التتابع لضيق الوقت... فإن أخره لغير عذر حتى أدركه رمضان آخر، فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة – رضي الله عنهم- ولم يرو عن غيرهم خلافهم. قاله في الشرح»(82).

وبعد بيان القول الراجح، في جواز التطوع بالصوم قبل القضاء، إلا أن الأولى هو المسارعة إلى القضاء وتقديمه، وبناء عليه فلا تعارض بين الجواز، وبين المسارعة إلى القضاء (83)، وقد دلّ على هذا الحديث الذي أخرجه البخاري، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: " قال الله تعالى: وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ مما افترضت عليه "(84).

 وعلى هذا يحمل قول سعيد بن المسيب: (لا يصلح (أي صوم العشر) حتى يبدأ رمضان). قال بدر الدين العيني: «معنى هذا الكلام: أن سعيداً لما سئل عن صوم العشر، والحال أن على الذي سأله قضاء رمضان، فقال: لا يصلح حتى يبدأ أولاً بقضاء رمضان، وهذه العبارة لا تدل على المنع مطلقاً، وإنما تدل على الأولوية»(85).

وقال الحافظ ابن حجر: « ظاهر قوله، جواز التطوع بالصوم لمن عليه دين من رمضان، إلا أن الأولى له أن يصوم الدّين أولاً؛ لقوله: لا يصلح، فإنه ظاهر في الإرشاد إلى البداءة بالأهم والآكد»(86).

الخاتمة:

الصحيح أنه يجوز صوم التطوع قبل القضاء؛ لأن وقت القضاء موسع، إلا إذا ضاق وقت القضاء، ولم يبق من شعبان إلا ما يكفي للقضاء، فيلزمه حينئذٍ القضاء، وعدم الانشغال بالتطوع.

وعلى المسلم أن يبادر إلى قضاء الواجب عليه، وعدم تأخيره، وهو أولى بالعناية؛ لأن نفسه بيد الله ولا يدري متى يأتيه الأجل.

والله تعالى أعلم, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/ 6ربيع الثاني 1428هـ الموافق 20 / 5 /2007 م.

راجعه/ علي بن عبد الرحمن دبيس ، وعبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي.



(1)- صحيح البخاري 3/1044، برقم: 2685.

(2)- انظر: لسان العرب 12/350، وانظر: القاموس المحيط 1/1460.

(3)- مختار الصحاح 1/375.

(4)- الكتاب 1/130، بدائع الصنائع 2/274، التلقين 1/173، المهذب 1/334، مغني المحتاج 1/427، المغني 3/32.

(5)- مختار الصحاح 1/403.

(6)-كتاب العين 2/210، وانظر: أنيس الفقهاء 1/105.

(7)- التعريفات 1/84.

(8)- الرَّغيبةُ: الأَمرُ المَرْغوبُ فيه، لسان العرب 1/422.

(9)- فقه العبادات- مالكي 1/193.

(10)- مغني المحتاج 1/445.

(11)- فقه العبادات – حنفي 1/136، مراقي الفلاح 1/240، فقه العبادات- مالكي 1/322، مغني المحتاج 1/445، العمدة 1/151، التذكرة 1/78، كفاية الأخيار 1/296، زاد المستقنع 1/238، منار السبيل 1/159، دليل الطالب 1/159، الإقناع 1/318.

(12)- صحيح البخاري 2/699، برقم: 1880.

(13)- مراقي الفلاح 1/240.

(14)- سنن الترمذي 3/122، برقم: 747. قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/527، برقم:5270.

(15)- صحيح مسلم 2/822، برقم: 1164.

(16)- العدة شرح العمدة 1/151.

(17)- صحيح مسلم 2/818، برقم: 1162.

(18)- صحيح البخاري 2/597، برقم: 1575.

(19)- صحيح مسلم 2/818، برقم: 1162.

(20)- سنن الترمذي 3/130، برقم: 757. قال الشيخ الألباني: صحيح، مختصر إرواء الغليل 1/184، برقم: 953.

(21)- صحيح مسلم 2/821، برقم: 1163.

(22)- صحيح البخاري 2/695، برقم: 1868.

(23)- صحيح البخاري 3/1256، برقم: 3236.

(24)- صحيح البخاري 3/1044، برقم: 2685.

(25)- الحدود الأنيقة 1/76.

(26)- التعريفات 1/226، وانظر: التعاريف 1/585، وانظر: المصباح المنير 2/507.

(27)- فقه العبادات للمالكية 1/119.

(28)- الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع ص: 35.

(29)- الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع ص: 35.

(30)- بدائع الصنائع 2/265.

-(31) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 4/129.

-(32) البحر الرائق شرح كنز الدقائق 6/239.

(33)- حاشية ابن عابدين 2/423.

(34)- بدائع الصنائع 2/265.

(35)- تحفة الملوك 1/146.

(36)- الكتاب 1/130.

(37)- درر الحكام شرح غرر الأحكام 2/441.

(38)- الشرح الكبير للشيخ الدردير 1/518- 519

(39)- فقه العبادات- مالكي 1/324.

(40)- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 5/96.

(41)- حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3/258.

(42)- الفقه على المذاهب الأربعة 1/899.

(43)- فقه العبادات- شافعي 1/562.

(44)- الفقه على المذاهب الأربعة 1/899.

(45)- المغني 3/86.

(46)- الإقناع 1/316.

(47)- الإنصاف 3/349.

(48)- منار السبيل 1/159.

(49)- دليل الطالب 1/159.

(50)- فقه العبادات- حنبلي 1/391.

(51)- الأحكام لابن حزم 3/309- 310.

(52)- صحيح البخاري 2/689، برقم: 1849.

(53)- فتح الباري- ابن حجر 4/191، عمدة القاري 11/56، نيل الأوطار 4/317.

(54)- فتح الباري- ابن حجر 4/191.

(55)- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 3/205.

(56)- فتح الباري- ابن حجر 4/191.

(57)- انظر: بدائع الصنائع 2/265، حاشية ابن عابدين 2/423، البحر الرائق شرح كنز الدقائق 6/239، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 4/129، الكافي في فقه ابن حنبل 1/447، الأحكام لابن حزم 3/310.

(58)- شرح البخاري 4/95.

(59)- القواعد ص:13.

(60)- الكافي في فقه ابن حنبل 1/447.

(61)- انظر: الأحكام لابن حزم 3/310.

(62)- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 5/96، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3/258.

(63)- الفقه على المذاهب الأربعة 1/899.

(64)- المغني 3/86.

(65)- مسند أحمد بن حنبل 2/352، برقم: 8606. تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف. قال الشيخ الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة 2/235، برقم: 838.

(66)- مجمع الزوائد 3/179.

(67)- فتح الباري- ابن حجر 4/191.

(68)- عمدة القاري 11/56.

-(69)نيل الأوطار 4/317.

(70)- صحيح مسلم 2/822، برقم: 1164.

(71)- مصنف عبد الرزاق 4/256، برقم: 7713.

(72)- سنن البيهقي الكبرى 4/285، برقم: 8178.

(73)- مصنف عبد الرزاق4/257، برقم: 7716.

(74)- مصنف ابن أبي شيبة 2/305، برقم: 9288.

(75)- المغني 3/86، وانظر: الموسوعة الفقهية 28/100.

-(76)كشاف القناع 2/334.

(77)- انظر: الكافي في فقه ابن حنبل 1/447، وانظر: بغية الراغب في شرح دليل الطالب ص: 97

(78)- انظر: الشرح الممتع 6/448.

(79)- اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم الفتوى: 2232.

(80)- عمدة القاري 11/56

(81)- فتح الباري- ابن حجر 4/191.

(82)- منار السبيل 1/159.

(83)- اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم الفتوى: 2232.

(84)- صحيح البخاري 5/2384، برقم: 6137

(85)- عمدة القاري 11/54.

(86)- فتح الباري 4/223.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم إعطاء تارك الصلاة من الزكاة
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد - صلى الله عليه، وعلى آله وسلم - وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:-

فنحن نمر في زماننا هذا بفتـن عظيمة، لا يعلمها إلا الله تعالى، فقد تلبّس الحق بالباطل واختلط، وتلبّس الباطل فيه بالحق ومرج، وساد عند طائفة من المسلمين - ليست قليلة - التهاون بأوامر الله تعالى، بل إن بعضهم قد تطاول، حتى تهجم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – على مرأى ومسمع، وكثر الجهل بالشرع بين الناس، مع وجود وسائل كثيرة للعلم، وقلَّ العلماء، وانشغل الناس بالدنيا، ونسوا الآخرة، إلا من رحم ربك.

ومن هذه المسائل التي وُجِدت بين الناس بشكل واضح التهاون بالصلاة، أو تركها بالكلية، حتى وُجِد في المسلمين من لا يصلي، إلا صلاة الجمعة، ووُجِد آخرون لا يصلون، إلا في رمضان، ووُجِد - أيضاً - آخرون لا يدخلون المسجد، إلا عند صلاة الجنازة عليهم.

وقد صاحب ذلك انتشار الفقر بين المسلمين مع أن الدول الإسلامية أغنى دول العالم بثرواتها، ووُجِد تساؤل عند بعض الناس حول إعطاء هؤلاء التاركين للصلاة الفقراء.

فأحببت أن أبيـِّن حكم الشرع في هذه المسألة، ولكن ولما لمسألة إعطاء الزكاة لتاركي الصلاة، من صلة وثيقة لمسألة حكم الشرع في ترك الصلاة، فقد كان لزاماً أن يتم التطرق في الحديث إلى مسألة حكم الشرع في ترك الصلاة بشيء من الإيجاز، ولعل تفصيلها يأتي في بحث قادم، إن شاء الله تعالى، وعليه فسيكون البحث على النحو الآتي:

1.    تعريف الترك.

2.    تعريف الصلاة لغة.

3.    تعريف الصلاة اصطلاحاً.

4.    تعريف الزكاة لغة.

5.    تعريف الزكاة شرعاً.

6.    حكم الزكاة ودليل وجوبها.

7.    مصارف الزكاة.

8.    حكم تارك الصلاة.

9.    إعطاء الزكاة للكافر.

10.   الأدلة على عدم جواز إعطاء الكافر من الزكاة.

11.   الخلاصة.

ولذلك أقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونِعم الوكيل:

 

تعريف الترك في اللغة:

تارك: اسم فاعل من ترك. قال الجوهري: » تَركْتُ الشيء تَرْكاً: خلّيته. وتَراكِ، بمعنى اتْرُكْ، وهو اسمٌ لفعل الأمر «(1).

وقال المرتضى الزَّبيدي: » تَرَكَه يَتْرُكُه تَركاً وتِركاناً بالكسر وهذه عن الفَرّاءِ واتَّرَكَه كافْتَعَلَه وفي الصِّحاح قال فيه : فما اتَّرَكَ أي : ما تَرَكَ شَيئاً وهو افْتَعَل : ودَعَهَ... وقال الرّاغِبُ : تَرَكَ الشيءَ : رَفَضَه قَصْداً واخْتِياراً أَو قَهْراً واضْطِراراً «(2).

 

تعريف الصلاة لغة:

قال الجوهري: » الصَلاةُ: الدعاء... والصَلاة من الله تعالى: الرحمة. والصلاةُ: واحدة الصَلَواتِ المفروضة، وهو اسم يوضع موضعَ المصدر. تقول: صَلّيْتُ صَلاةً، ولا تقل تَصْلِيَةً. وصَلَّيْتُ على النبي - صلى الله عليه وسلم-، والمُصَلَّى: تالي السابق. يقال: صَلّى الفرسُ، إذا جاء مُصَلِّياً، وهو الذي يتلو السابق؛ لأنَّ رأسَه عند صَلاهُ «(3).

تعريف الصلاة اصطلاحاً:

عرفها الشافعية فقالوا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم(4)، وزاد الحنابلة قولهم: بشرائط مخصوصة (5).

والمقصود بتارك الصلاة: هو من لا يصلي أصلاً(6).

تعريف الزكاة لغة:

قال الفيروز آبادي: (زَكَا ويَزْكُو زَكاءً وزَكْواً: نَمَا كأَزْكَى، وزَكَّاهُ اللّهُ تعالى وأزْكاهُ. والزَّكاةُ: صَفْوَةُ الشيءِ، وما أخْرَجْتَه من مالِكَ لتُطَهِّرَهُ به. زَكِيَ كرَضِيَ: نَمَا وزادَ) (7). وقال ابن منظور: (وأَصل الزكاة في اللغة الطهارة والنَّماء والبَركةُ والمَدْح)(8). وقال الرازي: (زَكَاةُ المال معروفة. وزَكَّى ماله تَزْكِيَةً: أدى عنه زكاتها، وزكَّى نفسه أيضاً مدحها، وزَكَّاهُ أيضاً أخذ زكاته، وتَزَكَّى: تصدق، وزَكَا الزرع زَكَاءً - بالفتح والمد - أي نما)(9).

تعريف الزكاة شرعاً:

قد عرف الحنفية الزكاة بقولهم: (تمليك جزء مال، عينه الشارع، لمسلم فقير غير هاشمي، لله تعالى، مع قطع المنفعة عن المملِّك من كل وجه)(10)، كما عرفها المالكية فقالوا: (إخراج جزء مخصوص، من مال مخصوص، بلغ نصاباً لمستحقيه، إن تم الملك، وحال الحول، على غير معدن وحرث)(11). وأما الشافعية فقالوا: (اسم لقدر مخصوص، من مال مخصوص، يجب صرفه؛ لأصناف مخصوصة، بشرائط مخصوصة)(12). زاد بعضهم: (من مال مخصوص، على وجه مخصوص)(13). وعرفها الحنابلة بقولهم: (حق يجب في مال خاص)(14)، وقيل: (حق واجب، في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص)(15).

وسميت الزكاة بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجها، ودعاء الآخذ؛ ولأنها تُطهِّر مخرجها من الإثم، وتمدحه حين تشهد له بصحة الإيمان(16). قال ابن منظور: » وقيل لما يُخْرَج من المال للمساكين من حقوقهم زَكاةٌ؛ لأَنه تطهيرٌ للمال، وتَثْميرٌ وإِصْلاحٌ ونماء « (17).

 

حكم الزكاة ودليل وجوبها:

الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل(18):

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة:43]، وقوله تعالى: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: 5]، وقوله تعالى: ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 78]، وغيرها.

 وأما السنة: فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان "(19)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً إلى اليمن فقال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس"(20)، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلاً من بنى تميم سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم – وكان من كلامه: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدلها"(21)، وغيرها من الأحاديث.

وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على فرضيتها. قال الكاساني: » أجمعت [ أي الأمة ] على فرضيتها «(22).

وأما المعقول، فمن وجوه ذكرها الكاساني، وهي:

» أحدها: أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف، و إغاثة الملهوف، وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله - عز وجل - عليه من التوحيد والعبادات. والوسيلة إلى أداء المفروض مفروض.

والثاني: أن الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب، وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم وترك الشح والضن؛ إذ الأنفس مجبولة على الضن بالمال، فتتعود السماحة، وترتاض لأداء الأمانات، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.

والثالث: أن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء، وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية، وخصهم بها؛ فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش. وشكر النعمة فرضٌ عقلاً وشرعاً. وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة، فكان فرضاً«(23).

وقال في اللباب في شرح الكتاب: » مع أنها أعظم مزايا الإسلام، والأدلة على أنه دين الحق والإنصاف؛ فإنها مع غيرها من وسائل التكافل، تقرِّب بين بعض الطبقات وبعض، وتغرس في قلوبهم الألفة والحب، وتدفع الحسد والحقد من النفوس «(24).

 

مصارف الزكاة:

الأصل أن تُصرف الزكاة في مصارفها الواردة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].

قال الطبري: » يقول - تعالى ذكره - : ما الصدقات إلا للفقراء والمساكين، ومن سماهم الله جل ثناؤه «(25)، وقال ابن كثير : » لما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمزهم إياه في قَسْم الصدقات، بيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبيَّن حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يَكلْ قَسْمها إلى أحد غيره، فجزّأها لهؤلاء المذكورين «(26).

 

حكم تارك الصلاة:

اتفق العلماء على كفر من ترك الصلاة منكراً لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو كان لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة. قال الشوكاني: » لا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة، منكراً لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة «(27).

واختلفوا فيما إذا كان تركه لها، تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها على قولين:

  أ‌-         فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة، إلى أنه لا يكفر بل يفسق.

ب‌-      وذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، إلى أنه يكفر.

قال الشوكاني: » وإن كان تركه لها تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف الناس في ذلك:

فذهبت العـترة والجماهير من السلف والخلف، منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق، فإن تاب وإلا قتلناه حداً كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف.

وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب -عليه السلام- وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي.

وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس، حتى يصلي «(28).

ولا نسود الأوراق بذكر أدلة الفريقين؛ لأن الحديث ليس عن كفر تارك الصلاة وإنما عن إعطاءه من الزكاة ويكفينا هنا ذكر آراء العلماء في تارك الصلاة، ومن أراد المزيد من هذا المقام فليراجع المغني لابن قدامة(29)، ونيل الأوطار للشوكاني (30).

 

إعطاء الزكاة لتارك الصلاة:

تقدم بيان حكم من ترك الصلاة، وأن تارك الصلاة إما أن يكون تركها جحوداً لوجوبها، وهذا كافر بالإجماع، وإما أن يكون تركها تهاوناً بها وتكاسلاً، وهذا كافر في قول لبعض العلماء.

وهذا يقودنا إلى الكلام عن إعطاء الكافر من الزكاة، سواء كان كفره بترك الصلاة جحوداً، أو كان تكاسلاً في قول، وذلك كالآتي:

 

حكم إعطاء الكافر من الزكاة:

وسيكون بيان ذلك على حسب المذاهب الإسلامية الأربعة، على النحو الآتي:

·       مذهب الحنفية:

ذكر الحنفية أن الإسلام شرط في مصارف الزكاة والعشر، وعليه فلا يجوز صرفها إلى الكفار.

قال الكاساني في سياق ذكره لشروط من يأخذ الزكاة، فقال: » ومنها أن يكون مسلماً، فلا يجوز صرف الزكاة إلى الكافر بلا خلاف «(31). وقال في تحفة الفقهاء: » والشرط الآخر، هو الإسلام: وهو شرط في حق وجوب الزكاة والعشر، بالإجماع حتى لا يجوز صرفهما إلى الكفار «(32). على أن زفر قد قال: يجوز دفع الزكاة إلى الذمي(33).

وقد سبق أن الحنفية يقولون: إن تارك الصلاة تكاسلاً ليس بكافر، وعلى هذا فلا إشكال عند الحنفية في إعطاء الزكاة لتارك الصلاة؛ لأنه عندهم ليس كافراً، ولكنه فاسق.

 

·       مذهب المالكية:

والمالكية كالحنفية يشترطون – على الجملة - فيمن يأخذ الزكاة أن يكون مسلماً. قال الخرشي: » يشترط في كل من الفقير والمسكين، أن يكون مسلماً حراً، فلا يعطى كافر، إلا أن يكون جاسوساً، أو مؤلفاً «(34). واشتراط الإسلام عند المالكية ليس مقتصراً على الفقير والمسكين ولكنه يشمل أصناف الزكاة الثمانية، وقد نقل عن الخرشي عن صاحب الجواهر قوله بعد ذكر مصارف الزكاة الثمانية: » فهؤلاء هم المستحقون بشرط أن لا يكون الموصوف بهذه الصفات كافراً، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ذكر في قسم المؤلفة قلوبهم «(35)، وقال الصاوي: » واعلم أن الحرية والإسلام وعدم كونه هاشمياً، شرط في صحة أخذ الزكاة «(36).

وقد تقدم أن المالكية قالوا بعدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً، ولكنه مسلم فاسق، وعليه فلا إشكال أيضاً عند المالكية في القول، بجواز أن يعطى تارك الصلاة من الزكاة.

 

·       مذهب الشافعية:

والشافعية كالحنفية والمالكية يشترطون أيضاً – على الجملة – الإسلام فيمن يأخذ الزكاة. جاء في فتح المعين: » ولو أعطاها، أي الزكاة - ولو الفطرة - لكافر، أو من به رق، ولو مبعضاً غير مكاتب، أو هاشمي، أو مطلبي، أو مولى لهما، لم يقع عن الزكاة؛ لأن شرط الآخذ: الإسلام، وتمام الحرية... «(37).

 وقد نص الشافعية على هذا في كتبهم كما في شرح البهجة الوردية (38)، وحاشيتا قليوبي وعميرة(39). وهذا الشرط عند الشافعية واقع على مصارف الزكاة الثمانية. قال الشربيني: » وشرط آخذ الزكاة، أي من يدفع إليه منها، من هذه الأصناف الثمانية: الإسلام، فلا تدفع لكافر، بالإجماع، فيما عدا زكاة الفطر «(40).

وقد تقدم أن الشافعي يرى أن تارك الصلاة تكاسلاً لا يكفر، بل يفسق، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وعليه فيمكن أن يعطى تارك الصلاة من الزكاة عند الشافعية.

 

·       مذهب الحنابلة:

والحنابلة كغيرهم يرون عدم جواز إعطاء الزكاة للكافر. وقد ذكر أبو النجا الحجاوي المقدسي خمسة ممن لا يجوز دفع الزكاة إليهم، وهم: الغني، والعبد، وبنو هاشم وبنو عبد المطلب، ومن تلزم المزكي نفقته، والكافر (41). وهذا ما نص عليه البهوتي، حيث ذكر أن الكافر لا يعطى من الزكاة، قال: » ولا يجوز دفعها، أي الزكاة، إلى كافر. قال في المبدع: إجماعاً «(42).

وقد تقدم أن الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه يرى أن تارك الصلاة كافر، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وعليه فلا يمكن إعطاؤه من الزكاة.

 

الأدلة على عدم جواز إعطاء الكافر من الزكاة:

استدل العلماء على حرمة أن يعطى الكافر من الزكاة بأدلة، منها:

1.  حديث(43) ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن:" إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب "(44). قال الكاساني: » أمر بوضع الزكاة في فقراء من يؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون فلا يجوز وضعها في غيرهم «(45).

2.  عن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، وكنت غلاماً يتيماً، فأعطاني منها قلوصاً"(46).

3.    واستدلوا أيضاً بأنها مواساة تجب على المسلم، فلم تجب للكافر، كالنفقة (47).

 

ومن خلال ما سبق يتبين لنا حكم إعطاء تارك الصلاة من الزكاة، وذلك كالآتي:

1.    أجمع العلماء أن الكافر لا يعطى من الزكاة، وأنه يشترط في مصرف الزكاة أن يكون مسلماً.

2.  ويترتب على هذا، أن إعطاء من ترك الصلاة جحوداً لوجوبها، غير جائز، تخريجاً؛ لأنه كافر بالإجماع كما تقدم، وأما من ترك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً فيتلخص حكم إعطائه من الزكاة - تخريجاً أيضاً- في قولين، هما كالآتي:

                       أ‌-    يجوز له أن يعطى من الزكاة، ويجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على مذهب الحنفية والمالكية والشافعية في وجه، القائلين بعدم كفر تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً. وهذا ما نص عليه في مواهب الجليل: » وإن كان غيرهم [ أي من تركوا الصلاة تهاوناً ] أولى، فلا بأس أن يعطوا، إذا كان فيهم الحاجة البينة، انتهى...، وهذا على القول بأنهم مسلمون «(48). كما أن هذا القول يتخرَّج على قول عكرمة، كما نقله عنه القرطبي، حيث قال: » الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب «(49). فقد جوَّز عكرمة لأهل الكتاب الأخذ من الزكاة، إن كانوا مساكين. ويتخرج على هذا: القول بجواز أن يأخذ تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً، من الزكاة، من باب الأولى. كما يتخرج هذا القول أيضاً على قول من قال بجواز أن يكون الكيال والحمَّال والحافظ ونحوهم، كفاراً مستأجرين، ويُعطون من سهم العاملين عليها؛ لأن ذلك أجرة لا زكاة(50)، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد(51). كما يتخرج هذا أيضاً على اعتبار جواز أن يكون الكافر مؤلفاً قلبه، فيجوز دفع الزكاة إليه(52). وعليه يقال أيضاً: إنه يجوز أن يأخذ تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً، من الزكاة، من باب الأولى، تخريجاً.

                      ب‌-   لا يجوز له أن يعطى منها، كما لا يجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على مذهب الحنابلة في قول، وهو وجه عند الشافعية، القائلين بكفر تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً. وهذا ما نص عليه ابن حبيب المالكي، كما نقله عنه في مواهب الجليل من كتبهم، حيث قال: » وقد قال ابن حبيب: لا يعطى تارك الصلاة من الزكاة، وقال: إن ذلك لا يجزئ من فعله، وهذا على أصله أنه كافر «(53). وهو ما رجحه القرطبي، حيث قال: » ومطلق لفظ الفقراء، لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين، دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين، فـتُرد في فقرائهم «(54).

 

الخلاصة:

يمكن تلخيص هذا البحث في النقاط الآتية:

1.    الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل.

2.  مصارف الزكاة ثمانية وهي: الفقراء، والمساكين، والعاملين، والمؤلفة قلوبهم، والعبيد، والغارمين، والمؤلفة قلوبهم، وفي سبيل الله، وابن السبيل.

3.  اتفق العلماء على كفر من ترك الصلاة منكراً لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو كان لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة.

4.    اختلف العلماء فيما إذا كان تركه لها، تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها على قولين:

                                                          أ‌-         فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة، إلى أنه لا يكفر بل يفسق.

                                                       ب‌-      وذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، إلى أنه يكفر.

5.  إعطاء تارك الصلاة المتهاون بها أو المتكاسل عن أدائها، مبنيٌ على مسألة المتقدمة، وهي: هل تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً، مسلم أم كافر؟

6.    أجمع العلماء أن الكافر لا يعطى من الزكاة، وأنه يشترط في مصرف الزكاة أن يكون مسلماً.

7.  ويترتب على هذا أن إعطاء تارك الصلاة جحوداً غير جائز، تخريجاً؛ لأنه كافر بالإجماع، والكافر لا يعطى من الزكاة بالإجماع، وأما إعطاء تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً فيتلخص - تخريجاً - في قولين، هما كالآتي:

                       أ‌-    يجوز له أن يعطى من الزكاة، ويجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على قول من قال بعدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً.

                      ب‌-   لا يجوز له أن يعطى منها، كما لا يجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على قول من قال بكفر تارك الصلاة تكاسلاً.

 

والله تعالى أعلى وأعلم. وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل, والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

غفر الله له ولوالديه ومشايخه في الدين

الخميس – 27 ربيع الآخر 1428هـ، 16/5/2007م

مراجعة: يونس بن عبد الرب الطلول، وعبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1)- الصحاح في اللغة 1/63.

(2)- تاج العروس 1/6663.

(3)- الصحاح في اللغة 1/395.

(4)- فتح الوهاب 1/54، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 2/78.

(5)- الإقناع 1/97.

(6)- حاشية رد المحتار 4/142.

(7)- القاموس المحيط 1/1667، وبنحوه في لسان العرب 14/358.

(8)- لسان العرب 14/358.

(9)- مختار الصحاح 1/280، وبنحوه في لسان العرب 14/358.

(10)- فقه العبادات – حنفي 1/145.

(11)- انظر: فقه العبادات – مالكي 1/269.

(12)- مغني المحتاج 1/368.

(13)- فقه العبادات – شافعي 1/580.

(14)- الإنصاف 3/3، وبنحوه في الشرح الكبير 2/433.

(15)- الروض المربع 1/195، الإقناع 1/242.

(16)- مغني المحتاج 1/368.

(17)- لسان العرب 14/358.

(18)- انظر: المبسوط 2/149، بدائع الصنائع 2/75.

(19)- صحيح البخاري 1/12، برقم: 8، صحيح مسلم 1/45، برقم: 16.

(20)- صحيح البخاري 2/529، برقم: 1389، صحيح مسلم 1/50، برقم: 19.

(21)- مسند أحمد بن حنبل 3/136، برقم: 12417 قال شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين، المستدرك 2/392, قال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.

(22)- بدائع الصنائع 2/75.

(23)- بدائع الصنائع 2/75. قال الصاحب بن عباد: الضَّنُّ والضِّنَّةُ والمَضِنَّةُ: كُلُّ ذلك من الإِمْسَاك والبُخْلِ. انظر: المحيط في اللغة 2/189.

(24)- اللباب في شرح الكتاب 1/60.

(25)- تفسير الطبري 14/305.

(26)- المصدر السابق.

(27)- نيل الأوطار 2/257.

(28)- نيل الأوطار 2/257. وانظر: المغني 4/347. والمقصود بالعـترة آل البيت.

(29)- انظر: المغني 4/347، وما بعدها.

(30)- انظر نيل الأوطار 2/257، وما بعدها.

(31)- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/39.

(32)- تحفة الفقهاء 1/303.

(33)- تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 3/473.

(34)- شرح مختصر خليل للخرشي 6/331.

(35)- المصدر السابق 6/332.

(36)- حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3/204.

(37)- فتح المعين 2/224.

(38)- شرح البهجة الوردية 14/101.

(39)- حاشيتا قليوبي- وعميرة 11/31.

(40)- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 11/455.

(41)- انظر: الإقناع 1/214.

(42)- كشاف القناع عن متن الإقناع 5/405. وانظر: الشرح الكبير لابن قدامة 2/709.

(43)- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/39، شرح البهجة الوردية 14/101، كشاف القناع عن متن الإقناع 5/405.

(44)- صحيح البخاري 5/356، برقم: 1401، صحيح مسلم 1/111، برقم: 27.

(45)- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/39.

(46)- سنن الترمذي 3/53، برقم: 587، السنن الكبرى للبيهقي 7/9، والحديث حسنه الترمذي. وقال الألباني: ضعيف الإسناد. انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي 2/149، برقم: 649.

(47)- كشاف القناع عن متن الإقناع 5/405.

(48)- مواهب الجليل 6/264.                                    

(49)- تفسير القرطبي 8/174.

(50)- انظر: شرح البهجة الوردية 14/101، الإقناع 1/215.

(51)- انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 2/710.

(52)- المصدر السابق.

(53)- مواهب الجليل 6/264.

(54)- تفسير القرطبي 8/174.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أحكام الرِّدِّة
الأحد 30 سبتمبر 2012

المقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعد: 

فإنَّ الله تعالى أَمَر عباده بأوامرَ متعددة، تحقق المصلحة لهم في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأوامر: أن أمَرَهم بالالتزام بالإسلام، والاستمساك به، والثبات عليه إلى أن يأتي الموت. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾[آل عمران:102].

 ونعمة الإسلام والعمل به، هي أفضل نعمةٍ في هذه الحياة، وذلك لما يتحقق فيها من مصالح عاجلة وآجلة؛ ولأنها تدوم لصاحبها إلى الآخرة، وتنجيه من الخسارة. قال تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾[آل عمران:85]. 

وقد حرص أهل الكتاب كثيراً على أن يرتد المسلمون عن إسلامهم، وهذا بدافع الحسد منهم والبغي، مع معرفتهم أنه الدين الحق، قال تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾[البقرة:109].

وعند ثبوت الردة على شخصٍ أو جماعة، إمّا بالإقرار أو بالبيّنة الواضحة، فإنّ هناك أحكاماً تطبَّق على المرتد، وآثاراً شرعية تترتَّب على ردته. فما هي هذه الأحكام الخاصة بالمرتد؟

هذا ما سأكتب فيه في هذا البحث المتواضع، وسيكون السير فيه على النحو التالي:

1.                       تعريف الردة.

2.                       أحكام الردة.

3.                       الخاتمة.

فأقول مستعينا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:

تعريف الردة:

أ: الردة في اللغة: هي الرجوع عن الشيء. قال المناوي في التعاريف: «الردة لغةً: الرجوع عن الشيء إلى غيره»(1).

ب: الردة في الشرع: هي «قطع استمرار الإسلام ودوامه»(2)، أو هي الكفر بعد الإسلام(3).


أحكام الرِّدّة.

للردَّة أربعة أحكام، كالتالي:

أولاً: أحكامٌ ترجع إلى نفس المرتد.

 ثانياً: أحكامٌ ترجع إلى مِلك المرتد.

ثالثاً: أحكامٌ ترجع إلى ولد المرتد.

رابعاً: أحكامٌ ترجع إلى تصرفات المرتد.

قال الكاساني: «إن للرِّدة أحكاماً كثيرة: بعضها يرجع إلى نفس المرتد، وبعضها يرجع إلى مِلكه، وبعضها يرجع إلى تصرفاته، وبعضها يرجع إلى ولده»(4). ونبدأ بالأمر الأول من هذه الأحكام.

أولاً: الأحكام التي ترجع إلى نفس المرتد:

الأحكام التي ترجع إلى نفس المرتد تسعة أحكام، وهي:

1.    استتابة المرتد.

اتفق الفقهاء على استتابة المرتد، وإنما اختلفوا في حكم الاستتابة، هل هي واجبة أم مستحبة. ومن أقوال الفقهاء في استتابة المرتد، ما يلي:

قال الكاساني:« يستحب أن يستتاب ويعرض عليه الإسلام لاحتمال أن يسلم لكن لا يجب لأن الدعوة قد بلغته، فإن أسلم فمرحبا وأهلا بالإسلام، وإن أبى نظر الإمام في ذلك فإن طمع في توبته أو سأل هو التأجيل أجَّله ثلاثة أيام وإن لم يطمع في توبته ولم يسأل هو التأجيل قتله من ساعته»(5). وبمثله قال عبد الغني الغنيمي الحنفي(6).

وقال الدسوقي في حاشيتة على الشرح الكبير: « يجب على الإمام أو نائبه استتابته ثلاثة أيام، وإنما كانت الاستتابة ثلاثة أيام؛ لأن الله أخَّر قوم صالح ذلك القدر، لعلهم أن يتوبوا فيه، فكون أيام الاستتابة ثلاثة واجبٌ»(7).

وقال الشربيني: « وتجب استتابة المرتد والمرتدة قبل قتلهما؛ لأنهما كانا محترمين بالإسلام فربما عرضت لهما شبهة فيسعى في إزالتها؛ لأن الغالب أن الردة تكون عن شبهة عرضت وثبت وجوب الاستتابة عن عمر - رضي الله عنه-»(8).

وقال ابن ضويان: «فمن ارتد وهو مكلف مختار استتيب ثلاثة أيام وجوباً»(9). وبمثله قال أبوالنجا الحجاوي(10).

ومن خلال هذه الأقوال تتضح لنا علَّة استتابة المرتد، وهي أنه يحتمل رجوعه إلى الإسلام، فربمَّا عرضت له شبهة حملته على الردة، فيؤجَّل ثلاثا لعلها تنكشف في هذه المدة، فكانت الاستتابة وسيلة للعودة إلى الإسلام. فقد روي عن عمر - رضي الله عنه- " أنه قدم عليه رجل من قِبَل أبي موسى، فسأله عن الناس؟ فأخبره، ثم قال: هل عندكم من مغربة خبر(11)؟ قال: نعم رَجُلٌ كفر بعد إسلامه، فقال: ماذا فعلتم به؟ قال: قرّبناه فضربنا عنقه، قال عمر -رضي الله عنه-: فهلا طبقتم عليه بيتا ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً فاستبتموه لعله يتوب ويرجع إلى أمر الله، اللهم إني لم آمر ولم أحضر ولم أرض إذ بلغني"(12).

إذاً لا خلاف بين الفقهاء في استتابة المرتد، وقبول توبته إن تاب(13).

وتكون توبة المرتد: بإعلان إسلامه، أو بإقرار ما جحده من الدين. قال أبو النجا: «وتوبة المرتد وكل كافر، موحّداً كان كاليهودي أو غير موحّد كالنصراني، والمجوسي وعبدة الأوثان: إسلامه، أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله... لكن إن كانت ردّته بإنكار فرضّ أو إحلال محَّرم أو جحد نبيٍّ أو كتابٍ أو شيءٍ منه... فلا يصح إسلامه حتى يقر بما جحده»(14).

إلا أن الفقهاء قد قالوا: بعدم قبول التوبة في الدنيا لمن سبَّ الله تعالى أو سبَّ رسوله سباً صريحا، وذلك لعظم ذنبه. قال البهوتي: «ولا تقبل في الدنيا توبة من سب الله تعالى أو سب رسوله سبا صريحا أو تنَقَّصه، ولا توبة من تكررت ردته ولا توبة زنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر بل يقتل بكل حال؛ لأن هذه الأشياء تدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام»(15). وقد نصَّ ابن ضويان الحنبلي بمثله، فقال: « ولا يقبل في الدنيا بحسب الظاهر توبة زنديق...ولا من تكررت ردته... أو سبَّ الله تعالى أو رسوله، أو ملكا له لعظم ذنبه جداً فيدل على فساد عقيدته. قال أحمد: لا تقبل توبة من سب النبي - صلى الله عليه وسلم- »(16). بل جاء في المذهب المالكي: بأنه إن تاب ينكَّل ويؤدَّب(17).

2.    من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: إباحة دمه إن لم يتب.

لم يختلف الفقهاء في إباحة دم المرتد إن لم يتب، سواء كان المرتد فرداً أم جماعة، إلا إن قتله يتولاَّه الإمام أو نائبه(18). قال الكاساني، وهو يعدِّد أحكام المرتد، فقال: « إباحة دمه إذا كان رجلاً حرّاً كان أو عبداً لسقوط عصمته بالردة...وكذا العرب لما ارتدت بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه و سلم- أجمعت الصحابة - رضي الله عنهم- على قتلهم»(19). وقد نقل ابن رشد الاتفاق على قتل الرجل المرتد(20). وقال الدردير المالكي: «وإن ارتد جماعة بعد إسلامهم وحاربوا المسلمين، ثم قدرنا عليهم فكالمرتدين من المسلمين الأصليين، يستتاب كبارهم ثلاثة أيام، فإن تابوا وإلا قتلوا »(21). وقال الشافعي: «ومن ارتد عن الإسلام إلى أي كفر كان مولودا على الإسلام أو أسلم ثم ارتد قتل»(22). وقال أيضاً: «والقتل على الردة حدٌّ ليس للإمام أن يعطِّله»(23). وقال ابن قدامة: «ومن ارتد عن الإسلام وجب قتله(24). وهذا حكمٌ بقتل المرتد إن كان فرداً، وقال أيضاً: «ومتى ارتد أهل بلدٍ وجرت فيهم أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة، وعلى الإمام قتالهم»(25). وهذا حكمٌ بقتل الجماعة المرتدة. وقد نقل ابن ضويان(26)، وكذلك ابن الأمير الصنعاني إجماع الفقهاء على قتل المرتد(27).

وأما إباحة دم المرتدة: فقد خالف في هذا الحنفية، فقالوا: بعدم قتلها. قال الكاساني: «وأما المرأة فلا يباح دمها إذا ارتدت ولا تقتل عندنا ولكنها تجبر على الإسلام وإجبارها على الإسلام أن تحبس وتخرج في كل يوم فتستتاب ويعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا حبست ثانياً هكذا إلى أن تسلم أو تموت » (28).

وقد استدلَّت الحنفية على عدم قتل المرتدة بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم- أنه قال:" لا تقتلوا امرأة و لا وليدا"(29). قالوا: ولأن القتل إنما شرع وسيلة إلى الإسلام بالدعوة إليه عند وقوع اليأس عن إجابتها والنساء أتباع الرجال في إجابة هذه الدعوة في العادة فإنهن في العادات الجارية يسلمن بإسلام أزواجهن (30).

وذهب الجمهور من المالكية(31) والشافعية(32) والحنابلة(33). إلى أن حكم المرأة المرتدة مثل حكم الرجل، وهو القتل، وقد استدل الجمهور على قتل المرتد سواء كان رجلا أو امرأة، بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: " من بدَّل دينه فاقتلوه"(34). وقالوا: إنَّ علة إباحة الدم هو الكفر بعد الإيمان وهو أغلظ من الكفر الأصلي، فيستوي فيه الرجل والمرأة. قال ابن قدامة: «وتقتل المرتدة للخبر؛ ولأنها بدَّلت دين الحق بالباطل، فتقتل كالرجل»(35). وقد أجابوا عن النهي الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في قتل المرأة، بأن المراد به الكافرة الأصلية، وليس المرتدة، ولا تعارض بين عامٍ وخاص، فيعمل بالخاص فيما تناوله، ويعمل بالعام في الباقي(36).

وقد ناقش الإمام الشافعي، ما ذهب إليه الحنفية، من عدم القتل المرتدة، بطريق السؤال والجواب، فقال في كتابه الأم ما نصه:« استدل من ذهب إلى عدم قتل المرأة المرتدة: بالقياس على السنة، بمعنى لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن قتل النساء من أهل دار الحرب كان النساء ممن ثبتت لهن حرمة الإسلام أولى - عندي - أن لا يقتلن وقلت له: أو جعلتهن قياسا على أهل دار الحرب لأن الشرك جمعهن؟ قال: لا. قلت: ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيما زعمت عن قتل الشيخ الفاني والأجير(37) مع نهيه عن قتل النساء، فإن قلت: نعم، قلت: أفرأيت شيخا فانياً وأجيراً ارتدا أتقتلهما أم تدعهما لعِلَّتك بالقياس على أهل دار الحرب؟ فقال: بل أقتلهما قلت: فرجل ارتد فترهَّب قال: فأقتله: قلت: وأنت لا تقتل الرهبان من أهل دار الحرب...أرأيت إذا كان حكم المرتدة عندك أن لا تقتل كيف حبستها وأنت لا تحبس الحربية إنما تسبيها وتأخذ مالها... وقلت له: هل تعدو الحرة أن تكون في معنى ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من بدل دينه فاقتلوه "فتكون مبدلة دينها فتقتل؟ أو يكون هذا على الرجل دونها، فمن أمرك بحبسها؟ وهل أمرك بحبسها؟ وهل رأيت حبسا قط هكذا؟ إنما الحبس ليبين لك الحد فقد بان لك كفرها، فإن كان عليها قتل قتلتها، و إن لم يكن فالحبس لها ظلم»(38).

حكمة تشريع قتل المرتد:

قد يتساءل البعض، فيقول: ما هي الحكمة من قتل المرتد، مع أن الكافر الأصلي لا يقتل، فلماذا يقتل المرتد؟

والجواب: أن خروج فردٍ أو جماعةٍ من الإسلام إلى الكفر، فيه نداءٌ على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح، ووجد ما كان عليه قبل ذلك أصلح، فهذا تعريضٌ بالدين واستخفافٌ به، وكذلك فيه تمهيدُ طريقٍ لمن يريد أن ينسَلَّ من هذا الدين، وذلك يفضي إلى انحلال جماعة الإسلام، فلو لم يجعل لذلك زاجراً ما انزجر الناس، ولا نجد شيئا زاجراً مثل توقع الموت، فلذلك جُعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحدٌ في الدين إلا على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين؛ لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام، وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام(39).

3.    من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: حرمة الاسترقاق.

لا يجوز استرقاق المرتد؛ لأن استرقاقه فيه إقرارٌ له على ردته، وكذلك لا يقع استرقاقه وسيلة إلى الإسلام؛ لأنه رجع عن الإسلام بعد ما ذاق طعمه وعرف محاسنه، فلا يرجى فلاحه بهذا الاسترقاق(40).

 وبناء عليه: فلم يشرع للمرتد إلا العودة إلى الإسلام، أو القتل. قال الكاساني: «المرتد لا يسترق وإن لحق بدار الحرب؛ لأنه لم يشرع فيه إلا الإسلام أو السيف»(41).

4.    من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: حرمة أخذ الجزية.

لا يجوز أخذ الجزية من المرتد(42)، وذلك لما تقدَّم ذكره في الاسترقاق.

5.                       من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: الفرقة بين الزوجين(43).

وقد دلَّ على الفرقة بين الزوجين إن كان أحدهما كافراً، قوله تعالى: ﴿ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾[الممتحنة:10].

6.                       من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: لا يجوز إنكاحه المسلمة، ولا تجوز ولا يته على غيره في النكاح.

لا يجوز للمرتد أن ينكح المسلمة؛ لأنه مشرك، وكذلك ليس له أن يزوِّج غيره؛ لأنه لا ولاية له(44).

7.                       من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: حرمة ذبيحته.

لا يجوز الأكل من ذبيحة المرتد. قال الشافعي: « لا تؤكل ذبيحة المرتد إلى أي دينٍ ما ارتد؛ لأنه إنما رخّص في ذبائح أهل الكتاب الذين يقرون على أديانهم»(45).

8.                       من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: أنه لا يرث من أحد.

قال الكاساني: «لا يرث[أي المرتد] من أحدٍ، لانعدام الملِّة والولاية»(46).

9.                       من أحكام المرتد التي ترجع إلى نفسه: أن أعماله تحبط إن مات على الردة(47). قال تعالى:﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217]. والمشهور في المذهب المالكي، أن الردة بمجردها تبطل العمل، كما قاله الحطاب الرعيني(48). لكن قال الشوكاني: والتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ يفيد أن عمل من ارتد، إنما يبطل إذا مات على الكفر(49).

 

ثانياً: الأحكام التي ترجع إلى مال المرتد:

الأحكام التي ترجع إلى مال المرتد ثلاثة، وتفصيلها كالتالي:

الحكم الأول من الأحكام التي ترجع إلى مال المرتد: مِلك المرتد.

من ارتد عن الإسلام،لم يزل ملكه، فيكون ما اكتسبه المرتد فيئاً للمسلمين، فيوضع في بيت المال؛ لأن كسبه ليس فيه حق لأحد، فكان فيئا كمال الحربي، فإن عاد المرتد بعد أن حكم بلحاقه إلى دار الإسلام، مسلما فما وجده في يد ورثته، أو في بيت المال من ماله بعينه أخذه وهذا قول الجمهور(50)، بخلاف الحنفية، القائلين بان المرتد يزول ملكه. فقد جاء في  اللباب للحنفية: «ويزول ملك المرتد عن أمواله بردته، لزوال عصمة دمه، فكذا عصمة ماله»(51). إلا أن الحنفية قد نصوا كذلك، على أن زوال ملك المرتد، إنما هو زوالٌ موقوف، إلى أن يتبين حاله، إمّا عودته إلى الإسلام، أو موته مرتدا(52). قال المرغياني: «ويزول ملك المرتد عن أمواله بردته زوالاً مراعى، فإن أسلم عادت إلى حالها»(53).

 ومن أقوال الجمهور في عدم زوال ملك المرتد، ما قاله أبو النجا الحجاوي: «ومن ارتد لم يزل ملكه...وإن مات أو قتل مرتداً صار ماله فيئاً من حين موته(54). وقال ابن قدامة:« وإذا ارتد لم يزل ملكه؛ لأنه سبب مبيح لدمه، فلم يزل ملكه كزنا المحصن »(55). وقال أيضاً: «فعلى هذا إن قتل أو مات زال ملكه بموته، وإن راجع الإسلام فملكه باقٍ له»(56).

وأما إن لحق المرتد بدار الحرب فيكون ما معه من مالٍ مباحاً لمن قدر عليه؛ لأنه زال العاصم له، فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب، وبالنسبة لماله الذي في دار الإسلام، فملكه ثابت فيه ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه(57).

الحكم الثاني من الأحكام التي ترجع إلى مال المرتد: ميراث المرتد.

قد نص الحنفية على أن ميراث المرتد، يكون ميراثا لورثته المسلمين(58). ونص المالكية والشافعية، على أن ميراثه يكون لبيت مال المسلمين. قال مالك: «وإن مات على ارتداده كان ذلك لجميع المسلمين ولا يكون لورثته»(59). وقال المزني الشافعي: «وميراث المرتد لبيت مال المسلمين ولا يرث المسلم الكافر»(60). وقال الشافعي بطريق السؤال والجواب: « أفيعدو المرتد أن يكون كافرا أو مسلما ؟ قال: بل كافر. قلنا: فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن لا يرث مسلم كافرا ولا يرث كافر مسلما»(61).

 

الحكم الثالث من الأحكام التي ترجع إلى مال المرتد: ديون المرتد.

الدَّين الذي لزم المرتد، يقضى من ماله؛ لأنا إن قلنا ببقاء ملكه أو أنَّ ملكه موقوف فلا إشكال في أنه يقضى منه، وإن قلنا بزوال ملكه، فهذا لا يمنع من قضاء دينه إن مات، لأنّ الدين يقدم على حق الورثة(62).

ومن نصوص الفقهاء في ديون المرتد، ما يلي:

- جاء في اللباب للحنفية: «وتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام مما اكتسبه في حال الإسلام وما لزمه من الديون في حال ردته يقضى مما اكتسبه في حال ردته»(63).

- وجاء في الأم للشافعية: «وإذا كان على المرتد دين ببيّنة قبل الردة ثم ارتد قضى عنه دينه إن كان حالاًّ، وإن كان إلى أجل فهو إلى أجله إلا أن يموت فيحِلُّ بموته»(64).

- وجاء في الشرح الكبير للحنابلة: « إذا مات أو قتل [ أي المرتد] فإنه يبدأ بقضاء ديونه وأرش جنايته ونفقة زوجته وأقاربه الذين تلزمه مؤنتهم؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها»(65).

وأما الدَّين الذي يكون للمرتد: فلا يخلو من أن يكون حالًّا، أو مؤجلاً، فإن كان حالًّا: أخذ ممن هو عليه ويوقَفُ في ماله، وإن كان إلى أجلٍ فهو إلى أجله، فإذا حلَّ وُقِف كذلك، فإن مات المرتد قبل ذلك أو قتل على ردته، فيكون الدين إلى أجله، فإذا قبض كان فيئاً(66).

 

ثالثاً: الأحكام  التي ترجع إلى ولد المرتد.

لا يخلو ولد المرتد، من أن يكون مولودا في الإسلام أو في الردة، فإن كان مولودا في الإسلام بأن ولد للزوجين ولد وهما مسلمان، ثم ارتدا، فلا يحكم بردته ما دام في دار الإسلام؛ لأنه لما ولد وأبواه مسلمان فقد حكم بإسلامه تبعا لأبويه، فلا يزول بردتهما لتحول التبعية إلى الدار، إذ الدار وإن كانت لا تصلح لإثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين تصلح للإبقاء؛ لأنه أسهل من الابتداء فما دام في دار الإسلام يبقى على حكم الإسلام تبعا للدار، وإن كان مولودا في الرِّدة بأن ارتد الزوجان ولا ولد لهما ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها وهما مرتدان على حالهما فهذا الولد بمنزلة أبويه له حكم الردة(67).

وقال صاحب التاج والإكليل لمختصر خليل: «  أما ولد المرتد فلا يلحق به في الردة، إذا كان صغيرا إذ تبعية الولد لأبيه، إنما تكون في دين يُقَرَّ عليه»(68)والدين الذي يقر عليه هو الإسلام

وقد نص الشربيني كذلك على أن الولد إن كان مولودا في الإسلام، فهو مسلم، وإن كان مولودا في الردة، فقيل: هو مسلم لبقاء علقة الإسلام في والديه، وقيل: هو مرتد تبعاً لهما، قال وهو الأظهر(69).

وقد بيَّن ابن قدامة، أنه إذا ارتد أحد الوالدين، وبقي الآخر، فإنه يحكم للولد بالإسلام، ويتبع المسلم منهما، فقال: « الولد يتبع أبويه في الدين، فإذا اختلفا وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية؛ ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى، ويترجح بأشياء، منها: أنه دين الله الذي رضيه لعباده وبعث به رسله ودعا خلقه إليه، ومنها: أنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق وأداء الجزية وفي الآخرة من سخط الله وعذابه، ومنها: أن الدار دار  الإسلام يحكم بإسلام لقيطها ومن لا تعرف حاله فيها» (70). قلت: فالحكم للولد بالإسلام أولى من اللقيط، وممن لا تعرف حاله.

رابعاً: الأحكام التي ترجع إلى تصرفات المرتد.

لا يخلو المرتد من أن يكون قد لحق بدار الحرب، أم لم يلحق به، فإن كان قد لحق بدار الحرب، فتصرفاته - من بيعٍ، وشراءٍ، وعتقٍ، ورهنٍ، وغير ذلك- باطلة، وإن كان لم يلحق بدار الحرب، فتصرفاته موقوفة، فإن أسلم صحت عقوده(71).

فقد نصَّ المرغياني الحنفي: على أن تصرفات المرتد على أقسام:

1. نافذ بالاتفاق: كالاستيلاد والطلاق؛ لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية.

2. باطل بالاتفاق: كالنكاح والذبيحة؛ لأنه لا ولاية ولا ملة له.

3. موقوف بالاتفاق: كالبيع والشراء والرهن والإجارة والهبة والإعتاق والتدبير(72).

وأما جناية المرتدة على غيره: فإن كانت عمداً، ويجري فيه القصاص، فصاحبه بالخيار بين القصاص منه، أو الأخذ من ماله بقدر الجناية، وإن كانت خطأ، فهي من ماله. قال الشافعي: «وإذا جنى المرتد في حال ردته على آدمي جناية عمدا في مثلها قصاص فالمجني عليه بالخيار: في أن يقتص منه أو يأخذ قدر الجناية من ماله الذي كان له قبل الردة و ما اكتسب بعدها... وإن كانت الجناية خطأ فهي في ماله»(73).

وأما ما يتلفه المرتد على غيره: فهو مضمون عليه. قال ابن قدامة: «وما يتلفه المرتد مضمون عليه لأنه التزم حكم الإسلام بإسلامه و اعترافه به فلا يسقط عنه بجحده كمن جحد الدين بعد إقراره به »(74). وقال الحجاوي: «ويضمن ما أتلفه لغيره ولو في دار حرب، وسواء كان المتلف واحدا أو جماعة صار لهم منعة أولا»(75).

 

الخاتمة:

الأحكام الشرعية التي تترتب على المرتد، تدل على أن من ارتد على الإسلام ولحق بالكافرين والمشركين، فإنه يستحق الذل والصغار، بخلاف ما كان عليه في الإسلام من العزة والاعتبار، وهذه أحكام الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[المنافقون:8].  

والله تعالى أعلم, والحمد لله ربّ العالمين, وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم

 

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ 23 شعبان 1428هـ الموافق 4/ 9/2007 م.



(1) - التعاريف 1/361.

(2) - مغني المحتاج 4/133.

(3)- الكافي في فقه ابن حنبل 4/59، الشرح الكبير 10/72.

(4)- بدائع الصنائع 6/118.

(5)- المصدر السابق.

(6)- اللباب في شرح الكتاب 4/19، وانظر: تحفة الملوك 1/193، وانظر: الهداية 1/406.

(7)- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 18/298، وانظر: تفسير القرطبي 3/40.

(8)- مغني المحتاج 4/140.

(9) - منار السبيل 2/272.

(10)- الإقناع 4/301،وانظر: زاد المستقنع 1/682، وانظر: الروض المربع 1/682، وانظر:  الكافي في فقه ابن حنبل 4/59. وانظر: الشرح الكبير10/81. تحفة الملوك 1/193.  الهداية 1/406.

(11) - المعنى: قصة مغربة وخبر غريب، الموطأ  3/324. 

(12)- الموطأ - رواية محمد بن الحسن 3/324، برقم: 868. 

(13)- الفتاوى الكبرى 5/535، الكافي في فقه ابن حنبل 4/59،  العمدة 1/561.

(14)- الإقناع 4/302.

(15)- الروض المربع 1/682.

(16) - منار السبيل 2/278، وانظر: الشرح الكبير 10/87.

(17)- مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل 18/7

(18)- الكافي في فقه ابن حنبل 4/59.  العمدة 1/561.

(19)- بدائع الصنائع 6/118.

(20)- انظر: بداية المجتهد 1/1263.

(21)- الشرح الكبير للشيخ الدردير 2/205.

(22) - مختصر المزني 1/275.

(23) - الأم 6/229.

(24)- الكافي في فقه ابن حنبل 4/59.

(25)- الشرح الكبير10/103.

(26) - منار السبيل 2/272.

(27) - سبل السلام 1/184.

(28)- انظر: بدائع الصنائع 6/118.

(29) - المعجم الأوسط  4/268، برقم: 4163. قال الألباني: صحيح، انظر:  فقه السيرة للغزالي، تحقيق الألباني  1/318، برقم: 318.

(30)- انظر: بدائع الصنائع 6/118.

(31) بداية المجتهد 1/1263.

(32) - مختصر المزني 1/275.

(33)- الكافي في فقه ابن حنبل 4/59.

(34) - صحيح البخاري 3/1098، برقم: 2854. 

(35)- الكافي في فقه ابن حنبل 4/59.

(36) - بداية المجتهد 1/1263. الشرح الكبير 10/76. الإقناع 4/301. منار السبيل 2/272. وانظر: سبل السلام 1/184.

(37) - هذا الحديث أخرجه الطبراني في المعجم  الأوسط  1/48، برقم: 135.  قال الألباني: ضعيف،  ضعيف أبي داود  1/255، برقم: 516.

(38)- الأم 6/233.

(39) - انظر: التحرير والتنوير 1/605. 

(40)- انظر: بدائع الصنائع 6/125.

(41)- بدائع الصنائع 6/118، وانظر:  الإقناع 4/305، وانظر: الشرح الكبير 10/103، وانظر: الكافي في فقه ابن حنبل4/59.

(42) - الإقناع 4/305.

(43)- بدائع الصنائع 6/118.

(44)- انظر: الأم 6/229.

(45) - الأم 6/228.

(46)- بدائع الصنائع 6/118، وانظر: الهداية 1/406، وانظر: تفسير القرطبي 3/40.

(47) - انظر: مغني المحتاج 4/133، وانظر: فتح القدير 1/331.

(48)- مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل 3/323.

(49) - فتح القدير 1/331.

 (50) - مغني المحتاج 4/142. الإقناع 4/305.

(51)- اللباب في شرح الكتاب 4/19.

(52)- انظر: اللباب في شرح الكتاب 4/19.

(53)- الهداية 1/406، وانظر: تحفة الملوك 1/193.

(54) - الإقناع 4/305.

(55) - الكافي في فقه ابن حنبل 4/59.

(56)- الشرح الكبير 10/98.

(57) - انظر: الشرح الكبير 10/100.

(58)- المبسوط  7/586.بدائع الصنائع 6/121.

(59) - المدونة الكبرى 2/596.

(60) - مختصر المزني 1/152.

(61)- الأم 7/595، والحديث أخرجه البخاري، بلفظ:" لا يرث المؤمن الكافر ولا يرث الكافر المؤمن"صحيح البخاري 4/1560، برقم:  4032.

(62)- انظر: بدائع الصنائع 6/121. مغني المحتاج 4/142.

(63)- اللباب في شرح الكتاب 4/19.

(64) - الأم 6/228.

(65)- الشرح الكبير 10/100.

(66)- انظر: الأم 6/228.

(67) - بدائع الصنائع 6/125.

(68) - التاج والإكليل لمختصر خليل  12/53.

(69) -  مغني المحتاج4/142.

(70)- الشرح الكبير10/103.

(71)- انظر: الهداية 1/406.

(72)- انظر: الهداية 1/406، وانظر:  تحفة الملوك1/194. وانظر: اللباب في شرح الكتاب 4/19. 

(73)- الأم 6/227. 

(74)- الكافي في فقه ابن حنبل 4/59.  وانظر: مختصر المزني 1/346. المغني 4/272.  الشرح الكبير10/101. 

(75)- الإقناع 4/305.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
التأصيل الشرعي في الغسيل بالناشف
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوَّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد - صلى الله عليه، وعلى آله وسلم - وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:-

فلقد توسعت العلوم والمعارف، وتطورت الوسائل والأساليب، ووجد من الأشياء والغرائب ما لم يكن يخطر على قلب أحد، واستطاع الناس الوصول إلى ما لم يكن يحلم به الأولون، وتسابق الناس على المعارف والعلوم، واستجدت كثير من المسائل الشرعية التي لم يكن يعرفها السابقون، ومن هذه المسائل، استخدام بعض المواد الكيميائية في تطهير الملابس وتنظيفها، فيما يسمى بـ: الغسيل بالناشف، وإضافة بعض المواد الكيميائية، التي تتفاعل مع الأوساخ والنجاسات العالقة بالثياب، فتقوم بإزالتها، وتساءل الناس عن مدى مشروعية هذا التطهير، وهل هو مزيل للنجاسة أم لا؟

فعزمت مستعيناً بالله تعالى على بحث هذه المسألة، في ضوء المطهرات التي وردت في شريعتنا الإسلامية الغراء، وسيكون سير البحث في هذه المسألة كالآتي:

·       التمهيد.

·       الإزالة بالحجارة للنجاسة العينية.

1.    حكم الاقتصار على الحجارة.

2.    إلحاق غير الحجارة بالحجارة في هذا الحكم.

·       التطهير الحكمي بالجامد.

1.    التطهير الحكمي باستخدام التراب.

2.    تطهير النعل والخف.

3.    تطهير الذيل.

4.    التيمم.

5.    التيمم بالتراب.

6.    التيمم بغير التراب من الجامدات.

7.    التيمم لرفع حكم الحدث بنوعيه.

8.    التيمم للميت.

9.    التطهير الحكمي باستخدام خرقة أو ظفر.

·       الخلاصة.

فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل:

تمهيد:

من خلال النظر في النصوص الشرعية الواردة في التطهير والمطهرات، نجد أن الشارع الحكيم، شرع التطهير بمواد معينة، وبكيفيات معينة، سواء أكان التطهير حسياً عينياً، أم معنوياً حكمياً، فأحياناً يأمر باستعمال مواد مائعة، وأحياناً أخرى يأمر باستعمال مواد جامدة، وأحياناً أخرى يأمر باستعمال الجامد والمائع معاً في التطهير، وأحياناً أخرى يأمر بالتطهير بكيفية معينة، من دون استعمال مائع ولا جامد.

والحد الفاصل بين المائع والجامد أنه إن كان بحالة لو قُوِّر(1) ذلك الموضع، لا يستوي من ساعته، فهو جامد، وإن كان يستوي من ساعته، فهو مائع(2)، وقيل: الجامد هو الذي لا تسري النجاسة إلى جميعه، وقيل: حد الجامد ما إذا فتح وعاؤه لم تسِلْ أجزاؤه(3)، وقيل: الجامد هو الذي إذا أخذ منه قطعة، لا يترادّ من الباقي ما يملأ محلها عن قرب، والمائع بخلافه(4).

ومعنى هذه التعاريف واحد، وإن اختلفت في اللفظ.

وما يتعلق بمسألتنا هذه، أعني الغسيل بالناشف، مما يمكن أن يدخل في: باب التطهير باستخدام بعض الجامدات في إزالة النجاسة.

وعليه فلا بد من الحديث عن استخدام الجامدات في التطهير عموماً، سواء أكان ذلك في إزالة النجاسة العينية، أم في رفع حكم النجاسة الحكمية.

وعليه يقال: إن الجامدات التي ورد استخدامها في المطهرات الشرعية، هي ما يأتي:

1.    الحجارة: فإنها تستخدم لإزالة النجاسة العينية عن الفرجين.

2.    التراب: وقد ورد الأمر به في التطهير الحكمي؛ سواء كان في تطهير الذيل والنعل ونحوهما من البول والغائط، أو كان في التيمم؛ وسواء كان هذا التيمم من حدث أصغر أو أكبر، عند وجود مانع يمنع من استخدام الماء، أو كان التيمم للميت؛ وذلك عند وجود ما يمنع من استعمال الماء أيضاً.

3.    خرقة أو ظفر: وقد ورد الأمر بها في إزالة المني ونحوه، إذا أصاب الثوب، وذلك في التطهير الحكمي أيضاً.

فهذا هو مجمل ما ورد الأمر به في التطهر بالجامد؛ وإليك البيان بالتفصيل.

أولاً: الإزالة بالحجارة للنجاسة العينية:

تستخدم الحجارة في إزالة النجاسة العينية من الفرجين، ولو مذياً أو ودياً(5)، وهو المسمى عند الفقهاء بالاستجمار أو الاستطابة.

ودليله حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال له رجل: إن صاحبكم ليعلمكم كل شيء حتى الخِراءة؟ قال: "أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي بأيماننا، أو أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار"(6)، وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار، فليستطب بها، فإنها تجزي عنه"(7).

والاستجمار طهارة مستقلة على الأصح(8)، وهو استعمال الجِمار في إزالة النجاسة، والجِمار هي الحجارة الصغيرة(9)، ومنه رمي الجِمار: وهو رمي الحصا بمنى(10).

حكم الاقتصار على الحجارة:

وقع خلاف بين العلماء في الاقتصار على الحجارة في الاستجمار(11)، وذلك كالآتي:

1.    الاقتصار على الحجارة جائز، وهذا هو مذهب الشافعية والحنفية. وقد استدلوا على ذلك بالآتي:

  أ‌-         حديث عائشة – رضي الله عنها – المتقدم.

ب‌-      وعنها أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم – بال، فقام عمر خلفه بكوز من ماء، فقال: "ما هذا يا عمر؟ فقال: ماء تتوضأ به. فقال: "ما أُمِرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت ذلك، لكان سنة"(12).

وقد أورد الشوكاني آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين، وفيها الاكتفاء بالحجارة، وكراهة ما سواها، ولو ماءً(13).

2.    وذهب الزيدية الهدوية والحسن البصري، إلى عدم الاجتزاء بالحجارة، وأن الماء متعين، وقد استدلوا على ذلك بالآتي:

 أ‌-         قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ﴾[النساء: 43]؛ وقد دلت الآية على أن البديل عن الماء، وهو التراب، إنما يكون عند عدمه.

ورُدَّ بأن الآية في الوضوء، لا في إزالة النجاسة.

ب‌-      واستدلوا أيضاً بحديث أنس بن مالك – رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي، إداوةً من ماء وعَنَزَةً، فيستنجي بالماء"(14).

  ت‌-      واستدلوا أيضاً بحديث عائشة – رضي الله عنها - أنها قالت للنساء: "مُرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم؛ وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله"(15).

ورُدَّ بأن هذا والذي قبله، دليلان على الاجتزاء بالماء لا تعيُّنِه.

ث‌-      واستدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: "إن هذه الآية نزلت في أهل قباء ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾[التوبة: 108]، قال: وكانوا يستنجون بالماء"(16).

ورُدّ بأن تخصيصهم بالثناء لا يدل أن غيرهم بخلافهم؛ ولو كان الماء واجباً متعيناً، لشاركهم غيرهم؛ وعليه فلا خصوصية لهم على غيرهم؛ على أن الحديثَ فيه مقالٌ(17). وكان القياس يقتضي عدم إجزائه، لكن الإجزاء رخصة(18).

قلت: الظاهر - والله أعلم – أن الاقتصار على الحجارة جائز؛ لما تقدم من الأدلة، وهي صريحة في المراد، ومع ذلك فالماء أفضل؛ لأنه يزيل العين والأثر، ويطهر المحل(19)، والجمع بين الماء والحجر، أفضل من الكل(20).

إلحاق غير الحجارة بالحجارة في هذا الحكم:

يجوز الاستجمار بالحجارة إجماعاً، وأما غيـرها من الخِرق والخشب وغير ذلك، فقد وقع الخلاف بين العلماء في ذلك:

·       فذهب الجمهور من العلماء إلى أن الحجر غير متعين، بل تقوم الخِرق والخشب وغير ذلك مقامها. قال النووي: » إنما نُص على الأحجار؛ لكونها غالب الموجود للسمتنجي بالفضاء، مع أنه لا مشقة فيها، ولا كلفة في تحصيلها؛ وهذا نحو قول الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ ﴾ [الأنعام: 151]، وقوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ [النساء:101] ونظائر ذلك، فكل هذا مما ليس له مفهوم يُعمل به؛ لخروجه على الغالب «(21)، ويدل على عدم تعيُّن الحجر حديث سلمان – رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنه لينهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستجمر برجيع أو عظم"(22)، ولو كان الحجر متعيناً لنهى عما سواه مطلقاً(23).

·       وقال بعض أهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد: إن الاستجمار بالحجر متعين؛ وذلك للآتي:

1.    لنصه صلى الله عليه وآله وسلم عليها – كما تقدم - فلا يجزي غيرها.

2.    ولأنه موضع رخصة، ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم.

والحاصل: أن كل جامد طاهر، مزيل للعين، ليس له حرمة، يجزئ الاستجمار به(24)، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، كما تقدم، وهو الظاهر، والله أعلم.

هذا وللفقهاء تفصيلات واختلافات وتفريعات، على ما ذُكِر ليس مكانها هذا المقام.

ومن خلال ما تقدَّم يمكن القول بأن التطهير بالناشف، مما يمكن أن يدخل في هذا النوع من المطهرات، المزيلة للنجاسة العينية، وهذا على القول بصحة إزالة النجاسة بكل جامد، طاهر، مزيل لعين النجاسة.

ثانياً: التطهير الحكمي بالجامد:

ويدخل تحت هذا القسم، نوعان من التطهير - كما تقدم – وهما كالآتي:

1.    التطهير بالتراب، وفيه مسألتان: تطهير النعل والخف والذيل، والتيمم.

2.    المسح بخرقة أو ظفر.

التطهير الحكمي باستخدام التراب:

والأصل في هذا النوع من التطهير، حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "(25).

وهذا التطهير واقع لرفع نجسٍ، ولرفع حكم حدثٍ:

فأما الأول: فلرفع حكم البول والغائط، يصيبان النعل أو الخف أو ذيل المرأة.

وأما الثاني: فبالتيمم لرفع حكم الحدث بنوعيه، وكذا الميت مع حصول مانع يمنع من الماء. فهاتان مسألتان:

 

المسألة الأولى: تطهير النعل والخف والذيل:

أولاً: تطهير النعل والخف:

الأصل في هذه المسألة ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وطئ الأذى بخفيه، فطهورهما التراب "(26)، وفي لفظ: "إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه، فإن التراب له طهور"(27).

إذا أصابت النجاسة أسفل الخف والحذاء، فدلكها بالتراب، حتى زال عين النجاسة؛ ففيه أقوال عند العلماء، كالآتي:

·       أحدها: يجزئ دلكهما بالتراب، وتباح الصلاة فيهما؛ وهو قول أكثر أهل العلم؛ وهو رواية عن أحمد؛ وبه قال الشافعي في القديم (28).

وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها:

1.    حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - المتقدم.

2.    حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر فإن رأى في نعله قذراً أو أذى، فليمسحه، وليصل فيها"(29).

3.    وقد سئل أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في نعليه؟ قال: نعم"(30)، والنعل لا تخلو من نجاسة تصيبها – غالباً - فلو لم يجزئ دلكها، لم تصح الصلاة فيها(31).

4.    وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: " كنا لا نتوضأ من موطئ"(32).

5.    ولأن التراب بدل من الماء في التيمم، فكذا هنا(33).

6.    ولأنه موضع تتكرر فيه النجاسة، فأجزأ فيه المسح، كموضع الاستنجاء(34).

·       القول الثاني: وهو رواية عن أحمد، وبه قال الشافعي في الجديد: يجب غسلهما بالماء كسائر النجاسات؛ فإن الدلك لا يزيل جميع أجزاء النجاسة(35).

ووجه من قال بهذا القول، أن في حديث أبي هريرة المتقدم ضعفاً(36)، وعلى فرض صحته، فإن المراد بالقذر والأذى، ما يستقذر، ولا يلزم منه النجاسة، وذلك كمخاط ونخامة وشبههما، مما هو طاهر أو مشكوك فيه(37)، وعليه فالحديث عندهم ليس في النجاسات، ولذا رجعوا إلى الأصل، وهو الإزالة بالماء.

·       القول الثالث: وهو رواية عن أحمد أيضاً: يجب غسله من البول والعذرة دون غيرهما؛ لتغلظ نجاستهما وفحشهما، وهذا عند من اعتبر البول والغائط من النجاسات المغلظة(38).

وفرّق قوم بين النجاسة الرطبة والنجاسة اليابسة، على تفصيلات وفروع عندهم(39).

ولعل سبب التفريق بين البول والغائط وغيرهما عند القائلين بهذا القول، هو: غلظ البول والغائط عنده دون غيرهما؛ ولذلك غَـلّظ في طهارتهما، فقال بالغسل دون المسح، وأما من فرق بين النجاسات الرطبة واليابسة؛ فمستنده الاستحسان، والجمع بين الأصل المتفق عليه في إزالة النجاسة- وهو الماء- وبين هذه الأحاديث القاضية بمسح النعل والخف.

قلت: الصواب مع أهل القول الأول؛ والدلك كافٍ في تطهير النعل والخف من النجاسة؛ لما تقدم من الأدلة؛ ولأنه لا يمنع أن يكون مسح النعل تطهيراً مستقلاً، ولا معارضة بينه وبين الأصل المتفق عليه من الغسل، وأما أنه لا يلزم أن يكون القذر في الحديث نجساً؛ فإن ظاهر الحديث يردّه؛ فإنه اعتبر المسح بالتراب طهوراً، والأصل هو حمل الطهور على معناه الشرعي، وأنه تطهير من النجس، والنجس مستقذر بلا شك.

وأما التفريق بين البول والغائط وغيرهما، وبين النجاسات الرطبة واليابسة؛ فغير واردٍ لإطلاق الأحاديث(40), وأما تضعيف حديث أبي هريرة المتقدم - إن سُلّم به - إلا أن حديث أبي سعيد المتقدم حديث صحيح(41).

ثانياً تطهير الذيل(42):

والخلاف في هذه المسالة كالخلاف في سابقتها(43)، إلا أن القائل بالدلك قد استدل بالآتي:

1.    حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيل: يا رسول الله! إنا نريد المسجد، فنطأ الطريق النجسة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الأرض يطهر بعضها بعضاً"(44).

2.    وعن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: "إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر؟ فقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" يطهره ما بعده"(45).

3.    وعن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله؛ إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مُطِرنا؟ قال:" أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟" قالت: قلت: بلى. قال: "فهذه بهذه"(46).

4.    وقالوا أيضاً: ما زالت الطرق والقذر فيها، والصحابة يخوضون فيه، ولا يغسلونه(47).

5.    ولأن غسل الثوب كل وقت، فيه حرج ومشقة، ربما كانت فوق مشقة غسل الخف، فإن الخف يغسله وينـزعه لينشف، وأما الثوب إن تركه عليه مبلولاً فمشقة إلى مشقة، وإن نزعه فليس كل أحد يجد ثوباً آخر يلبسه، ولذا عفي عنه من الشارع؛ لرفع الحرج والضيق(48).

وقد رُدّت هذه الأحاديث بأن في بعضها ضعفاً(49)، وفي بعضها جهالة. ورُدَّ بأنها تتقوى بمجموع طرقها.

قلت: الراجح - والله أعلم – صحة الاجتزاء بالتراب في تطهيرها جميعاً؛ لما تقدم من الأدلة.


المسألة الثانية في التطهير الحكمي بالتراب: التيمم:

التيمم في اللغة: القصد؛ قال تعالى: ﴿ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾[ المائدة:2 ] أي قاصدين، وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ [البقرة: 267] يقال: يممت فلاناً، وتيممته وأممته؛ إذا قصدته.

وأما في الشرع، فقيل: هو عبارة عن قصد شيء مخصوص، على وجه مخصوص - وهو مسح الوجه واليدين - من شخص مخصوص - وهو العادم للماء، أو من يتضرر باستعماله -، زاد بعضهم: بنية مخصوصة. وأحسن منه القول بأنه: مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد(50)، وقيل: إيصال التراب إلى الوجه واليدين، بشرائط مخصوصة(51)، وقيل: القصد إلى الصعيد؛ للتطهير(52)، وقيل: طهارة ترابية، تشتمل على مسح الوجه واليدين، وقيل: طهارة تستعمل عند عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله، وقيل: طهارة ترابية تُفعل مع الاضطرار دون الاختيار (53).

وأما استخدام الجامد في التيمم، فهو على نوعين:

1.    التيمم باستخدام التراب.

2.    التيمم باستخدام غيره من الجامدات.

التيمم بالتراب:

فأما التيمم باستخدام التراب، فلا إشكال في جوازه؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ [النساء: 43]، قال القرطبي في سياق ذكره للتيمم بالتراب:» وإذا تقرر هذا، فاعلم أن مكان الإجماع مما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب، مُنْبِتٍ، طاهر، غير منقول، ولا مغصوب« (54)، وعن حذيفة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً، إذا لم نجد الماء"(55)، وقال صلى الله عليه وسلم: "التراب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج"(56).

التيمم بغير التراب من الجامدات:

وأما استخدام غير التراب في التيمم، فللعلماء في ذلك مذاهب وآراء، وذلك كالآتي:

1.    لا يجوز التيمم، إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد، وهذه أشهر الروايات عن أحمد، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، والزيدية(57)؛ لقوله تعالى: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ﴾ [المائدة: 6]، وأما ما لا غبار له، فلا يمسح بشيء منه، ويؤكده حديث علي - رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قال: "وجعل لي التراب طهوراً"(58)، فقد خص التراب بالحكم(59)، ومعناه: أن التراب مما يمكن أن يُتطهر به، وأما ما ليس فيه تراب - من الجامدات - فلا يصح التطهر به، وعليه فمنـزلة ما سوى التراب مع التراب، منـزلة سائر المائعات مع الماء، فيختص الوضوء بالماء دون سائر المائعات، والتيمم مثله(60).

2.    يجوز التيمم بكل طاهر تصاعد على وجه الأرض، حتى مع وجود التراب، وقد نقل ابن قدامة هذا القول عن مالك وأبي حنيفة ومحمد(61)، واستدلوا على ذلك بالآية المتقدمة؛ وحملوا الصعيد على معنى: الأرض، واستدلوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" المتقدم، وقالوا أيضاً: وما سوى التراب من الأرض، أسوة للتراب في كونه مكاناً للصلاة؛ فكذلك في كونه طهوراً، والله قد يسر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته، فجعل الأرض مسجداً، فكذلك هي طهور؛ تيسيراً (62).

3.    يجوز التيمم بكل طاهر تصاعد على وجه الأرض، عند عدم التراب، وهو رواية عن أحمد(63). ولعل مستند هذا القول هو: الجمع بين النصوص والأقوال المتقدمة.

وعلى الجملة، فالتيمم مشروع للحدث - بنوعيه - وللميت. فهذان فرعان:

الفرع الأول: التيمم لرفع حكم الحدث بنوعيه:

اتفق العلماء على أن التيمم بدلٌ من الطهارة الصغرى؛ وذلك من الحدث الأصغر(64)، واختلفوا في الكبرى من الحدث الأكبر، على النحو الآتي:

1.    روي عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها بدلاً من الكبرى؛ للاحتمال الوارد في الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ﴾ يحتمل أن يعود الضمير الذي فيها على المحدث حدثاً أصغر فقط، ويحتمل أن يعود على المحدث حدثاً أصغر أو أكبر، ولحديث عمار وفيه: أن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء؟ فقال: لا تصل. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" فقال عمر: اتق الله يا عمار! قال: إن شئت لم أحدث به(65).

2.    وذهب عامة الفقهاء على أن التيمم بدل من الطهارة الكبرى. ورأوا أن ذلك قد ثبت من حديث عمار هذا، ومن حديث عمران بن الحصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً معتزلاً، لم يصل مع القوم؛ فقال: "يا فلان أما يكفيك أن تصلي مع القوم؟ " فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء. فقال صلى الله عليه وسلم: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك"(66)، قالوا: أما نسيان عمر فليس مؤثراً في وجوب العمل بحديث عمار؛ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدم على النافي؛ على أن في بعض الروايات، أن عمر قال: نوليك ما توليت(67)، واستدلوا أيضاً على جواز التيمم للجنب والحائض، بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"(68).

قلت: الراجح - والله أعلم - هو صحة التيمم من الحدث الأكبر. وذلك عند عدم الماء؛ للآية، وعند العجز عن استعمال الماء، سواء كان لخوفٍ، أو مرضٍ، أو ضررٍ، أو شَيْنٍ، حاصلان باستعمال الماء... ونحوها، وللفقهاء تفصيلات في هذا وتفريعات ليس هذا المقام مكانها(69).

ويستباح بالتيمم الصلاة، والطواف، وسجود التلاوة والشكر، واللبث في المسجد، وقراءة القرآن، ومس المصحف(70).

الفرع الثاني: التيمم للميت:

ومن تعذر غسله لفقد ماءٍ، حساً بأن عُدم الماء، أو شرعاً كما إذا ماتت المرأة مع الرجال، ليس بينها وبينهم محرم، وكما إذا مات الرجل مع النساء، ليس بينه وبينهن محرم، وكالمحترق والمجذوم يخشى عليهما إن غسلا أن تتهرى أجسادهما... فهؤلاء وأمثالهم لا يُغسَّلون، بل يُيمَّمون(71)؛ لأن غسل الميت طهارة على البدن، فقام التيمم عند العجز عنه مقامه، كالجنابة(72).

التطهير الحكمي باستخدام خرقة أو ظفر:

وهذا هو النوع الثاني من أنواع التطهير الحكمي، وهو المسح بخرقة أو ظفر، والأصل في هذا النوع من التطهير، حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله، صلى الله عليه وسلم"(73)، وفي رواية: "فأحته عنه"(74)، وفي رواية: "فأحكه"(75)، وعنها - رضي الله عنها - قالت: "ربما فركته من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بيدي"(76)، وعن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنت نازلاً على عائشة، فاحتلمت في ثوبي، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها؛ فبعثت إليّ عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئاً. قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئاً غسلته! لقد رأيتني، وإني لأحكه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يابساً بظفري"(77). والفرك والحت والحك بمعنى واحد؛ لهذه الأحاديث.

ومن خلال هذه الأحاديث يمكن القول بأن هذا النوع من التطهير، قد ورد العمل به في إزالة المني من الثوب، سواء كان هذا على القول بنجاسة المني؛ فيكون الفرك تخفيفاً في التطهر منه، أو على القول بطهارته، وحينئذ فلا إشكال.

ومن خلال ما تقدم في التطهير الحكمي بالجامد، يمكن القول بأن التطهير بالناشف، لا يمكن أن يدخل في هذا النوع من المطهرات؛ لأن العلة التي من أجلها أبيح هذا التطهير الحكمي، بهذه الصورة غير ظاهرة، وقد علم أن من شروط العلة لصحة القياس، أن تكون وصفاً ظاهراً.

الخلاصة:

1.    ورد استعمال الجامد في التطهير الحسي من النجاسة العينية، وفي التطهير الحكمي أيضاً.

2.    فأما التطهير الحسي بالجامد من النجاسة العينية، فذلك باستخدام الحجارة، في إزالة البول والغائط عند الاستجمار.

3.    وأما التطهير الحكمي بالجامد، فقد ورد في ثلاث صور، هي:

أ‌-         استعمال التراب في تطهير البول والغائط، يصيب الذيل والنعل والخف.

 ب‌-      استعمال التراب في التيمم من الحدث بنوعيه، أو من الموت؛ مع وجود ما يمنع من استخدام الماء؛ إما لعدمه حساً أو شرعاً.

ت‌-      تطهير المني بالفرك والحت بظفر أو بخرقة.

4.    وأما مسألة الغسيل بالناشف، فهي من باب تطهير النجاسات العينية، وليست من باب التطهير الحكمي، وعليه يمكن القول بصحة تطهير الملابس عن طريق الغسيل بالناشف، وذلك بإضافة أي مواد كيميائية للملابس، لإزالة النجاسات العينية العالقة بها، وهذا على القول بأنه يمكن إزالة النجاسة، بما سوى الحجارة من الجامدات، كما تقدم.

والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل.

والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

غفر الله له، ولوالديه، ومشايخه في الدين

الخميس – 10 شعبان 1428هـ، 23/8/2007م

راجعه: يونس عبد الرب الطلول


(1) - قار الشيء قَوْراً وقورَّه: قطع من وسطه خرقاً مستديراً. انظر: لسان العرب 5/112.

(2)- بدائع الصنائع 1/66.

(3) - انظر: المغني 1/38.

(4) - مغني المحتاج 1/86.

(5) - انظر: المغني 1/102.

(6) - صحيح مسلم 2/76، برقم:  385، النسائي 1/79، برقم:  41.

(7) - النسائي 1/85، برقم:  44، أبو داود1/58، برقم:  36. والحديث صححه الألباني في الإرواء 1/84.

(8) - انظر: مغني المحتاج 1/43.

(9) - انظر: الروض المربع 1/33، شرح السنة 1/412، المبدع 1/78.

(10) - انظر: شرح السنة 1/412.

(11) - انظر: نيل الأوطار 1/122 وما بعدها، المغني 1/101 المبدع 1/89، البحر الرائق 1/254، البيان 1/216، مواهب الجليل 1/283.

(12) - أبو داود 1/61، برقم:  38، ابن ماجة 1/367، برقم:  304. والحديث فيه يحيى بن التوأم عن ابن أبي مليكة؛ ضعفه ابن معين. انظر: ميزان الاعتدال 7/231. والكوز مشتق من كاز الشيء كوْزاً: إذا جَمَعَه؛ والكوز من الأواني؛ معروف. انظر: لسان العرب 5/402.

(13) - انظر: نيل الأوطار 1/122 وما بعدها، المغني 1/101.

(14) - البخاري 1/259، برقم:  146، ومسلم 2/94، برقم:  399. والإداوة: إناء الوضوء كالركوة. انظر: التعاريف ص45، والعنـزة: عصا بقدر نصف الرمح أو أكثر شيئا ً؛ فيها سنان مثل سنان الرمح. انظر: لسان العرب 5/384.

(15) - النسائي 1/88، برقم:  46، والترمذي 1/35، برقم:  19، وصححه، وأحمد 50/138، برقم:  23482. والحديث ذكره ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية 1/95 وسكت عنه.

(16) - سنن الترمذي 10/366، برقم:  3025، وأبو داود 1/64، برقم:40، وفي سنده محمد بن عبد العزيز وقد ضعفه أبو حاتم. انظر: تلخيص الحبـير 1/112.

(17) - نيل الأوطار 1/122 وما بعدها.

(18) - المبدع 1/89.

(19) - انظر: المبدع 1/89، البحر الرائق 1/254،

(20) - انظر: البحر الرائق 1/254، البيان 1/216, مواهب الجليل 1/283، المغني 1/101.

(21) - المجموع 2/133.

(22) - صحيح مسلم 2/76، برقم:  385، سنن النسائي 15/292، برقم:  4981 عن رويفع بن ثابت.

(23) - نيل الأوطار 1/116، المغني 1/103، البيان 1/222 وما بعدها، شرح السنة 1/363.

(24) - انظر: نيل الأوطار 1/116، بداية المجتهد 1/60، المبدع 1/92، شرح السنة 1/363.

(25) - صحيح البخاري 2/58، برقم:  323، صحيح مسلم 3/107، برقم:  810.

(26) - سنن أبي داود 1/469، برقم:  328، سنن البيهقي الكبرى 2/430. ومعنى: "إذا وطئ" بكسر الطاء بعده همزة: أي مسح وداس بنعله أو خفه الأذى، والأذى هو: النجاسة، ومعنى طَهور بفتح الطاء: أي مطهِر. انظر: عون المعبود 2/34. والخف: واحد الخفاف؛ التي تلبس في الرجل؛ ويجمع أيضاً على أخفاف. انظر: تاج العروس 12/180. والنعل: ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة مؤنثة، وجمعه نِعال بالكسر. انظر: عون المعبود 1/186.

والحديث فيه محمد بن كثير المصيصي، أبو يوسف، وهو الصنعاني؛ ضعفه أحمد، وقال يحيى بن معين: صدوق، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي. انظر: ميزان الاعتدال 6/311 وما بعدها.

(27) سنن أبي داود 1/469، برقم:  328، سنن البيهقي الكبرى 2/430. قال الدارقطني: مدار الحديث على ابن سمعان؛ وهو ضعيف؛ وقال أحمد: متروك الحديث. انظر: العلل المتناهية 1/334.

(28) - انظر: المغني 1/411 وما بعدها، المبدع 1/245، عون المعبود 2/34، المجموع 2/549.

(29) - سنن أبي داود 2/288، برقم:  555، السنن الكبرى للبيهقي 2/431. والحديث صححه الألباني في الإرواء 1/314.

(30) - صحيح البخاري 2/140، برقم:  373، صحيح مسلم 3/173، برقم:  862.

(31) - انظر: المجموع 2/549، المغني 1/411، بدائع الصنائع 1/84.

(32) - سنن أبي داود 1/257، برقم:  176، مصنف عبد الرزاق 1/32، برقم:  101. والحديث صححه الألباني في الإرواء 1/198.

(33) - انظر: مواهب الجليل 1/154.

(34) - انظر: البيان 1/448.

(35) - انظر: المغني 1/411 وما بعدها، المبدع 1/245، عون المعبود 2/34، المجموع 2/549.

(36) - فيه محمد بن عجلان المدني. قال ابن حجر: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. انظر: التقريب ص496.

(37) - انظر: المجموع 2/550.

(38) - انظر: المغني 1/411 وما بعدها، المبدع 1/245، عون المعبود 2/34، المجموع 2/549.

(39) - انظر: بدائع الصنائع 1/84، المجموع 2/549.

(40) - انظر: سبل السلام 1/137، عون المعبود 2/34.

(41) - انظر: المجموع 2/550، عون المعبود 2/35.

(42) - والذَيل، بفتح الذال: هو طرف الثوب الذي يلي الأرض وإن لم يمسها. انظر: تحفة الأحوذي 1/371، عون المعبود 1/32، والجمع ذُيُول؛ يقال ذال الثوب يذِيل ذيلاً: طال حتى مس الأرض. انظر: عون المعبود 1/32.

(43) - انظر: الإنصاف 1/324، مواهب الجليل1/152، الشرح الكبير للدردير 1/74، حاشية الدسوقي 1/74، عون المعبود 1/32، تحفة الأحوذي 1/371.

(44) - سنن ابن ماجه 2/153، برقم:  525. والحديث ذكره ابن حجر في التلخيص 1/278 بلفظ: "الطرق يطهر بعضها بعضاً " وقال: إسناده ضعيف.

(45) - سنن الترمذي 1/244، برقم:  133، وقال: عن أم ولد لعبد الرحمن بن عوف، سنن أبي داود 1/466، برقم:  326، سنن ابن ماجه 2/152، برقم:  524. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/143، برقم:  143. ومعنى أطيل - بضم الهمزة - من الإطالة، وفي المكان القذر: أي النجس- وهو بكسر الذال - أي في مكان ذي قذر. انظر: تحفة الأحوذي 1/371، عون المعبود 1/32.

(46) - أبو داود 1/467، برقم:  327، ابن ماجه 2/154، برقم:  526. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/384، برقم:  384، ومعنى منتنة: من النتن أي ذات نجسة، وقوله:" أليس بعدها طريق هي أطيب منها ": أي أطهر، وقوله: "فهذه بهذه": أي ما حصل من التنجس بتلك يطهره انسحابه على تراب هذه الطيبة. انظر: عون المعبود1/33.

(47) - حاشية الدسوقي 1/74.

(48) - مواهب الجليل1/152، عون المعبود 1/33.

(49) - انظر: مصباح الزجاجة 1/77، تحفة الأحوذي 1/372.

(50) - انظر: المبدع 1/205، المغني 1/148.

(51) - انظر: الاستغناء 1/218، إعانة الطالبين 1/56.

(52) - المبسوط 1/106.

(53) - مواهب الجليل 1/325.

(54) - تفسير القرطبي 5/237.

(55) - صحيح مسلم 3/108، برقم: 811، السنن الكبرى للبيهقي 1/213.

(56) - النسائي 2/25، برقم: 320، الترمذي 1/209، برقم: 115. والحديث صححه الألباني في الإرواء 1/181. وانظر المبدع 1/205، إعانة الطالبين 1/56، وبنحوه في المبسوط 1/106، مواهب الجليل 1/325.

(57) - انظر: إعانة الطالبين 1/71، الهداية 1/25، المبدع 1/219، الأزهار ص 25.

(58) - رواه أحمد 2/230، برقم:  724، والحديث فيه سعيد بن سلمة، وفيه شيء، لكن للحديث شواهد ومتابعات. انظر: تلخيص الحبير 1/148.

(59) - انظر: المبدع 1/219.

(60) - انظر: المبسوط 1/108، المغني 1/155 وما بعدها.

(61) - انظر: الهداية 1/25، المبسوط 1/108، المغني 1/155.

(62) - انظر: المبسوط 1/108 وما بعدها بتصرف.

(63) - انظر: الإنصاف 1/284.

(64) - انظر: بداية المجتهد 1/46 وما بعدها، وبنحوه في شرح النووي على مسلم 4/57.

(65) - البخاري 2/64، برقم:  326، مسلم واللفظ له 2/290، برقم:  553, عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه.

(66) - البخاري 2/71، برقم:  331، النسائي 2/23، برقم:  319.

(67) - مسلم 1/290، برقم:  553، النسائي2/7، برقم:  310.

(68) - انظر: بداية المجتهد 1/46 وما بعدها، وبنحوه في شرح النووي على مسلم 4/57.

(69) - انظر: إعانة الطالبين 1/56، روضة الطالبين 1/92، بدائع الصنائع 1/45، الأزهار ص 25، المبدع 1/206.

(70) - انظر: الإنصاف 1/279.

(71) - انظر: المغني 2/202، إعانة الطالبين 2/111، بدائع الصنائع 1/305، روضة الطالبين 2/108، المبدع 1/240.

(72) - انظر: المبدع 1/240.

(73) - مسلم 2/140، برقم:  434، النسائي 1/484، برقم:  294، أبو داود 1/453، برقم:  317.

(74) - النسائي 1/489، برقم:  299، ابن ماجه 2/163، برقم:  532. والحديث صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي 1/445، برقم:  301.

(75) - النسائي 1/487، برقم:  297، أحمد 52/91، برقم:  24434. والحديث صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي 1/443، برقم:  299.

(76) - ابن ماجة 2/161، برقم:  530. ذكر ابن حجر هذه الروايات كلها في تلخيص الحبير 1/32. وهذا الحديث صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة 2/109، برقم:  537.

(77) - مسلم 2/143، برقم:  437، ابن ماجة 2/162، برقم:  531.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
صلة الكافر وإعطائه من الصدقة
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد - صلى الله عليه، وعلى آله وسلم - وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:-

فقد انتشر الإسلام بين الناس انتشاراً طيباً، وتوسعت الصحوة الإسلامية توسعاً جيداً، وبدأ الناس يعودون – بقوة - إلى فهم أحكام شريعتهم الغراء، لا سيما مع تعرُّض الإسلام لهجمة شرسةٍ من قبل الدول الغربية الكافرة، وبدأنا نسمع كثيراً- ولله الحمد - عن دخول كثير من الغربيين في الإسلام، كما بدأ يطرق مسامعنا في أحيان قليلة ارتداد بعض المسلمين عن دينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا سيما مع تنامي عمل الجمعيات التبشيرية السرية، كما وجه أعداء الإسلام الحاقدين عليه سهامهم على الإسلام بأنه دين متحجر لا يراعي لهم حرمة؛ فكان من المناسب أن أتكلم عن صلة المسلم لقريبه الكافر أو جاره الكافر... وحكم إعطائه من الصدقة سواء كانت صدقة نافلة أو واجبة، وهذا ما أحببت أن أتكلم عنه في هذا البحث وسيكون خط سير البحث كالآتي:

1.  تعاريف متعلقة بالبحث، ويشمل ذلك تعريف كلٍ من: العطاء، والكافر، والحربي، والذمي، والمستأمن، والمعاهَد، والصدقة، والزكاة، وزكاة الفطر.

2.    حكم إعطاء الكافر من صدقة النافلة.

3.    الدليل على جواز إعطاء الكافر من صدقة النافلة.

4.    حكم إعطاء الكافر من زكاة الأموال.

5.    حكم إعطاء الكافر من زكاة الفطر.

6.    الأدلة على حكم إعطاء الكافر من الزكاة عموماً.

7.    أدلة الحنفية على جواز إعطاء غير الحربي من زكاة الفطر.

8.    الأدلة على جواز إعطاء الكافر غير الحربي من الزكاة.

9.    الخلاصة.

فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونِعم الوكيل:

 

تعاريف:

1.    العطاء:

مشتق من عطو. قال الخليل بن أحمد:» العَطاء: اسمٌ لما يُعْطَى، وإذا سمّيت الشيء بالعطاء من الذّهب والفضّة قلت: أَعْطِيَة، وأَعْطِيَات: جمع الجمع «(1). وقال ابن دريد:» العَطاء: اسم، والمصدر الإعطاء. والعِطاء: مصدر عاطيتُه معاطاةً وعِطاءً « (2).

2.    الكافر:

الكُفْرُ، بالضم ضِدُّ الإِيمان، ويفتحُ، كالكُفُورِ والكُفْرانِ، بضمهما. وكفَرَ نعْمَةَ اللهِ، بها كُفُوراً وكُفْراناً جَحَدَها، وسَتَرَها. وكافَرَهُ حَقَّهُ جَحَدَهُ. والمُكَفَّرُ، كمُعَظَّمٍ المَجْحُودُ النِّعْمَةِ مع إِحسانِهِ. وكافِرٌ جاحِدٌ لِأَنْعُمِ اللهِ تعالى، والجمع: كُفَّارٌ، بالضم، وكَفَرَةٌ، محرَّكةً، وكِفارٌ، ككِتابٍ، وهي كافِرَةٌ، من كَوافِرَ. ورجلٌ كَفَّارٌ، كشَدَّادٍ، وكَفُورٌ كافِرٌ(3).

3.    الحربي:

قال الأزهري:» قال الليث: الحرب: نقيض السلم، ورجل محرب: شجاع. وفلان حربُ فلان، أي محاربه. ودار الحرب: بلاد المشركين الذين لا صلح بينهم وبين المسلمين «(4).

والحربي: منسوب إلى الحرب، وهو الكافر الذي يحمل جنسية الدولة الكافرة المحاربة للمسلمين(5).

4.    الذمي:

الذِمَّة: بكسر الذال، جمع ذمم، وهو العهد والأمان. وهو صفة يصير الإنسان بها أهلاً للالتزام. والعهد، وعقد الذمة: عهد يعطى للمواطنين غير المسلمين، المقيمين في دولة الإسلام، بالحفاظ على أرواحهم، وأموالهم، وعدم المساس بأديانهم. والذمي: من أُمضي له عقد الذمة(6).

5.    المستأمن:

مشتق من أمن منَّه وأَمَنَة، وهو مؤتمن على كذا. وقد ائتمنته عليه. واستأمن الحربي: استجار ودخل دار الإسلام مستأمناً. وهؤلاء قوم مستأمنة(7). والمستأمن: طالب الأمان. وهو عند الحنفية: من دخل دار غيره بأمان، مسلماً كان أو حربياً، وهو عند المالكية: الحربي الذي دخل بلادنا بأمان. وعند الحنابلة: من دخل دار الإسلام بأمان طلبه(8).

6.    المعاهَد:

قال الأزهري:» العهد: الأمان، ومن العهد أيضاً اليمين، يحلف بها الرجل يقول: على عهد الله، والعهد: الميثاق، وهو الميثاق واليمين التي تستوثق بها ممن يعاهدك؛ وإنما سمي اليهود والنصارى أهل العهد؛ للذمة التي أعطوها والعهدة المشترطة عليهم ولهم «(9).

والمعاهَد: بضم الميم وفتح الهاء، اسم مفعول من عاهد فلاناً: أعطاه عهداً. وهو مَن أُبرم معه أو مع دولته معاهدةَ صلحٍ، أو معاهدة عدم اعتداء(10).

7.    الصدقة:

مشتق من صدق. قال الصاحب بن عباد:» والصدَقَةُ: ما تَصَدَّقْتَ به على مسكينٍ، فالمُعْطي مُتَصدق، والسائلُ كذلك «(11). والأصل في إطلاق هذا اللفظ هو صدقة النافلة وقد يطلق على الزكاة الواجبة بقرينة.

8.    الزكاة:

قال الأزهري:» قال الليث: الزَّكَاةُ: زكاة المال، وهو تطهيره، والفعل منه زكَّى يُزَكّيِ تزكية، والزكاة: الصلاح. يقال: رجل تقي زكيٌّ، ورجال أتقياء: أزكياءُ، والزرع يَزْكُو زَكاءً، ممدود، وكل شيء يزداد ويسمن، فهو يزكو زكاء «(12).

وقد عرف الحنفية الزكاة بقولهم: » تمليك جزء مال، عينه الشارع، لمسلم فقير غير هاشمي، لله تعالى، مع قطع المنفعة عن المملِّك من كل وجه «(13).

كما عرفها المالكية فقالوا: » إخراج جزء مخصوص، من مال مخصوص، بلغ نصاباً لمستحقيه، إن تم الملك، وحال الحول، على غير معدن وحرث «(14).

وأما الشافعية فقالوا: » اسم لقدر مخصوص، من مال مخصوص، يجب صرفه؛ لأصناف مخصوصة، بشرائط مخصوصة «(15). زاد بعضهم: » من مال مخصوص، على وجه مخصوص «(16).

وعرفها الحنابلة بقولهم: » حق يجب في مال خاص «(17)، وقيل: » حق واجب، في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص «(18).

9.    زكاة الفطر:

قال الزمخشري:» صدقة الفطر زكاة مفروضة، إلا أن بينها وبين الزكاة المعهودة، أن تلك تجب طُهرة للمال، وهذه طُهرة لبدن المؤدي كالكفارة؛ والزكاة فعلة كالصدقة، وهي من الأسماء المشتركة تطلق على عين؛ وهي الطائفة من المال المزكى بها«(19).

وهي: إنفاق مقدار معلوم عن كل فرد مسلم يعيله، قبل صلاة عيد الفطر، في مصارف معينة(20).

حكم إعطاء الكافر من الصدقة:

الصدقة تعم الصدقة الواجبة والنافلة، والصدقة الواجبة تشمل سائر أنواع الزكاة، وإليك بيان ذلك بالتفصيل.

حكم إعطاء الكافر من صدقة النافلة:

فأما إعطاء الكافر من صدقة النافلة، فجائز. قال القرطبي:» قال علماؤنا: هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار، هي صدقة التطوع «(21). وقال في موضع آخر: » لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما، إذا كان لهما عهد«(22) . وأجاز بعضهم حتى إعطاء الكافر المحارب من صدقة النافلة. قال في المجموع: » يستحب أن يخص بصدقته الصلحاء، وأهل الخير، وأهل المروءات والحاجات، فلو تصدق على فاسق أو على كافر من يهودي، أو نصراني، أو مجوسي جاز، وكان فيه أجر في الجملة. قال صاحب البيان: قال الصميري: وكذلك الحربي«(23) .

الدليل على جواز إعطاء الكافر من صدقة النافلة:

وقد دلَّ على جواز إعطائه من صدقة النافلة، ما يلي:

1.  قوله تعالى:﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾[البقرة: 272]. قال القرطبي:» قوله تعالى:﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بيَّن فيه جواز الصدقة على المشركين «(24). وقال الشوكاني: » ثم لما ذكر سبحانه ما ينبغي للمؤمنين من معاداة الكفار وترك موادتهم، فصَّل القول فيمن يجوز بره منهم، ومن لا يجوز «(25) .

2.  وقال تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾[الممتحنة: 8]. قال ابن كثير:» أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، ﴿ أَن تَبَرُّوهُمْ ﴾ أي: تحسنوا إليهم ﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ أي: تعدلوا ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(26). وقال الطبري:» لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم«(27).

3.  وقال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾[الإنسان: 8]. قال القرطبي:» والأسير في دار الإسلام، لا يكون إلا مشركاً «(28).

4.  وعن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت: "قدمت عليَّ أمي، وهي مشركة، في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قلت - وهي راغبة -: أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك"(29).

5.  وعن ابن عباس – رضي الله عنهما - قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم من المشركين، فسألوا، فرضخ لهم، فنـزلت هذه الآية:﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾[البقرة: 272] (30). وفي رواية عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم –:" أنه كان يأمر بألا يصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية:﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك، من كل دين "(31).

6.  وعن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصدقوا، إلا على أهل دينكم" فأنزل الله تعالى:﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تصدقوا على أهل الأديان"(32).

7.  وعن أبي هريرة: عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: "قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة. فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على زانية! قال: اللهم لك الحمد، على زانية. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على غني! قال: اللهم لك الحمد، على غني. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على سارق! فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق. فأُتِي، فقيل له: أما صدقتك، فقد قبلت، أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته"(33)، ففي الحديث قبول صدقته، حتى وإن وقعت في غير محلها، بحسب ما يظهر للناس.

وقد أورد ابن أبي شيبة في مصنفه جواز إعطاء الكافر من صدقة النافلة عن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وأبي ميسرة(34).

إلا أنه أورد كراهة ذلك عن عكرمة، ومجاهد، وطاوس(35).

حكم إعطاء الكافر من الزكاة:

الزكاة الواجبة هي زكاة المال، وزكاة النفس، وهي المسماة بزكاة الفطرة، فهاتان مسألتان يأتي الحديث عنهما تِباعاً، كالآتي:

أولاً: إعطاء الكافر من زكاة الأموال:

أجمع العلماء على أن إعطاء الكافر من زكاة الأموال غير جائز، سواء كان حربياً، أو معاهداً أو ذمياً أو مستأمناً، ومن فعل ذلك لم يُجْزِه عن زكاته. قال القرطبي: » قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئاً، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك، ولم يذكر خلافاً «(36). وقال الكاساني الحنفي:» ومنها أن يكون مسلماً، فلا يجوز صرف الزكاة إلى الكافر؛ بلا خلاف«(37). إلا أن صاحب تبين الحقائق نقل عن زفر القول بالجواز، حيث قال رحمه الله تعالى:» لا يجوز دفع الزكاة إلى ذمي، وقال زفر: يجوز«(38).

قلت: لعل صاحب تبيين الحقائق أخطأ في نسبة هذا القول إلى زفر، وقد نقل الكاساني عن زفر القول بالحرمة(39). ولكنه نقل عن زفر القول بجواز صرف زكاة الفطر إلى أهل الذمة فلعل المسألتان قد التبستا عليه ؛ لأن سائر من تكلم على هذه المسألة من العلماء، لم يذكر خلافَ أي أحد فيها، إلا خلافاً شاذاً عن المهدوي فقط. قال القرطبي:» وقال المهدوي: رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية. قال ابن عطية: وهذا مردود بالإجماع«(40). وقال ابن عطية في تفسيره بعد أن نقل قول المهدوي: » وهذا مردود عندي «  (41)، والله أعلم.

إلا أن العلماء قد أجازوا أن يُعطى الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم ليُسلِم(42). قال القرطبي: »وقال بعض المتأخرين: اختلف في صفتهم، فقيل: هم صنف من الكفار يعطون ليتألفوا على الإسلام، وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم، فيعطون ليتمكن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء، فكأنه ضرب من الجهاد «(43). وقال ابن كثير: » وأما المؤلفة قلوبهم: فأقسام: منهم من يُعطى ليُسلم، كما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - صفوان بن أمية - رضي الله عنه - من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركاً... ومنهم من يُعْطَى ليحسُن إسلامه، ويثبت قلبه... ومنهم من يُعطَى لما يرجى من إسلام نظرائه. ومنهم من يُعطَى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حَوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد « (44).

والمقصود بحديث صفوان بن أمية المشار إليه، هو ما رواه ابن شهاب الزهري قال: غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ"(45).

ويُعطى الكافر أيضاً من سهم المساكين على قول عكرمة، حيث اعتبر أن المسكين هو المحتاج من أهل الكتاب (46).قال القرطبي:» ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب «(47). وقد روى ابن أبي شيبة عن عمر في قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء ﴾ الآية [التوبة: 60] قال: هم زمنى أهل الكتاب(48).

قلت: وهذا القول فيه نظر؛ لأنه لا دليل عليه، إلا فهم عمر - رضي الله عنه – وهذا مما يمكن أن يقع فيه الاجتهاد.

ثانياً: إعطاء الكافر من زكاة الفطر:

اختلف العلماء في إعطاء الكافر من زكاة الفطر على قولين، كالآتي:

1.  لا يجوز إعطاء الكافر من زكاة الفطر، سواء كان حربياً، أو معاهداً أو ذمياً أو مستأمناً. وهذا ما ذكره القرطبي المالكي، وهو ما نقله الكاساني الحنفي عن أبي يوسف، وزفر، والشافعي «(49). قال القرطبي:» وأما [الزكاة] المفروضة، فلا يجزئ دفعها لكافر «(50). ولم يستثن كافراً من كافر. وقال ابن عطية المحاربي:» وأما المفروضة: فلا يجزي دفعها لكافر، وهذا الحكم متصور للمسلمين اليوم مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين «(51).

2.  يجوز إعطاء الكافر غير الحربي من زكاة الفطر. وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة، كما أجازه أيضاً الزهري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وابن شبرمة(52)، وهذا القول يدخل في قول المهدوي المتقدم الذكر(53). قال السرخسي: » ويجوز أن يدفع صدقة الفطر إلى أهل الذمة «(54). قال ابن العربي: » وهذا ضعيف لا أصل له«(55). إلا أن الحنفية قد نصوا على أن إعطاء الزكاة للفقير المسلم أفضل. قال السرخسي: » وفقراء المسلمين أحب إلي؛ لأنه أبعد عن الخلاف، ولأنهم يتقوون بها على الطاعة وعبادة الرحمن، والذمي يتقوى بها على عبادة الشيطان«(56). وقال الكاساني:» وأما ما سوى الزكاة من صدقة الفطر والكفارات والنذور، فلا شك في أن صرفها إلى فقراء المسلمين أفضل؛ لأن الصرف إليهم يقع إعانة لهم على الطاعة«(57).

ولأبي يوسف ثلاث روايات(58): الأولى: كل صدقة مذكورة في القرآن، لا يجوز دفعها إلى أهل الذمة. فعلى هذه الرواية يجوز دفع صدقة الفطر إليهم.

والرواية الثانية: كل صدقة واجبة بإيجاب الشرع، ابتداء من غير سبب من العبد، لا يجوز دفعها إلى أهل الذمة. فعلى هذا لا يجوز دفع صدقة الفطر إليهم، ويجوز دفع الكفارات والنذور إليهم.

والرواية الثالثة: كل صدقة واجبة لا يجوز دفعها إليهم، فعلى هذا لا يجوز دفع الكفارات، وإنما يجوز دفع التطوعات. وهذا القول موافق للقول الأول.

قال الكاساني:» وهل يجوز صرفها إلى أهل الذمة؟ قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز، وقال أبو يوسف: لا يجوز، وهو قول زفر، والشافعي «(59).

الأدلة على حكم إعطاء الكافر من الزكاة عموماً:

استدل العلماء على تحريم إعطاء الكافر من الزكاة – عموماً - سواء كانت زكاة مال أم زكاة فطر، وسواء كان الكافر حربياً، أم معاهداً أم ذمياً أم مستأمناً - بأدلة، منها:

1.  عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن، فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"(60). من غير فرق بين زكاة وزكاة، وبين كافر وكافر. قال الكاساني: » أمر بوضع الزكاة في فقراء من يؤخذ من أغنيائهم، وهم المسلمون، فلا يجوز وضعها في غيرهم«(61).

2.  واستدلوا ببعض الآثار الدالة على المنع، منها: عن جابر بن زيد قال: لا تعط اليهودي والنصراني من الزكاة، ولا بأس أن تتصدق عليهم(62). وعن إبراهيم قال: لا تعط المشركين شيئاً من الزكاة(63). وعن الحسن قال: لا يعطى المشركون من الزكاة، ولا من شيء من الكفارات(64)، وغيرها.

3.    أن الزكاة - عموماً - طُهرة واجبة، فلا تصرف إلى الكافر، كصدقة الماشية والعين(65).

4.    أن الحربي لا يُعطى من الزكاة، وغير الحربي مثله(66).

قلت: ويؤيد هذا أن العلة في المنع - كما دلّ عليه حديث معاذ بمفهومه - هي مجرد الكفر، من غير ذكر وصف زائد.

وإنما عمم الجمهور هذا الحكم على زكاة الأموال وزكاة الفطر؛ لأدلة منها:

1.  عن ابن عمر – رضي الله عنهما - قال: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر، وقال: "أغنوهم في هذا اليوم"(67). والخطاب هنا متوجه إلى أغنياء المسلمين من أجل فقرائهم، وهو في زكاة الفطر.

2.  واستدلوا أيضاً بالقياس، حيث أن زكاة الفطر من جنس الزكاة(68)، ولا يجوز صرف زكاة الأموال إلى الكافر، وهذا ما لم يخالف فيه حتى أبي حنيفة، فكان ينبغي له ألا يخالف في زكاة الفطر.

3.  وقد أيّد القرطبي عدم جواز إعطائهم من زكاة الفطر، بالنظر إلى الحكمة من مشروعية إعطاء الفقراء المسلمين منها، وهو تشاغلهم بالعيد وصلاة العيد، وهذا لا يتحقق في المشركين(69).

وإنما لا يجوز صرف الزكاة - عموماً - إلى الحربي بخصوصه؛ لأدلة منها:

1.  قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الممتحنة: 9]، قال ابن كثير: » أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم العداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم «(70). أي أن إعطاءهم من الزكاة لا يتلاءم مع الأمر بمعاداتهم.

2.  ويمكن أن يستدل أيضاً بقوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾[الممتحنة: 8]. إذ الآية تدل بمفهومها على عدم جواز مبرَّة المحارب، وهو من قاتلكم في الدين وأخرجكم من دياركم.

3.  ويستدل له أيضاً بالإجماع، حيث أجمع العلماء على عدم جواز إعطاء الحربي منها. قال في تبين الحقائق:» وأجمعوا على أن فقراء أهل الحرب، خرجوا من عموم الفقراء«(71).

4.    واستدلوا أيضاً بأن في إعطاء الحربي من الزكاة الواجبة إعانة لهم على قتالنا، وهذا لا يجوز(72).

أدلة الحنفية على جواز إعطاء غير الحربي من زكاة الفطر:

وقد استدل أبو حنيفة ومن وافقه، على جواز إعطاء الكافر غير الحربي من زكاة الفطر بأدلة، منها:

1.  عموم قوله تعالى(73): ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾[البقرة: 272].

2.  وعموم قوله تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: 8] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركاً(74).

3.  وعموم قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾[الممتحنة: 8]. فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة(75). قال السرخسي: » لأنا لم ننه عن المَبرَّة لمن لا يقاتلنا... بخلاف المستأمن فإنه مقاتل، وقد نهينا عن المَبرَّة مع من يقاتلنا «(76). وقد ذكروا أن صرف الصدقة إلى أهل الذمة، من باب إيصال البر إليهم، ولم نُنْهَ عن ذلك. قال الكاساني:» وظاهر هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم؛ لأن أداء الزكاة بر بهم، إلا أن البر بطريق الزكاة غير مراد، عرفنا ذلك بحديث معاذ، رضي الله عنه «(77).

وقد ذكر السرخسي وجه الحنفية في تخصيص صدقة الفطر بالجواز من بين سائر الصدقات الواجبة، فقال:» والقياس أن يجوز صرف الزكاة إليهم، إنما تركنا القياس فيه بالنص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم" والمراد به الزكاة، لا صدقة الفطر والكفارات، إذ ليس للساعي فيها ولاية الأخذ، فبقي على أصل القياس «(78).

4.  واستدلوا أيضاً بعموم قوله تعالى:﴿ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ [البقرة: 271] من غير فصل بين فقير وفقير، قال الكاساني:» وعموم هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم، إلا أنه خص منه الزكاة، لحديث معاذ، رضي الله عنه«(79).

5.  وعموم قوله تعالى في الكفارات:﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة: 89] من غير فصل بين مسكين ومسكين، إلا أنه خص منه الحربي بدليل(80).

6.  وعموم قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ... ﴾ الآية [التوبة: 60] إلى غير ذلك من النصوص من غير قيد بالإسلام، والتقييد زيادة، وهو نسخ على ما عرف في موضعه(81). قلت: القول بأن الزيادة نسخ هو قول الحنفية، وخالفهم الجمهور، والصواب - والله أعلم - مع الجمهور.

7.    واستدلوا أيضاً بأن هذا ما فعله بعض السلف، فعن أبي ميسرة أنه كان يعطي الرهبان من صدقة الفطر(82).

8.  واستدلوا أيضاً بأن المقصود سد خلة المحتاج، ودفع حاجته بفعلٍ هو قربة من المؤدي، وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة؛ فإن التصدق عليهم قربة بدليل التطوعات(83).

الأدلة على جواز إعطاء الكافر غير الحربي من الزكاة:

وأما من جوَّز إعطاء الكافر غير الحربي من أي زكاة كانت، وهو المهدوي، فلم أقف له على دليل، وهو قول مهجور.

الخلاصة:

يتلخص هذا البحث في الآتي:

1.  إعطاء الكافر من صدقة النافلة جائز، إن كان الكافر غير محارب، وكذا إن كان محارباً، عند بعضهم. وقد ورد جواز إعطاء الكافر من صدقة النافلة عن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وأبي ميسرة(84). كما وردت كراهة ذلك عن عكرمة، ومجاهد، وطاوس(85).

2.    لا يجوز إعطاء الحربي من الزكاة الواجبة مطلقاً، ولم يخالف في ذلك، إلا من شذ، وهو المهدوي، وهو محجوج بالإجماع.

3.  أجمع أهل العلم على حرمة أن يُعطى الكافر – على العموم - شيئاً من زكاة الأموال، وقد نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك، وبمثله قال الكاساني. ومن فعل ذلك لم يُجْزِه عن زكاته.

4.  أجاز العلماء أن يُعطى الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم ليُسلِم. وأما قول عكرمة بجواز أن يُعطى من سهم المساكين، فهو قول ضعيف.

5.    اختلف العلماء في إعطاء الكافر غير الحربي من زكاة الفطر، على قولين كالآتي:

أ‌-    يجوز إعطاء الكافر غير الحربي من زكاة الفطر. وهو المنقول عن أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف في رواية عنه، والزهري، وابن شبرمة.

 ب‌-      لا يجوز إعطاء الكافر غير الحربي من زكاة الفطر، وهي رواية عن أبي يوسف، وهو قول زفر، والشافعي.

قلت: الأدلة التي ساقها الجمهور على عدم جواز إعطاء الكافر من الزكاة، سواء كانت من زكاة الأموال أم من زكاة الفطر - أقوى ودلالتها في المراد أوضح، وأما الأدلة التي ساقها الحنفية على جواز إعطاء الكافر من زكاة الفطر، فيمكن أن يرد عليها، وذلك كالآتي:

1.  الأدلة التي استدلوا بها أعم من الأحاديث التي استدل بها الجمهور؛ لأن الأدلة التي استدلوا بها، يدخل فيها الصدقة النافلة والصدقة الواجبة، ولذا نجد أنهم قد استدلوا بنفس الأدلة التي دلت على جواز إعطائهم من صدقة النافلة. وعليه فإن أدلة الجمهور وإن كانت عامة من جهة أنها تشمل زكاة المال وزكاة النفس ( الفطر)، إلا أنها أخص من أدلة الحنفية؛ لأنها تتكلم عن الزكاة الواجبة فقط، بينما نجد أدلة الحنفية تعم صدقة الفريضة والنافلة، ولا تعارض بين عام وخاص، وإنما لم يقل الحنفية بالتخصيص، لأن الزيادة – عندهم - على النص نسخ، والصواب خلافه كما تقدم.

2.  وأما استدلال الحنفية بقوله تعالى:﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة:60] فمردود، وهي وإن كانت خاصة بصدقة الفريضة، إلا أنها مقيدة بحديث معاذ، كما تقدم.

3.  ومما يقوي قول الجمهور، أن قياس زكاة الفطر على زكاة المال أولى من قياسها على صدقة النافلة؛ لأن كلاً منهما صدقة واجبة، وهي طُهرة واجبة لمال المسلم ونفسه، بخلاف صدقة النافلة فهي طُهرة غير واجبة. كما أن قياس الصدقة الواجبة على الكفارات – على فرض صحته – قياس مع الفارق؛ لأن الزكاة طُهرة، بينما في الكفارة معنى العقوبة.

4.  وأما استدلال الحنفية بأن المقصود هو سد خلة المحتاج، فالجواب عنه أن المقصود هو المحتاج المسلم لا الكافر؛ بدلالة النصوص المتقدم ذكرها.

والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب.

 والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونِعم الوكيل،

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

غفر الله له ولوالديه ومشايخه في الدين

الخميس –  20 ذو القعدة 1428هـ، 29/11/2007م

راجعه: يونس عبد الرب الطلول



(1) - العين 1/128.

(2) - جمهرة اللغة 2/107.

(3) - القاموس المحيط 2/1.

(4) - تهذيب اللغة 2/102 بتصرف.

(5) - انظر: معجم لغة الفقهاء 1/178.

(6) - المصدر السابق 1/214.

(7) - أساس البلاغة 1/11.

(8) -  انظر: القاموس الفقهي 1/27.

(9) - تهذيب اللغة 1/29 بتصرف يسير.

(10) -  انظر: معجم لغة الفقهاء 1/438.

(11) - المحيط في اللغة 1/441. وانظر: تهذيب اللغة 3/150.

(12) - تهذيب اللغة 3/395.

(13)-  فقه العبادات – حنفي 1/145.

(14)-  انظر: فقه العبادات – مالكي 1/269.

(15)-  مغني المحتاج 1/368.

(16)-  فقه العبادات – شافعي 1/580.

(17)-  الإنصاف 3/3، وبنحوه في الشرح الكبير 2/433.

(18)- الروض المربع 1/195، الإقناع 1/242.

(19) - الفائق في غريب الحديث و الأثر 1/189.

(20) - معجم لغة الفقهاء 1/233.

(21) - تفسير القرطبي 3/337.

(22) - المصدر السابق 10/239.

(23) - المجموع 6/240.

(24) - تفسير القرطبي 3/337.

(25) - فتح القدير 7/204.

(26) - تفسير ابن كثير 8/90.

(27) - تفسير الطبري 23/323.

(28) - تفسير القرطبي 3/338. وانظر: المجموع 6/240.

(29) - صحيح البخاري 9/85, برقم: 2427، صحيح مسلم 5/172, برقم: 1671.

(30) - السنن الكبرى للنسائي 6/305, برقم: 11052، السنن الكبرى للبيهقي 4/191. صححه الألباني بلفظ:" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية:﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ إلى آخرها، فأمر الصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين". انظر: السلسلة الصحيحة 6/265, برقم: 2766.

(31) - تفسير ابن أبي حاتم 10/338, برقم: 2896.

(32) - مصنف ابن أبي شيبة 3/67، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة 6/265, برقم: 2766، وقال: وهذا إسناد مرسل. والحديث قد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن ابن عباس. انظر: تفسير ابن أبي حاتم 10/353, برقم: 2905.

(33) - صحيح مسلم 5/209, برقم: 1698، مسند أحمد 16/475, برقم: 7933.

(34) - مصنف ابن أبي شيبة 3/68.

(35) - مصنف ابن أبي شيبة 3/68.

(36) - تفسير القرطبي 3/337، انظر: المحرر الوجيز 1/340. الشرح الكبير لابن قدامة 2/712.

(37) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  4/39.

(38) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 3/473.

(39) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/39.

(40) - تفسير القرطبي 3/337، انظر: المحرر الوجيز 1/340. ويقصد بالآية قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾[البقرة: 272].

(41) - المحرر الوجيز 1/340.

(42) - انظر: تفسير ابن كثير 4/167، تفسير الطبري 14/313.

(43) - تفسير القرطبي 8/179.

(44) - تفسير ابن كثير 4/167.

(45) - صحيح مسلم 11/449, برقم: 4277، سنن الترمذي 3/77, برقم: 602. والحديث صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي 2/166, برقم: 666.

(46)  انظر: تفسير الطبري 14/308.

(47) - تفسير القرطبي 8/174.

(48) - مصنف ابن أبي شيبة 3/68.

(49) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/39.

(50) - تفسير القرطبي 3/337، انظر: المحرر الوجيز 1/340. الشرح الكبير لابن قدامة 2/712.

(51) - المحرر الوجيز 1/340.

(52) - تمام المنة 1/ 388.                                                   

(53) - تفسير القرطبي 3/337، انظر: المحرر الوجيز 1/340.

(54) - المبسوط 4/152.

(55) - تفسير القرطبي 3/338.

(56) - المبسوط 4/153.

(57) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  4/39.

(58) - انظر: المبسوط 4/152.

(59) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/39.

(60) - صحيح البخاري 5/201 , برقم: 1308، صحيح مسلم 1/112 , برقم: 28.

(61) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  4/39.

(62) - مصنف ابن أبي شيبة 3/69.

(63) - مصنف ابن أبي شيبة 3/69.

(64) - مصنف ابن أبي شيبة 3/69.

(65) - تفسير القرطبي 3/338.

(66) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  4/39.

(67) - الحديث في سنن الدارقطني 5/391, برقم: 2157، ضعفه الألباني بلفظ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم". انظر: مختصر إرواء الغليل 1/162, برقم: 844.

(68) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  4/39.

(69) - تفسير القرطبي 3/338، المبسوط 4/152.

(70) - تفسير ابن كثير 8/91.

(71) - تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 3/473.

(72) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  4/40.

(73) - تفسير القرطبي 3/338.

(74) - المصدر السابق.

(75) - المصدر السابق.

(76) - المبسوط 4/152.

(77) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  4/39.

(78) - المبسوط 4/153.

(79) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/39.

(80) - المصدر السابق.

(81) - انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 3/473.

(82) - مصنف ابن أبي شيبة 3/68.

(83) - المبسوط 4/152.

(84) - مصنف ابن أبي شيبة 3/68.

(85) - مصنف ابن أبي شيبة 3/68.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
دفن المسلم في مقابر غير المسلمين
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، محمد صلّى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:

فإن الله تعالى أكرم المسلمين وميَّزهم عن غيرهم، في الدنيا والآخرة، وجعل لهم أحكاما خاصة ينفردون بها دون غيرهم.

ومن هذه الأحكام أن جعل الإسلام للمسلمين مقابر خاصة لهم، يدفنون فيها موتاهم، ليس لليهود أو النصارى أو الوثنيين أن يدفنوا موتاهم فيها، وليس للمسلمين كذلك أن يدفنوا موتاهم في مقابر غيرهم من المشركين.

لكن قد يحدث أن يستوطن المسلم بلداً غير إسلاميٍّ، لسببٍ من الأسباب، فعند وفاة المسلم في هذه البلاد، هل يجوز دفنه في مقابر اليهود أو النصارى أو غيرهم من الوثنيين ؟ أم لا بد من دفنه في مقابر المسلمين.

وكون المسلم يلزم دفنه في مقبرة المسلمين، هل معنى هذا: أنه يتوجب على المسلمين في تلك البلاد غير الإسلامية أن يوجدوا لهم مقبرة خاصة بهم؟ أو أنهم ينقلون موتاهم إلى البلاد الإسلامية عند تعذر إيجاد مقبرة خاصة بهم، ولو أدى ذلك النقل إلى وجود مشقة؟

هذا ما أردت أن أكتب فيه، سائلاً من الله تعالى التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

وسيكون السير في هذا البحث المتواضع على النحو التالي:

1.           تعريف الدفن في اللغة والاصطلاح الشرعي.

2.           استحباب تعجيل دفن الميت.

3.           أنواع مقابر غير المسلمين.

4.           حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي اختفت علاماتها الظاهرة.

5.           حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي لا تزال آثارها ظاهرة.

6.           حكم إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين في البلاد غير الإسلامية.

7.           حكم تعذر إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين.

8.           حكم اختلاط موتى المسلمين بموتى الكفار.

9.           الخلاصة.

10.      الخاتمة.

 

فأقول مستعيناً بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:

 

تعريف الدفن في اللغة والاصطلاح الشرعي:

أ- الدفن في اللغة:

هو الستر والمواراة. قال ابن منظور: «الدَّفْن: السَّتْر والمُواراة، دَفَنه يَدْفِنُه: دَفْناً، وادَّفَنه: فاندَفَن، وتَدَفَّن: فهو مَدْفون ودَفِين »(1).

ب- الدفن في الاصطلاح الشرعي:

 هو وضع الميت تحت التراب. جاء في التعاريف الفقهية، أنَّ تعريف الدفن هوأأن : « الإخفاء تحت أطباق التراب »(2). وجاء في فقه العبادات للمالكية: « الدفن: هو وضع الميت في حفرة في جوف الأرض »(3).

استحباب تعجيل دفن الميت:

 وردت أحاديث في استحباب المبادرة إلى تعجيل الدفن، ومنها:

1.  عن أبي هريرة - رضي الله عنه-  عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدمونها، وإن يكُ سوى ذلك فشَرٌّ تضعونه عن رقابكم"(4). وقد نقل الصنعاني عن القرطبي: « أن مقصود الحديث: أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن؛ لأن البطء ربما أدى إلى التباهي والاختيال »(5). لكن قد ردَّ ابن عبد البر، على من ظن أن المقصود من الحديث هو تعجيل الدفن، وبيَّن أن المراد في الحديث، هو تعجيل المشي في الجنازة، فقال: « تأوّلَ قومٌ في هذا الحديث تعجيل الدَّفن لا المشي، وليس كما ظنوا»(6).

قلت: ويؤيد قول ابن عبد البر، أن المراد الإسراع بالمشي في الجنازة، لا الدفن، قوله في الحديث: "تضعونه عن رقابكم".

2.  وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  قال له: "يا علي: ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً"(7). قال العظيم آبادي: « والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه، وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة »(8). وقال أبو نعيم الأصبهاني: « وقال حاتم: كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب »(9).

3.  حديث ابن عمر - رضي الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره"(10). قال الصنعاني: « والحديث دليل على المبادرة بتجهيز الميت ودفنه، وهذا في غير المفلوج(11) ونحوه، فإنه ينبغي التثبت في أمره »(12). وقال أيوب السختياني: «من كرامة الميت على أهله تعجيله إلى حفرته»(13).

أنواع مقابر غير المسلمين.

لا تخلو مقابر غير المسلمين من أن تكون:

1.           العلامات الظاهرة للمشركين مختفية فيها.

2.           علامات المشركين فيها ظاهرة.

وبالتالي يختلف حكم الدفن للمسلم في هذه المقابر من حالةٍ إلى أخرى، وإليك توضيح كل من الحالتين:

 

الحالة الأولى: حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي اختفت علاماتها الظاهرة.

إن كانت مقبرة غير المسلمين قد اختفت علاماتها الظاهرة، ولم يبق من العلامات الظاهرة لقبور المشركين شيء، ، ففي هذه الحالة يجوز دفن المسلم فيها، بل يجوز أن يُتَخَّذ هذا المكان مسجداً، لما روى البخاري عن أنس – رضي الله عنه - قال: "قدم النبي – صلى الله عليه وسلم-  المدينة وأمر ببناء المسجد، فقال: يا بني النجار: ثامنوني(14). فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأمر بقبور المشركين فنُبِشت(15)، ثم بالخرب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطِع ..."(16).

ومعنى قوله في الحديث: "فنبشت" أي: كشفت وغُيِّبت عظامها في التراب. فدّلَّ هذا الحديث على جواز الانتفاع بمقبرة المشركين، إن نبشت، وأخرج ما فيها، وهذا مشروطٌ بكون هذه البلدة التي فيها هذه المقبرة، تدخل تحت نطاق المسلمين، ولهم التصرف فيها. قال أبو النجا الحجاوي الحنبلي: «ولو جعلت مقبرة الكفار المندرسة مقبرة للمسلمين جاز، فإن بقي عظم دفن بموضعٍ آخر، وغيرها أولى إن أمكن لا العكس »(17).

 وكذلك إن كانت مقبرة غير المسلمين، قد اختفت آثارها، وأصبحت هذه المقبرة مندرسة،  ولم يعلم أنها مقبرة إلا من خلال تناقل الأخبار عن أنها مقبرة، فكذلك يجوز دفن المسلم فيها. قال ابن عابدين الحنفي: « قال في الأحكام : لا بأس بأن يقبر المسلم في مقابر المشركين، إذا لم يبق من علاماتهم شيء، كما في خزانة الفتاوى »(18). وبمثله قال صاحب حاشية رد المحتار(19).

الحالة الثانية: حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي لا تزال آثارها ظاهرة.

إن كانت مقبرة غير المسلمين، لا تزال علامات المشركين وآثارهم ظاهرةٌ فيها، ففي هذه الحالة لا يجوز دفن المسلم في هذه المقبرة، وذلك للآتي:

أولاً: لحديث بشير مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد، فهاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما اسمك ؟ " قال زحم. قال: بل أنت بشير. قال: بينما أنا أماشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  مرَّ بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً (20) ثلاثاً، ثم مرَّ بقبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً"(21). وفي رواية أنه قال عندما مَرَّ على قبور المشركين: "لقد فات هؤلاء خيرا كثيرا"(22).

فدَلَّ هذا الحديث: على التفريق المكاني بين قبور المسلمين وقبور المشركين، حيث أنه عليه الصلاة والسلام مَرَّ أولاً على قبور المشركين، ثم مَرَّ على قبور المسلمين.

ثانياً: ولا يجوز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين؛ لأن عمل أهل الإسلام من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين ومن بعدهم، مستمرٌّ على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر الكافرين، وعدم دفن مسلم مع مشرك، فكان هذا إجماعاً عملياً على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر غير المسلمين(23).  

ثالثاً: ولا يجوز كذلك دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، للأذى الذي يلحق المسلم إن دفن في مقابر المشركين، حيث أن عذاب المشركين في قبورهم يفضي إلى أذية أهل القبور جميعاً، وعذابهم دائم غير منقطع، كما قال تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر:46].

قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: « فإن الميت يتأذى يتضرر بجار السوء - بالفتح والإضافة- أي بسبب جوار جار السوء الميت، وتختلف مراتب الضرر باختلاف أحوال المتضرر منه لنحو شدة تعذيبٍ أو نتن ريحٍ أو ظلمةٍ أو غير ذلك(24). وذكر ابن عبد البر أثراً عن     عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: " ما أحب أن أدفن بالبقيع، لأن أدفن بغيره أحب إلي من أن أدفن فيه، إنما هو أحد رجلين، إما ظالم فلا أحب أن أدفن معه، وإما صالح فلا أحب أن تنبش لي عظامه" ثم قال: « وقد بين عروة -رحمه الله - وجه كراهته الدفن بالبقيع وظاهر خبره هذا أنه لم يكره نبش عظام الظالم وليس المعنى كذلك؛ لأن عظم المؤمن يكره من كسره ميتا ما يكره منه وهو حي، وفي خبر عروة هذا دليل على أن الناس بظلمهم يعذبون في قبورهم - والله أعلم-  ولذلك استحبوا الجار الصالح في المحيا والممات»(25).

ونقل المناوي عن عبد الحق، أنه قال إنَّ على ولي الميت، أن يجتنب دفن قريبه بجوار قبور من يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدة حاله، ثم ساق أثرين، من باب الاستئناس بهما وهما:

1. أن امرأة دفنت بقبر فأتت أهلها في النوم فجعلت تعتبهم وتقول: ما وجدتم أن تدفنوني إلا إلى فرن الخبز، فلما أصبحوا لم يجدوا بقرب القبر فرن خبز لكن وجدوا رجلاً سيَّافا لابن عامر دفن بقربها.

2. قال: ورأى بعضهم ولده بعد موته، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرني إلا أني دفنت بإزاء فلان وكان فاسقا فروَّعني ما يُعذَّب به من أنواع العذاب »(26). وهذا من باب الاستئناس.

رابعاً: ولا يجوز كذلك دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، لنصوص الفقهاء الدَّالّة على عدم الجواز، وإليك بعضاً من هذه النصوص، والتي مفادها عدم جواز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين.

- قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: « ويحرم دفن مسلم في مقبرة كفار وعكسه»(27) .

وقال الإمام النووي في المجموع: « اتفق أصحابنا - رحمهم الله- على أنه لا يدفن مسلمٌ في مقبرة كفار، ولا كافرٌ في مقبرة مسلمين»(28). وقال الشيرازي في المهذب: « ولا يدفن كافر بمقابر المسلمين ولا مسلم في مقبرة الكفار»(29). وقال الشربيني في مغني المحتاج: « ولا يجوز دفن مسلم في مقبرة الكفار ولا عكسه وإذا اختلطوا دفنوا في مقبرة مستقلة »(30). وبنحوه قال الرملي في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج(31).

وقال أبو النجا الحجاوي في الإقناع: « ولا يجوز أن يدفن المسلم في مقبرة الكفار، ولا بالعكس»(32).  وقال أيضاً: « يلزم تمييز قبورهم عن قبورنا تمييزاً ظاهراً كالحياة وأولى، وينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين وظاهره وجوباً؛ لئلا تصير المقبرتان واحدة؛ لأنه لا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، وكلما بعدت عنها كان أصلح »(33).

فهذه النصوص التي تقدمت عن الفقهاء، تدلّ على عدم جواز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، حيث قالت: « ولا يجوز دفن المسلم في مقابر النصارى ولا غيرهم من الكفرة كاليهود والشيوعيين وعباد الأوثان »(34). وقالت اللجنة أيضاً مبينةً سبب المنع: « لا يجوز دفن المسلم في مقابر النصارى؛ لأنه يتأذى بعذابهم، بل تكون القبور الخاصة بالمسلمين في مكان منفرد عن مقابر النصارى »(35).

حكم إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين في البلاد غير الإسلامية:

من المعروف أن أهل كل دينٍ لهم مقابرهم الخاصة بهم، فاليهود لهم مقابرهم، والنصارى لهم مقابرهم، والوثنيون لهم مقابرهم، ولا عجب أن يكون للمسلمين مقابرهم أيضًا.

 فإن استوطن المسلم بلداً غير إسلامي، لسببٍ من الأسباب، فعليه أن يتعاون مع إخوانه المسلمين، في أن يتخذوا لهم مقبرة خاصة يدفنون فيها موتاهم، ويعتبر هذا من التعاون على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ﴾[المائدة: 2].

 وعلى المسلمين في البلاد غير الإسلامية أن يسعوا - بالتضامن فيما بينهم - إلى اتخاذ مقابر خاصة بهم، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ لما في ذلك من تعزيز لوجودهم وحفظ لشخصيتهم، فإذا لم يستطيعوا الحصول على مقبرة خاصة مستقلة، فلا أقل من أن يكون لهم رقعة خاصة محددة في طرفٍ من أطراف مقبرةِ غير المسلمين، يدفنون فيها موتاهم، وبهذا لم يخرجوا عن الأصل، وهو تحديد مقبرة خاصة للمسلمين، أو رقعة معينة في طرف مقبرة لغيرهم، وهذا من باب ما لا يدرك كله لا يترك جله، ومن باب أن دفنه في طرف مقبرة غير المسلمين أهون من توسّط قبره في مقابر المشركين، كما هو مقرَّر في مواضعه من أصول الفقه.

حكم تعذر إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين.

وأما عند تعذر إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين، ولم يتيسر كذلك توفر رقعةٍ خاصةٍ في طرف مقبرة من مقابر غير المسلمين، فلا يخلو الأمر من الآتي:

إما أن يمكن نقل المسلم إلى بلدٍ إسلامي، أو لا يمكن نقله.

·   فإن أمكن نقل المسلم إلى مقبرة المسلمين، أو إلى مكان مستقل، وجب ذلك، إذا لم يخش عليه التغَيُّر. فقد بيَّن فقهاء المالكية أن المسلم حتى وإن دفن في مقبرة الكفار، فإنه يُخرَج منها، إلا أن يُخَاف عليه التغير. قال خليل إسحاق في مختصره: « ودفن من أسلم بمقبرة الكفار »(36). قال شارحه عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل: « ودفن من أسلم بمقبرة الكفار، فيتدارك بإخراجه منها ودفنه في مقبرة المؤمنين إن لم يخف عليه التغيُّر يقينا أو ظنا، فإن خيف تغيُّره فلا يخرج»(37). وقال الخرشي المالكي في شرحه لمختصر خليل: «وأما دفن من أسلم بمقبرة الكفار، فإنه يخرج، إلا أن يخاف عليه التغير »(38). وبمثله قال الدسوقي في حاشيتة على الشرح الكبير(39).

فهذه النصوص تفيد إخراج المسلم المتوفي الذي تمَّ دفنه في مقابر الكافرين، إن أمكن إخراجه منها، ولم يخش عليه التغير، فمن الأولى والأحرى نقل المسلم المتوفي الذي لم يدفن أصلاً في مقابر الكافرين، إلى البلاد الإسلامية، ودفنه في مقابر المسلمين، بنفس الضوابط المتقدمة، وهي إمكان النقل، وعدم التغير.

·   وإن لم يمكن نقل المسلم المتوفي إلى بلدٍ إسلامي، أو إلى مكانٍ مستقل، فيقال: إن الأصل في دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، هو المنع ما لم يحصل العجز عن ذلك، فإن حصل العجز عن نقل المسلم المتوفي إلى بلد إسلامي أو إلى مكان مستقل، ولم يتم التمكن من ذلك، ففي في هذه الحالة يجوز دفنه في مقابر غير المسلمين، وهذا من باب تعارض المفسدتين، أعني مفسدة دفنه في مقابر غير المسلمين، ومفسدة عدم دفنه وبقائه دون دفن، لما يخشى عليه من التغير.

فعند النظر إلى المفسدتين، فتقدم مفسدة دفنه في مقابر غير المسلمين على مفسدة بقائه دون دفن، وبناء على هذا التعارض، فيدفن حيث أمكن إن لم يكن قد دفن، أو يبقى مدفونا في مكانه، كما نصَّ على ذلك فقهاء المالكية.

وذلك لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، كما قال سبحانه: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾[البقرة:286].

ودفن المسلم في هذه الحالة، هو من باب أخفّ المفسدتين، بشرط عدم التمكّن من نقله، وخشية تغيره إن لم يدفن، مع العلم أن الذي ينفع المسلم في آخرته هو سعيه وعمله الصالح، وليس موضع دفنه، كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [النجم:39]، وقد قال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: " إن الأرض لا تقدس أحداً وإنما يقدس الإنسان عمله"(40), لكن هذا لا ينافي ما ذُكِر من تأذي المسلم بعذاب الكافرين، وبيانه قد تقدَّم.

 

حكم اختلاط موتى المسلمين بموتى الكفار.

إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، لسببٍ من الأسباب، فلا يخلو الأمر من الآتي:

 إما أن يمكن التمييز بين المسلم والكافر، أو لا يمكن.

فإن أمكن التمييز بين موتى المسلمين والكفار، فلا إشكال في هذه المسألة، فيدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر الكافرين، وإن لم يمكن التمييز بينهم، فلا يخلو الأمر من الآتي:

1.    أن تكون الغلبة للمسلمين.

2.    أن تكون الغلبة للكفار.

3.     أن يكونا متساويان.

قال الكاساني: « ولو اجتمع الموتى المسلمون والكافرون: يُنظر إن كان بالمسلمين علامة الفصل بها، يفصل وعلامة المسلمين أربعة أشياء: الختان، والخضاب، ولبس السواد، وحلق العانة. وإن لم يكن بهم علامة يُنظر: إن كان المسلمون أكثر: غسلوا وكفنوا ودفنوا في مقابر المسلمين وصلِّي عليهم، وينوي بالدعاء المسلمون، وإن كان الكفار أكثر: يغسلوا ولا يصلى عليهم كذا ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي؛ لأن الحكم للغالب، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أنه إن كانت الغلبة لموتى الكفار لا يصلى عليهم لكن يغسلون ويكفنون ويدفنون في مقابر المشركين، ووجهه: أن غسل المسلم واجب وغسل الكافر جائز في الجملة، فيؤتى بالجائز في الجملة لتحصيل الواجب»(41).

وقال السرخسي:« فإن كانت الغلبة لموتى المسلمين، فإنه يصلى عليهم ويدفنون في مقابر المسلمين؛ لأن الحكم للغالب والغالب موتى المسلمين، إلا أنه ينبغي لمن يصلي عليهم أن ينوي بصلاته المسلمين خاصةً؛ لأنه لو قدر على التمييز فعلاً كان عليه أن يخصَّ المسلمين بالصلاة عليهم فإذا عجز عن ذلك كان له أن يخص المسلمين بالنية؛ لأن ذلك في وسعه والتكليف بحسب الوسع... وإن كان الغالب موتى الكفار لا يصلى على أحد منهم، إلا من يعلم أنه مسلم بالعلامة؛ لأن الحكم للغالب والغلبة للكفار هنا، وإن كانا متساويين فكذلك الجواب... وذكر في ظاهر الرواية: أنهم يدفنون في مقابر المشركين؛ لأن في حكم ترك الصلاة عليه جُعِل كأنهم كفار كلهم،(42) فكذلك في حكم الدفن، هذا قول محمد - رحمه الله تعالى-  فأما على قول أبي يوسف - رحمه الله- ينبغي أن يدفنوا في مقابر المسلمين مراعاة لحرمة المسلم منهم، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى، ودفن المسلم في مقابر المشركين لا يجوز بحال. وقيل: بل يتخذ لهم مقبرة على حدة لا من مقابر المسلمين ولا من مقابر المشركين فيدفنون فيها »(43). وبمثله قال صاحب الأشباه والنظائر(44).

لكن قد نصَّ أبو النجا الحجاوي، أنه عند اختلاط موتى المسلمين والكفار، ولم يمكن التمييز بينهم، فإنه يُصلَّى على الجميع، ويدفنون في مقابر المسلمين، فقال: « وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى واشتبه: كمسلمٍ وكافر، صُلِّي على الجميع ... ودفنوا منفردين إن أمكن، وإلا فمع المسلمين » (45).

والذي يظهر- والله أعلم- أنه عند اختلاط موتى المسلمين بموتى الكفار، ولم يمكن التمييز بينهم، فإنهم يدفنون في مقابر المسلمين، تغليباً لجانب المسلمين، وهذا هو ما أفتى به فقهاء الأزهر، فقالوا: « المنصوص عليه شرعاً أنه لا يجوز دفن جثة الميت المسلم في مقابر المسيحيين، كما لا يجوز دفن جثة الميت المسيحي في مقابر المسلمين، هذا إذا تعينت جثة الميت المسلم من جثة الميت المسيحي، إما إذا اختلطت جثث الموتى المسلمين على المسيحيين ولم تعرف جثة الميت المسلم من جثة الميت المسيحي، فإنهم يدفنون جميعاً في مقابر المسلمين تغليباً لجانب المسلمين على المسيحيين »(46).

ونظير مسألة اختلاط موتى المسلمين والكفار، مسألة النصرانية المتزوجة بمسلم، والتي توفيت وفي بطنها جنينٌ مسلم، أين تدفن ؟ بمعنى: هل يُغَلَّب جانب المرأة، أم جانب الولد؟

قال السرخسي: « وأصل هذا الخلاف [ أي في مسألة اختلاط الموتى ] بين الصحابة - رضي الله عنهم- في نظير هذه المسألة، وهو أن النصرانية إذا كانت تحت مسلم فماتت وهي حبلى، فإنه لا يصلى عليها لكفرها، ثم تدفن في مقابر المشركين عند علي وابن مسعود - رضي الله عنهما- ومنهم من يقول: تدفن في مقابر المسلمين؛ لأن الولد الذي في بطنها مسلم، ومنهم من يقول: يتخذ لها مقبرة على حدة »(47). والقول بإفراد مقبرة خاصة لها، مرويٌّ عن عقبة بن عامر(48).

وقد بيَّن النووي أن المرأة النصرانية إن توفيت وفي بطنها جنين مسلم، فإنها تدفن في مقبرةٍ بين مقابر المسلمين والكفار، فقال: « وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار، لئلا يدفن المسلم في مقابر الكفار، وعكسه»(49).

وقال الشربيني: « وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار. وقيل: في مقابر المسلمين وقيل: في مقابر الكفار »(50).

وقد بيَّن ابن قدامة سبب دفنها في مقبرةٍ مستقلة، أي بين مقابر المسلمين والكفار، فقال: «وإن ماتت نصرانيةٌ وهي حاملةٌ من مسلم، دفنت بين مقبرة المسلمين ومقبرة النصارى، اختار هذا أحمد؛ لأنها كافرة لا تدفن في مقبرة المسلمين فيتأذوا بعذابها ولا في مقبرة الكفار؛ لأن ولدها مسلم فيتأذى بعذابهم، وتدفن منفردة مع أنه روي عن واثلة بن الأسقع مثل هذا القول، وروي عن عمر: أنها تدفن في مقابر المسلمين. قال ابن المنذر: لا يثبت ذلك. قال أصحابنا: ويجعل ظهرها إلى القبلة على جانبها الأيسر، ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن؛ لأن وجه الجنين إلى ظهرها»(51).

 الخلاصة:

يمكن تلخيص البحث فيما يلي:

1.    يستحب تعجيل دفن الميت.

2.  لا تخلو مقابر غير المسلمين، من أن تكون علاماتها الظاهرة قد اختفت، أو لا تزال  آثارها ظاهرة، فإن كانت علاماتها الظاهرة قد اختفت، فيجوز دفن المسلم فيها بشرط أن تكون هذه البلدة تبعاً للبلاد الإسلامية. وإن كانت مقابر المشركين لا تزال آثارها ظاهرة، فلا يجوز دفن المسلم فيها.

3.  يلزم المسلمين المستوطنين في بلد غير إسلاميّ أن يسعوا جاهدين إلى اتخاذ مقبرةٍ خاصةٍ بهم، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، وإن لم يستطيعوا ذلك، فيسعون إلى أن تكون لهم رقعة محددَّة في طرف مقبرةٍ لغير المسلمين، وهذا من باب ما لا يدرك جله لا يترك كله.

4.  إن تعذر إيجاد مقبرة، أو رقعة محددَّة للمسلمين، ففي هذه الحالة: إما أن يمكن نقل المسلم إلى بلدٍ إسلامي، أو إلى مكانٍ مستقل، أو لا يمكن، فإن أمكن النقل بدون أن يحصل تغيُّرٌ للميت وجب نقله، وإن لم يمكن النقل، أو يخشى عليه من أن يتغير، ففي هذه الحالة يجوز دفنه في مقابر غير المسلمين، وهذا من باب تعارض المفسدتين.

5.  إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فلا يخلو الأمر من أن يمكن التمييز بين المسلم والكافر، أو لا يمكن، فإن أمكن التمييز بينهم، فيدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر الكافرين، وإن لم يمكن التمييز بينهم، فإنهم يدفنون جميعاً في مقابر المسلمين، تغليباً لجانب المسلمين.

6.    المرأة النصرانية إن توفيت وفي بطنها جنينٌ مسلم، فإنها تدفن في مقبرةٍ بين مقابر المسلمين والكفار.

وأصل في ختام هذا البحث، إلى أن المسلم له مكانة عالية عند الله تعالى، سواء في الدنيا أو الآخرة، بخلاف المجرمين والكافرين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ﴾ [الأنعام: 124].

 ولوجود هذه المكانة للمسلم، نجد أن الإسلام يحرص على أن يكون دفن المسلم مع إخوانه المسلمين، وليس مع الكافرين.

اللهم أحيينا على الإسلام، وتوفَّنا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين. 

والله تعالى أعلم,

والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه: يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/ 18ذي القعدة 1428هـ الموافق 28/11 /2007 م.



(1)- لسان العرب  13/155. وانظر: مختار الصحاح 1/218. وانظر: الألفاظ المؤتلفة 1/262. 

(2)- التعاريف 1/339 .

(3)- فقه العبادات للمالكية 1/262.وانظر: المبسوط 2/60 .

(4)- صحيح البخاري 1/442، برقم: 1252. 

(5)- سبل السلام 1/71 .

(6)- التمهيد 16/33 .

(7)- سنن الترمذي 1/320، برقم: 171.  قال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن. جاء في مشكاة المصابيح : أن الحديث حسن، انظر مشكاة المصابيح  1/133، برقم: 605. وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الترمذي 1/17، برقم: 25.

(8) - عون المعبود 8/303 . 

(9)- حلية الأولياء 8/78.

(10)- المعجم الكبير 12/444، برقم: 13613.  والحديث رواه البيهقي، وقال: والصحيح أنه موقوف عليه. أي على ابن عمر، انظر: مشكاة المصابيح 1/387.

(11) - والمفلوج: صاحب الفالِجِ، والفالِج: «داءٌ يُصيب الإِنسانَ عند امتلاءِ بُطُون الدَّماغ من بعضِ الرُّطوبات، فيَبْطُل منه الحِسُّ وحَركاتُ الأَعضاءِ ويَبْقَى العَليلُ كالمَيتِ لا يَعْقِل شيئاً»،  تاج العروس 1/1483 .

(12)- سبل السلام 1/71 .

(13)- كشف الخفاء 1/191. 

(14) - ثامنوني: ساوموني ببستانكم وخذوا ثمنه، صحيح البخاري 1/165 .

(15) - صحيح البخاري 1/165.

(16)- صحيح البخاري 2/661، برقم: 1769.

(17)- الإقناع 1/228.

(18) - رد المحتار 6/367.

(19) - حاشية رد المحتار 2/253.

(20) - أي كانوا قبل الخير فحاد عنهم ذلك الخير وما أدركوه، أو أنهم سبقوه حتى جعلوه وراء ظهورهم. عون المعبود 9/36.

(21) - سنن أبي داود  2/236، برقم:3230.   

(22) - المعجم الكبير 2/43، برقم: 132. 

(23) - انظر: فيض القدير 1/229،  انظر: المجموع 5/285، مغني المحتاج 1/361، المهذب 1/251. وانظر: شرح مسند أبي حنيفة 1/269. روح المعاني 15/73،  التمهيد 17/20،  فقه العبادات - شافعي 1/509،  الفتاوى الكبرى 3/17. الإقناع 1/228 .

(24)- فيض القدير  1/230.

(25)- الاستذكار 3/58.

(26)- فيض القدير 1/230.

(27) - فيض القدير 1/229

(28) - المجموع 5/285.

(29)- المهذب 1/251.

(30)- مغني المحتاج 1/361 ، وانظر: شرح مسند أبي حنيفة 1/269 . روح المعاني 15/73،  التمهيد 17/20 ،  فقه العبادات - شافعي 1/509،  الفتاوى الكبرى 3/17.

(31)- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 8/332.

(32)- الإقناع 1/228.

(33)- المصدر السابق 2/46 . 

(34) - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء10/360.

(35)- المصدر السابق 10/480.

(36)- مختصر خليل1/45.

(37)- منح الجليل شرح مختصر خليل 3/149.

(38) - شرح مختصر خليل للخرشي 5/438.

(39) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/152.

(40)- موطأ مالك 5/95.

(41) - بدائع الصنائع 2/28 .

(42) - هكذا وجدتها في كتب الحنفية، والظاهر أن الصحيح: لأن في حكم ترك الصلاة عليهم جُعِلوا كأنهم كفار كلهم- والله أعلم-.

(43) - المبسوط 12/468- 469.

(44) - الأشباه والنظائر - حنفي  1/144 .

(45)- الإقناع 1/228 .

(46) - فتاوى الأزهر 7/215.

(47) - المبسوط 12/468- 469.

(48)- المصدر السابق 2/53 .

(49) - إعانة الطالبين 2/133.

(50)- مغني المحتاج 1/351. 

(51)- المغني  2/423 .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أحكام الأضحية
الأحد 30 سبتمبر 2012

المقدمة:

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، محمد صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد:

فإن الله شرع شرائع على العباد، وطلب منهم القيام بها، لكي يحققوا العبودية له سبحانه، ويحصلون على الخير والأجر، وقد بيَّن الله تعالى أنَّ من يمتثل أوامره، ويعظَّم شعائره، فإن هذا دليلٌ على وجود التقوى في قلبه. قال تعالى: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32].

ومن هذه الشعائر العظيمة: شعيرة الأضحية، والتي قد حثَّ عليها الإسلام، ورغب في القيام بها. قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج:36].

ومن تعظيم هذه الشعيرة: القيام بها في وقتها المحدد شرعاً، ومراعاة الشروط فيها، بأن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام، وأن يراعى فيها السن المحدد، وأن تكون سليمة من العيوب، وأن يقصد صاحبها الأجر من الله، ويطلب منه القبول. قال تعالى: ﴿ لن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾[الحج:37].

وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم- أن أفضل عمل يقوم به صاحبه يوم النحر، هو ذبح الأضحية. فقد جاء في حديث عائشة – رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " ما عمل ابن آدم عملا يوم النحر أحب إلى الله من هراقة دم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا"(1)

وهذا البحث المتواضع، إنما هو لبيان أحكام الأضحية، وسيكون السير في هذا البحث على النحو الآتي:

 

1.    تعريف الأضحية.

2.    مشروعية الأضحية.

3.    الحكمة من مشروعية الأضحية.

4.    حكم الأضحية.

5.    شروط صحة الأضحية.

6.    الأفضل في نوع الأضحية.

7.    العيوب المؤثرة في صحة الأضحية  عند الفقهاء.

8.    حكم الأضحية إن حدث بها عيب بعد الشراء.

9.     حكم الاشتراك في الأضحية.

10.           حكم من اشترى أضحية لنفسه، ثم اشترك معه آخرون بعد شرائه.

11.           حكم بيع الأضحية، وشراء غيرها.

12.           وقت ذبح الأضحية.

13.           نهاية وقت ذبح الأضحية.

14.           شروط صحة ذبح الأضحية.

15.           أيهما أفضل الأضحية أم التصدق بثمنها؟

16.           ما يندب للمضحي.

17.           ما يكره للمضحي.

18.           الخاتمة.

فأقول مستعيناً بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:   

 

تعريف الأضحية:

أ: تعريف الأضحية في اللغة:

قال القونوي: «الأضحية: اسمٌ لما يضحَّى بها، أي يذبح، وجمعها الأضاحي»(2). وبمثله قال الخليل في كتابه: (العين )(3)، والرازي في كتابه: (مختار الصحاح)(4)، والزبيدي في كتابه: تاج العروس(5).

والأضحية فيها أربع لغات، وهي: أُضحِية، إِضحِية، ضَحِيَّة، أَضحَاةٌ. قال الفيومي: «والأُضْحِيَّةُ فيها لغات: ضمّ الهمزة في الأكثر، وهي في تقدير أُفْعُولَة، وكسرها إتباعاً لكسرة الحاء والجمع: أَضَاحِيُّ، والثالثة: ضَحِيَّةٌ، والجمع: ضَحَايَا، مثل عَطِيَّة وعَطَاَيا، والرابعة: أَضْحَاةٌ (بفتح الهمزة) والجمع: أَضْحَى»(6).

ب: تعريف الأضحية في الشرع:

الأضحية في الشرع: هي « اسمٌ لما يذبح أو ينحر من النعم تقرباً لله تعالى في أيام النحر »(7). قال عبد الرحمن بن محمد البغدادي المالكي: « وهي [أي الأضحية] ما يذبح يوم النحر للتصدق به على الفقراء والمساكين، وسميت بذلك؛ لأنها تذبح يوم الأضحى ووقت الضحى »(8).

 

مشروعية الأضحية:

ثبتت مشروعية الأضحية: بالكتاب والسنة والإجماع. قال ابن قدامة: «مشروعية الأضحية: الكتاب والسنة والإجماع»(9).

أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2].

وأمّا السنة: فحديث أنس - رضي الله عنه- قال: "ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم- بكبشين أملحين(10)، فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما(11) يسمي ويكبر، فذبحهما بيده"(12).

وأمّا الإجماع:  فقد أجمعت الأمة على مشروعية الأضحية (13).

الحكمة من مشروعية الأضحية:

شرع الله الأضحية لحِكَم عظيمة، ومن هذه الحِكَم:

1.  مشاركة الحجَّاج بالتقرب إلى الله تعالى، حيث أن الحجاج يتقربون إليه سبحانه بالهدي، وغيرهم يتقربون بهذه الأضحية. قال ابن عثيمين، مبينا هذه الحكمة: « يشارك[ أي المسلم] به أهل الموسم؛ لأن أهل الموسم لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية»(14).        

2.  التوسعة على الناس يوم العيد، فحين يذبح المسلم أضحيته يوسِّع على نفسه وأهل بيته، وحين يهدي منها لأصدقائه وجيرانه وأقاربه فإنه يوسِّع عليهم، وحين يتصدق من أضحيته على الفقراء والمحتاجين، فإنه يغنيهم عن السؤال في اليوم الذي هو يوم فرح وسرور(15).

حُكم الأضحية:

اختلف الفقهاء في حكم الأضحية على قولين:

القول الأول: الوجوب، وبه قال أبو حنيفة، وهو قول لمالك، غير المعتمد عنه في المذهب. قال السرخسي الحنفي: «هي واجبة على الذكر والأنثى عند الإمام أبي حنيفة، وهو المعتمد» (16). وقال صاحب الكتاب:  «الأضحية واجبة على كل حر مسلم مقيم موسر في يوم الأضحى عن نفسه وولده الصغار»(17). وقال ابن رشد: «وروي عن مالك مثل قول أبي حنيفة»(18).

القول الثاني: الأضحية سنة مؤكدة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد. قال عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي: «والأضحية سنة مؤكدة يخاطب بها كل قادر عليها إلا الحاج بمنى»(19). وقد نصَّ فقهاء المالكية على أن الأضحية سنة مؤكدة، وممن نصَّ على ذلك: عبد الرحمن البغدادي المالكي(20)، وابن رشد(21).

وقال الشربيني الشافعي: «التضحية سنة مؤكدة في حقِّنا، أما في حقه - صلَّى الله عليه وسلم- فواجبة»(22). وقد نصَّ فقهاء الشافعية على أن الأضحية سنَّة مؤكدة، وممن نصَّ على ذلك: الشافعي(23)، والمزني(24)، والشيرازي(25)، وغيرهم(26). 

وقال ابن قدامة الحنبلي: «والأضحية سنة لا يستحب تركها لمن يقدر عليها، وهو قول أكثر أهل العلم، يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة»(27). وقد نصَّ فقهاء الحنابلة على أن الأضحية سنة مؤكدة، وممن نصَّ على ذلك: أبو النجا الحجاوي(28)، وابن ضويان(29)،  والبهوتي(30).

أدلّة الفقهاء في حكم الأضحية:

استدل الحنفية على وجوب الأضحية، بما يلي:

1.    قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2].أي: وانحر الأضحية، والأمر يقتضي الوجوب(31).

2.  حديث البراء- رضي الله عنه- قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم- يوم النحر قال: "إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحمٌ عجّله لأهله ليس من النسك في شيء". فقام خالي أبو بردة بن نيار، فقال يا رسول الله: أنا ذبحت قبل أن أصلي وعندي جذعة خير من مسنة. قال: "اجعلها مكانها أو قال اذبحها ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك"(32) قالوا فكونه ذبح أخرى مكانها، فهذا دليل على الوجوب(33). وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن رجلاً ذبح يوم النحر، يعني قبل الصلاة. "فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم-  أن يعيد"(34) وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "من كان له سعة ولم يضح، فلا يقربن مصلانا"(35). فالنهي عن أن يقرب المسلم الذي لم يضح المصلى، لا يكون إلا بتركه لواجب، وهو الأضحية.

واستدل المالكية، والشافعية، والحنابلة على أن الأضحية سنة مؤكدة بما يلي:

1.  حديث البراء - رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم-:" إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع، فننحر، من فعَله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء" الشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: "فقد أصاب سنتنا" فقد بوَّب البخاري لهذا الحديث يقوله: باب سنة الأضحية(36).

2.  حديث أم سلمة- رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم-  قال:" إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً "(37). قال ابن رشد: «فيه دليل على أن الضحية ليست بواجبة»(38). وقال الشافعي: «فاحتمل أمره بالإعادة[أي الإعادة بالذبح، لأبي بردة] أنها واجبة، واحتمل على معنى أنه إن أراد أن يضحي، فلما قال عليه الصلاة السلام"... وأراد أحدكم أن يضحي..." دلَّ على أنها غير واجبة»(39). بمعنى: أن حديث أبي بردة يحمل على حديث أم سلمة، في عدم لزوم الأضحية.

3.  واستدلوا ببعض الآثار عن الصحابة، منها: أنَّ أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يراها الناس واجبة. وقال أبو مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -:إنه ليغدو علي ألف شاة ويراح فلا أضحي مخافة أن يراها الناس واجبة. وقد تأولَّ الحنفية هذا فقالوا: «وتأويل حديث أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنهما لا يضحيان في حال الإعسار مخافة أن يراها الناس واجبة على المعسرين، أو في حال السفر»(40).

4.  وممّا استدلوا به على سنية الأضحية: أنها لا تجب على المسافر، وكل دم لا يجب على المسافر لا يجب كذلك على المقيم(41).

سبب الخلاف بين الفقهاء في حكم الأضحية:

بيَّن ابن رشد(42) سبب الخلاف، وأن مردّه إلى أمرين:

1.  فعله عليه الصلاة والسلام هل يحمل على الوجوب أو على الندب، وذلك أنه لم يترك - صلى الله عليه وسلم- الضحية قط.

2.  الاختلاف في مفهوم الأحاديث الواردة في حكم الأضحية، ومن ذلك: حديث أبي بردة، والذي فيه أنه عليه الصلاة والسلام أمره بإعادة أضحيته؛ لأنه ذبح قبل الصلاة، وحديث أم سلمة، والذي يدلُّ على عدم لزوم الأضحية، بقوله: "فأراد أحدكم أن يضحي".

الترجيح:

بعد بيان أدلة الفقهاء في حكم الأضحية، يتبين أن القول الصحيح هو قول الجمهور، القائل: بأن الأضحية سنة مؤكدة، وذلك لوجاهة الأدلة وقوتها، وخصوصاً حديث أم سلمة، والذي مقتضاه عدم لزوم الأضحية، وإنما هي لمن أرادها، وعليه يحمل حديث أبي بردة، كما قال الشافعي، والقول بسنية الأضحية، هو ما بوَّب له البخاري في كتابه، وهذا من فقهه.

شروط صحة الأضحية:

تقدم بيان حكم الأضحية، وأنها سنة مؤكدة، وبقي بيان شروط صحتها، من خلال أقوال الفقهاء وأئمة المذاهب، وإليك بيان هذه الشروط:

1.  يشترط أن تكون الأضحية من النّعم، وهي: الإبل والبقر والغنم بنوعيه: المعز والضأن، وذلك لقوله تعالى: ﴿ِليَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:34]. قال ابن كثير: «وهي: الإبل، والبقر، والغنم»(43). قال السرخسي الحنفي: «ولا يجوز في الضحايا والواجبات بقر الوحش وحمر الوحش والظبي؛ لأن الأضحية عُرفت قربةً بالشرع، وإنما ورد الشرع بها من الأنعام، ولأن إراقة الدم من الوحشي ليس بقربة أصلاً، والقربة لا تتأدى بما ليس بقربة»(44). وقد بيَّن الكاساني أنه يدخل تحت كل نوع من هذه النعم جنسه، فقال: «ويدخل في كل جنس نوعه، والذكر والأنثى منه، والخصي والفحل، لانطلاق اسم الجنس على ذلك، والمعز نوع من الغنم، والجاموس نوع من البقر»(45). وقال ابن رشد المالكي: «أجمع العلماء على جواز الضحايا من جميع بهيمة الأنعام»(46). وقال الشيرازي الشافعي: «ولا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم»(47). وقد نقل الشربيني الشافعي، إجماع العلماء على ذلك، معللاً قوله بأن التضحية عبادة تتعلق بالحيوان، فتختص بالنعم(48). وقال ابن قدامة الحنبلي:«ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام»(49).

2.  يشترط السِّن في الأضحية، فإن كانت من الإبل فيكون عمرها خمس سنين، وإن كانت من البقر فيكون عمرها سنتين، وإن كانت من المعز فيكون عمرها سنة، وإن كانت من الضأن فيجزئ فيها الجذع، وهو ما له ستة أشهر(50). قال الكاساني: «وتخصيص هذه القربة بسِنٍّ دون سِنٍّ أمر لا يعرف إلا بالتوقيف، فيتبع ذلك»(51). قال السرخسي: «يشترط الثني في بهيمة الأنعام إلا الضأن»(52). وقال ابن رشد: «أجمعوا على أنه لا يجوز الجذع من المعز، بل الثني فما فوقه، لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بردة لمّا أمره بالإعادة: "يجزيك، ولا يجزي جذع عن أحد غيرك(53). وقال عبد الوهاب المالكي: «وسِنٌّها من الضأن الجذع، ومما سواه الثني»(54). وقال المزني الشافعي: «ويجوز في الضحايا الجذع من الضأن، والثني من الإبل والبقر والمعز، ولا يجوز دون هذا من السن»(55). وبمثله قال صاحب التذكرة(56)، وصاحب متن أبي شجاع(57), وصاحب كفاية الأخيار(58). وقال ابن قدامة الحنبلي: «ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره، والجذع من الضأن: ما له ستة أشهر ودخل في السابع»(59).

3.  يشترط سلامة الأضحية من العيوب، فلا تصح بالعوراء البيِّن عورها، والعرجاء البيِّن عرجها، والمريضة البيِّن مرضها، والهزيلة التي لا مخَّ لها من شدّة الهزال، وذلك لما روي من حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى(60)» (61).قال السرخسي الحنفي: «يشترط في الأضحية أن تكون سليمة من العيوب»(62). وقال ابن رشد: «أجمع العلماء على اجتناب العرجاء البين عرجها في الضحايا، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقى: أي التي لا مخ في عظامها، مصيراً لحديث البراء بن عازب»(63). وقال ابن قدامة: «أما العيوب الأربعة الأُوَل، فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنها تمنع الأجزاء» (64).

ونجد أن من أقوال الشافعية في تفسير المريضة، بأنها الجرباء (65). قال الشافعي:«ولا تجزئ الجرباء، والجرب قليله وكثيره مرضٌ بيِّن مفسدٌ للّحم وناقص للثمن»(66). لكن عقب ابن قدامة في المغني بأن تفسير المريضة بالجرباء تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل، فالمرض أعم من الجرب(67).

والسبب في منع إجزاء الأضحية- إن كان بها عيبٌ من العيوب الأربعة- أن هذه العيوب تنقص لحم الأضحية. قال عبد الوهاب المالكي: «ويتقي فيها [أي الأضحية] كل عيبٍ ينقص اللحم، أو مرض الحيوان»(68). وقال الشيرازي الشافعي: «ولا يجزئ ما فيه عيبٌ ينقص اللحم » (69). وبمثله قال الشربيني (70). وقد بيَّن النووي، أن العيوب ستة، وأن ضابط العيب في الأضحية، ما ينقص اللحم، فقال: «العيوب ستة: عيب المبيع، ورقبة الكفارة والغرة والأضحية، والهدي والعقيقة والإجارة والنكاح.... وفي الأضحية والهدي والعقيقة: ما ينقص اللحم»(71).

وأما إن كانت هذه العيوب الأربعة المتقدمة خفيفة، ولم تكن بيِّنة: فقد نقل ابن رشد الإجماع على عدم تأثيرها في صحة الأضحية، حيث قال: «وكذلك أجمعوا على أنَّ ما كان من هذه الأربع خفيفاً، فلا تأثير له في منع الإجزاء»(72).

4.    ومما اشترطته الشافعية في صحِّة الأضحية: أن ينوي المضحي عند الذبح أو قبله، أنما قدمَّه وتقرب به لله تعالى أضحية(73).

5.  وأيضاً: مما اشترطته الشافعية والحنابلة في صحِّة الأضحية: أنه يلزم التصدق بشيء من لحم الأضحية نيئاً، فيحرم عليه أن يأكلها كلها، وذلك لقوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ [الحج:36]. والأمر يقتضي الوجوب، وأقل التصدق عند الشافعية: قدر أوقيتين من اللحم، وعند الحنابلة قدر أوقية(74)، وقالو: إن أكلها كلها، ولم يتصدق بأقل ما يطلق عليه اسم اللحم، ضمن ذلك القدر(75).

الأفضل في نوع الأضحية:

تقدم أنَّ من شروط إجزاء الأضحية، أن تكون من النَّعم، وهذا بإجماع العلماء، ولكن اختلفوا في الأفضل من هذه الأنواع، على النحو التالي:

فذهبت المالكية في المعتمد عنهم، وهو قولٌ للحنفية في غير المعتمد في مذهبهم، إلى أن أفضل أنواع الأضاحي الضأن. جاء في فقه العبادات للحنفية: «وأفضلها الغنم، والكبش أفضل من النعجة والأنثى من المعز أفضل من التيس، والأنثى من الإبل والبقر أفضل من الذكر إذا استويا في اللحم»(76). لكن قد نصَّ الشربيني الشافعي، على أن التضحية بالذكر أفضل؛ لأنَّ لحمه أطيب(77). وقال ابن رشد: «ذهب مالك إلى أن الأفضل في الضحايا: الكباش ثم البقر ثم الإبل، وقد قيل عنه: الإبل ثم البقر ثم الكباش»(78). قالوا: ويفضل في الجميع الذكر على الأنثى، والفحل على الخصي، إلا إذا كان الخصي أسمن، فعندها يفضل على الفحل(79).

وقد استدلَّت المالكية على أفضلية الضأن: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم- إنما ضحى بالغنم، ولو كانت الإبل أفضل، لضحى بها(80)، وقد روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال:" كان النبي - صلى الله عليه وسلم-  يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين"(81).

وذهبت الشافعية، والحنابلة إلى عكس ما ذهبت إليه المالكية. قال المزني: «والإبل أحب إلي أن يضحى بها من البقر، والبقر من الغنم، والضأن أحب إلي من المعز»(82). وقد علَّل الشيرازي الشافعي سبب الأفضلية، فقال:« والبدنة أفضل من البقرة؛ لأنها أعظم، والبقرة أفضل من الشاة؛ لأنها بسبع من الغنم... والضأن أفضل من المعز»(83)، وبنحوه قال الشربيني، وزاد بأن القصد من الأضحية هو التوسعة على الفقراء، ويزداد تحقق هذا المقصود كلما زاد لحم الأضحية(84). وقال ابن قدامة: «وأفضل الأضاحي: البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة»(85).

وقد استدلت الشافعية والحنابلة على أفضلية الإبل ثم البقر ثم الغنم:

1.  بحديث (86) أبي هريرة- رضي الله عنه-  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن..."(87). فدلَّ هذا الحديث على أن الذي يتقدم في الحضور لصلاة الجمعة، كأنه يُقدِّم بَدَنَه، والذي يتأخر عنه، كأنه يقدم بقرة، والذي يتأخر عنه، كمن يقدم كبشاً، فكما أن الأجر مختلف بينهما، كذلك هو مختلف تقديمها، وعليه تبنى الأفضلية.

2.    ولأن الأضحية يتقرب بها صاحبها إلى الله تعالى، فكلما كانت أكثر لحماً كانت أفضل(88).

3.  ولأنها أكثر ثمناً، وأنفع للفقراء (89). قال البهوتي: «أفضلها إبلٌ، ثم بقرٌ، إن أخرج كاملاً، لكثرة الثمن ونفع الفقراء، ثم غنم، وأفضل كل جنس أسمنه فأغلى ثمنا»(90).

سبب الخلاف بين الفقهاء في الأفضل في أنواع الضحايا:

قال ابن رشد: « وسبب اختلافهم معارضة القياس لدليل الفعل، وذلك أنه لم يرو عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه ضحى إلا بكبشٍ فكان ذلك دليلاً على أن الكباش في الضحايا أفضل، وأما القياس فلأن الضحايا قربة بحيوان فوجب أن يكون الأفضل فيها الأفضل في الهدايا»(91).

وأما الأفضل في ألوان الضحايا:

فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه-  أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:"دم عفراء (92) أحب إلى الله من دم سوداوين"(93). قال الشربيني: «فالأبيض أفضل، ثم الصفراء، ثم العفراء (وهي التي لا يصفو بياضها)، ثم الحمراء، ثم البلقاء(94)، ثم السوداء. قيل: للتعبد. وقيل: لحسن المنظر. وقيل: لطيب اللحم(95). وبمثله قال ابن ضويان(96).قال المزني: والعفراء أحب إليَّ من السَّوداء»(97).

وقال ابن قدامة: «والأفضل في الأضحية من الغنم في لونها البياض... ولأنه لون الأضحية النبي - صلى الله عليه وسلم- ثم ما كان أحسن لونا فهو أفضل»(98). وجاء في الكافي في فقه ابن حنبل: «وأفضلها البياض؛ لأنه صفة أضحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ثم ما كان أحسن لونا»(99).

 

العيوب المؤثرة في صحة الأضحية عند الفقهاء:

تقدم إجماع الفقهاء على منع إجزاء الأضحية إن وجد بها عيبٌ من  العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء بن عازب، وهي العوراء البيِّن عورها، والعرجاء البيِّن عرجها، والمريضة البيِّن مرضها، والهزيلة التي لا مخَّ لها من شدّة الهزال، وكذلك إجماعهم على أن ما كان خفيفاً من هذه العيوب فلا يؤثر، وبقي اختلافهم في العيوب الأخرى، كما بيَّن ذلك ابن رشد المالكي(100)، وإليك بيان ذلك من نصوص الفقهاء:

·       في الفقه الحنفي:

العيوب المؤثرة في صحِّة الأضحية، غير العيوب الأربعة المتقدمة:

جاء في الفقه الحنفي:

1.    مقطوعة الأذن(101).

2.     مقطوعة الذنب. جاء في الكتاب للحنفية: «ولا تجزئ مقطوعة الأذن والذنب»(102).

3.  مقطوعة الإلية، وقد حدد الحنفية مقدار القطع، فقالوا: إن كان القطع أكثر من الثلث، قلا تجزئ عند ذلك الأضحية، وهذا منهم اعتباراً بالوصية فإن الثلث في الوصية جائز، ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث(103). بمعنى: أن ما زاد عن الثلث يعتبر مؤثِّراً في إجزاء الأضحية، كما هو في الوصية.

4.    الهتماء: وهي التي ليس لها أسنان(104).

5.   الجلاَّلة: وهي التي ترعى العذِرة(105). قالت الحنفية: «وإن كان العيب يسيراً لا يمنع صحة الأضحية... إذ الحيوان لا يخلو عنه عادة، فلو اعتبر مانعاً، لضاق الأمر على الناس ووقعوا في الحرج»(106).

 

·       في الفقه المالكي:

العيوب المؤثرة في صحِّة الأضحية، غير العيوب الأربعة المتقدمة:

جاء في الفقه المالكي:

1.    مكسورة القرن المدمي، وذلك لأن مالكاً يعتبره مرضٌ من الأمراض البيِّنة التي تمنع الإجزاء(107).

2.    مقطوعة الذنب(108).

3.    مشقوقة الأذن، وذلك إذا كان الشق أكثر من الثلث(109).

4.    الصكاء: وهي التي خلقت بلا أذنين(110).

·       في الفقه الشافعي:

العيوب المؤثرة في صحِّة الأضحية، غير العيوب الأربعة المتقدمة:

جاء في الفقه الشافعي:

1.    الجرباء: وقد نص الشافعي بأنه داءٌ يفسد اللحم(111).

2.    التولاء: وهي التي تدور في المرعى ولا ترعى.

3.    فقد أكثر الأسنان، فإن ذهب بعض أسنانها لم يضر.

4.    مقطوعة الأذن.

5.    مقطوعة الذنب.

6.    المكاء: وهي التي لم يخلق لها أذن، وهذا على الراجح في المذهب(112).

7.    الحامل، وفيها خلافٌ في المذهب(113).

·       في الفقه الحنبلي:

العيوب المؤثرة في صحِّة الأضحية، غير العيوب الأربعة المتقدمة:

جاء في الفقه الحنبلي:

1.    مقطوعة الإلية(114).

2.    العضباء: وهي التي ذهب نصف أذنها أو قرنها(115).

3.    الهتماء: وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها(116).

حكم الأضحية إن حدث بها عيب بعد الشراء:

قال الكاساني الحنفي: «ولو اشترى أضحية وهي صحيحة، ثم أعورت عنده وهو موسر أو قطعت أذنها كلها أو إليتها أو ذنبها أو انكسرت رجلها فلم تستطع أن تمشي لا تجزي عنه، و عليه مكانها أخرى لما بيَّنا بخلاف الفقير،... هذا عيب دخلها قبل تعيين القربة فيها فصار كما لو كان قبل حال الذبح» (117).

لكن قد نصَّ الشافعية: على أن الأضحية المنذورة المعينة، إن تلفت قبل الوقت، أو قبل التمكن من ذبحها ولم يقصر صاحبها، فلا شيء عليه(118). فتلف عضو منها بعد شرائها أولى، بأن لا يتحمل منها شيء عند عدم تقصيره، وأنها تجزئ عنه.

وكذلك فقد نص الحنابلة أنها تجزئ عن صاحبها، حتى لو كان الشخص قد أوجبها على نفسه. قال ابن قدامة: «إذا أوجب أضحية صحيحة سليمة من العيوب ثم حدث بها عيب بمنع الأجزاء ذبحها وأجزأته، لما روى أبو سعيد الخدري قال: "ابتعنا كبشا نضحي به، فأصاب الذئب من إليته أو أذنه، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فأمرنا أن نضحي به"(119)(120).

ولعل السّبب في عدم إجزاء الأضحية عند الحنفية، التي حدث بها عيب بعد الشراء، هو أنّ الأضحية عندهم واجبة على صاحبها، ولا يبرأ منها إلا بإراقة دمها سليمة من العيوب، لكن قد تقدم أن الصحيح في حكم الأضحية أنها سنة مؤكدة.

حكم الاشتراك في الأضحية:

اتفق الفقهاء على أنَّ البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة، والشاة عن واحد(121).

قال السرخسي الحنفي: «يجوز الاشتراك في الأضحية إذا كانت من الإبل أو البقر، بشرط أن لا يزيد عددهم على السبعة أشخاص، فإذا كانوا أكثر من سبعة، فلا يجوز الاشتراك»(122). وبمثله قال ابن رشد المالكي(123).

وقال الشربيني الشافعي: «والبعير والبقرة يجزئ كل منهما عن سبعة»(124)، وقد نقل عن صاحب العدة أن الأضحية سنة على الكفاية - إن تعدد أهل البيت- فإذا فعلها واحد من أهل البيت كفى عن الجميع(125). وبمثله قال الشيرازي(126). وقال ابن قدامة: «يجوز اشتراك السبعة يضحوا ببدنة أو بقرة، ويجوز لهم اقتسام اللحم»(127).

ودليل جواز الاشتراك في الأضحية: عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما-  قال: "نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة"(128).

 والشاة أفضل من سبع البقرة أو البدنة إذا استويا في اللحم(129).

وقد اشترطت الحنفية: في صحِّة الاشتراك في الأضحية أن يكون الكل مريدين القربة وإن اختلفت جهاتها (من أضحية، وقران، ومتعة) قالوا: فلو كان أحدهم مريداً لحماً لأهله أو كان نصرانياً لم يجز عن واحد منهم، وعللوا بأن البعض إذا لم يقع قربه خرج الكل عن أن يكون قربة؛ لأن الإراقة لا تتجزأ(130). قال الكاساني: «أن لا يشارك المضحي فيما يحتمل الشركة من لا يريد القربة رأساً، فإن شارك لم يجزِ عن الأضحية» وجه قول الحنفية: أن القربة في إراقة الدم، وأنها لا تتجزأ؛ لأنها ذبح واحد فإن لم يقع قربة من البعض لا يقع قربة من الباقين... ولو أرادوا القربة الأضحية أو غيرها من القرب أجزأهم...؛ لأن الجهات وإن اختلفت صورة فهي في المعنى واحد؛ لأن المقصود من الكل التقرب إلى الله عز شأنه(131).

ولم تشترط الشافعية والحنابلة: أن يتحد جميع المشتركين في الأضحية في أن يريدوا جميعاً القربة. قال الشربيني: «وسواء اتفقوا في نوع القربة أم اختلفوا، كما إذا قصد بعضهم التضحية وبعضهم الهدي، وكذا لو أراد بعضهم اللحم وبعضهم الأضحية»(132). وبمثله قال صاحب متن أبي شجاع(133)، وصاحب كفاية الأخيار(134).وقال ابن قدامة مبيِّناً جواز ذلك: «سواء كانوا كلهم متقربين، أو يريد بعضهم القربة وبعضهم اللحم »(135). وقد علَّل الشيرازي الجواز بقوله: « لأن كل سَبُعٍ منها قائمٌ مقام الشاة»(136) يريد بذلك أن كل شخصٍ من السبعة المشتركين في الأضحية، مستقل بأضحيته من حيث المعنى، فعدم النية من أحدهم لا يقدح في قربة الباقين.

وممَّا تقدم: يتبين جواز الاشتراك في الأضحية إن كانت من الإبل أو البقر، على أن تكون لسبعة أشخاص، إلا أن المالكية قالوا: إن كان الرجل سيضحي عن نفسه وأهل بيته وعياله، وكان عددهم أكثر من سبعة أشخاص، فإنه يجوز ذلك بشروط ثلاثة:

1.    أن يكون الشخص قريباً للمضحي.

2.    أن يكون ممن ينفق عليهم.

3.    أن يكون مقيماً معه في دار واحد(137).

وكذلك روي عن مالك: أن الضأن يجزئ عن الرجل وعن أهل بيته، لكن ليس لا على جهة الشركة في الثمن، بل إذا اشتراه مفرداً(138). قال عبد الرحمن البغدادي: «يضحي عنه وعن أهله واحدة[ أي شاة واحدة] غير مشتركين في ثمنها»(139).

حكم من اشترى أضحية لنفسه، ثم اشترك معه آخرون بعد شرائه:

من اشترى بدنة أو بقرة يريد أن يضحي بها عن نفسه، ثم اشترك معه ستة بعد شرائه لها أجزأه ذلك في القول المعتمد عند الحنفية، وذلك رفعاً للحرج والمشقة، وقال زفر: لا يجزئه ذلك؛ لأنه أعدَّها للقربة، فلا يكون له أن يبيع شيئاً منها بعد ذلك(140).

حكم بيع الأضحية، وشراء غيرها:

إذا اشترى الرجل أضحية، ثم باعها فاشترى مثلها، فلا بأس بذلك عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنَّه عند شرائه للأضحية، لم تتعين في حقه، فيجوز له بيعها. وقال أبو يوسف: لا يجوز له بيعها لتعلق حق الله تعالى بعينها. والصواب هو القول الأول، وذلك لأن تعلق الحق بالأضحية، لا يزيل ملك صاحبها عنها، في بيعه لها وقدرته على تسليمها(141)، وقد روي من حديث حكيم بن حزام: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "بعث معه بدينار يشتري له أضحية فاشتراها بدينار وباعها بدينارين فرجع فاشترى له أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فتصدق به النبي - صلى الله عليه وسلم-  ودعا له أن يبارك له في تجارته"(142). فقد جوز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعه بعدما اشتراها للأضحية.

وأما إبدال الأضحية بغيرها: فقد نص المالكية على الكراهة، إن أبدلها بأدنى منها، فقالوا: يكره إبدال الأضحية بأدنى منها ولو اضطراراً، بخلاف ما لو أبدلها بمثلها أو بأفضل منها(143). وكذلك قال ابن قدامة الحنبلي: «يجوز أن يبدل الأضحية، إذا أوجبها بخير منها»(144).

وقت ذبح الأضحية:

عند الحنفية: يبدأ وقت الأضحية لأهل المصر بعد أداء صلاة العيد، فمن ذبح والإمام في خلال الصلاة لا يجوز... و لو ضحى قبل فراغ الإمام من الخطبة أو قبل الخطبة جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- رتب الذّبح على الصلاة لا على الخطبة(145).

وأما أهل القرى، الذين ليس عندهم إمام، فقد نصت الحنفية، على أن وقت الأضحية يبدأ بعد طلوع فجر يوم النحر(146)، قالوا: فإن كان الرجل في مكان وأضحيته في مكان آخر، فالمعتبر المكان الذي فيه الأضحية، بمعنى: إن كان الرجل بالمصر وأضحيته بالسواد، يجوز أن يضحي بها بعد انشقاق الفجر، أما إن كان هو بالسواد وأضحيته بالمصر، لا يجوز أن يضحي بها إلا بعد فراغ الإمام من الصلاة(147).

وعند المالكية: أن وقت ذبح الأضحية يبدأ بعد الصلاة والخطبة وبعد ذبح الإمام، أو بعد مرور وقت بقدر ذبح الإمام. قال عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي: «ووقتها بعد الصلاة والخطبة وبعد ذبح الإمام إن كان ممن يظهر النحر، وذلك الأولى به، وإلا فليتحر الناس وقت ذبحه أو ذبح أقرب أئمة البلد إليهم »(148).

وأما من لا إمام له ببلده، أو كان من أهل البادية، فإنه يتحرى في ذبح أضحيته أقرب إمام له من البلاد المجاورة، فيقدر وقت صلاته وخطبته وذبحه، ولا شيء عليه إن تبين سبقه لذلك الإمام(149).

وعند الشافعية: يبدأ وقت الأضحية بعد دخول صلاة الأضحى، ومضي قدر ركعتين وخطبتين. جاء في الأم: « وقت الأضحى قدر ما يدخل الإمام في الصلاة حين تحلّ الصلاة »(150). وقال الشيرازي: «ويدخل وقتها إذا مضى بعد دخول وقت صلاة الأضحى قدر ركعتين وخطبتين، فإن ذبح قبل ذلك لم يُجزِه»(151). وبمثله قال صاحب التذكرة، إلا أنه وصف قدر الركعتين والخطبتين، بأنهن خفيفات(152). قال الشافعي: «وأهل البوادي وأهل القرى الذين لهم أئمة في هذا سواء»(153).

وعند الحنابلة: أن أول وقت الذبح للأضحية في حق أهل المصر، إذا صلى الإمام وخطب يوم النحر، وفي حق غير أهل المصر قدر الصلاة والخطبة؛ لأنه تعذر في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة فاعتبر قدرها (154). قال ابن قدامة: « إذا مضى من نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته، فقد حل الذبح »(155). وبمثله قال البهوتي وزاد: «فإن تعددت فيه [أي تعددت صلاة الأضحى في البلد] فبأسبق صلاة»(156).

وقد دلَّ على أن ذبح الأضحية لا يكون إلا بعد صلاة العيد: حديث البراء- رضي الله عنه- قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم- يوم النحر قال: "إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحمٌ عجّله لأهله ليس من النسك في شيء"(157).

نهاية وقت ذبح الأضحية:

عند الحنفية، والمالكية والحنابلة: أن مدة ذبح الأضحية ثلاثة أيام، يوم النحر ويومين بعده. قال الكاساني: «وينتهي وقتها قبل غروب شمس ثالث أيام النحر، والأفضل أن يضحي أول يوم»(158). وقال عبد الوهاب المالكي: «ومحلها الأيام المعلومات، وهي ثلاثة أيام: يوم النحر وثانيه وثالثه، فأما رابعه فليس من المعلومات، وتعجيلها يوم النحر أفضل»(159). وقال البهوتي: « ويستمر وقت الذبح إلى آخر يومين بعده أي بعد يوم العيد، والذبح في اليوم الأول أفضل، ثمّ ما يليه»(160). وبمثله قال صاحب الكافي في فقه ابن حبل(161).

ومما استدلت به الحنفية، على أن الذبح يكون يوم النحر ويومين بعده:

1.    بأن هذه القربة تختص بأيام النحر دون أيام التشريق(162).

2.  بما روي عن جمع من الصحابة. قال الكاساني: «والصحيح قولنا، لما روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي، وابن عباس، وابن سيدنا عمر، وأنس بن مالك - رضي الله عنهم- أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها، والظاهر أنهم سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ لأن أوقات العبادات والقربات لا تُعرف إلا بالسمع »(163).

3.    ولأن الذبح مسارعة إلى الخير، فينبغي عدم تأخيره بعد يومين من النحر(164).

4.  ولأن الله - جل شأنه- أضاف عباده في هذه الأيام بلحوم القرابين، فكانت التضحية في أول الوقت من باب سرعة الإجابة إلى ضيافة الله - جل شأنه- (165).

وعند الشافعية: أنَّ مدة ذبح الأضحية: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده. قال المزني: « والأضحى جائز يوم النحر وأيام منى كلها إلى المغيب؛ لأنها أيام نُسُك»(166). وقال الشربيني: «وقت التضحية  حتى تغرب الشمس آخر أيام التشريق وهي ثلاثة عند الشافعي - رحمه الله- »(167).

ومما استدلت به الشافعية، على أن ذبح الأضحية يستمر إلى آخر أيام التشريق الثلاثة:

1.  حديث(168)جبير بن مطعم- رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم-:  قال:" كل منى منحر،  وكل أيام التشريق ذبح"(169).

2.  حديث عقبة بن عامر- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إن يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب"(170).  وقد أورد البيهقي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه-: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم- نهى عن صيام قبل رمضان بيوم والأضحى والفطر وأيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر"(171).  وجاء في شرح صحيح مسلم: «وأيام التشريق ثلاثا»(172). وقد بوَّب البيهقي لهذه الأحاديث، بقوله: باب، النحر يوم النحر، وأيام منى كلها(173).

1.    ولأنَّ حكم ثالث أيام التشريق حكم اليومين قبله في الزمن وفي تحريم الصوم، فكذا في الذبح(174).

وممّا ينبني على هذا الخلاف بين الفقهاء: أن من فاته وقت الذبح، وكان قادراً على الأضحية، فقد نصت الحنفية على وجوب التصدق عليه بمقدار ثمن شاة، وذلك بعد يومين من النحر. جاء في فقه العبادات للحنفية: «ولو فات الوقت، وكان المكلف ممن تتوفر فيهم شروط وجوبها، وجب عليه التصدق بمقدار ثمن شاة، ولو مات أيام النحر سقطت عنه، أما لو مات بعدها ولم يضحِّ، فعليه أن يوصي بالتصدق بثمنها»(175)، وهذا هو ما قاله الكاساني(176).

شروط صحة ذبح الأضحية:

1.  اشترطت المالكية: أن يكون الذبح نهاراً، فلا يصح بالليل (177). لكن قد نصت الحنفية على الكراهة فقط. قال الكاساني: « يكره الذبح بالليل، لا لأنه ليس بوقتٍ للتضحية »(178). وبمثله ذكر السرخسي(179). وكذلك نصَّت الشافعية على الكراهة، مبينة وجه العلة في كراهة الذبح في الليل. فقد جاء في كفاية الأخيار: «تكره التضحية ليلاً، خشية أن يخطئ المذبح، أو يصيب نفسه، أو يتأخر بتفريق اللحم طريّاً»(180). والقول بالكراهة هو كذلك قول الحنابلة(181).

2.    أن يكون الذابح مسلماً، فلا يصح ذبح الكافر(182). وهذا شرط للمالكية.

قال عبد الوهاب المالكي: «وإن استناب فيها من هو من أهل القربة أجزأه، وذلك المسلم العاقل فقط حراً كان أو عبداً، رجلاً أو امرأة، بالغاً أو مراهقاً»(183).

وأمّا الحنفية والشافعية والحنابلة، فإنهم نصوا على كراهة ذبح الكتابي للأضحية. قال الكاساني: «يكره ذبح الكتابي، أما المشرك والمجوسي والوثني، فلا يجوز ذبحه أصلاً»(184). وقال الشافعي: « أكره أن يذبح شيئاً من النسائك مشرك »(185). وقال الشيرازي: « والمستحب أن لا يستنيب إلا مسلماً؛ لأنه قربة فكان الأفضل أن لا يتولاها كافر»(186). وقال ابن قدامة: «لا يستحب أن يذبح الأضحية إلا المسلم؛ لأنها قربة فلا يليها غير أهل القربة »(187).

أيُّهما أفضل الأضحية أم التصدق بثمنها؟

الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها، وذلك لحديث عائشة – رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما عمل ابن آدم عملاً يوم النحر أحب إلى الله من هراقة دم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا"(188). قال السرخسي: «والأضحية أحب إلي من التصدق بمثل ثمنها»(189). وقال البهوتي: « وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها »(190).

والسبب في هذا أن فضل الأضحية عظيم، ولا يقارن بالصدقة. وقد بين ابن القيم أن الشخص لو تصدق بأضعاف قيمة الأضحية، فإن هذا لا يقوم مقام الأضحية، فقال: « الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه، فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود، فإنه عبادة مقرونة بالصلاة، كما قال تعالى:﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]. وقال تعالى:﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[الأنعام:162]. ففي كل ملة صلاة ونسك لا يقوم غيرها مقامها، ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف القيمة لم يقم مقامه، وكذلك الأضحية»(191).

ما يندب للمضحي:

1.  يندب للمضحي تأخير حلق الشعر من سائر البدن أو تقليم الأظافر إلى ما بعد عشر ذي الحجة حتى يضحي(192). قال الشيرازي: «ومن دخلت عليه عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي، فالمستحب أن لا يحلق شعره ولا يقلم أظفاره حتى يضحي »(193).

2.   يندب أن تكون الأضحية سمينة (194).قال البهوتي: «ويسَنُّ استسمان الأضحية واستحسانها، لقول الله تعالى:﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]. قال ابن عباس: تعظيمها: استسمانها، واستعظامها واستحسانها، ولأن ذلك أعظم لأجرها وأكثر لنفعها»(195).

3.    يندب أن تكون الأضحية بيضاء، وهذا ما نصَّ عليه الشافعية (196)، والحنابلة(197).

4.    يندب أن تكون الأضحية سالمة من العيوب التي تجزئ الأضحية معها(198).

5.    يندب أن تكون الأضحية ذكراً أقرن أبيض فحلاً، إن لم يكن الخصي أسمن، وهذا ما نص عليه المالكية (199).

6.  يستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة. قال الكاساني: «يستحب أن يكون الذابح حال الذبح متوجها إلى القبلة»(200).قال المزني: «وأحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة(201). وجاء في متن أبي شجاع: « ويستحب عند الذبح خمسة أشياء: التسمية، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- واستقبال القبلة بالذبيحة، والتكبير، والدعاء بالقبول»(202). وبمثله قال صاحب التذكرة (203). وصاحب كفاية الأخيار(204). وقد علَّل الشيرازي استحباب القبلة، فقال: « لأنها قربة لابد فيها من جهة، فكانت القبلة فيها أولى»(205). وجاء في كفاية الأخيار: «وأما توجيه الذبيحة إلى القبلة، فلأنها خير الجهات، ولأنه عليه الصلاة والسلام وجه ذبيحته إلى القبلة، وقيل: ينبغي أن يكره؛ لأنها حالة إخراج نجاسة فهي كالبول، وأجيب: بأنها حالة يستحب فيها ذكر الله تعالى بخلاف تلك»(206).

7.  يندب للمضحي أن يبسمل وأن يكبر(207). قال البهوتي: «ويقول حين يحرك يده بالنحر أو الذبح: بسم الله وجوباً، والله أكبر استحباباً، اللهم هذا منك ولك ولا بأس بقوله: اللهم تقبل من فلان»(208).

 لكن قد نصَّ المالكية على أنه يكره للمضحي أن يقول بعد التسمية: اللهم منك وإليك؛ لأنه لم يصحبه عمل أهل المدينة(209). وقد قال ابن قدامة الحنبلي: « وليس عليه أن يقول عند الذبح عمَّن؛ لأن النية تجزئ »(210).

8.  يندب للمضحي أن يذبح الأضحية بنفسه، إن كان يحسن الذبح؛ لأنها عبادة، واقتداء بفعله - صلى الله عليه وسلم- وإن كان لا يحسن الذبح، فالأولى أن يوليها غيره(211). قال الكاساني: «وهذا إذا كان الرجل يحسن الذبح بنفسه ويقدر عليه، فأما إذا لم يحسن فتوليته غيره فيه أولى»(212). وبمثله قال عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي(213)، وعبد الرحمن البغدادي المالكي(214)، والشيرازي(215)، وابن قدامة(216).

أمَّا هل تذبح المرأة ؟ فقد قال الشربيني: «أمّا المرأة: فالسنَّة لها أن توكِّل»(217).

9.  يندب أن يحضر الأضحية ويشهدها، إن لم يكن قادراً على الذبح بنفسه (218). قال الشربيني:«وأن يكون ذلك في بيته بمشهد من أهله، ليفرحوا بالذبح ويتمتعوا باللحم»(219).

10.           يندب للمضحي أن ينحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، وأما غيرها فالذبح على جنبها الأيمن(220).

11.           يندب أن تكون آلة الذبح حادّة من الحديد(221).

12.     يندب أن يأكل المضحي من الأضحية، وأن يتصدق، وأن يدَّخِر(222). وذلك لقوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]،  ولحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه-  قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم"(223).

قال الكاساني:  «الدماء أنواع ثلاثة: نوع يجوز لصاحبه أن يأكل منه بالإجماع، ونوع لا يجوز له أن يأكل منه بالإجماع، ونوع اختلف فيه: فالأول: دم الأضحية... والثاني: دم الإحصار وجزاء الصيد ودم الكفارة الواجبة... والثالث: دم المتعة و القران» وهذا مختلف فيه(224).

وقد نصَّت الحنفية على أنه يستحب أن لا تنقص الصدقة منها عن الثلث، إلا إن كان ذا عيالٍ، فيندب أن لا يتصدق منها بشيء، حتى يوسِّع عليهم. قال الكاساني: «والتصدق أفضل إلا أن يكون الرجل ذا عيال و غير موسع الحال، فإن الأفضل له حينئذ أن يدعه لعياله ويوسع به عليهم، ولأن حاجته وحاجة عياله مقدمة على حاجة غيره» (225).

ولم تشترط المالكية في أن يقسمها أثلاثا، لكن قالوا: يستحب أن يجمع بين الأكل منها والتصدق والإهداء بلا حدٍّ في ذلك بثلث أو غيره(226). قال عبد الرحمن البغدادي المالكي: «ويأكل ويتصدق بغير حدٍّ»(227).

لكن قد نصَّ ابن ضويان، والبهوتي، وهما من الحنابلة، على أن المضحي إن أكل أضحيته كلها، إلا قدر أوقية، وتصد ق بها جاز، وإن لم يتصدق منها بشيء لزمته غرامة، بمقدار أوقية من اللحم(228).  وقد جوز الحنابلة أن يطعم بها كافراً. قال ابن قدامة: » ويجوز أن يطعم منها كافراً؛ لأنه طعام له أكله فجاز إطعامه للذمي كسائر طعامه، ولأنه صدقة تطوع فجاز إطعامها الذمي والأسير كسائر صدقة التطوع»(229).

ما يكره للمضحي:

1.  يكره للمضحي أن يأخذ من شعره وأظفاره، إذا دخلت العشر من ذي الحجة، حتى يضحي(230). وقد نص الحنابلة على أنه يحرم عليه ذلك. قال ابن ضويان: «وإذا دخل العشر حرم على من يضحي أو يضحى عنه أخذ شيء من شعره أو ظفره إلى الذبح»(231). وبمثله قال البهوتي(232).

2.  يكره التغالي في ثمن الأضحية زيادة على عادة أهل البلد، وكذا زيادة العدد لما في ذلك من المباهاة أما إن نوى بزيادة الثمن أو العدد الثواب وكثرة الخير فيندب له ذلك(233).

3.  يكره جز صوف الأضحية قبل الذبح لما فيه من نقص جمالها إن لم ينبت مثله لوقت الذبح(234). قال الحنفية: وإن فعل تصدق به(235).

4.  يكره ركوب الأضحية وتأجيرها والانتفاع بلبنها قبل ذبحها، بل يتصدق بكل ما يأخذه منها؛ لأنه اشتراها قربة لله تعالى، فلا ينتفع بشيء منها حتى يذبحها(236). وإن كان بها لبنٌ، فقد نصَّ الحنفية: على أنه ينضح ضرعها بالماء البارد حتى يتقلص منه اللبن(237). قال الكاساني: «ويكره الانتفاع بجزء من أجزائها قبل إقامة القربة... لأن الحلب و الجز يوجب نقصاً فيها، وهو ممنوع عن إدخال النقص في الأضحية»(238).

وأما الانتفاع بالجلد: فقد نصَّ الشافعية والحنابلة، على أنَّ له أن ينتفع بالجلد. قال الشيرازي: «ويجوز أن ينتفع بجلدها، فيضع منه النعال والخفاف والفراء»(239)، وقد بين الشربيني، أن الانتفاع به، هو من فعل الصحابة(240).وقال ابن قدامة: «وله أن ينتفع بجلدها ولا يبيعه ولا شيئاً منها»(241).

5.  يكره للمضحي أن يبيع شيئاً من أضحيته(242). وقد نصَّ الحنابلة: على حرمة بيع شيء منها. قال ابن ضويان: «ويحرم بيع شيء منها حتى من شعرها وجلدها»(243).

 لكن قد نصَّ الحنفية: على أنه يجوز للمضحي أن يبيع جلد أضحيته بما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه من متاع البيت كالجراب والمنخل؛ لأن البدل الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يقوم مقام المبدل، فكان المبدل قائماً معنى، فكان الانتفاع به كالانتفاع بعين الجلد بخلاف البيع بالدراهم والدنانير؛ لأن ذلك مما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فلا يقوم مقام الجلد(244). قال السرخسي: «ولا بأس بأن يشتري بجلد الأضحية متاعاً للبيت؛ لأنه لو دبغه وانتفع به في بيته جاز وكذلك إذا اشترى به ما ينتفع به في بيته»(245). 

6.  يكره أن يعطي الجزار منها شيئاً على سبيل الأجرة(246)،  لما روي عن علي - رضي الله عنه-  قال: "أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم-  أن أقوم على البدن، ولا أعطي عليها شيئا في جزارتها"(247).

 وأمَّا أن يعطى الجزار من الأضحية على سبيل الصدقة أو الهدية، فهذا جائز. قال ابن ضويان: « وله إعطاؤه صدقة أو هدية لدخوله في العموم، ولأنه باشرها وتاقت إليها نفسه»(248). قال البهوتي: «ولا يعطى جازرها أجرته منها لأنه معاوضة، ويجوز أن يهدي له أو يتصدق عليه منها»(249).

الخاتمة:

بعد بيان أحكام الأضحية، وتفصيلاتها: أختم بحثي هذا بالمبادرة إلى القيام بهذه الشعيرة العظيمة، وألا نكون ممن يذبحون الذبائح طوال العام، ثم إذا أتى العيد حصل التكاسل، عن القيام بشعيرة الأضحية.

اللهم أعد علينا هذا اليوم أعواماً عديدة، وأزمنة مديدة، واجعلنا من عبادك الصالحين.

والله تعالى أعلم,والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/ 20 رجـب 1428هـ الموافق 3 / 8 /2007 م.

مراجعة: عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) - شعب الإيمان 5/480، برقم: 7333. قال في مشكاة المصابيح: صحيح،  1/330، برقم: 1470.

(2)- أنيس الفقهاء 1/278. 

(3)- كتاب العين 3/266. 

(4) - مختار الصحاح 1/403

(5)- تاج العروس 1/8472. 

(6)- المصباح المنير 2/359.

(7)- فقه العبادات - حنفي 1/205، وانظر: كفاية الأخيار 1/695، وانظر: التلقين 1/262، وانظر: فقه العبادات – مالكي 1/395، وانظر: مغني المحتاج 4/282، وانظر: فقه العبادات - شافعي 1/791، وانظر: الروض المربع 1/288، وانظر: الإقناع1/401.

(8)- أشرف المسالك 1/121.

(9)- المغني 11/95.

(10) - أملحين: قال ابن الأعرابي وغيره: الأملح هو الأبيض الخالص البياض. وقال الأصمعي: هو الأبيض ويشوبه شيء من السواد، نظر: شرح صحيح مسلم 3/1556.

(11)- صفاحهما: جمع صفحة، وهي جانب العنق، وصفحة كل شيء جانبه، وإنما فعل هذا ليكون أثبت له وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه. انظر: شرح صحيح البخاري 5/2113. شرح صحيح مسلم  3/1556.

(12) - صحيح البخاري 5/2113، برقم: 5238. 

(13)- انظر: مغني المحتاج 4/282، الروض المربع 1/288.

(14)- الشرح الممتع 7/454-455.

(15) - انظر: أحكام العيدين وعشر ذي الحجة لعبد الله الطيار ص: 65.

(16) - المبسوط 6/171. 

(17)- الكتاب 1/204، وانظر: فقه العبادات - حنفي 1/205. 

(18)- بداية المجتهد 1/597. 

(19)- التلقين 1/262. 

(20)- أشرف المسالك 1/121. 

(21)- بداية المجتهد 1/597، وانظر: فقه العبادات- مالكي 1/396. 

(22) - مغني المحتاج 4/282.

(23)- الأم 2/348. 

(24)- مختصر المزني 1/299. 

(25)- المهذب 1/74. 

(26)- انظر: متن أبي شجاع 1/347، كفاية الأخيار 1/695. فقه العبادات - شافعي 1/793. 

(27)- المغني 11/95.

(28)- الإقناع1/408. 

(29)- منار السبيل 1/189. 

(30)- الروض المربع 1/291، وانظر: العمدة 1/206، وانظر: الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.وانظر: فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(31) - المبسوط 6/171. 

(32) صحيح البخاري 1/329، برقم: 925.

(33) - المبسوط 6/171. 

(34) - سنن ابن ماجه 2/1053، برقم: 3151. 

(35)- سنن ابن ماجه 2/1044، برقم: 3123. قال الألباني:حسن، انظر: صحيح ابن ماجة 2/199، برقم: 2532. 

(36) - صحيح البخاري 5/2107. 

(37)- صحيح مسلم 3/1563، برقم: 1977. 

(38)- بداية المجتهد 1/597. 

(39)- مختصر المزني 1/299. 

(40) - المبسوط 6/171. 

(41)- المغني 11/95.

(42)- بداية المجتهد 1/597. 

(43)- تفسير ابن كثير1/312.

(44) - المبسوط 6/171. 

(45)- بدائع الصنائع 4/205.

(46) - بداية المجتهد 1/600، وانظر: التلقين 1/262، وانظر: فقه العبادات- مالكي 1/396. 

(47)- المهذب 1/74. 

(48) - مغني المحتاج 4/282.

(49) - المغني 11/100، وانظر: الكافي في فقه ابن حنبل 1/542، وانظر: فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(50) -  الضأن: ماله ستة أشهر، وعلامته: أن يرقد صوف ظهره بعد قيامه، وإما ثنية معز أكملت السنة، وخلت في الثانية، وإما بما بلغ الثالثة من البقر، والخامسة من الإبل. انظر: فقه العبادات للمالكية 1/396. وانظر: منار السبيل 1/189. 

(51)-بدائع الصنائع 4/205.

(52) - المبسوط 6/171. 

(53)- بداية المجتهد 1/602. 

(54)- التلقين 1/262. 

(55)- مختصر المزني 1/299. 

(56)- التذكرة 1/158.

(57)- متن أبي شجاع 1/347. 

(58)- كفاية الأخيار 1/695. 

(59) - المغني 11/100، وانظر: الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(60) - لا تنقي: أي الهزيلة  التي ليس لها مخ، انظر: سنن أبي داود 2/106. 

(61)- سنن أبي داود 2/106، برقم: 2802. قال الألباني: صحيح، انظر:  صحيح أبي داود 2/539، برقم: 2431.

(62) - المبسوط 6/171. 

(63)- بداية المجتهد1/601. 

(64)- المغني 11/101، وانظر: الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(65)- فقه العبادات - شافعي 1/799. 

(66)- الأم 2/348. 

(67)- انظر: المغني 11/101. 

(68)- التلقين 1/262. 

(69)- المهذب 1/74. 

(70) - مغني المحتاج 4/282.

(71) -الأشباه والنظائر - شافعي 1/484. 

(72)- بداية المجتهد1/601. 

(73)- فقه العبادات - شافعي 1/799. 

(74) - الأوقية: مقدار أربعين درهما، انظر: الهداية 1/102. مغني المحتاج 1/389. 

(75)- فقه العبادات - شافعي 1/799،  فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(76)- فقه العبادات - حنفي 1/205. 

(77) - مغني المحتاج 4/282.

(78) - بداية المجتهد 1/600.

(79)- فقه العبادات- مالكي 1/396. 

(80) - بداية المجتهد 1/600، وانظر: فقه العبادات- مالكي 1/396. 

(81)- صحيح البخاري 5/2111، برقم: 5233.

(82)- مختصر المزني 1/299. 

(83)- المهذب 1/74. 

(84) - مغني المحتاج 4/282. 

(85) - المغني 11/99.

(86) - المغني 11/99. 

(87)- صحيح البخاري1/301، برقم: 841. 

(88) - المغني 11/99. 

(89) - مغني المحتاج 4/282، المغني 11/99. 

(90)- الروض المربع 1/288. 

(91)- بداية المجتهد 1/600.

(92)- عفراء: من العفرة: وهو بياض ليس بالناصع، انظر: القاموس المحيط 1/568.

(93)- سنن البيهقي الكبرى 9/273، برقم: 18870. قال الشيخ الألباني: حسن،  انظر: السلسلة الصحيحة 4/475, برقم: 1861.

(94)- البلقاء: بمعنى أن فيها سواد وبياض. مختار الصحاح 1/73.

(95)- مغني المحتاج 4/282. 

(96)- منار السبيل 1/189، وانظر: العمدة 1/206.

(97)- مختصر المزني 1/299. 

(98)- المغني 11/99. 

(99)- الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(100)- بداية المجتهد1/601. 

(101)- بدائع الصنائع 4/214.

(102) - الكتاب 1/204، وانظر: المبسوط 6/171. 

(103) -  المبسوط 6/171.  فقه العبادات - حنفي 1/205. 

(104) - المبسوط 6/171. 

(105)-المصدر السابق. 

(106)- بدائع الصنائع 4/214. 

(107)- بداية المجتهد1/601. 

(108)- فقه العبادات- مالكي 1/397. 

(109)- المصدر السابق. 

(110)- بداية المجتهد1/601. 

(111)- مختصر المزني 1/299

(112)- كفاية الأخيار 1/695. 

(113)- كفاية الأخيار 1/695،  المهذب 1/74،  مختصر المزني 1/299،  متن أبي شجاع 1/347،  فقه العبادات - شافعي 1/799. 

(114) - المغني 3/595. 

(115)- المغني 3/595، وانظر:  منار السبيل 1/189، وانظر: الروض المربع 1/288.

(116)- منار السبيل 1/189، وانظر: فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(117)- بدائع الصنائع 4/214. 

(118) - مغني المحتاج 4/282.

(119) سنن ابن ماجه 2/1051، برقم: 3146.

(120)- المغني 11/104. 

(121) - المبسوط 6/171. بداية المجتهد 1/603. كفاية الأخيار 1/695. المغني 11/119. 

(122) - المبسوط 6/171. 

(123)- بداية المجتهد 1/603. 

(124) - مغني المحتاج 4/282.

(125) - المصدر السابق.

(126)- المهذب 1/74. 

(127)- المغني 11/119. 

(128) - صحيح مسلم 2/955، برقم: 1318. 

(129) - المبسوط 6/171. بدائع الصنائع 4/205.

(130)- الأشباه والنظائر - حنفي 1/53. 

(131)- بدائع الصنائع 4/198. 

(132) - مغني المحتاج 4/282.

(133)- متن أبي شجاع 1/347. 

(134)- كفاية الأخيار 1/695. 

(135)- المغني 11/119. 

(136)- المهذب 1/74. 

(137)- فقه العبادات- مالكي 1/397. 

(138)- بداية المجتهد 1/603،  فقه العبادات- مالكي 1/397. 

(139)- أشرف المسالك 1/121. 

(140) - المبسوط 6/171. 

(141) - انظر: بدائع الصنائع 4/216.

(142)- سنن أبي داود 2/276، برقم: 3386. قال الشيخ الألباني: ضعيف،  ضعيف أبي داود 1/339، برقم: 733.

(143)- فقه العبادات - مالكي 1/400. 

(144)- المغني 11/112. 

(145)- بدائع الصنائع 4/212. 

(146) - المبسوط 6/171. 

(147) - المصدر السابق. 

(148)- التلقين 1/262. 

(149)- فقه العبادات - مالكي1/398. 

(150)- الأم 2/348، وانظر: متن أبي شجاع 1/347، وانظر: كفاية الأخيار 1/695، وانظر: فقه العبادات - شافعي 1/792. 

(151)- المهذب 1/74. 

(152)- التذكرة 1/158.

(153)- الأم 2/348. 

(154)- الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(155)- المغني 11/113. 

(156)- الروض المربع 1/288. 

(157)- صحيح البخاري 1/329، برقم: 925.

(158)- بدائع الصنائع 4/212. 

(159)- التلقين 1/262. وانظر: فقه العبادات - مالكي1/398. 

(160)- الروض المربع 1/288. 

(161)- الكافي في فقه ابن حنبل 1/542، وانظر: العمدة 1/206.وانظر: فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(162) - المبسوط 6/171، وانظر: الكتاب 1/204. 

(163)- بدائع الصنائع 4/198. 

(164)- بدائع الصنائع 4/219. 

(165)- بدائع الصنائع 4/219. 

(166)- مختصر المزني 1/299. 

(167) - مغني المحتاج 4/282، وانظر: التذكرة 1/158، وانظر: متن أبي شجاع 1/347، وانظر: كفاية الأخيار 1/695. 

(168)- كفاية الأخيار 1/695.  مغني المحتاج 4/282.

(169) - سنن البيهقي الكبرى 5/239، برقم: 10006. وقد علَّق البيهقي عن هذا الحديث بقوله: مرسل قوي؛ لأن راويه سويد، وقد رواه أبو معبد عن سليمان عن عمرو بن دينار عن جبير، وهو قول عطاء والحسن. سنن البيهقي الكبرى 5/239. قال ابن حجر: وهذه الزيادة [وكل أيام التشريق ذبح] ليست بمحفوظة، والمحفوظ: منى كلها منحر. تلخيص الحبير 4/142.

(170)- سنن النسائي 5/252، برقم: 3004.

(171)- سنن البيهقي الكبرى 4/208، برقم: 7742

(172)- صحيح مسلم 4/2062.

(173) - سنن البيهقي الكبرى 5/239.

(174)- كفاية الأخيار 1/695. 

(175)- فقه العبادات - حنفي 1/205.

(176)- بدائع الصنائع 4/211. 

(177)- فقه العبادات- مالكي 1/396. 

(178)- بدائع الصنائع 4/212. 

(179) - المبسوط 6/171. 

(180)- كفاية الأخيار 1/695. 

(181)- الروض المربع 1/288. 

(182)- فقه العبادات- مالكي 1/396. 

(183)- التلقين 1/262. 

(184)- بدائع الصنائع 4/219. 

(185)- الأم 2/376.                                                                                                                   

(186)- المهذب 1/74. 

(187)- المغني 11/117، وانظر: الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(188) - شعب الإيمان 5/480، برقم: 7333. قال في مشكاة المصابيح: صحيح، انظر:  مشكاة المصابيح 1/330، برقم: 1470.

(189) - المبسوط 6/171. 

(190)- الروض المربع 1/291. المغني 11/95. العمدة 1/206.

(191)- تحفة المودود ص: 65.

(192)- فقه العبادات - مالكي 1/399. 

 (193)- المهذب 1/74.  مغني المحتاج 4/282. التذكرة 1/158. المغني 11/96. 

(194)-  بدائع الصنائع 4/219.  فقه العبادات - مالكي1/398.  التذكرة 1/158. العمدة 1/206. فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(195) - المغني 11/99. 

(196)- التذكرة 1/158.

(197)- فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(198)- فقه العبادات - مالكي1/398. 

(199)- المصدر السابق. 

(200)- بدائع الصنائع 4/219. 

(201)- مختصر المزني 1/299، وانظر: فقه العبادات - شافعي 1/799. 

(202)- متن أبي شجاع 1/347. 

(203)- التذكرة 1/158.

(204)- كفاية الأخيار 1/695. 

(205)- المهذب 1/74. 

(206)- كفاية الأخيار 1/695. 

(207)- المهذب 1/74.  مختصر المزني 1/299. فقه العبادات - شافعي 1/799.  الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(208)- الروض المربع 1/288، فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(209)- فقه العبادات - مالكي 1/400. 

(210)- المغني 11/118. 

(211)- فقه العبادات - شافعي 1/799. الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(212)- بدائع الصنائع 4/219، وانظر: المبسوط 6/171، وانظر: الكتاب 1/204، وانظر: فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(213) - مغني المحتاج 4/282. فقه العبادات - مالكي 1/399. 

(214)- أشرف المسالك 1/121. 

(215)- المهذب 1/74. 

(216)- المغني 11/117. 

(217) -مغني المحتاج 4/282.

(218)- مغني المحتاج 4/282. فقه العبادات - حنفي 1/205. 

(219) - مغني المحتاج 4/282.

(220)- الروض المربع 1/288. 

(221)- بدائع الصنائع 4/219. 

(222)- مغني المحتاج 4/282. المغني 11/110،  منار السبيل 1/191، الكافي في فقه ابن حنبل 1/542، فقه العبادات - حنبلي 1/493. 

(223)- صحيح مسلم 2/672، برقم:977.  

(224)- بدائع الصنائع 4/219، وانظر: الكتاب 1/204. 

(225)- بدائع الصنائع 4/219. 

(226)- فقه العبادات - مالكي 1/399. 

(227)- أشرف المسالك 1/121. 

(228)- الروض المربع 1/291.

(229)- المغني 11/110. 

(230)- العمدة 1/206.

(231)- منار السبيل 1/191.

(232)- الروض المربع 1/291.

(233) - فقه العبادات - مالكي 1/400. 

(234) -فقه العبادات - مالكي 1/399. 

(235) - فقه العبادات- حنفي 1/205.

(236)- فقه العبادات- حنفي 1/205.

(237) - المبسوط 6/171. 

(238)- بدائع الصنائع 4/219. 

 (239)- المهذب 1/74. 

(240) - مغني المحتاج 4/282.

(241)- العمدة 1/206. المغني 11/110.  الروض المربع 1/291.

(242)- أشرف المسالك 1/121.  المهذب 1/74.  فقه العبادات - شافعي 1/799. الكافي في فقه ابن حنبل 1/542.

(243)- منار السبيل 1/191.

(244)- انظر: بدائع الصنائع 4/219. 

(245) - المبسوط 6/171. 

(246)- المغني 11/110.  فقه العبادات - حنبلي 1/493.  منار السبيل 1/191.

(247) - صحيح البخاري 2/613، برقم: 1629.

(248)- منار السبيل 1/191. فقه العبادات - شافعي 1/799.

(249)- الروض المربع 1/291.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
التداوي المؤثر على صحة الصوم
الأحد 30 سبتمبر 2012

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين، محمد صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 أما بعد:

فإنَّ الله تعالى شرع الصوم، لحِكمٍ عظيمة، ومقاصدَ جليلة، من أجل أن تتحقق التقوى في القلوب، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 183].

ومن حِكَم الصيام: إظهار العبودية لله تعالى، بترك شهوات الجسد طلبًا لمرضاته سبحانه، كما في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلا سبعمائة ضعف قال الله - عز وجل-: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك"(1).

 وهذه الأمور التي تبطل الصيام وتنقضه، من الأكل والشرب والجماع، يفهمها جميع الناس، بدون بحثٍ منهم وسؤال، لكن من الأمور التي قد يجهلها بعض الناس، أن الواحد منهم قد يحتاج إلى أن يتداوى لعلَّة به، فهل له أن يتناول الدواء في نهار رمضان، طالما أنه مأمور بالتداوي، أم ليس له ذلك؟ أم أنَّ له أن يتناول بعض الأدوية دون بعض؟

وفي هذا البحث المتواضع: سأبين ما هي الأدوية التي تؤثر في الصوم وتبطله، من أجل أن يجتبها الصائم، مبيَّنا في ذلك أقوال الفقهاء. سائلاً من المولى سبحانه التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 وسيكون السير في هذا البحث على النحو التالي:

1.    تعريف التداوي.

2.    مشروعية التداوي.

3.    مذاهب الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم.

4.    المناقشة والترجيح.

 

فأقول مستعينا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:

 

تعريف التداوي.

أ: تعريف التداوي في اللغة:

التداوي في اللغة: التعالج. قال الرازي: « الدَّوَاءُ ممدودٌ واحد الأَدوِيَةِ وكسر الدّال لغة فيه، وقيل الدّواء بالكسر: إنما هو مصدر دَاوَاهُ مُدَاوَاةً ودِوَاءً، والدَّوَى مقصورٌ: المرض، وقد دَوِيَ من باب: صدي، أي مرض، وأدوَاهُ غيره: أمرضه، ودَاوَاهُ: عالجه، يقال: فلان يدوي ويداوي، وتَدَاوَى بالشيء: تعالج به»(2). وقال الفيومي: «والدَّوَاءُ: ما يتداوى به، ممدودٌ وتفتح داله، والجمع: أَدوِيَةٌ، ودَاوَيتُهُ: مُدَاوَاةً»(3).

ب: تعريف التداوي في الشرع:      

التداوي في الشرع: هو تناول الدواء. قال في معجم الفقهاء: التداوي: هو« استعمال ما يكون به شفاء المرض بإذن الله تعالى، من عقارٍ، أو رقيةٍ، أو علاجٍ طبيعي»(4).

مشروعية التداوي.

التداوي مشروع في الكتاب والسنة.

ففي الكتاب، قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّختَلِفٌ أَلوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ ﴾ [النحل: 69]. قال القرطبي بعد ذكره لهذه الآية، وفيه: « دليل على جواز التعالج بشرب الدواء، وغير ذلك»(5).

وفي السُّنة:

- حديث جابر- رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله - عز وجل-"(6) .

- حديث أسامة بن شريك- رضي الله عنه- قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: " تداووا، فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داءٍ واحد: الهرم "(7). قال القرطبي: «والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى، وعلى إباحة التداوي» (8). وقال العز بن عبد السلام: «والتداوي من الأمراض دفع لمفسدةٍ ناجزة، أو تحصيل لمصلحةٍ ناجزة، وشرب الأدوية المرة تحصيل لمصلحةٍ ناجزة، أو درءٌ لمفسدةٍ ناجزة»(9).

مذاهب الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم.

·       المذهب الحنفي:

ذهبت الحنفية، إلى أن هناك حالات من التداوي، تؤثِّر على الصوم وتفسده، وهذا منهم بناءً على وصول هذه الأدوية إلى الجوف، أو الدماغ (10)، فقد بوَّب الرازي الحنفي، في كتابه (تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان) باب: ما يفطر من العلاج وما لا يفطر، ثم ذكر الأنواع التي يفسد صوم صاحبها بسبب تناولها، وهي كالتالي:

1.    الحقنة: وهي وضع الحقنة في الدبر(11).

2.    السَّعوط: وهو صب الدواء في الأنف(12).

3.    تقطير الدواء أو الدهن في الأذن.

4.    مداواة الجائفة، والجائفة: اسمٌ لجراحةٍ وصلت إلى الجوف(13).

5.    مداواة الآمَّة بدواءٍ رطب، والآمّة: الجراحة التي وصلت إلى أمّ الدّماغ(14).

 قال الرازي: «ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنه دواءً أو دهناً، أو داوى جائفة، أو آمَّة بدواء رطب، فوصل إلى جوفه أو دماغه لزمه القضاء » (15) . وبمثله قال صاحب الكتاب. وزاد: «وإن أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يفطر» (16). قال صاحب الهداية: «فكأنه وقع عند أبي يوسف - رحمه الله- أن بينه وبين الجوف منفذا»(17).

 لكن قد حصل في بعض ما تقدم عن الحنفية خلاف بينهم، ومن ذلك: التقطير في الأذن، ومداواة الجائفة أو الآمة.

أما التقطير في الأذن: فقد نصَّ الحنفية على أن تقطير الماء في الأذن مفسدٌ للصوم في الأصح عندهم. قال الطحاوي في حاشيته على المراقي، وهو يعدِّد ما يبطل الصوم، فقال: «أو أقطر في أذنه ماءً في الأصح »(18)، وعلَّله صاحب المراقي بقوله:« لوصول المفطر دماغه بفعله» (19).

لكن قد قال المرغياني الحنفي: «ولو أقطر في أذنيه الماء أو دخلهما لا يفسد صومه لانعدام المعنى والصورة بخلاف ما إذا دخله الدهن»(20). فهذا تفريق منه بين الماء والدهن.

 وأمَّا مداوة الجائفة أو الآمَّة: فقد نص المرغياني على أن «مداوة الجائفة أو الآمَّة مفسدٌ للصوم عند أبي حنيفة بخلاف صاحبيه أبي يوسف ومحمد: وقالا: لا يفطر، لعدم التيقن بالوصول لانضمام المنفذ مرة واتساعه أخرى، كما في اليابس من الدواء»(21).

·       المذهب المالكي:

ذهبت المالكية إلى أن هناك أنواعاً من التداوي تبطل الصوم وتنقضه، وهي كالتالي:

1.  الحقنة، وذلك إذا وصلت إلى الجوف. جاء في المدونة: «أرأيت من احتقن في رمضان أو في صيام واجب عليه أيكون عليه القضاء والكفارة في قول مالك؟ قال: قال مالك: عليه القضاء»(22). وهذا مقيد عن المالكية ن بما إذا وصلت الحقنة إلى جوفه(23). وقد نقل ابن قدامة عن مالك: أن اختلف عنه في الحقنة(24). قال عبد الرحمن البغدادي المالكي: قال مالك: «أكره الحقنة للصائم، فإن احتقن في فرج بشيء يصل إلى جوفه، فالقضاء ولا يُكَفِّر» (25).

2.    السعوط، وذلك إذا وصل إلى الحلق(26).

3.  الكحل إن كان يدخل إلى الحلق، فقد فرقت المالكية في هذا بين من يدخل الكحل إلى حلقه ومن ليس كذلك، وبالتالي يختلف الحكم بينهما. جاء في المدونة الكبرى للمالكية: «قلت: فهل كان مالك يكره الكحل للصائم؟ فقال: قال مالك: هو أعلم بنفسه، منهم من يدخل ذلك حلقه، ومنهم من لا يدخل ذلك حلقه، فإن كان ممن يدخل ذلك حلقه فلا يفعل قلت: فإن فعل أترى عليه القضاء والكفارة ؟ فقال قال مالك: إذا دخل حلقه وعلم أنما قد وصل الكحل إلى حلقه فعليه القضاء قلت: أفيكون عليه الكفارة ؟ قال: لا كفارة عليه عند مالك» (27).

وممَّا ينبغي التنبيه عليه في المذهب المالكي: أن كلمة الجوف تطلق على كل ما كان داخل الجسم، سواء كان معدة أو أمعاء أو غيرهما، ولكن علماء المذهب حملوا الجوف على المعدة والأمعاء(28). قال عبد الرحمن بن محمد بن عسكر شهاب الدين البغدادي المالكي: «ولولا ذلك لكان كلام مالك مقيدا للإفطار والقضاء بالحقن في الإحليل والقبل؛ لأن الحقنة في كل منهما تصل إلى الجوف»(29). فهو يشير بهذا إلى أن للمالكية في الحقنة قول آخر، وهو عدم الإفطار بها، وهذا إنما يكون عند حمل الجوف على معناه الخاص، والذي هو المعدة والأمعاء.

·       المذهب الشافعي:

نصَّت الشافعية على أن الصيام هو:« الإمساك عن وصول العين إلى ما يسمى جوفاً.

 - فخرج بالعين: الأثر، كالريح بالشم، وحرارة الماء وبرودته بالذوق.

 - وخرج بالجوف: ما لو داوى جرحه الذي على لحم الساق أو الفخذ فوصل الدواء إلى داخل المخ أو اللحم أو غرز فيه حديدة، فإنه لا يفطر؛ لأنه ليس بجوف»(30).

أما بيان التداوي المبطل للصوم عند الشافعية، فهو على النحو التالي:

1.  الحقنة(31). قال الشيرازي: «وإن احتقن بطل صومه؛ لأنه إذا بطل بما يصل إلى الدماغ لسعوط، فلأن يبطل بما يصل إلى الجوف بالحقنة أولى»(32).

2.    السعوط إن وصل إلى الجوف(33).

3.  مداواة الجرح حتى يصل إلى الجوف أو الدماغ. قال المزني: «أو احتقن أو داوى جرحه حتى يصل إلى جوفه أو استعط حتى يصل إلى جوف رأسه فقد أفطر إذ كان ذاكرا ولا شيء عليه إذا كان ناسيا»(34).

4.  صب الماء في الأذن حتى يصل إلى الدماغ. قال الشيرازي: «فإذا استعط أو صب الماء في أذنه، فوصل إلى دماغه بطل صومه، لما روى لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استنشقت فبالغ في الوضوء إلا أن تكون صائما"(35). فدل على أنه إذا وصل إلى الدماغ شيء بطل صومه، ولأن الدماغ أحد الجوفين فبطل الصوم بالواصل إليه كالبطن»(36).

5.  التقطير في الإحليل (وهو مخرج البول من الذكر واللبن من الثدي) (37). قال الشربيني: «والتقطير في باطن الأذن وإن لم يصل إلى الدماغ، وباطن الإحليل... مفطرٌ في الأصح بناء على الوجه الأول، وهو اعتبار كل ما يسمى جوفا والثاني: لا بناءً على مقابله»(38). وبمثله قال الشيرازي الشافعي(39).

·       المذهب الحنبلي:

ذهبت الحنابلة، إلى أن التداوي المؤثر على صحِّة الصوم هو ما يلي:

1.    السعوط.

2.    الحقنة.

3.    مداواة الجائفة بما يصل إلى الجوف.

4.    الاكتحال بما يصل إلى الحلق.

5.    مداواة المأمومة، حتى يصل إلى الدماغ.

6.    تقطير الماء في الأذن بما يصل إلى الدماغ.

قال ابن قدامة: «باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة.

أو استعط، أو احتقن، أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه، أو داوى المأمومة، أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه، أو أدخل في جوفه شيئا من أي موضع كان ... فسد صومه، وإن كان مكرهاً أو ناسيا لم يفسد»(40). وبمثله قال البهوتي في كتابيه: (الروض المربع(41)، وشرح منتهى الإرادات)(42)، وكذلك قاله ابن ضويان في كتابه: (منار السبيل)(43). وغيرهم(44).

ويتبين من قول الحنابلة أن الجوف يشمل كل ما يدخل الجسم جاء في الشرح الكبير: «ويفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك»(45).

7.  الكحل إن وصل إلى الحلق. قال ابن قدامة: «فأما الكحل فإن وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطَّره، وإلا لم يفطِّره نص عليه أحمد»(46)، وقد عللت الحنابلة ذلك، بأن الكحل يصل إلى جوف الصائم باختياره فيفطره كالواصل إلى الحلق، ولأن الدماغ جوف والواصل إليه يغذيه فيفطر كجوف البدن»(47).

·       المذهب الظاهري:

ذهبت الظاهرية إلى خلاف ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في التداوي المؤثر على صحة الصوم، وبناء عليه: قالوا: لا يفسد الصوم شيء ممّا تقدم، وذلك لعدم ورود النهي الصريح من القرآن والسنة على من أراد التداوي بهذه الأمور، وكونه لم يرد دليل على ذلك، فكان فعل التداوي غير ناقض للصوم. قال ابن حزم: «ولا ينقض الصوم ... ولا حقنة، ولا سعوط، ولا تقطير في أذن، أو في إحليل، أو في أنف، ولا استنشاق وان بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمُّد، ولا كحل وإن بلغ إلى الحلق نهاراً أو ليلاً بعقاقير أو بغيرها»(48).

خلاصة أقوال الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم:

1.  الحقنة: وهي مبطلة للصوم، عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة. وعند المالكية - بشرط وصولها إلى الجوف- وقد اختلف عن مالك في الحقنة.

2.   السعوط: مبطل للصوم عند الحنفية، والحنابلة، وعند المالكية- إن وصل إلى الحلق- وعند الشافعية- إن وصل إلى الجوف-.

3.     تقطير الماء أو الدهن في الأذن: مبطل للصوم عند الشافعية، والحنابلة، وعند الحنفية، أنه مبطل بالدهن باتفاق، وفي الماء باختلاف بينهم في المذهب.

4.      مداواة الجائفة، والآمَّة: مبطل للصوم عند أبي حنيفة – إن كان التداوي بدواء رطب- وعند الشافعية والحنابلة إن وصل الدواء إلى الجوف أو الدماغ، وغير مبطل للصوم عند صاحبي أبي حنيفة، والمالكية.

5.     التقطير في الإحليل: مبطل للصوم في القول الأصح عند الشافعية، وهو قول الحنابلة، وصاحبي أبي حنيفة، وغير مبطل للصوم عند أبي حنيفة.

6.    الكحل: مبطل للصوم عند المالكية- إن دخل إلى الحلق- وهو قول الحنابلة، وغير مبطل للصوم عند الحنفية، والشافعية.

وأما الظاهرية: فلا يفسد الصوم عندهم شيء مما تقدم.

المناقشة والترجيح:

 بعد بيان أقوال الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم، نستطيع أن نقول: إن هناك شبه اتفاق بين الأئمة الأربعة في بطلان صوم من أوصل شيئا إلى جوفه بسبب تداويه- وإن كان هناك خلاف في المذهب الواحد أو في المذاهب بعضها ببعض في بعض ما تقدم- .

 إلا أن هذا الخلاف بينهم، إنما هو مبنيٌّ على اعتبار وصول الدواء إلى الجوف أو عدم وصوله، ومبنيٌ كذلك على معنى الجوف، ومن ذلك:

·       اختلافهم في الكحل، هل يفسد الصوم؟

 فذهبت الحنفية والشافعية: إلى أن الكحل لا يبطل الصوم، لما روي عن عائشة- رضي الله عنه- قالت: -" اكتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو صائم"(49)، قال الكاساني: «ولو اكتحل الصائم لم يفسد، وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء»(50). وذلك لأن العين ليست منفذاً، فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه. وقد بيَّن المرغياني الحنفي: أن الكحل نوع ارتفاق، وليس من محظورات الصوم(51).

وأما المالكية،: فقد فرقت بين أن يصل الكحل إلى الحلق، أو لا يصل، ومن هنا يختلف الحكم، وهو قول للحنابلة. والقول الآخر للحنابلة: أن الكحل مفسد للصيام؛ «لأنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه، فأفطر به كما لو أوصله من أنفه» (52).

·       اختلافهم في الحقن، والتقطير في الإحليل، ومداواة المأمومة والجائفة، هل تبطل الصوم؟

تقدم أنه اختلف عن مالك في الحقنة، وعن أبي حنيفة في عدم الإفطار بالتقطير في الإحليل، وعن المالكية في عدم الإفطار بمداواة المأمومة والجائفة، وعن الظاهرية في عدم الإفطار بجميع ما تقدم.

ولعل السبب في قول الظاهرية، ومن وافقهم من الفقهاء في بعض ما سبق، هو حمل الجوف على معناه الخاص، أي: المعدة والأمعاء، وعليه: فإنَّ تعاطي بعض الحقن، والمداواة للجروح، ليس أكلاً ولا شربًا في لغةٍ ولا عرف، ولا ينافي قصد الشارع من الصيام، فلا نجعل لذلك حكم الإفطار. قال ابن حزم: «إنما نهانا الله في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي، وما علمنا أكلاً ولا شربًا يكون من دبر أو إحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جُرح في البطن أو الرأس، وما نهينا قط عن أن نوصل إلى الجوف- بغير الأكل والشرب- ما لم يحرم علينا إيصاله»(53).

وقد تولَّى ابن تيمية، ذكر هذا الخلاف بين الفقهاء، ومناقشة هذه المسألة، والترجيح فيها، فقال: «وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك. والأظهر: أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فان الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل احد من أهل العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في ذلك لا حديثا صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً، علم أنه لم يذكر شيئا من ذلك»(54).

فبان بهذا أنَّ قول ابن تيمية موافقٌ لقول الظاهرية، وكذلك لقولِ من لم ير الإفطار - في بعض المسائل - من الأئمة الأربعة، وذلك لعدم ورود النص الصريح من الكتاب والسنة، في إبطال الصوم بهذه الأمور.

إلا أنه بقي أن يقال: إن الفقهاء قد احتجوا بأنهم إنما أبطلوا الصوم بما تقدم ذكره ؛ لأن هذه الأدوية تصل إلى الجوف، وقد استنبطت الشافعية من قوله – صلى الله عليه وسلم-: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"(55). أنَّ هذا دليلٌ على أنه إذا وصل إلى الدماغ شيء بطل به الصوم؛ لأن الدماغ أحد الجوفين، فيبطل به الصوم، كما يبطل بالواصل إليه من البطن(56).

لكن قد أجاب ابن حزم عن هذا الاستدلال، فقال:« ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق، وإنما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم» (57). وقد أجاب ابن تيمية، عن هذا الاحتجاج، فقال: «والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس وأقوى ما احتجوا به قوله: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما". قالوا: فدلَّ ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه، والذين استثنوا التقطير، قالوا: التقطير لا ينزل إلى جوفه وإنما يرشح رشحا، فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه... وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه:

أحدها: إنّ القياس وان كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته، فقد قلنا في الأصول: إن الأحكام الشرعية كلها بينتها النصوص أيضاً وان دل القياس الصحيح على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية، فإذا علمنا بان الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب، وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد، ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء التي ذكرها بعض أهل الفقه، فعلمنا أنها ليست مُفطرة.

 الثاني: إنّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول - صلى الله عليه وسلم- بياناً عامّاً، ولابد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا، عُلم أنَّ هذا ليس من دينه»(58).

قلت: كلام ابن تيمية في عدم الإفطار بما تقدم، مبني على الأصل، وهو عدم ورود الدليل من الكتاب أو السنة بالمنع، فحيث لم يرد الدليل، يبقى الأصل، وهو الإباحة، كما هو مقرر في مواضعه في أصول الفقه.

لكن هناك مما يدخل إلى جوف الإنسان، كالحقن المغذية، والتي هي في معنى الأكل والشرب، وتقوم مقام التغذي؛ لأن صاحبها يستغني بها عن الطعام، فهل يلغى هنا القياس على الأكل والشرب، وهل نجعل حكم الحقن واحدا في عدم الإفطار؟

والجواب: لا؛ لأن الحقن المغذية، وإن لم تكن في حقيقتها طعاما ولا شراباً، إلا أنها تجعل صاحبها يستغني عن الطعام، ولا يشعر بالجوع والعطش كالصائم، فهي تقوم مقام الأكل معنىً، وتنافي مقصدٌ من مقاصدِ الصيام.

ومن هنا نستطيع أن نقول: إن هناك فرقا بين الحقن ( الإبر) التي يتناولها الصائم، بمعنى: إن كانت هذه الحقن غير مغذية، فلا إشكال في تناولها- وإن كان الاحتياط للصائم أن يؤخرها إلى الليل، خروجا من خلاف كثيرٍ من الفقهاء القائلين بأنها تفطر- وإن كانت الحقن مغذية، فلا يجوز تناولها، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة.

جاء في الفتوى: «يجوز التداوي بالحقن في العضل والوريد للصائم في نهار رمضان، ولا يجوز للصائم تعاطي حقن التغذية في نهار رمضان؛ لأنه في حكم تناول الطعام والشراب فتعاطي تلك الحقن يعتبر حيلة على الإفطار في رمضان، وإن تيسر تعاطي الحقن في العضل والوريد ليلاً فهو أولى»(59).

ومن المسائل المعاصرة في زماننا: استعمال بخَّاخ الرَّبو في نهار رمضان، لمن يعاني من أزمة في التنفس، هل يبطل الصيام بناءً على أنه يصل إلى الجوف، أم لا؟

 مما تقدم: يمكن تخريج هذه المسألة على قول الظاهرية، وابن تيمية، وغيرهم، فيقال: إن استعمال بخاخ الربو في نهار رمضان لا يفسد الصيام؛ لأنه غاز مضغوط يذهب إلى الرئة، ويفتح مسام العروق لضرورة التنفس، وليس بطعامٍ ولا شراب، وكذلك لا يحصل به معنىً من معاني التغذي، وهذا هو الذي يظهر- والله اعلم- وهذا هو ما أفتى به علماء اللجنة الدائمة(60).

والله تعالى أعلم, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه/يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/22 رجـب 1428هـ الموافق 5/8/2007 م.

راجعه: عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) - صحيح مسلم 2/806، برقم: 1151.

(2) - مختار الصحاح 1/218، وانظر: المعجم الوسيط 1/306.

(3)- المصباح المنير 1/205، وانظر: كتاب العين 8/93. وانظر: المطلع 1/47.

(4)- معجم لغة الفقهاء، لمحمد قلعجي 1/126.

(5) - تفسير القرطبي 10/120.

(6) - صحيح مسلم 4/1729، برقم: 2204.

(7) - سنن أبي داود 2/396، برقم: 3855، قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/525، برقم: 5241.

(8)- تفسير القرطبي 10/120.

(9)- القواعد الصغرى 1/54.

(10) - بدائع الصنائع 2/250.

(11) - الهداية 1/120، مراقي الفلاح 1/252.

(12)- مراقي الفلاح 1/252، الهداية 1/120.

(13)- الهداية 1/120.

(14)- المصدر السابق.

(15)- تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان 1/143 .

(16) - الكتاب 1/130.

(17) - الهداية 1/120.

(18)- حاشية الطحاوي على المراقي 2/671 .

(19)- مراقي الفلاح 1/252.

(20) - الهداية شرح بداية المبتدي 1/120 .

(21) - المصدر السابق .

(22)- المدونة الكبرى 1/268.

(23) - المصدر السابق 2/295 .

(24)- المغني 3/36.

(25)- أشرف المسالك 1/87 .

(26) - المدونة الكبرى 1/268.

(27)- المصدر السابق.

(28)- انظر: أشرف المسالك 1/87 .

(29)- المصدر السابق.

(30) - مغني المحتاج 1/427

(31) - مختصر المزني 1/64.

(32) - المهذب 1/324.

(33) - مختصر المزني 1/64.

(34) - المصدر السابق.

(35) - سنن الترمذي 3/155، برقم: 788 وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال: وقد كره أهل العلم السعوط للصائم ورأوا أن ذلك يفطره، وفي الباب ما يقوي قولهم. قال الشيخ الألباني: صحيح مختصر إرواء الغليل 1/180، برقم: 935.

(36) - المهذب 1/324.

(37)- مغني المحتاج 1/427.

(38)- المصدر السابق.

(39)- المهذب 1/324.

(40)- الشرح الكبير 3/38 .

(41)- الروض المربع 1/231.

(42) -شرح منتهى الإرادات 1/481.

(43) - منار السبيل 1/156.

(44)- انظر: دليل الطالب 1/156، وانظر: شرح العمدة 1/149، وانظر: فقه العبادات - حنبلي 1/391 .

(45)- الشرح الكبير 3/38.

(46)- المصدر السابق.

(47)- زاد المستقنع 1/231.

(48)- المحلى 6/203.

 (49)- سنن ابن ماجه 1/536، برقم: 1678. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: صحيح ابن ماجة 1/280، برقم: 1360.

(50) - بدائع الصنائع 2/237.

(51)- الهداية 1/120.

(52)- الشرح الكبير 3/38.

(53)- المحلى 6/214.

(54) - كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 25/233- 234.

(55) - سنن الترمذي 3/155، برقم: 788 وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: مختصر إرواء الغليل 1/180، برقم: 935.

(56) - المهذب 1/324.

(57)- المحلى 6/215.

(58)- كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 25/235- 236.

(59) - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 10/252.

(60)- فتاوى اللجنة الدائمة 1/130. وانظر: فتاوى ابن باز عدد: 979 ). وانظر: فتاوى أركان الإسلام لابن عثيمين ص: 475.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حَدُّ الاستطاعة لأداء فريضة الحج
الأحد 30 سبتمبر 2012

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الحج فريضة من أعظم فرائض الإسلام، وإحدى شعائره الكبرى، وقد ثبتت فرضيته بالقرآن والسنة.

أما القرآن، ففي قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾[آل عمران:97]. ومعنى: (ومن كفر) أي من لم يحج، أو من أعرض عن الحج وقصد تركه، مع توفر الاستطاعة على أداء الحج، فإن الله غني عنه{C}{C}{C}{C}(1){C}{C}{C}{C}.

وأما الأحاديث فكثيرة، منها حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»{C}{C}{C}{C}(2){C}{C}{C}{C}، وحديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: «يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت, حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتم»{C}{C}{C}{C}(3){C}{C}{C}.

وعند النظر إلى فريضة الحج، نجد أنها عبادة بدنية ومالية؛ لأن الإنسان يخرج بنفسه فهو يتحمل المشقة، ومن ناحية أخرى يبذل المال، لينتقل من بلده إلى البلد الحرام، وليقوم بتأدية المناسك هناك.

ولما كانت فريضة الحج مشروطة بالاستطاعة بدليل الآية المتقدمة، وهذه الاستطاعة قد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها، كما سيأتي في هذا البحث، فيلزم من تحققت فيه الاستطاعة أن يبادر لأداء هذه الفريضة.

 لكن ما هو حد الاستطاعة لأداء فريضة الحج، ومتى يكون المسلم مستطيعا لأداء هذه الفريضة، وهل يُلزم الشخص ببيع أمواله، لأداء هذه الفريضة، إن كانت له أموالٌ فاضلةٌ عن ما يحتاج إليه؟ هذا ما سأذكره في هذا البحث المتواضع، والذي هو بعنوان: (حد الاستطاعة لأداء فريضة الحج), سائلا من الله تعالى التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

وسأذكر في هذا البحث ما يلي:

1-  تعريف الاستطاعة، في اللغة والاصطلاح الشرعي.

2-  الأحاديث الواردة في تفسير الاستطاعة.

3-  مذاهب الفقهاء في المقصود بالاستطاعة.

4-  القول الراجح في المقصود بالاستطاعة.

5-  المقصود بالزاد والراحلة.

6-  هل تتحقق الاستطاعة لمن بُذِل له زادٌ وراحلة؟

7-  حكم بيع الشخص أمواله لأداء فريضة الحج.

1. تعريف الاستطاعة:

أ. تعريف الاستطاعة في اللغة:

قال ابن منظور: (والاسْتِطاعةُ: الطَّاقةُ، قال ابن بري هو كما ذكر، إِلاَّ أَنّ الاستطاعة للإِنسان خاصّة، والإِطاقة عامة، تقول الجمل مطيق لحِمْله، ولا تقل مستطيع، فهذا الفرق ما بينهما){C}{C}{C}{C}(4){C}{C}{C}.

وقال الزبيدي، نقلا عن الراغب: (الاستطاعَةُ عندَ المُحَقِّقينَ: اسمٌ للمعاني التي بها يَتَمَكَّنُ الإنسانُ مِمّا يُريدُه من إحداثِ الفعلِ، وهي أَربعَةُ أَشياءَ: بِنْيَةٌ مَخصوصَةٌ للفاعِلِ، وتَصَوُّرٌ للفِعْلِ، ومادَّةٌ قابِلَةٌ لتأْثيرِهِ، وآلَةٌ إنْ كانَ الفِعْلُ آلِيّاً، كالكِتابَةِ، فإنَّ الكاتبَ يحتاجُ إلى هذه الأَربعَةِ في إيجادِه للكِتابَةِ، ولذلكَ يُقال: فلانٌ غيرُ مُستَطيعٍ للكتابَةِ: إذا فقدَ واحِداً من هذه الأَربَعَةِ فصاعِداً){C}{C}{C}{C}(5){C}{C}{C}.

وعرَّفها الفيومي في المصباح المنير، وكذلك ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر، بأنَّها -أي الاستطاعة-: الطاقة والقدرة على الشَّيء{C}{C}{C}{C}(6){C}{C}{C}.

ب. تعريف الاستطاعة في الاصطلاح الشرعي.

جاء تفسير الاستطاعة في الحديث الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم- بأنها: «الزاد والراحلة»{C}{C}{C}{C}(7){C}{C}{C}.

وقد عرَّف الكاساني الاستطاعة، بأنها: (استطاعة التكليف، وهي سلامة الأسباب والآلات، ومن جملة الأسباب، سلامة البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه في سفر الحج؛ لأن الحج عبادة بدنية فلا بد من سلامة البدن){C}{C}{C}{C}(8){C}{C}{C}.

وعرَّفها الشافعي، بأن يكون الرجل مستطيعاً ببدنه، واجداً من ماله يبلغه الحج، فتكون استطاعته تامة{C}{C}{C}{C}(9){C}{C}{C}{C}, وقال ابن قدامة: (والاستطاعة، أن يجد زاداً وراحلة بآلتهما مما يصلح لمثله، فاضلاً عما يحتاج إليه، لقضاء دينه، ومؤنة نفسه وعياله على الدوام){C}{C}{C}{C}(10){C}{C}{C}.

2- الأحاديث الواردة في تفسير الاستطاعة في الحج:

1- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: من الحاجُّ يا رسول الله؟ قال: «الشعث{C}{C}{C}{C}(11){C}{C}{C}{C} التفل{C}{C}{C}{C}(12){C}{C}{C}{C}، فقام رجل آخر، فقال: أي الحج أفضل؟ قال العج{C}{C}{C}{C}(13){C}{C}{C}{C} والثج{C}{C}{C}{C}(14){C}{C}{C}{C}، فقام رجل آخر، فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة»{C}{C}{C}{C}(15){C}{C}{C}.

2- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة»{C}{C}{C}{C}(16){C}{C}{C}{C}.

3- عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: قال: «الزاد والراحلة» يعني قوله تعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً{C}{C}{C}{C}(17){C}{C}{C}.

4- عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قال: الزاد والبعير{C}{C}{C}(18){C}{C}{C}.

5- وعن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قال: من وجد زادا وراحلة فقد وجب عليه الحج{C}{C}{C}{C}(19){C}{C}{C}.

3- مذاهب الفقهاء في المقصود بالاستطاعة لأداء فريضة الحج:

{C}مذهب الحنفية:

ذهبت الحنفية، إلى أن الاستطاعة، هي ملك الزاد والراحلة, قال السرخسي: (ولم يكن الطريق في وقت أخوف مما كان يومئذ لغلبة أهل الشرك في ذلك الموضع ولم يشترط رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمن الطريق، فدَلَّ أنّ ذلك ليس من شرائط الوجوب، إنما شرط الوجوب ملك الزاد والراحلة للذهاب والمجيء، وملك نفقة من تلزمه نفقته من العيال كالزوجة والولد الصغير){C}{C}{C}{C}(20){C}{C}{C}{C}. وقد ذكر الكاساني، أنّ ملك الزاد والراحلة، يعتبر من أسباب الإمكان لأداء الحج، فقال: «وإنّما فسّر النبي - صلى اللّه عليه وسلم- الاستطاعة بالزّاد والرّاحلة، لكونهما من الأسباب الموصلة إلى الحج ، لا لاقتصار الاستطاعة عليهما، ألا ترى أنّه إذا كان بينه وبين مكّة بحرٌ زاخرٌ لا سفينة ثمّة، أو عدوٌّ حائلٌ يحول بينه وبين الوصول إلى البيت، لا يجب عليه الحجّ مع وجود الزّاد والرّاحلة، فثبت أنّ تخصيص الزّاد والرّاحلة ليس لاقتصار الشّرط عليهما، بل للتّنبيه على أسباب الإمكان، فكلما كان من أسباب الإمكان يدخل تحت تفسير الاستطاعة معنًى){C}{C}{C}{C}(21){C}{C}{C}{C}.

{C}مذهب المالكية:

ذهبت المالكية، إلى أنه لا يشترط في الاستطاعة، القدرة على الزاد، لمن كان لديه صنعة يتكسب منها، أو لمن كانت عادته تكفّف الناس وسؤالهم، وغلب على ظنه أنهم يعطونه ما يوفر له الزاد، فهذا يكفي لتوفر الزاد، فيجب عليه الحج، وقالوا: إذا كان الرجل قادرًا على المشي إلى بيت الله الحرام، فهذا يغنيه عن الراحلة، ولا تشترط في حقه حينئذٍ؛ لأن قدرته على المشي تقوم مقام الراحلة{C}{C}{C}{C}(22){C}{C}{C}{C}.

فقد جاء في فقه العبادات للمالكية ما نصه: (أمور لا تعتبر من الاستطاعة:

1- لا يشترط في الاستطاعة القدرة على الزاد، لمن لديه صنعة يتكسب منها ولا يزدرى صاحبها، وعلم أو ظن رواجها هناك، كبيطرةٍ، أو حلاقةٍ، أو خياطةٍ، أو خدمةٍ بالأجرة.

2- لا يشترط في الاستطاعة القدرة على الراحلة، بل يجب على المكلف الحج، إن كان قادرا على المشي منفردا أو مع جماعة، ولو كان وطنه بعيدا عن مكة بمقدار مسافة القصر أو أكثر، ولو كان المشي غير معتاد له، حتى ولو كان القادر على المشي أعمى يهتدي بنفسه أو بقائد، ولو بأجرة قدر عليها){C}{C}{C}{C}(23){C}{C}{C}{C}.

ومعنى هذا أن المالكية اعتبروا أن الاستطاعة تتحقق بالقدرة على الوصول، من غير اشتراط للزاد والراحلة, قال القرافي، وهو يتكلم عن الحديث الذي فيه أن السبيل للحج هو الزاد والراحلة، قال: (وجوابه أنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو لعله حال مفهوم السائل، وظاهر قوله تعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً يقتضي أن كل أحدٍ على حسب حاله، فإن الاستطاعة القدرة، لقوله تعالى: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ [النساء:129]. ويؤكده أن من كان دون مسافة القصر لا تعتبر الراحلة في حقه إجماعا، فلو كانت شرطا في العبادة لعمَّت، وكذلك الزاد، قد يستغني عنه من قربت داره، فليسا مقصودين لأنفسهما، بل للقدرة على الوصول){C}{C}{C}{C}(24){C}{C}{C}{C}. وقال الدسوقي: (الاستطاعة التي هي شرطٌ في الوجوب، عبارةٌ عن إمكان الوصول، من غير مشقّةٍ عظيمةٍ مع الأمن على النّفس والمال، ويزاد على ذلك في حقّ المرأة، أن تجد محرمًا من محارمها يسافر معها أو زوجًا){C}{C}{C}{C}(25){C}{C}{C}{C}. وقال الخرشي: (وحيث فسَّر الاستطاعة، بإمكان الوصول، دخل فيه إمكان السير، وأمن الطريق){C}{C}{C}{C}(26){C}{C}{C}{C}. وقد أيَّد هذا القول المهلَّب، فقال: (الاستطاعة لا تكون الزاد والراحلة؛ ألا ترى أن ما اعتذرت به هذه المرأة عن أبيها{C}{C}{C}{C}(27){C}{C}{C}{C}، ليس بزادٍ ولا راحلة، وإنما كان ضعف جسمه، فثبت أن الاستطاعة شائعةٌ كيفما وقعت وتمكنت){C}{C}{C}{C}(28){C}{C}{C}{C}.

وقد بيَّن ابن رشد، سبب هذا الخلاف بين الجمهور والمالكية، فقال: (والسبب في هذا الخلاف معارضة الأثر الوارد في تفسير الاستطاعة لعموم لفظها، وذلك أنه ورد أثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه سئل ما الاستطاعة؟ فقال: «الزاد والراحلة». فحمل أبو حنيفة والشافعي ذلك على كل مكلف، وحمله مالك على من لا يستطيع المشي ولا له قوة على الاكتساب في طريقه){C}{C}{C}{C}(29){C}{C}{C}{C}. قال ابن عبد البر: «قال أشهب: قيل لمالك: الاستطاعة الزاد والراحلة؟ قال: لا والله وما ذاك إلا على قدر طاقة الناس، فرب رجل يجد زادا وراحلة، ولا يقدر على المسير، وآخر يقوى يمشي على راحلته وإنما هو كما قال الله - عز وجل-: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»{C}{C}{C}{C}(30){C}{C}{C}.

وقد اعتبرت المالكية من الزاد ما يكفي الحاج للذهاب فقط، ولم تعتبر ما يرجع به، إلا إن خشي الضياع، قال الخرشي:« يعتبر في الاستطاعة ما يصل به فقط، ولا يعتبر ما يرجع به، إلا إذا خشي إن بقي ضاع، فيعتبر حينئذ رجوعه إلى حيث ينتفي ذلك عنه){C}{C}{C}{C}(31){C}{C}{C}{C}. وكذلك بيَّن القرافي، أن من وجد زاداً لذهابه فقط، فقد قيل بوجوب الحج عليه، إلا مع خشية الضياع، فلا يجب، حيث قال: (فإن وجد النفقة لذهابه فقط، قال بعض المتأخرين: يجب عليه، إلا أن يخشى الضياع هناك، فتراعى نفقة العود إلى أقرب المواضع، إلى موضع يعيش فيه){C}{C}{C}{C}(32){C}{C}{C}{C}.

وذكرت المالكية، أنه لا يمنع من الاستطاعة، عدم ترك شيء لمن تلزم المكلف نفقتهم، إلا إن خشي ضياعهم. جاء في كتاب فقه العبادات للمالكية: (لا يمنع الاستطاعة عدم ترك شيء لمن تلزم المكلف نفقتهم، كولده، أو الخوف مما يؤول إليه أمره وأمر أولاده في المستقبل، من فقر أو احتياج إلى الصدقة من الناس، بل يجب عليه الحج، إلا إذا خشي ضياع أولاده، ولو لم يصل إلى حد الهلاك، فعندها يسقط وجوب الحج){C}{C}{C}{C}(33){C}{C}{C}{C}. وقال العدوي المالكي: (وإن كان يترك ولده وزوجته لا مال لهم، أي فلا يراعي ما يؤول إليه أمره وأمر أهله وأولاده في المستقبل، وإن كان يصير فقيرًا لا يملك شيئا، أو يترك أولاده ونحوهم للصّدقة، إن لم يخش هلاكًا فيما ذكر أو شديد أذًى){C}{C}{C}{C}(34){C}{C}{C}.

ومما تقدم فيكون مجمل قول المالكية، هو أن المقصود بالاستطاعة لأداء فريضة الحج، إمكان الوصول، ولا يشترط الزاد والراحلة، إذ ليسا هما المقصودين في الاستطاعة، إلا أن ابن حبيب المالكي خالفهم، وقال: إن الاستطاعة الموجبة للحج، هي ملك الزاد والراحلة، كما هو قول الجمهور{C}{C}{C}{C}(35){C}{C}{C}{C}. قال القرافي نقلا عن ابن حبيب: (الاستطاعة: زاد ومركب){C}{C}{C}{C}(36){C}{C}{C}{C}.

{C}مذهب الشافعية:

ذهبت الشافعية إلى أن الاستطاعة لأداء فريضة الحج نوعان: استطاعة مباشرة، واستطاعة بإنابة الغير عنه، والمقصود بالاستطاعة المباشرة: البدن المال، والمقصود بالاستطاعة بإنابة الغير عنه: المال. قال أبو بكر الدمياطي: ثم إن الاستطاعة نوعان: أحدهما استطاعة مباشرة، وهذه يقال لها استطاعة بالبدن والمال، ولها أحد عشر شرطاً:

الأول: وجود مؤن السفر ذهابا وإيابا.

الثاني: وجود الراحلة.

الثالث: أمن الطريق.

الرابع: وجود الماء والزاد في المواضع التي يعتاد حملهما منها بثمن مثله.

الخامس خروج زوج أو محرم مع المرأة.

السادس: أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة.

السابع: وجود ما مرَّ من الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.

الثامن: أن يبقى بعد الاستطاعة زمنا يمكنه الوصول فيه إلى مكة باليسر المعتاد.

التاسع: أن يجد رفقة حيث لم يأمن وحده.

العاشر: أن يجد ما مر بمال حاصل عنده، أو بدَينٍ له حال على مليء.

الحادي عشر: أن يجد الأعمى قائدا يقوده ويهديه عند ركوبه ونزوله.

 ثانيهما: استطاعة بإنابة الغير عنه، وهذه يقال لها استطاعة بالمال فقط، وإنما تكون في ميت ومعضوب{C}{C}{C}{C}(37){C}{C}{C}{C}. وقال أبو حامد الغزالي: (والاستطاعة تتعلق بأربعة أمور: الراحلة والزاد والطريق والبدن){C}{C}{C}{C}(38){C}{C}{C}{C}. وقال النووي: إن الاستطاعة المباشرة (تتعلق بخمسة أمور: الراحلة والزاد والطريق والبدن وإمكان السير){C}{C}{C}{C}(39){C}{C}{C}.

فمن كان مستطيعاً ببدنه، وواجداً للمال الذي يبلغه إلى الحج، فحينئذٍ تكون الاستطاعة متحققة فيه، ولا يجزيه أن يؤديه عنه غيره. قال الشّافعيّ: إذا كان (الرّجل مستطيعًا ببدنه، واجدًا من ماله، ما يبلّغه الحجّ، فتكون استطاعته تامّةً، ويكون عليه فرض الحجّ، لا يجزيه ما كان بهذا الحال إلّا أن يؤدّيه عن نفسه){C}{C}{C}{C}(40){C}{C}{C}.

وفي حالة أن يكون الشخص مستطيعاً بماله، ثم يفتقر، فقد قرَّر الشافعية، أنه يلزمه التكسب والمشي بشرط أن يقدر على ذلك، ولا يلزمه أن يسأل الناس من أجل أن يعطوه. قال أبو بكر الدمياطي: (إذا استطاع، ثم افتقر لزمه التكسب والمشي إن قدر عليه، ولا يلزمه السؤال، خلافا للإحياء، والفرق أن أكثر النفوس تسمح بالتكسب، لاسيما عند الضرورة دون السؤال){C}{C}{C}{C}(41){C}{C}{C}{C}.

{C}مذهب الحنابلة:

ذهبت الحنابلة، إلى أن المقصود بالاستطاعة لأداء الحج، هو وجود الزاد والراحلة. قال ابن قدامة: (والاستطاعة مفسرة بالزاد والراحلة، فيجب المصير إلى تفسيره){C}{C}{C}{C}(42){C}{C}{C}{C}. وقال البهوتي: الاستطاعة: ملك زاد يحتاجه في سفره ذهابا وإيابا من مأكول ومشروب وكسوة، وملك راحلة في مسافة قصر عن مكة، ولا يعتبر ملك راحلة في دونها أي مسافة القصر عن مكة، للقدرة على المشي فيها غالبا، ولأن مشقتها يسيرة{C}{C}{C}{C}(43){C}{C}{C}.

ومعنى هذا أنَّ الحنابلة، اشترطوا وجود الراحلة، لمن كان بعيداً، أي بينه وبين مكة مسافة القصر، ولم يشترطوها لمن كان قريبا من مكة، إلا مع العجز عن المشي، فيشترط حينئذٍ وجود الراحلة. قال ابن قدامة: (فأما المكي ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر، فلا يشترط في حقه راحلة، ومتى قدر على الحج ماشياً لزمه؛ لأنه يمكنه ذلك من غير مشقةٍ شديدة){C}{C}{C}{C}(44){C}{C}{C}{C}. وقال ابن مفلح: (وأما الراحلة، فلا تشترط إلا مع البعد، وهو من بينه وبين مكة مسافة القصر فقط، إلا مع عجزٍ كشيخٍ كبير لا يمكنه المشي){C}{C}{C}{C}(45){C}{C}{C}{C}. وقال البهوتي: (وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة فقط، ولو قدر على المشي، ولا تعتبر الراحلة، فيما دونها، فيلزمه المشي للقدرة على المشي فيها غالباً، ولأن مشقتها يسيرة إلا مع عجزٍ لِكِبرٍَ ونحوه، كمرض، فتعتبر الراحلة حتى فيما دون المسافة، للحاجة إليها){C}{C}{C}{C}(46){C}{C}{C}.

فمن ملك زاداً وراحلةً، لذهابه وعوده، أو ملك ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة، من نقدٍ أو سلعةٍ، فقد وجب عليه الحج، وذلك لتحقق الاستطاعة فيه. قال البهوتي، وهو يتكلم عمن تحققت فيه الاستطاعة في الحج، ووجب عليه، قال: (أن يملك زادا وراحلة، لذهابه وعوده، أو يملك ما يقدر به على تحصيل ذلك، أي الزاد والراحلة، من نقد أو عرض){C}{C}{C}{C}(47){C}{C}{C}{C}. وبمثله قال ابن ضويان، إلا أنه شرَطَ أن يكون الذي يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة من النقدين أو العروض، فاضلاً عما يحتاجه من وجب عليه الحج، فقال: (أو ملك ما يقدر به على تحصيل ذلك من النقدين أو العروض، بشرط كونه فاضلاً عما يحتاجه من كتبٍ ومسكنٍ وخادم؛ لأن هذه حوائج أصيلة){C}{C}{C}{C}(48){C}{C}{C}.

وقد اعتبرت الحنابلة، أموراً تدخل في الاستطاعة، مثل: وجود دليل لجاهل طريق مكة، وقائد للأعمى، وأمن الطريق، وسعة الوقت. قال السيوطي الرحيباني: ومن الاستطاعة: دليل لجاهل طريق مكة، ومنها: قائد للأعمى؛ لأن في إيجابه عليهما بلا دليل وقائد ضرراً عظيما، وهو منتف شرعا، ويلزم الجاهل والأعمى، أجرةً للدليل والقائد، فإن تبرعَّ الدليل والقائد، لم يلزم الجاهل والأعمى ذلك، لما فيه من المِنَّة {C}{C}{C}{C}(49){C}{C}{C}.

{C} مذهب الظاهرية:

ذهبت الظاهرية، إلى أن المقصود بالاستطاعة، لأداء فريضة الحج، هو صحة الجسم، وتوفر المال، وهذا القول هو موافق لقول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة. قال ابن حزم: (واستطاعة السّبيل الذي يجب به الحجّ، إمّا صحّة الجسم والطّاقة على المشي والتّكسّب من عملٍ أو تجارةٍ ما يبلغ به إلى الحجّ ويرجع إلى موضع عيشه أو أهله، وإما مالٌ يمكّنه منه ركوب البحر أو البرّ والعيش منه حتى يبلغ مكّة ويردّه إلى موضع عيشه أو أهله، وإن لم يكن صحيح الجسم إلاّ أنّه لا مشقّة عليه في السّفر برًّا أو بحرًا، وإما أن يكون له من يطيعه فيحجّ عنه ويعتمر بأجرةٍ أو بغير أجرةٍ إن كان هو لا يقدر على النّهوض لا راكبًا ولا راجلاً فأيّ هذه الوجوه أمكنت الإنسان المسلم العاقل البالغ فالحجّ والعمرة فرضٌ عليه){C}{C}{C}{C}(50){C}{C}{C}{C}.

4- القول الراجح في المقصود بالاستطاعة في الحج:

الذي يظهر –والله أعلم- أن القول الراجح هو قول الجمهور، من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو قول ابن حبيب المالكي، بأن الاستطاعة، هي الزاد والراحلة، فلا يكفي في الاستطاعة القدرة على المشي إلى مكة لوجوب الحج عليه؛ لأن تكليف الناس بالحج مشيًا على الأقدام فيه حرج شديد، والحرج مرفوع بحكم الإسلام. وكذلك لا يكفي في الاستطاعة، جعل المعتاد على التسول مالكًا للزاد، وإيجاب الحج على من عادته التسول وسؤال الناس، إذا غلب على ظنه أنهم يعطونه؛ لأن سؤال الناس في الأصل لا يجوز في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز إلا للضرورة. لحديث قبيصة بن مخارق الهلالي -رضي الله عنه- قال تحملت حَمالة­{C}{C}{C}{C}(51){C}{C}{C}{C} فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها؟ فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. قال ثم قال يا قبيصة: إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقةٌ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا{C}{C}{C}{C}(52){C}{C}{C}{C} من قومه، لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحت»{C}{C}{C}{C}(53){C}{C}{C}, فالشرع إنما أمر بالحج بشرط الاستطاعة، وهي الزاد والراحلة، ولا تتأتى هذه الاستطاعة بسؤال الناس الممنوع شرعًا إلا للضرورة، وليس من معاني الضرورة الذهاب إلى الحج عن طريق سؤال الناس، وأما اشتراط الراحلة لوجوب الحج، فهي في حق من بعد مسكنه عن مكة، أو من تلحقه مشقة معتبرة، إن عدم الراحلة، أما أهل مكة ومن حولهم، فإن الحج يجب على القوي منهم القادر على المشي، مع توفر الزاد.

سبب ترجيح الاستطاعة في الحج، بأنها الزاد والراحلة:

1. قال اللّه تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾. هذه الآية محتملة لأمرين: إما أن يكون المراد القدرة المعتبرة في جميع العبادات، أو قدرا زائدا على ذلك، فإن كان المعتبر هو الأول لم يحتج إلى هذا التقييد، كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر قدر زائد في ذلك، وليس هو إلا المال، وأيضا فإنّ الحج عبادة مفتقرة إلى مسافة فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة، فلما قيَّدت الآية أداء الحج بشرط الاستطاعة، علمنا أنها استطاعةٌ غير القوّة بالجسم، إذ لو كان تعالى أراد قوّة الجسم لما احتاج إلى ذكرها؛ لأننا قد علمنا أنّ اللّه تعالى لا يكلّف نفسًا إلاّ وسعها{C}{C}{C}{C}(54)

2. كثرة الطرق الواردة في تفسير الاستطاعة، بأنها الزاد والراحلة. فقد نقل ابن الأمير الصنعاني، عن ابن تيمية، قوله: (فهذه الأحاديث مسندة من طُرقٍ حِسَان، ومرسلة، وموقوفة، تدل على أن مناط الوجوب: الزاد والراحلة){C}{C}{C}{C}(55){C}{C}{C}{C}. وقال ابن حجر: (وجمهور أهل العلم على تفسير الاستطاعة بأنها الزاد والراحلة، وكثرة طرقها تفيد أنَّ لهذه الآثار أصل){C}{C}{C}(56){C}{C}{C}{C}.

 5- المقصود بالزاد والراحلة، وما يشترط فيهما:

المقصود بالزاد: الطعام الذي يكفيه في ذهابه إلى الحج ورجوعه إلى أهله، أو أن يكون عنده من المال ما يشترى به ذلك.

والمقصود بالراحلة: هي الدابَّة، من بعير، أو حِصان، أو سيارةٍ في وقتنا الحاضر، وهي تعني واسطة النقل التي يحتاجها في ذهابه ورجوعه، وفي سائر تنقلاته لأداء شعائر الحج؛ سواء كانت واسطة النقل التي يحتاجها ملكًا له، أو يحصل عليها بأجرة، ونحو ذلك.

ويشترط أن يكون الزاد والراحلة، فاضلين عن نفقة من تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه، على وجه لا إسراف فيه ولا تقتير، وأن يكونا فاضلين عن مسكنه اللائق به المستغرق لحاجته، وعن قضاء ديونه التي عليه؛ لأن هذه من الحوائج الأصلية للإنسان، التي لا بد منها، ومما يؤيد هذا المقصود، وهذه الشروط، من أقوال الفقهاء أئمة المذاهب، ما ذكروه من النصوص في كتبهم، عن المراد بالزاد والراحلة، والتي تتحقق بهما الاستطاعة، ومن هذه النصوص ما يلي: 

من أقوال الحنفية في المقصود بالزاد والراحلة:

 قال الكاساني: (أن يملك من المال مقدار ما يبلّغه إلى مكّة ذاهبًا وجائيًا راكبًا لا ماشيًا، بنفقةٍ وسطٍ لا إسراف فيها ولا تقتير){C}{C}{C}{C}(57){C}{C}{C}.

واشترط فقهاء الحنفية، أن يكون الزاد: (فاضلًا عن مسكنه، وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وثيابه، وأثاثه، ونفقة عياله، وخدمه، وكسوتهم، وقضاء ديونه){C}{C}{C}{C}(58){C}{C}{C}{C}.

وبيَّن الكاساني، أن الوقت الذي يملك به الزاد، ويكون الحج في حقه واجباً، هو وقت خروج أهل بلده لأداء الحج، فقال: (يعتبر وجود الزاد والراحلة وقت خروج أهل بلده حتى لو ملك الزّاد والرّاحلة في أوّل السّنة قبل أشهر الحجّ، وقبل أن يخرج أهل بلده إلى مكّة، فهو في سعةٍ من صرف ذلك إلى حيث أحبّ؛ لأنّه لا يلزمه التّأهّب للحجّ قبل خروج أهل بلده؛ لأنّه لم يجب عليه الحجّ قبله، ومن لا حجّ عليه لا يلزمه التّأهّب للحجّ فكان بسبيلٍ من التّصرّف في ماله كيف شاء، وإذا صرف ماله ثمّ خرج أهل بلده، لا يجب عليه الحجّ، فأمّا إذا جاء وقت الخروج والمال في يده، فليس له أن يصرفه إلى غيره على قول من يقول بالوجوب على الفور؛ لأنّه إذا جاء وقت خروج أهل بلده، فقد وجب عليه الحجّ، لوجود الاستطاعة، فيلزمه التّأهّب للحجّ، فلا يجوز له صرفه إلى غيره، كالمسافر إذا كان معه ماءٌ للطّهارة، وقد قرب الوقت، لا يجوز له استهلاكه في غير الطّهارة، فإن صرفه إلى غير الحجّ أثم، وعليه الحجّ){C}{C}{C}{C}(59){C}{C}{C}{C}. وقال ابن نجيم: (والنّفقة تشمل: الطّعام، والكسوة، والسّكنى){C}{C}{C}{C}(60){C}{C}{C}.

من أقوال المالكية في المقصود بالزاد والراحلة:

تقدم قول المالكية، في تفسير الاستطاعة في الحج، حيث قالوا: إنه لا يلزم في الاستطاعة توفر الزاد والراحلة، لمن كان قادراً على المشي، ولمن عادته التسول وسؤال الناس، والعبرة هي بإمكان الوصول، وعلى قدر طاقة الناس، وعليه فإن المقصود بالزاد عندهم، هو الزاد المبلغ للحج، بأي أسلوب كان تحصيله. قال العدوي المالكي، وهو يتكلم عن المقصود بالزاد، فقال: (الزّاد المبلّغ، ويقوم مقامه حرفةٌ تقوم به لا تزري ويعلم أو يظنّ عدم كسادها){C}{C}{C}{C}(61){C}{C}{C}{C}.

من أقوال الشافعية في المقصود بالزاد والراحلة:

قال الشربيني: من شروط الاستطاعة، أن يتوفر الزاد الذي يكفيه، وكلفة ذهابه لمكة ورجوعه منها إلى وطنه، وإن لم يكن فيه أهل وعشيرة، فلو لم يجد ما ذكر، ولكن كان يكتسب في سفره ما يفي بزاده وباقي مؤنته وسفره طويل مرحلتان فأكثر،لم يكلف النسك ولو كان يكسب في يوم كفاية أيام؛ لأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض وبتقدير عدم الانقطاع فالجمع بين تعب السفر والكسب فيه مشقة عظيمة، وإن قصر سفره وكان يكتسب في يوم كفاية أيام الحج كلف الحج بأن يخرج له لقلة المشقة حينئذ، وكذلك من شروط الاستطاعة، وجود الراحلة الصالحة لمثله بشراء أو استئجار بثمن أو أجرة مثل لمن بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر قدر على المشي أم لا لكن يندب للقادر على المشي الحج خروجا من خلاف من أوجبه ومن بينه وبين مكة دون مرحلتين وهو قوي على المشي يلزمه الحج لعدم المشقة فلا يعتبر في حقه وجود الراحلة فإن ضعف عن المشي بأن عجز أو لحقه ضرر ظاهر كالبعيد عن مكة فيشترط في حقه وجود الراحلة{C}{C}{C}{C}(62){C}{C}{C}.

ومعنى هذا أن الشافعية، اشترطوا أن يكون الزاد، كافياً للذهاب إلى مكة والرجوع منها، كما تقدم عن الشربيني، لكن نقل أبو إسحاق الشيرازي، قولان في المذهب، لمن لم يكن له أهل في بلده، فقال: (وإن وجد الزاد والراحلة لذهابه ولم يجد لرجوعه نظرت، فإن كان له أهل في بلده لم يلزمه، وإن لم يكن له أهل، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لان البلاد كلها في حقه واحدة. والثاني: لا يلزمه؛ لأنه يستوحش بالانقطاع عن الوطن والمقام في الغربة فلم يلزمه){C}{C}{C}{C}(63){C}{C}{C}.

وقد اشترط فقهاء الشافعية، أن يكون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه حالا كان أو مؤجلاً، وعن كلفة من عليه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه، وعن مسكنه اللائق به المستغرق لحاجته، وعن عبد يليق به ويحتاج إليه لخدمته. قال النووي: (يشترط كون الزاد والراحلة، فاضلا عن نفقة من لزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهابه ورجوعه، وفي اشتراط كونهما فاضلين عن مسكن وخادم يحتاج إلى خدمته لزمانته أو منصبه، وجهان: أصحهما عند الأكثرين، يشترط{C}{C}{C}{C}(64){C}{C}{C}{C}.

من أقوال الحنابلة في المقصود بالزاد والراحلة:

قال ابن قدامة: (والزاد هو ما يحتاج إليه، من مأكولٍ، ومشروبٍ، وكسوةٍ، لذهابه ورجوعه، فإن وجد ذلك لذهابه دون رجوعه، لم يلزمه الحج؛ لأن عليه في غربته ضرراً ومشقةً وغيبةً عن أهله ومعاشه، وإن وجد ما يكفيه لذهابه ورجوعه بثمن مثله في الغلاء والرخص، أو بزيادةٍ لا تجحف بماله لزمه... ويشترط وجدان راحلةٍ تصلح لمثله، بشراءٍ، أو كراءٍ، وما يحتاج إليها من آلتها الصالحة لمثله){C}{C}{C}{C}(65){C}{C}{C}.

وقد اشترط فقهاء الحنابلة، أن يكون الزاد الراحلة فاضلين عن ما يحتاجه، من الحوائج الأصلية. قال مرعي بن يوسف الحنبلي: (الاستطاعة، وهي ملك زاد وراحلة تصلح لمثله، أو ملك ما يقدر به على تحصيل ذلك، بشرط كونه فاضلاً عما يحتاجه من كتبٍ ومسكنٍ وخادمٍ، وأن يكون فاضلاً عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام، فمن كملت له هذه الشروط، لزمه السعي فوراً، إن كان في الطريق أمنٌ){C}{C}{C}{C}(66){C}{C}{C}{C}. وقال ابن قدامة: (ويكون ذلك [الزاد] فاضلاً عما يحتاج إليه، لقضاء دين حال ومؤجل، ونفقه عياله، إلى أن يعود، وما يحتاجون إليه من مسكنٍ وخادم؛ لأن هذا واجبٌ عليه يتعلق به حق آدمي، فكان أولى بالتقديم){C}{C}{C}{C}(67){C}{C}{C}.

6- هل تتحقق الاستطاعة لمن بُذِل له زادٌ وراحلة؟

إذا بُذِل لشخصٍ مالٌ يكفيه للحج، فهل يعتبر هذا الشخص ممن تحققت فيه الاستطاعة، بسبب ما أعطي من المال، فيجب عليه الحج؟ بمعنى، هل تثبت الاستطاعة ببذل الزاد والراحلة؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: عدم ثبوت الاستطاعة في الحج ببذل الزاد والراحلة، سواء كان الباذل قريبًا أو أجنبيًا، وسواء بذل له الركوب والزاد، أو بذل له مالا، وبهذا القول قال الحنفية والمالكية والحنابلة. قال الكاساني الحنفي: (فلا يجب الحجّ بإباحة الزّاد والرّاحلة، سواءٌ كانت الإباحة ممّن له منّةٌ على المباح له، أو كانت ممّن لا منّة له عليه، كالأب){C}{C}{C}{C}(68){C}{C}{C}{C}. وقال ابن نجيم الحنفي: (القدرة على الزّاد لا تثبت إلّا بالملك لا بالإباحة، والقدرة على الرّاحلة لا تثبت إلا بالملك أو الإجارة لا بالعاريّة والإباحة){C}{C}{C}(69){C}{C}{C}{C}. وقال القرافي المالكي: (وإذا لم يكن له مال وبذل له، لم يلزمه قبوله عند الجميع؛ لأن أسباب الوجوب لا يجب على أحد تحصيلها){C}{C}{C}{C}(70){C}{C}{C}{C}. وقال ابن قدامة الحنبلي: (ومن لم يكن له مال، فبذل له ولده أو غيره مالا يحج به، لم يلزمه قبوله، وإن بذل له أن يحج عنه أو يحمله لم يلزمه قبوله؛ لأن عليه فيه منة ومشقة فلم يلزمه قبوله، كما لو كان الباذل أجنبياً){C}{C}{C}{C}(71){C}{C}{C}.

ومعنى هذا أنَّ الحنفية والمالكية والحنابلة، نفوا تحقق الاستطاعة في الحج لمن بذل له مالٌ؛ لأنَّ البذل لا يتحقق به ملك الزاد والراحلة، ولا ملك ما يحصل به الزاد والراحلة، وذلك لأن الباذل يملك حق الرجوع فيما بذله، ويمنع المبذول له من التصرف في المبذول، وهذا يعني أن المبذول له لا يملك الاستطاعة المطلقة على الحج، وبالتالي لا يكون مستطيعًا، فلا يجب عليه الحج، لعدم تحقق شرط الاستطاعة فيه، ولأن البذل لا يخلو من المنة، ولو كان البذل حتى من الولد، ولا يلزم المسلم قبول ما فيه منة ولو كان البذل في القربات.

القول الثاني: إذا بذل الابن الطاعة، وهي أن يحج بنفسه عن والده، فيلزم الأب القبول لعدم المنة فيه. وهذا هو قول الشافعية. قال الغزالي: (وإن كان المبذول طاعة، والباذل هو الابن، وجب القبول إذ لا مِنَّة){C}{C}{C}{C}(72){C}{C}{C}{C}. وقال الغمراوي: (ولو بذل الولد الطاعة، بأن يحج بنفسه وجب قبوله بالإذن له في ذلك، وكذا الأجنبي لو بذل الطاعة في الأصح){C}{C}{C}{C}(73){C}{C}{C}{C}. ومعنى بذل الطاعة، أي أن يحج بنفسه عنه، ومعنى القبول في بذل الطاعة، القبول بالإذن له بالحج{C}{C}{C}{C}(74){C}{C}{C}.

وأمّا إن كان المبذول مالاً، سواء كان من ولده أو من أجنبي، فلا يلزم قبوله في الأصح، عند الشافعية، وذلك لوجود المِنَّة فيه. قال النووي: (ولو بذل ولده أو أجنبي مالاً للأجرة، لم يجب قبوله في الأصح){C}{C}{C}{C}(75){C}{C}{C}{C}. وقال الغزالي: (إن كان المبذول مالاً والباذل أجنبي، لم يجب لما فيه من المنة){C}{C}{C}(76){C}{C}{C}{C}. وقال الشيرازي: (وإن بذل له رجل راحلة، من غير عوضٍ، لم يلزمه قبولها؛ لأن عليه في قبول ذلك منة، وفي تحمل المنة مشقة، فلا يلزمه){C}{C}{C}(77){C}{C}{C}{C}. وقد ذكر الرملي خلاف الشافعية في هذا فقال: (فلو لم يجد أجرة، وبَذَل (بالمعجمة)، أي أعطى له ولده أو أجنبي مالاً للأجرة، لم يجب قبوله في الأصح، لما فيه من المنة. والثاني: يجب({C}{C}{C}(78){C}{C}{C}، وبمثله قال الغمراوي الشافعي{C}{C}{C}{C}(79){C}{C}{C}{C}. وقد نقل الكاساني عن الشافعي، أن البذل إذا كان من الولد للوالد، أو العكس، فيجب القبول لعدم المِنَّة فيه، بخلاف أن يكون البذل من أجنبي، فقال: (وقال الشّافعيّ: يجب الحجّ بإباحة الزّاد والرّاحلة إذا كانت الإباحة ممّن لا منّة له على المباح له كالوالد بذل الزّاد والرّاحلة لابنه، وله في الأجنبيّ قولان){C}{C}{C}(80).

وقد علَّلَ الرملي الأنصاري، سبب اللزوم في قبول بذل الطاعة، وعدم اللزوم في بذل المال، فقال: (والمنة في ذلك (أي في بذل الطاعة) ليست كالمنة في المال، ألا ترى أن الإنسان يستنكف عن الاستعانة بمال الغير، ولا يستنكف عن الاستعانة ببدنه في الأشغال)(81{C}{C}{C}{C}{C}{C}{C}{C}){C}{C}{C}{C}.

خلاصة المذهب الشافعي، في من بُذلت له الطاعة، أو المال لأداء الحج:

إذا بذل الابن الطاعة للأب، وهي الحج عن والده، فيلزم الأب القبول، قولا واحداً في المذهب، وإن بذل الابن، أو الأجنبي المال، فالأصح عدم اللزوم، لوجود المِنَّة في ذلك.

7- حكم بيع الشخص أمواله لأداء فريضة الحج.

اتفق الفقهاء على أنه لا يلزم أن يبيع الشخص أمواله الضرورية، واحتياجاته الأصلية، التي لا غنى له عنها، إلا ما نُقل عن ابن القاسم من المالكية، كما سيأتي بيان قوله, وكذلك فقد اتفق الفقهاء على أنه يلزم الشخص أن يبيع ما زاد عن حاجته، لأداء فريضة الحج، فإن لم يفعل فهو آثم، وهذا القول إنما هو بناءً على وجوب الحج على الفور{C}{C}{C}{C}(82){C}{C}{C}{C}.

وعليه: فمن له عقار يحتاج إليه لسكنه، أو سكنى عياله، أو يحتاج إلى أجرته لنفقة نفسه أو نفقة عياله، أو كان يملك بضاعة متى نقصت اختلّ ربحها فلم يكفهم، أو كانت عنده مواشٍ من الإبل والبقر والغنم، يحتاج إليها لنفقته ونفقة عياله، لم يلزمه بيع شيء منها لأجل أن يحج به، وإذا كانت له دارٌ لا يسكنها، ولا ينتفع بها، ومتاعٌ لا يمتهنه، وعبدٌ لا يستخدمه، بمعنى أنه لا يحتاج إلى ما ذكر، لنفقة نفسه، أو نفقة عياله، وجب عليه أن يبيعه ويحجّ به.

من أقوال الحنفية، في بيع الأموال التي يمكن الاستغناء عنها من غير مشقة، لأداء فريضة الحج:

 قال الكاساني نقلاً عن ابن شجاع: (إذا كانت له دارٌ لا يسكنها ولا يؤاجرها ومتاعٌ لا يمتهنه وعبدٌ لا يستخدمه، وجب عليه أن يبيعه ويحجّ به... فإن أمكنه بيع منـزله وأن يشتري بثمنه منـزلاً دونه ويحجّ بالفضل، فهو أفضل، لكن لا يجب عليه؛ لأنّه محتاجٌ إلى سكناه فلا يعتبر في الحاجة قدر ما لا بدّ منه كما لا يجب عليه بيع المنزل والاقتصار على السّكنى){C}{C}{C}{C}(83){C}{C}{C}{C}. وذكر الكرخيّ أنّ أبا يوسف قال: (إذا لم يكن له مسكنٌ ولا خادمٌ ولا قوت عياله وعنده دراهم تبلّغه إلى الحجّ لا ينبغي أن يجعل ذلك في غير الحجّ فإن فعل أثم؛ لأنّه مستطيعٌ لملك الدّراهم فلا يعذر في التّرك ولا يتضرّر بترك شراء المسكن والخادم بخلاف بيع المسكن والخادم فإنه يتضرّر ببيعهما){C}{C}{C}{C}(84){C}{C}{C}{C}. لكن بيَّن ابن نجيم أن الحاجة الأصلية إلى المال، لمن ليس مسكن ولا خادمٌ، مقدمة على الحج، فقال: (وتثبت الاستطاعة بدارٍ لا يسكنها وعبدٍ لا يستخدمه، فعليه أن يبيعه ويحجّ...ولو لم يكن له مسكنٌ ولا خادمٌ وعنده مالٌ يبلغ ثمن ذلك ولا يبقى بعده قدر ما يحجّ به، فإنه لا يجب عليه الحجّ؛ لأنّ هذا المال مشغولٌ بالحاجة الأصليّة إليه){C}{C}{C}{C}(85){C}{C}{C}.

من أقوال المالكية، في بيع الأموال التي يمكن الاستغناء عنها من غير مشقة، لأداء فريضة الحج:

قال القرافي: (ولو لم يكن عنده إلا عروض التجارة، وجب عليه أن يبيع منها ما يباع للدين وألزمه ابن القاسم، بيع فرسه وترك أولاده بغير شيء بل للصدقة){C}{C}{C}{C}(86){C}{C}{C}{C}. وقال الخرشي: (وكذلك يجب عليه الحج إذا لم يجد معه إلا ما يباع على المفلس عند التفليس، من ربع{C}{C}{C}{C}(87){C}{C}{C}{C}، وماشية{C}{C}{C}{C}(88){C}{C}{C}{C}، وثياب ولو لجمعة، إن كثرت قيمتها، وخادمه، وكتب العلم ولو محتاجا إليها، ومصحف، وآلة الصانع، على أحد الترددين وكذلك يجب عليه الحج، ولو لم يكن عنده وعند أهله وأولاده إلا مقدار ما يحج به فقط ولا يراعى ما يئول أمره وأمر أهله وأولاده إليه في المستقبل؛ لأن ذلك أمره إلى الله){C}{C}{C}{C}(89){C}{C}{C}{C}.

قلت: قد تقدم قول المالكية، بأنه لا يشترط في الاستطاعة توفر الزاد، لمن عادته السؤال، ولا الراحلة، لمن كان قادراً على المشي، ولا يمنع من الاستطاعة عدم ترك شيء لمن تلزم المكلف نفقتهم، أو الخوف مما يؤول إليه أمره وأمر أولاده في المستقبل، من فقرٍ أو احتياج إلى الصدقة من الناس، بل يجب عليه الحج، إلا إذا خشي ضياع أولاده، وبناءً على هذا القول، فقد ألزموا أن يبيع الشخص من أمواله، ولو كان محتاجاً إليها، والصحيح: هو التفريق بين ما يحتاجه الشخص، ويعد من الاحتياجات الأصلية، وما لا يحتاجه. فما يحتاجه فلا يلزمه بيعه، وما لا يحتاجه فيلزمه بيعه، لأداء فريضة الحج، بناءً على القول بأن أداء الحج على الفور.

من أقوال الشافعية، في بيع الأموال التي يمكن الاستغناء عنها من غير مشقة، لأداء فريضة الحج:

قال الشيرازي: (وإن كان محتاجاً إليه[أي المال] لنفقة من تلزمه نفقته، لم يلزمه الحج لان النفقة على الفور والحج على التراخي وإن احتاج إليه لمسكن لا بد له من مثله أو خادم يحتاج إلى خدمته لم يلزمه){C}{C}{C}(90){C}{C}{C}{C}.

من أقوال الحنابلة، في بيع الأموال التي يمكن الاستغناء عنها من غير مشقة، لأداء فريضة الحج:

قال ابن قدامة: (ومن له عقار يحتاج إليه للسكنى، أو إلى أجرته لنفقته، أو نفقة عياله، أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه لذلك، أو آلات لصناعته المحتاج إليها، أو كتب من العلم يحتاج إليها، لم يلزمه صرفه في الحج؛ لأنه لا يستغنى عنه أشبه النفقة، ومن كان ذلك فاضلاً عن حاجته، كمن له بكتاب نسختان، أو له دار فاضلة، أو مسكن واسع يكفيه بعضه، فعليه صرف ذلك في الحج){C}{C}{C}(91){C}{C}{C}{C}. وقال ابن مفلح: (فإن كان المسكن واسعاً يفضل عن حاجته، وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه، ويفضل ما يحج به، لزمه، فإن فضل منه ما يحج به لزمه... ويتوجه مثله في الخادم والكتب التي يحتاجها){C}{C}{C}{C}(92){C}{C}{C}{C}. وقال البهوتي: (إن أمكن بيع المسكن والخادم، إذا كانا نفيسان، وأمكن شراء ما يكفيه، ويفضل ما يحج به، لزمه ذلك؛ لأنه مستطيع، فان لم يفضل عنه ما يحج به، لم يلزمه){C}{C}{C}(93){C}{C}{C}.

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/ 5 ربيع الأول 1428هـ، الموافق 24/ 3 / 2007م.

مراجعة: عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

 

_____________________________

{C}{C}{C}(1){C}{C}{C}{C} انظر: تفسير الطبري (6/ 51).

{C}{C}{C}{C}(2){C}{C}{C}{C} أخرجه البخاري (1/ 12)، برقم: (8)، ومسلم (1/ 45)، برقم: (21).

(3){C}{C}{C}{C} أخرجه مسلم (2/ 975)، برقم: (1337).

(4){C}{C}{C}{C} لسان العرب (8/ 240).

(5){C}{C}{C}{C} تاج العروس (1/ 5428).

(6){C}{C}{C}{C} المصباح المنير (2/ 380)، النهاية في غريب الأثر (3/ 322)، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف (1/ 57).

(7){C}{C}{C}{C} سنن الترمذي (3/ 177)، برقم: (813). قال الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب (2/ 9)، برقم: (1131).

(8){C}{C}{C}{C} بدائع الصنائع (2/ 293).

(9){C}{C}{C}{C} الأم (2/ 157).

{C}{C}{C}(10){C}{C}{C}{C} العمدة (1/ 158).

(11){C}{C}{C}{C} الشعث: المغبر الشعر المتلبد لعدم تعهده بالنظافة والدهن، مسند الشافعي ترتيب السندي (ص 798)، برقم: (744).

(12){C}{C}{C}{C} التفل: الذي ترك استعمال الطيب فأنتن ريحه، مسند الشافعي ترتيب السندي ص 798، برقم: 744.

 {C}{C}{C}{C}(13){C}{C}{C}{C} العج: رفع الصوت بالتلبية، مسند الشافعي ترتيب السندي: (ص 798)، برقم: (744).

(14){C}{C}{C}{C} الثج: سيلان دماء الهدى والأضاحي، مسند الشافعي ترتيب السندي: (ص 798)، برقم: (744).

{C}{C}{C}(15){C}{C}{C}{C} سنن الترمذي (5/ 225)، برقم: (2998). قال الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب (2/ 9)، برقم: (1131).

(16){C}{C}{C}{C} سنن الترمذي (3/ 177)، برقم: (813)، قال الألباني: ضعيف، ضعيف الترمذي (1/ 93)، برقم: (133).

{C}{C}{C}(17){C}{C}{C}{C} سنن ابن ماجة (2/ 967), برقم: (2897)، قال الألباني: ضعيف جدا، ضعيف ابن ماجه (1/ 232)، برقم: (632).

{C}{C}{C}(18){C}{C}{C}{C} مصنف ابن أبي شيبة (4/ 536)، برقم: (5).

{C}{C}{C}(19){C}{C}{C}{C} مصنف ابن أبي شيبة (4/ 535)، برقم: (1).

{C}{C}{C}(20){C}{C}{C}{C} المبسوط للسرخسي (4/ 163)، وانظر: بدائع الصنائع (2/ 120).

{C}{C}{C}(21){C}{C}{C}{C} بدائع الصنائع (2/ 122).

(22){C}{C}{C}{C} الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي، (ص 146-147)، وانظر: شرح مختصر خليل (2/ 85).

{C}{C}{C}(23){C}{C}{C}{C} فقه العبادات للمالكية (1/ 335 - 336).

{C}{C}{C}(24){C}{C}{C}{C} الذخيرة (3/ 177).

{C}{C}{C}(25){C}{C}{C}{C} حاشية الدسوقي (2/ 9).

{C}{C}{C}(26){C}{C}{C}{C} شرح مختصر خليل (2/ 284).

(27){C}{C}{C}{C} إشارة إلى هذا الحديث، وهو أن امرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله! إنَّ فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» . صحيح البخاري (2/ 551)، برقم: (1442).

(28){C}{C}{C}{C} شرح ابن بطال (7/ 215).

{C}{C}{C}(29){C}{C}{C}{C} بداية المجتهد (1/ 233).

{C}{C}{C}(30){C}{C}{C}{C} الاستذكار (4/ 165).

{C}{C}{C}(31){C}{C}{C}{C} شرح مختصر خليل (2/ 286).

(32){C}{C}{C}{C} الذخيرة (3/ 178).

{C}{C}{C}(33){C}{C}{C}{C} فقه العبادات للمالكية (1/ 335- 336).

{C}{C}{C}(34){C}{C}{C}{C} حاشية العدوي (1/ 651).

(35){C}{C}{C}{C} الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي (ص 146-147).

{C}{C}{C}(36){C}{C}{C}{C} الذخيرة (3/ 177).

{C}{C}{C}(37){C}{C}{C}{C} انظر: إعانة الطالبين (2/ 281- 282)، وانظر: روضة الطالبين (3/ 10). والمعضوب: قال الأَزهري: هو المَخْبُولُ الزَّمِنُ الذي لا حرَاكَ به، يقال: عَضَبَتْهُ الزَّمانةُ تَعْضِبُه عَضْباً، إِذا أَقْعَدَتْه عن الحَرَكة وأَزمَنَتْه. لسان العرب (1/ 609).

{C}{C}{C}(38){C}{C}{C}{C} الوسيط (2/ 582).

{C}{C}{C}(39){C}{C}{C}{C} روضة الطالبين (3/ 4).

{C}{C}{C}(40){C}{C}{C}{C} الأم (2/ 113)، وانظر: الإقناع للماوردي (1/ 82)، وانظر: الإقناع للشربيني (1/ 251)، وانظر: المهذب (1/ 196).

{C}{C}{C}(41){C}{C}{C}{C} إعانة الطالبيين (2/ 282).

(42){C}{C}{C}{C} المغني (3/ 166)، وانظر: الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 380)، وانظر: المبدع (3/ 91).

{C}{C}{C}(43){C}{C}{C}{C} انظر: شرح منتهى الإرادات (1/ 517)، وانظر: دليل الطالب (1/ 85).

{C}{C}{C}(44){C}{C}{C}{C} الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 380).

{C}{C}{C}(45){C}{C}{C}{C} المبدع (3/ 92).

{C}{C}{C}(46){C}{C}{C}{C} كشاف القناع (2/ 389)، شرح منتهى الإرادات (1/ 517).

{C}{C}{C}(47){C}{C}{C}{C} كشاف القناع (2/ 387)، وانظر: مطالب أولي النهى (2/ 278).

{C}{C}{C}(48){C}{C}{C}{C} منار السبيل (1/ 229).

{C}{C}{C}(49){C}{C}{C}{C} انظر: مطالب أولي النهى (2/ 282).

{C}{C}{C}(50){C}{C}{C}{C} المحلى (7/ 53).

(51){C}{C}{C}{C} حَمالةً: هي ما يتحمّله الإِنسان عن غيره من دِية أو غرامة، مثل أن تقع حرب بين فرِيقين تُسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمّل دِياتِ القتلى ليُصلِح ذات البين، والتّحمُّل: أن يحمِلها عنهم على نفسه، ويسأَل الناس فيها، لسان العرب (11/ 174)، وانظر: الصحاح في اللغة (1/ 147).

(52){C}{C}{C}{C} الحجا: العَقلُ، والفِطنَةُ، والمِقدارُ، القاموس المحيط (3/ 408).

{C}{C}{C}(53){C}{C}{C}{C} أخرجه مسلم (5/ 253)، برقم: (1730).

{C}{C}{C}(54){C}{C}{C}{C} انظر: سبل السلام (2/ 180).

{C}{C}{C}(55){C}{C}{C}{C} سبل السلام (2/ 180).

{C}{C}{C}{C}(56){C} {C}{C} فتح الباري (3/ 379).

{C}{C}{C}(57){C}{C}{C}{C} بدائع الصنائع (2/ 122).

{C}{C}{C}(58){C}{C}{C}{C} البدائع (2/ 122).

{C}{C}{C}(59){C}{C}{C}{C} بدائع الصنائع (2/ 125).

{C}{C}{C}(60){C}{C}{C}{C} البحر الرائق (2/ 338).

{C}{C}{C}(61){C}{C}{C}{C} حاشية العدوي (1/ 651).

{C}{C}{C}(62){C}{C}{C}{C} انظر: الإقناع للشربيني (1/ 251- 253).

{C}{C}{C}(63){C}{C}{C}{C} المهذب (1/ 197)، وانظر: روضة الطالبيين (3/ 5).

{C}{C}{C}(64){C}{C}{C}{C} روضة الطالبين (3/ 6).

(65){C}{C}{C}{C} الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 379).

{C}{C}{C}(66){C}{C}{C}{C} دليل الطالب (1/ 85).

{C}{C}{C}(67){C}{C}{C}{C} الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 379)، وانظر: مطالب أولي النهى (2/ 279)، وانظر: كشاف القناع (2/ 387).

{C}{C}{C}(68){C}{C}{C}{C} بدائع الصنائع (2/ 122).

{C}{C}{C}(69){C}{C}{C}{C} البحر الرائق (2/ 337).

(70){C}{C}{C}{C} الذخيرة (3/ 178).

{C}{C}{C}(71){C}{C}{C}{C}  الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 380)، وانظر: كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (20/ 160).

{C}{C}{C}(72){C}{C}{C}{C} الوسيط (2/ 593)، وانظر: منهاج الطالبين (1/ 39).

{C}{C}{C}(73){C}{C}{C}{C} السراج الوهاج (1/ 154).

{C}{C}{C}(74){C}{C}{C}{C} المصدر السابق (1/ 154).

{C}{C}{C}(75){C}{C}{C}{C} منهاج الطالبيين (1/ 39).

{C}{C}{C}(76){C}{C}{C}{C} الوسيط (2/ 593).

{C}{C}{C}(77){C}{C}{C}{C} المهذب (1/ 197).

 {C}{C}{C}{C}(78){C}{C}{C}{C} نهاية المحتاج (3/ 253).

{C}{C}{C}(79){C}{C}{C}{C} السراج الوهاج (1/ 154).

{C}{C}{C}(80){C}{C}{C}{C} بدائع الصنائع (2/ 122).

{C}{C}{C}(81){C}{C}{C}{C} غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (1/ 167).

{C}{C}{C}(82){C}{C}{C}{C} انظر: بدائع الصنائع (2/ 123)، شرح مختصر خليل (2/ 85)، الذخيرة (3/ 177)، المهذب (1/ 197)، المغني (3/ 88)، شرح منتهى الإرادات (1/ 518).

{C}{C}{C}(83){C}{C}{C}{C} بدائع الصنائع (2/ 123).

{C}{C}{C}(84){C}{C}{C}{C} المصدر السابق (2/ 123).

{C}{C}{C}(85){C}{C}{C}{C} البحر الرائق (2/ 337).

{C}{C}{C}(86){C}{C}{C}{C} الذخيرة (3/ 177).

(87){C}{C}{C}{C} الرَّبْعُ: الدار بعينها حيث كانت، وجمعها: رِبَاعٌ، ورُبُوعٌ، وأَرْبَاعٌ، وأَرْبُعٌ، والرَّبْعُ أيضا: المحلة. مختار الصحاح (1/ 267).

(88){C}{C}{C}{C} الماشية: قال الرازي: والمَاشِيةُ معروفة، والجمع: المَواشِي. مختار الصحاح (1/ 642).

{C}{C}{C}(89){C}{C}{C}{C} شرح مختصر خليل (2/ 85)، وانظر: حاشية العدوي (1/ 651).

{C}{C}{C}(90){C}{C}{C}{C} المهذب (1/ 197).

{C}{C}{C}(91){C}{C}{C}{C} الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 379)، المغني (3/ 88 -89).

{C}{C}{C}(92){C}{C}{C}{C} المبدع (3/ 93).

{C}{C}{C}(93){C}{C}{C}{C} شرح منتهى الإرادات (1/ 518).

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الإسلام قد أمر بأداء الصلوات الخمس جماعة في المسجد، والمقصود من هذا الأمر، الإقامة لهذه الشعيرة في بيوت الله، رجاء المثوبة والأجر، ورفع الدرجات بالمشي إلى بيت الله تعالى، وقيام نظام الألفة بين المصلين، لتحصيل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات في جماعة.

وقد ورد النهي عن صلاة الرجل خلف الصف منفردا، لغير عذر، كما وردت بذلك بعض الأحاديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم-. فهذا البحث ، إنما هو لبيان هذه المسألة، وهي: (حكم صلاة المنفرد خلف الصف)، وبيان الأحاديث الواردة في ذلك ، واختلاف الفقهاء في حكم صلاة المنفرد خلف الصف، مستمدا من المولى سبحانه التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل.

حكم صلاة المنفرد خلف الصف:

قد اختلف الفقهاء في حكم صلاة المنفرد خلف الصف، لغير عذر، إذا كان مع الجماعة، على قولين:

القول الأول: بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، لغير عذر، وبهذا القول قال الحنابلة، والنخعي، والحكم، والحسن بن صالح، و إسحق، و ابن المنذر، وعليه: فمن صلى خلف الصف وحده ركعة كاملة، لغير عذر، بطلت صلاته{C}{C}(1){C}{C}.         

القول الثاني: صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وبهذا القول قال مالك، والشافعي، وبعض الحنفية، والأوزاعي{C}(2){C}{C}. إلا أن هذه الصحة مع الكراهة، ففي كتاب الأشباه والنظائر للشافعية: (وكراهة صلاة المنفرد خلف الصف خروجا من خلاف من أبطلها){C}{C}(3){C}{C}. وفي كتاب الشرح الكبير، للمالكية: (وجاز صلاة منفرد خلف صف، إن تعسر عليه الدخول فيه، وإلا كره، ويحصل له فضل الجماعة مطلقا، ولا يجذب المنفرد خلف الصف أحدا من الصف، ولا يطيعه المجذوب، وهو أي كل من الجذب والإطاعة خطأ منهما، أي مكروه){C}(4){C}. 

حجة من قال ببطلان صلاة المنفرد، إذا كان مع الجماعة:

احتج من قال ببطلان صلاة المنفرد إذا كان خلف الصف، بدون عذر، كأن يجد سعة في الصف مع غيره، لكنه صلى بمفرده، بما يلي:

أ- حديث وابصة بن معبد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم-: «رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد»(5){C}.

ب- حديث علي بن شيبان، قال: «صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم- فقضى نبي الله - صلى الله عليه وسلم- الصلاة، فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف، فوقف عليه نبي الله - صلى الله عليه وسلم- حتى قضى صلاته، ثم قال له: استقبل صلاتك، فلا صلاة لفرد خلف الصف»(6){C}{C}. قال ابن تيمية: ( وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث، وأسانيدهما مما تقوم بهما الحجة، بل المخالفون لهما يعتمدون في كثير من المسائل على ما هو أضعف إسنادا منهما، وليس فيهما ما يخالف الأصول، بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة والأصول المقررة){C}{C}(7){C}{C}. بمعنى، أن قياس الأصول، يقتضى وجوب الاصطفاف في الصلاة. وقد قيل لأنس بن مالكٍ: أتنكر شيئا مما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؟ قال:( لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف){C}{C}(8){C}{C}.

وإذا كانت على هذا القول صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، كذلك الحكم في صلاة المتقدم على الصف. قال ابن قدامة: (السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، فإن وقفوا قدَّامه، لم تصح، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك، وإسحق: تصح؛ لأن ذلك لا يمنع الإقتداء به، فأشبه من خلفه) {C}(9){C}{C}. وأما صلاة المتقدم للحاجة، كحال الزحام ونحوه، فقد جوزها بعض أصحاب أحمد{C}(10){C}{C}.

 حجة من قال بصحة صلاة المنفرد، إذا كان مع الجماعة:

احتج من قال بصحة صلاة المنفرد خلف الصف، إذا كان مع الجماعة، بما يلي:

أ- حديث: أبي بكرة -رضي الله عنه- أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: «زادك الله حرصا ولا تعد»{C}{C}(11){C}{C}، فلم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم- بالإعادة، فدل هذا على صحة صلاة المنفرد خلف الصف. ومعنى قوله: «ولا تعد»: أنه نهي عن العود إلى الإحرام خارج الصف، وقيل: لا تعد إلى دخولك في الصف وأنت راكع، فإنها كمشية البهائم، وقيل: لا تعد إلى إتيان الصلاة مسرعًا{C}{C}(12){C}{C}.

وقد أجاب القائلون ببطلان صلاة المنفرد خلف الصف، عن حديث أبي بكرة، والذي فيه أنه ركع دون الصف، ولم يؤمر بالإعادة، بجوابين، أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قد نهاه، فقال:" لا تعد"، والنهي يقتضي الفساد، ولجهله بتحريمه والجهل عذرٌ له تأثير في العفو، فلا إعادة على من فعل ذلك قبل النهي. والجواب الثاني: أن الحديث ليس فيه أنه صلى منفردا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد زال انفراده قبل رفع الإمام من الركوع، وأدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركا للركعة، فهو بمنـزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فان هذا جائز باتفاق الأئمة{C}{C}(13){C}{C}.

ب- حديث: أنس بن مالك - رضي الله عنه- : «أن جدته مليكة، دعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم . قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ركعتين، ثم انصرف»{C}(14){C}{C}. أفاد الحديث: أن المرأة صلت خلف الصف منفردة، وكانت صلاتها صحيحة، كذلك يصح أن يصلي الرجل خلف الصف منفردا، وتكون صلاته صحيحة قياسا على المرأة. قال الشافعي: (وإنما أجزأت صلاة المنفرد وحده خلف الإمام؛ لأن العجوز صلت منفردا خلف أنس وآخر معه، وهما خلف النبي - صلى الله عليه وسلم- ، والنبي - صلى الله عليه وسلم- أمامهما){C}(15){C}.

قلت: في هذا الاستدلال نظر، وهو أنه لا يلزم من كون المرأة صلَّت خلف الصف منفردة، وصحت صلاتها، أن يكون هذا موقفا للرجل، فالمرأة إنما وقفت خلف الصف؛ لأنه لم يكن لها من تصافه، ولم يمكنها مصافة الرجال، ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة، لكان من حقها أن تقوم معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال، ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفا، فله أن يصلي خلف الصف.

 وأيضاً: فإنَّ وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروها، وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف، فمكروه وترك للسنة باتفاقهم، فكيف يقاس المنهي بالمأمور به؟ والعلماء قد اتفقوا على صحة وقوف المرأة منفردة كما نقله عنهم ابن قدامة(16){C}{C}. قال ابن حزم: ( ومن أجاز صلاة المنفرد خلف الصف بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بأنسٍ واليتيم خلفه والمرأة خلفهما، فلا حجة لهم فيه، لأن هذا حكم النساء خلف الرجال){C}{C}(17){C}{C}. وقال أبو الفتح تقي الدين: (وفيه دليل على أن للصبي موقفا في الصف، وعلى أن موقف المرأة وراء موقف الصبي، ولم يحسن من استدل به على أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة، فإن هذه الصورة ليست من صور الخلاف){C}{C}(18){C}.

بمعنى، أن الأحاديث قد دلَّت على صحة وقوف المرأة خلف الصف منفردة، فلا يقاس على هذا صحة صلاة من صلى خلف الصف منفردا بإطلاق.

ج- حديث ابن عباسٍ، عندما جاء، فوقف عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مؤتما، وفيه: «... فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه»(19){C}{C}. قالوا: فقد صار ابن عباس خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في تلك الإدارة.

قلت: هنالك فرق لا يخفى بين الإدارة من اليسار إلى اليمين، وبين الصلاة خلف الصف، إذ المدار من اليسار إلى اليمين هو مصل عن اليمين، ولا يسمى مصليًا خلف الصف، لأنه بمجرد أن وقف عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أداره إلى اليمين، فهي لحظة يسيرة، فضلاً عن يكون قد صلى ركعة كاملة.

د- وبكون الإمام يصلي منفردا، فدلّ على صحة صلاة المنفرد مطلقاً، ويُرَدُّ عليهم: بأن الإمام لا يشبه المأموم، فان سنته التقدم لا المصافة، وسنة المؤتمين الاصطفاف.

هـ- وأما حديث وابصة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم-: «رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد». فقد أجابوا عنه بجوابين، أحدهما: أن الحديث ضعيف. قال ابن تيمية: (ومن خالف ذلك من العلماء، فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة من وجه يثق به، بل قد يكون لم يسمعها، وقد يكون ظن أن الحديث ضعيف)(20){C}{C}؛ ولكن قد تقدم تصحيح بعض العلماء لحديث وابصة، ومنهم الألباني. والجواب الثاني: أن الأمر بإعادة الصلاة، ليس لبطلانها، وإنما لمخالفة الأولى، فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب، مبالغة في المحافظة على الأولى.

قال السندي في مسند الشافعي: ( أمره - صلى الله عليه وسلم- إياه، بإعادة الصلاة، ليس لبطلانها، وإنما لمخالفة الأولى؛ ليحافظوا على ملء الصفوف، وليشعرهم - صلى الله عليه وسلم- بأهمية ذلك، هذا رأى الجمهور، وبعض الأئمة أخذ بظاهر الحديث، وقال ببطلان صلاة هذا المنفرد){C}{C}(21){C}{C}.

القول الراجح في حكم صلاة المنفرد خلف الصف:

الذي يظهر -والله أعلم- هو القول بالتفصيل، وهو بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، إن صلى ركعة كاملة لغير عذر، وصحة صلاة من صلى خلف الصف للعذر، والتفريق بين حكم الركوع خلف الصف، ثم الانضمام بعد ذلك إلى الصف، وبين حكم الصلاة كلها خلف الصف، لغير عذر، فالركوع دون الصف جائز، وصلاة المنفرد خلف الصف، لغير عذر باطلة، وهذا هو مسلك الجمع بين أحاديث الباب، فالأحاديث التي فيها الأمر بالإعادة، تحمل على من فعل ذلك لغير عذر، والأحاديث التي ليس فيها الأمر بالإعادة، تحمل على من فعل ذلك لعذرٍ مع خشية الفوت إذا انضم إلى الصف.

 قال الشوكاني: (وقيل:[ أي في الجمع بين الأحاديث] من لم يعلم ما في ابتداء الركوع على تلك الحال من النهي، فلا إعادة عليه، كما في حديث أبي بكرة، ومن علم بالنهي وفعل بعض الصلاة أو كلها خلف الصف، لزمته الإعادة){C}{C}(22){C}{C}.

والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/ 9 صفر 1428هـ الموافق 26/ 2 / 2007 م.

____________________

{C}(1){C}{C} المغني (2/ 42).

(2){C} مختصر اختلاف العلماء (1/ 235).

(3){C} الأشباه والنظائر – شافعي (1/ 257).

(4){C} الشرح الكبير (1/ 334).

{C}(5){C}{C} سنن أبي داود (1/ 239)، برقم: (682). قال السيخ الألباني: صحيح، انظر: صحيح أبي داود (1/ 133)، برقم: (633). مختصر إرواء الغليل (1/ 109)، برقم: (541).

(6){C} صحيح ابن خزيمة (3/ 30)، برقم: (1569). قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: الجامع الصغير وزيادته (1/ 96)، برقم: (951).

(7){C} كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (23/ 393).

(8){C} المحلى (4/ 59).

(9){C} المغني (2/ 44).

(10){C} كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (23/ 396).

{C}(11){C}{C} صحيح البخاري (1/ 27 )، برقم: (750).

(12){C} نيل الأوطار (3/ 228).

{C}(13){C}{C} المغني (2/ 42). كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (23/ 397).

{C}(14){C}{C} صحيح البخاري (1/ 149)، برقم: (373).

{C}(15){C}{C} الأم (1/ 299).

{C}(16){C}{C} المغني (2/ 42).

(17){C} المحلى (4/ 57).

(18){C} إحكام الأحكام (1/ 199).

{C}(19){C}{C} صحيح البخاري (1/ 55)، برقم: (117).

(20){C} كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (23/ 395).

(21){C} مسند الشافعي ترتيب السندي (339).

(22){C} نيل الأوطار (3/ 227).

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
(حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد، وفي غير المسجد)
الأحد 30 سبتمبر 2012

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الإسلام قد أمر بأداء الصلوات الخمس جماعة في المسجد، ورغَّب في ذلك، وقد دلّ على هذا المقصد قوله تعالى: ‏﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلهِيهِم تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبصَارُ ﴾ [النور:36، 37]. وكذلك فِعلُ النبي - صلى الله عليه وسلم- في صلاته بأصحابه جماعة في المسجد.

ومما لا شك فيه، أن الأصل هو أداء هذه الصلوات جماعة في المسجد، حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام، لم يرخص للأعمى أن يصلي في بيته، طالما أنه يسمع النداء، كما سيأتي بيان ذلك في البحث, وأنَّ فعل الصلاة فيما كثر فيه المصلون من المساجد أفضل؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم- "... وإن صلاة الرجل مع الرجل، أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين، أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله - عز وجل- "(1), لكن ما هو حكم الصلاة جماعة في البيوت مثلاً، أو في الصحراء؟  

هذا البحث المتواضع، والذي هو بعنوان: (حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد، وفي غير المسجد) سأذكر فيه: تمهيداً عن فضل الصلاة جماعة في المسجد، ثم بيان هذه المسائل، وهي: 

1.    حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد.

2.    حكم أداء الصلاة جماعة في غير المسجد، كالبيوت والصحراء مثلاً.

3.    بيان الحكمة من مشروعية الصلاة جماعة.

 

تمهيد: فضل الصلاة جماعة في المسجد:

مما يدل على فضل الصلاة جماعة في المسجد، ورود الأحاديث التي فيها بيان الأجر والثواب، لمن حافظ على أداء الصلاة جماعة في المسجد، ومن هذه الأحاديث ما يلي:

‏ أ- رفع الدرجات بسبب الخطى إلى المساجد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "صلاة الرجل في جماعة، تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، لا ينهزه(2) إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة، إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون‏:‏ اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يحدث"(3)، وعن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال لهم:" إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم"(4)، والمعنى: الزموا دياركم، فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم الكثيرة إلى المسجد(5), وعن أبي موسى- رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم- : "أعظم الناس أجرا في الصلاة، أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام"(6), وعن أبي بن كعب - رضي الله عنه- قال‏:‏ ‏(‏كان رجل من الأنصار، بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  قال‏:‏ فتوجعنا له، فقلت له‏:‏ يا فلان لو أنك اشتريت حماراً يقيك من الرمضاء ويقيك من هوام الأرض، قال‏:‏ أما والله ما أحب أن بيتي مطنب(7) ببيت محمد - صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ فحملت به حملاً، حتى أتيت نبي الله - صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال‏:‏ فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-‏:‏ "إن لك ما احتسبت‏"(8).

 ب- زيادة الأجر بسبب كثرة عدد المصلين في المسجد، عن أبي بن كعب- رضي الله عنه- قال:"صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يوما الصبح، فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال : أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته، لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل، أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين، أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل"(9).

ج- النور التام يوم القيامة، عن بريدة- رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم-  قال: " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد، بالنور التام يوم القيامة"(10).

د- كتابة الملائكة لمن يدخل المسجد يوم الجمعة، قبل خروج الإمام، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم- : "إذا كان يوم الجمعة، وقفت الملائكة على باب المسجد، يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر(11) كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشا ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر"(12).

وبعد ذكر بعض الروايات، التي تدل على فضل الصلاة جماعة في المسجد، أذكر الآن المسائل الثلاث في هذا البحث، وبيان أقوال الفقهاء في كل مسألةٍ على حدة، وهي كالتالي:

1. حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد:

اختلف العلماء في حكم أداء الصلوات الخمس جماعة في المسجد، على ثلاثة أقوال:

القول الأول: سنة مؤكدة، وبه قال المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية (13).

القول الثاني: واجبة على الكفاية، وهذا هو القول الثاني للشافعية, قال النووي:( صلاة الجماعة هي في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية للرجال، فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية، فإن امتنعوا كلهم قوتلوا )(14).

القول الثالث: واجبة على الأعيان، وبه قال عامة الحنفية، والحنابلة، والظاهرية، إلا أن الحنابلة لم يشترطوا الجماعة لصحة الصلاة، واستثنوا من الوجوب العيني من كان تخلفه لعذر شرعي، وهذا هو المنصوص عن أحمد(15). قال البهوتي: (ليست الجماعة شرطا لصحة الصلاة، فتصح صلاة المنفرد بلا عذر، وفي صلاته فضل، وصلاة الجماعة أفضل بسبع وعشرين درجة، لحديث ابن عمر المتفق عليه) (16).

 وأما الظاهرية، فاشترطوا الجماعة لصحة الصلاة، بمعنى أن من لم يحضر الجماعة لا تصح صلاته إلا لعذر, قال ابن حزم:( ولا تجزئ صلاة فرض أحدا من الرجال، إذا كان بحيث يسمع الأذان أن يصليها إلا في المسجد مع الإمام، فإن تعمد ترك ذلك بغير عذر، بطلت صلاته، فإن كان بحيث لا يسمع الأذان، ففرض عليه أن يصلى في جماعة مع واحد إليه فصاعدا ولابد، فان لم يفعل فلا صلاة له، إلا أن لا يجد أحدا يصليها معه، فيجزئه حينئذ، إلا من له عذر فيجزئه حينئذ التخلف عن الجماعة) (17).

حجة من قال بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس سنة مؤكدة:

احتج القائلون بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس سنة مؤكدة، بما يلي:

أ- عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"(18)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "صلاة الجماعة تعدل خمسا وعشرين من صلاة الفذ(19)"(20), ولو كانت صلاة الجماعة واجبة لم تصح صلاة المنفرد، ولم يكن هناك تفضيل لصلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده, قال الشافعي: ( ولا أحب لأحدٍ ترك الجماعة، ولو صلاها بنسائه أو رقيقه أو أمه أو بعض ولده في بيته، وإنما منعني أن أقول صلاة الرجل لا تجوز وحده، وهو يقدر على جماعةٍ بحال، تفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم- صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يقل لا تجزئ المنفرد صلاته)(21). وأما ما ورد في الحديث، من العدد: خمس وعشرين، وسبع وعشرين، فقد جمع بينهما ابن تيمية، فقال: ( حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما، فصار المجموع سبعا وعشرين)(22).

ب- وأجابوا عن الحديث الصحيح، والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بإحراق بيوت المتخلفين عن الجماعة، بأن ذلك إنما هو لأجل ترك الجمعة، ولأجل النفاق(23), قال الشافعي: (فيشبه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من همه أن يحرق على قوم بيوتهم، أن يكون قاله في قوم تخلفوا عن صلاة العشاء؛ لنفاق)(24).

حجة من قال بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس واجبة - عينا أو كفاية-.

احتج القائلون بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس واجبة على العين، أو الكفاية، بما يلي:

أ- قال الله تعالى‏:‏ ‏﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِم فَأَقَمتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلتَقُم طَائِفَةٌ مِنهُم مَعَكَ وَليَأخُذُوا أَسلِحَتَهُم فَإِذَا سَجَدُوا فَليَكُونُوا مِن وَرَائِكُم وَلتَأتِ طَائِفَةٌ أُخرَى لَم يُصَلُّوا فَليُصَلُّوا مَعَكَ وَليَأخُذُوا حِذرَهُم وَأَسلِحَتَهُم﴾[النساء:102], فأمر سبحانه بأداء فريضة الصلاة جماعة في أحرج الأوقات،  فإذا كان الله - تعالى- يأمر بالقيام إلى صلاة الخوف جماعة مع ما يكون فيه المقاتلون من خوف المباغتة، والاستعداد لعدوهم، فإن ذلك يدل على وجوب الجماعة حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن، وإنما جوز العلماء أن تؤدى صلاة الخوف فرادى، عند الخوف الشديد، واشتداد القتال.

ب- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا(25) سمينا أو مرماتين(26) حسنتين، لشهد (27) العشاء "(28), فقد هم عليه الصلاة والسلام، بتحريق من لم يشهد الصلاة، لكن حال دون التنفيذ وجود النساء والذرية في البيوت، ممن لا يجب عليهم حضور الجماعة بالمسجد، وفى تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله، ويؤيد هذا ما جاء في المسند وغيره، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار"(29).

ج- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال‏:‏ أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- رجل أعمى فقال‏:‏ يا رسول الله‏: ‏"إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال‏:‏ هل تسمع النداء بالصلاة‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ فأجب"(30)‏,‏ فإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يرخص لهذا الرجل الأعمى، أن يصلي في بيته، وهو يسمع النداء، فإنّ ذلك يدل على وجوب أدائها جماعة في المسجد.

د- وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- قال‏:‏ ‏(‏من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم - صلى الله عليه وسلم- سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته‏، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف‏) (31)‏‏.‏ 

و- وأجاب أهل الظاهر، عن الحديث الذي فيه فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، بأن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة، تفضل صلاة المنفرد الذي سقط عنه وجوب صلاة الجماعة للعذر، وليس مطلقا لكل من صلى منفرداً (32).

القول الراجح في حكم صلاة الجماعة:

 الذي يظهر - والله أعلم- هو قول الجمهور، وهو أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة، لأن الأدلة التي ذكرها أصحاب الأقوال متعارضة، لكن هنالك طريقة أصولية يجمع بها بين هذه الأدلة، وهي أن أحاديث أفضلية الجماعة مشعرة بأن صلاة المنفرد مجزئة، ومن هذه الأحاديث:

أ- حديث: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"(33).

ب- حديث: "والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام"(34).

ج- حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "أبصر رجلا يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه"(35).

د- أحاديث التعليم لأركان الإسلام، فإنه لم يأمر من علمه بأن لا يصلي إلا في جماعة، وقال لمن قال له: لا يزيد على ذلك ولا ينقص، أفلح - وأبيه - إن صدق(36).

فيجمع بين الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة، والأحاديث الدالة على صحة صلاة المنفرد مع الفضل بينهما على نفي الكمال لمن صلى منفردا، لا على نفي الصحة.

 

2. حكم الصلاة جماعة في غير المسجد: 

الأصل أنَّ الصلاة بجماعة تقام في المساجد العامة، وفعل الصلاة فيما كثر المصلون من المساجد أفضل؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم- "... وإن صلاة الرجل مع الرجل، أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين، أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله - عز وجل- "(37).

ومما يستحب لأهل الثغر- وهو موضع المخافة من البلدان- الاجتماع في مسجد واحد؛   لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة، فإذا جاءهم خبر عن عدوهم، سمعه جميعهم، وتشاوروا في أمرهم، وإن جاء عين للكفار، رأى كثرتهم، فأخبر بها, قال الأوزاعي: ( لو كان الأمر إلي لسمَّرت أبواب المساجد التي للثغور؛ ليجتمع الناس في مسجد واحد)(38).

ولبيان حكم صلاة الجماعة بالبيوت والصحراء، فقد صرح الشافعية بالجواز(39)، وأجازها الظاهرية(40) بشروط سيأتي بيانها. ومما يدل على جواز الجماعة في غير المسجد، وإن كان المسجد أفضل، حديث جابر ابن عبد الله - رضي الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"(41). وعن حذيفة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "فضلت هذه الأمة على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنـز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي"(42), وفي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه-  :وفيه: "...وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  ركعتين، ثم انصرف" (43).

 قال الشربيني: (والجماعة في المسجد لغير المرأة، أفضل منها في غير المسجد كالبيت، وجماعة المرأة في البيت، أفضل منها في المسجد، لخبر الصحيحين: "... فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة"(44).

والمعنى، أنّ أداءها في المسجد أفضل؛ لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة، وإظهار الشعائر، وكثرة الجماعة) (45).

والظاهرية إنما يجيزون الصلاة بجماعة خارج المسجد في مكان لا يُسمَع فيه آذان. قال ابن حزم: (ولا تجزئ صلاة فرضٍ أحدًا من الرّجال، إذا كان بحيث يسمع الأذان، أن يصلّيها إلاّ في المسجد مع الإمام، فإن تعمّد ترك ذلك بغير عذرٍ بطلت صلاته. فإن كان بحيث لا يسمع الأذان فَفَرضٌ عليه أن يصلّي في جماعةٍ مع واحدٍ إليه فصاعدًا ولا بدّ، فإن لم يفعل فلا صلاة له، إلاّ أن لا يجد أحدًا يصلّيها معه، فيجزئه حينئذٍ إلاّ من له عذرٌ) (46).  

وعلى هذا فمن صلى جماعة بأهل بيته، أو بضيوفه، فإن صلاته تعتبر مؤداة بجماعة، ويدرك فضيلة الجماعة. قال ابن قدامة: (ولو أمَّ الرجل عبده أو زوجته، أدرك فضيلة الجماعة)(47), وأقل الجماعة اثنان، وقد بَوَّب البخاري لحديث: " إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقِيما، ثم ليؤمُّكما أكبركما"(48) بقوله: باب اثنان فما فوقهما جماعة.

3. بيان الحكمة من مشروعية الصلاة جماعة.

إن المقصود من الأمر بأدائها جماعة في المسجد، الإقامة لهذه الشعيرة في بيوت الله، والتنـزه عن صفات المنافقين في التخلف عنها، ورجاء المثوبة والأجر، وطلب المغفرة من الذنوب، ورفع الدرجات بالمشي إلى بيت الله تعالى من الخطوات، والتعرض لدعوات الملائكة له بالرحمة والمغفرة مادام في مصلاه، لا يمنعه من انصرافه منها إلا انتظاره للصلاة‏،‏ والذي يتخلف عن شهود الجماعة في بيت الله من غير عذر شرعي فإن هذا يدل على ضعف امتثاله أوامر الشريعة، وبُعدِه عما يضاعف له به الحسنات، ويرفعه به إلى أعلى الدرجات، ويغفر له به السيئات، وخالف الأوامر الدالة على شهود أدائها في المساجد، واستحق الوعيد الذي توعد به المتخلفون عن شهود الجماعة في المساجد‏.‏

 قال ابن نجيم الحنفي، وهو يتكلم عن الحكمة من مشروعية صلاة الجماعة في المساجد: (أحدها: قيام نظام الألفة بين المصلين، ولهذه الحكمة شرعت المساجد في المحال، لتحصيل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران، ثانيها: دفع حصر النفس أن تشتغل بهذه العبادة وحدها، ثالثها: تعلم الجاهل من العالم أفعال الصلاة)(49).

والله تعالى أعلم

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/ 9 صفر 1428هـ الموافق  26/2 /2007 م.


(1)- سنن أبي داود 1/207، برقم: 554. قال الشيخ الألباني: حسن ، انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 2/54 ، برقم: 554.

(2)- لا ينهزه، أي لا تُنهِضه وتُقيمه إلا الصلاة. صحيح مسلم  1/458 .

(3)-صحيح مسلم 1/458، برقم: 649.

(4)-صحيح مسلم 1/462، برقم: 665.

(5)- شرح النووي على مسلم  5/169 .

(6)- صحيح البخاري 1/233، برقم:  623.

(7)- مطنب، أي ما أحب أنه مشدود بالأطناب، وهي الحبال إلى بيت النبي - صلى الله عليه وسلم-  بل أحب أن يكون بعيدا منه، لتكثير ثوابي وخطاي إليه، شرح النووي على مسلم 5/168 .

(8)- صحيح مسلم 1/460، برقم:  663. 

(9)- سنن أبي داود 1/207، برقم: 554.  قال الشيخ الألباني: حسن ، صحيح أبي داود 1/110، برقم: 528.

(10)-سنن أبي داود 1/209، برقم: 561. قال الشيخ الألباني: صحيح،  صحيح أبي داود 1/112، برقم: 525.

 (11)-المهجر: الذي يمشي في الهاجرة، وهي شدة الحر، والمعنى: التبكير إلى الصلوات، انظر: القاموس المحيط 2/30.

(12)- صحيح البخاري 1/314، برقم:  887.

(13)- الشرح الكبير 1/ 319, بداية المجتهد 1/102.

(14)-منهاج الطالبين 1/16.

(15)-كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 23/225.

(16)-الروض المربع 1/23.

(17)-المحلى 4/188.

(18)-صحيح البخاري 1/231، برقم:  619.

(19)-الفذ: أي الفرد، بمعنى المنفرد الذي ترك الجماعة، صحيح مسلم 1/449.

(20)-صحيح مسلم 1/449، برقم:  649.

(21)-الأم 1/15.

(22)-كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 23/223. مختصر الفتاوى المصرية 1/56.

(23)-فتح القدير 2/172, بداية المجتهد 1/115.

(24)-الأم 1/180.

(25)-عرقا: عظما عليه بقية لحم قليلة. صحيح البخاري 1/231.

(26) - مرماتين: مثنى مرماة، وهي ظلف الشاة أي قدمها, صحيح البخاري 1/231.

(27)- لشهد العشاء: لحضر صلاة العشاء. صحيح البخاري 1/231.

(28)-صحيح البخاري 1/231، برقم:  816.

(29)-مسند أحمد بن حنبل 2/367، برقم:  8782. والحديث ضعفه الألباني، انظر: ضعيف الترغيب والترهيب 1/58، برقم:  225.

(30)-صحيح مسلم 1/452، برقم:  653. 

(31)-مسند أحمد بن حنبل  1/ 382، برقم:  3623.

(32)-المحلى 4/237.

(33)-صحيح البخاري 1/231، برقم:  619.

(34)-صحيح البخاري 1/233، برقم:  623.

(35)-سنن أبي داود 1/ 212، برقم:  574. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 2/74، برقم:   574.

 (36)-إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري 2/669، برقم:  1792.

(37)-سنن أبي داود 1/207، برقم:  554. قال الشيخ الألباني: حسن ، انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 2/54، برقم: 554.

(38)-المبدع 2/43.

(39)- مغني المحتاج 1/229.

(40)-المحلى 4/188.

(41)-صحيح البخاري 1/128، برقم:  328.

(42)-صحيح ابن خزيمة 1/132، برقم: 263.  قال الشيخ الألباني : صحيح، انظر: الجامع الصغير وزيادته 1/768، برقم:   7672.

(43)-صحيح البخاري 1/149، برقم:  373.

(44)-صحيح البخاري 1/256، برقم:  698. 

(45)-مغني المحتاج 1/229.

(46)-المحلى 4/188.

(47)-المغني 2/4.

(48)-صحيح البخاري 1/234، برقم:  627.

(49)- البحر الرائق 1/367.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم الصلاة على المذياع
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإنَّ من المسائل الحادثة في هذا العصر، مسألة الصلاة خلف المذياع أو التلفاز، ومعلوم أنَّ السرعة التي حققتها هذه الوسائل في نقل الكلام والصور، سرعة مذهلة خلال ثوان معدودة، فأنت ترى أو تسمع إمام الحرم المكي أو المدني، أو أي إمام مسجد في العالم، وهو يصلي، وتُنقَل صلاته عبر الهواء مباشرة، وكأنك في البلد نفسه!, ولكن مع هذه المشاهدة القريبة، ومع سماع الصوت القريب، فهل يجوز لإنسان أن يصلي خلف المذياع أو التلفاز، وهو في بيته أو سوقه أو في أي مكان؟ هذا ما سأذكره في بحث هذه المسألة، والتي هي بعنوان: (حكم الصلاة على المذياع), سائلا من الله تعالى التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

حكم الصلاة على المذياع:

اتفق الفقهاء على أن من شروط صحة الصلاة للمؤتم، أن يقتدي بالإمام، ومعنى الإقتداء بالإمام، الإقتداء به زماناً بحيث يتابعه في أفعال الصلاة، والإقتداء به مكاناً، بحيث يتحد مكان الإمام والمأموم، وهذا هو قول الفقهاء أئمة المذاهب، ولا خلاف فيه{C}{C}(1){C}{C}. وعليه: فإن الصلاة على المذياع فيها مفارقة كبيرة للإمام في المكان، فلا تصح؛ وإذا كان الفقهاء قد أبطلوا صلاة المؤتم المفارق للإمام، مع أن المفارقة قد تكون يسيرة، وقد يسمع المفارق صوت الإمام أو المبلغ، لعدم وجود المكبرات الصوتية في السابق، ومع هذا حكموا ببطلان صلاة المؤتم المفارق لإمامه في الصلاة، أما من يصلي على المذياع، فإنه قد يفارق الإمام من حيث المكان في المدينة، وفي الدولة،... وغير ذلك، لتوفر المكبرات الصوتية، والنقل المباشر عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، فهذه المفارقة البعيدة هي أولى بالبطلان، فلا تصح صلاة المؤتم على المذياع. وأما الصلاة على سطح المسجد، فجائزة، لأن سطح المسجد تبعٌ للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل، فكأنه في جوف المسجد{C}{C}(2){C}{C}.

ومن أقوال الفقهاء في عدم صحة صلاة من يفارق الإمام في الصلاة مفارقة كبيرة، ويدخل في هذا دخولاً أولياً من يصلي على المذياع، ما يلي:

{C}المذهب الحنفي:

قال ابن نجيم الحنفي: (ولو اقتدى -أي المؤتم- بالإمام في الصحراء، وبينهما ما قدر صفين فصاعدًا، لا يصح الإقتداء){C}{C}(3){C}{C} .، والسبب في بطلانها: انعدام التبعية في المكان، وأما المقتدي بالإمام من سطح داره المتصلة بالمسجد، فصلاته كذلك غير صحيحة، والعلة في بطلانها، اختلاف المكان للإمام والمؤتم{C}{C}(4){C}.

وقد حدَّد ابن عابدين، المسافة التي تُبطل الصلاة وتكون بين الإمام والمأموم، فقال:( ويمنع من الإقتداء: طريق تجري فيه عجلة آلة يجرها الثور، أو نهر تجري فيه السفن ولو زورقا ولو في المسجد، أو خلاء، أي: فضاء في الصحراء ){C}{C}(5){C}{C}, وأما السرخسي، فقد جعلها، أي المسافة المبطلة للصلاة بين الإمام والمأموم، بمقدار طريق  يمر فيها الناس{C}{C}(6){C}{C}, وقال الكاساني، وهو يذكر شروط الإقتداء في الصلاة، بأن من الشروط: اتحاد مكان الإمام والمأموم، لأن الإقتداء يقتضي التبعية في الصلاة والمكان من لوازم الصلاة، فيقتضي التبعية في المكان ضرورةً، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان، فتنعدم التبعية في الصلاة، لانعدام لازمها، ولأن اختلاف المكان يوجب خفاء حال الإمام على المقتدي فتتعذر عليه المتابعة التي هي معنى الإقتداء{C}{C}(7){C}.

{C}المذهب المالكي:

ذهب أصحاب المذهب المالكي، إلى أن المسافة القصيرة بين الإمام والمأموم، مثل نهر صغير، أو طريق ليست بعيدة، لا تبطل الصلاة، بشرط أن يكون المؤتم يرى الإمام، أو يسمع كلامه. قال: محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري: (وفصل مأموم بنهر صغير، أو طريق من المدونة، قال مالك: لا بأس بالنهر الصغير أو الطريق تكون بين الإمام والمأموم){C}{C}(8){C}{C}. وقال الدسوقي: ( وأما الفصل بالنهر الكبير، وهو ما يمنع من سماع الإمام ومأمومه، ومن رؤية فعل أحدهما، فلا يجوز){C}{C}(9){C}{C}.

{C}المذهب الشافعي:

  إذا كان الإمام والمأموم بمسجد واحد، فيشترط لصحة الإقتداء بالإمام، التمكن من متابعته برؤيته أو بعض صف، أو نحو ذلك كسماع صوته أو صوت مبلغ. قال الهيتمي، وهو يذكر شروط الإقتداء في الصلاة: ( أن يجتمعا، أي الإمام والمأموم في موقف، إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جَمع في مكان، كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية، ومبنى العبادات على رعاية الإتباع){C}{C}(10){C}.

وعند وجود مسافة بين الإمام والمأموم، فإما أن تكون المسافة نافذة إلى المأموم، بمعنى لا يوجد حائل بينهما يمنع الرؤية والسماع، فهذا لا يؤثر في صحة الصلاة، وإن لم تكن المسافة نافذة إلى المؤتم، ووجدت حواجز بينهما، تمنع رؤية الإمام، أو سماع صوته، فلم يعد الجامع لهما مسجدا، وبهذا لا تصح صلاة المؤتم{C}{C}(11){C}{C}. قال البجيرمي: ( إن حال بين جانبيه، أو بين المساجد المذكورة، نهر أو طريق قديم، بأن سبقا وجوده، أي المسجد، أو وجودها أي المساجد، أو قارناه فيما يظهر، فلا يكون ما ذكر كالمسجد الواحد، بل كمسجد وغيره){C}{C}(12){C}.

وإن صلى الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد حالة كونه قريبا منه، فيشترط لصحة الصلاة، أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبا معتبرا من آخر المسجد؛ لأن المسجد كله شيء واحد{C}{C}(13){C} .

{C}المذهب الحنبلي:

من شروط صحة إقتداء المأموم بالإمام، أن يكونا في مسجد واحد، حتى وإن لم يره، ولا من وراءه، إذا سمع التكبير؛ لأنهم في موضع الجماعة، ويمكنهم الإقتداء بسماع التكبير، وكذا يصح الإقتداء، إذا كان المأموم خارج المسجد، بشرط: إن يرى المأموم الإمام، أو بعض المأمومين الذين وراءه{C}{C}(14){C}{C}, وهذا الجواز إنما هو للعذر، وذلك لتصريحهم بأنه: لو كان بين الإمام والمأموم طريقٌ، ولم تتصل فيه الصفوف، لم تصح الصلاة على الصحيح من المذهب{C}{C}(15){C}{C}. قال البهوتي: (وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف حيث صحت فيه، أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى في غير شدة خوف، لم يصح الإقتداء){C}{C}(16){C}.

 وقد بيَّن ابن قدامة سبب بطلان الصلاة، وهو عدم الرؤية للإمام، أو سماع الصوت{C}{C}(17){C}{C}. والمعتبر في البعد بين الإمام والمؤتم، والذي هو مبطل للصلاة، البعد غير المعتاد، ويرجع هذا إلى العرف{C}{C}(18){C}.

وبعد بيان أقوال الفقهاء أئمة المذاهب، في شروط الإقتداء لصحة الصلاة، أخلص إلى القول، ببطلان الصلاة على المذياع، لما تقدم، وللأمور التالية:

1. إن صلاة الجماعة سميت جماعة؛ لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا، فإذا أخلوا بالاجتماع المكاني أو الزماني، مثل أن يتقدم بعضهم على الإمام، لغير عذر، أو يتأخروا عنه في المكان، تأخرا بعيدا، لغير عذر، أو يتخلفوا عنه في المتابعة تخلفا كثيرا، لغير عذر، كان ذلك منهيا عنه، وكذلك الحكم لو كانوا مفترقين غير منتظمين، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام، بتقويم الصفوف وتعديلها، وتراص الصفوف وسد الخلل، وسد الأول فالأول، كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان.

2. من شروط صحة الإقتداء في هذه الصلاة، تمكن المأموم من ضبط أفعال إمامه، برؤية أو سماع - ولو بمبلغ- فمتى تمكن المأموم من ضبط أفعال إمامه، صحت صلاته، فيلزم على هذا، اتحاد مكان الإمام والمأموم، وأن لا يكون بينهما فاصل كبير، وهذا مما اتفق عليه الأئمة الأربعة، وقد تقدم بيانه.

وأما الصلاة في سطح المسجد، فقد تقدم أنها جائزة؛ لأن سطح المسجد تبعٌ للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل، فكأنه في جوف المسجد{C}{C}(19){C}{C}.

وأما الصلاة في مسجد النساء، والذي قد يكون منفصلا عن المسجد قليلاً، فقد تقدم التفصيل في المذهب الشافعي، وخلاصته ما يلي: إن كان الإمام والمؤتم في مسجد واحد، فإما أن تكون المسافة نافذة إلى المؤتم، وإما أن لا تكون نافذة إليه، فإن كانت المسافة نافذة إلى المؤتم، ويكون مسجد النساء في مؤخرة المسجد، فهذا لا يؤثر في صحة الصلاة، وإن لم تكن المسافة نافذة إلى المؤتم، ووجدت حواجز بينهما، تمنع رؤية الإمام، أو سماع صوته، فلا تصح صلاة المؤتم{C}{C}(20){C}{C}.  

وإن كان الإمام في المسجد، والمؤتم خارج المسجد حالة كونه قريبا منه، فيشترط لصحة الصلاة، أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبا معتبراً من آخر المسجد؛ لأن المسجد كله شيء واحد{C}{C}(21){C}{C}.

وإن كانت المسافة بين الإمام والمؤتم بعيدة، فلا تصح الصلاة، والمعتبر في البعد بين الإمام والمؤتم، والذي هو مبطل للصلاة، البعد غير المعتاد، ويرجع هذا إلى العرف{C}{C}(22){C}.

 3. الذي يصلي خلف المذياع، ليس في جماعة، أي ليس متصلاً بالجماعة الذين يصلون، فبينه وبينهم مسافات كبيرة كثيرة، ولا يمكن أن يقال: إن الذي يصلي خلف المذياع، إنه من جماعة المسجد الذي يأتم بإمامه؛ لأن صلاة الجماعة تستلزم أن يكون الناس فيها مجتمعين، على إمام واحد، وأما المنفصلون بمثل هذه المسافات البعيدة، من غير أن تتصل الصفوف، فإن صلاتهم لا تصح.

4. إذا كانت صلاة المنفرد خلف الصف، لغير عذر لا تصح عند جماعة من الفقهاء، وهو الذي يظهر، فكيف إذا كان بعيدا بعدا مكانياً عن الإمام، ويصلي معه على التلفاز أو الراديو؟ فمن صلى مع الإمام على المذياع، فصلاته باطلة، وهي أولى بالبطلان ممن يصلي خلف الصف، من دون عذر. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-: ( من كان بينه وبين الإمام نهرٌ، أو حائطٌ، أو طريقٌ، فليس مع الإمام)(23){C}{C}.

5. لأن الصلاة خلف التلفاز أو الراديو، تشعر باستهانة في حضور المساجد، وإقامة الجماعة للصلاة، وفيها كذلك فتور عن امتثال أوامر الشريعة، وعزوف عما يضاعف به الحسنات، ويرفع به الدرجات، وتغفر به السيئات.

6. قد يعرض لمن يصلي على المذياع، مالا يمكنه الإقتداء بالإمام، كخلل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وحينئذ يبقى المتابع في حيرة، وإن كان هذا في الحقيقة قد يحصل لبعض من يكون في المسجد، كأن يكون بعيدا عن الإمام، أو في سطح المسجد، فلا يستطيع أن يتابع الإمام، فيلزمه أن يكمل صلاته منفردا{C}{C}(24){C}{C}، وهو في أمنٍ من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإمام والمأمومين، أو يسمع صوت الإمام أم مبلغه.  

7. لأن البث الذي في جهاز الإذاعة، ليس هو صوت الإمام، بل يُنقل صوت الإمام إلى إشارات كهربية قابلة للمغنطة، وهي تبث على الأثير مباشرة، ثم الجهاز يحول تلك الإشارات الكهربية إلى أصوات تشبه صوت الإمام، وليست هي صوت الإمام، فلذلك لا يقتدى بها.

والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ/ 9 صفر 1428هـ الموافق  26/2 /2007 م.

__________________________

{C}(1){C}{C} البحر الرائق (1/ 385)، الإنصاف للمرداوي (2/ 294)، التاج والإكليل، التاج والإكليل، لمختصر خليل (2/ 117), الإقناع للشربيني (1/ 168).

(2){C}{C} بدائع الصنائع (1/ 145).

(3){C}{C} البحر الرائق (1/ 385).

(4){C}{C} المصدر السابق.

(5){C}{C} الدر المختار (1/ 585).

(6){C}{C} انظر: المبسوط للسرخسي (1/ 193).

(7){C}{C} انظر: بدائع الصنائع (1/ 145).

(8){C}{C} التاج والإكليل، التاج والإكليل لمختصر خليل (2/ 117).

(9){C}{C} حاشية الدسوقي (1/ 336). شرح مختصر خليل (2/ 36).

{C}(10){C}{C} المنهج القويم (1/ 320).

{C}(11){C}{C} انظر:الإقناع للشربيني (1/ 168).

{C}(12){C}{C} حاشية البجيرمي (1/ 327).

{C}(13){C}{C} انظر: الإقناع للشربيني (1/ 168).

(14){C}{C} انظر: الروض المربع (1/ 26).

{C}(15){C}{C} الإنصاف للمرداوي (2/ 294).

(16){C}{C} الروض المربع (1/ 263).

(17){C}{C} المغني (2/ 21).

(18){C}{C} الإنصاف للمرداوي (2/ 294).

(19){C}{C} بدائع الصنائع (1/ 145).

{C}(20){C}{C} انظر: الإقناع للشربيني (1/ 168).

{C}(21){C}{C} انظر: المصدر السابق (1/ 168).

(22){C}{C} الإنصاف للمرداوي (2/ 294).

(23){C}{C} المحلى (4/ 58).

{C} (24){C} انظر: القوانين الفقهية (1/ 49).

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الوضوء لكل صلاة
الثلاثاء 6 نوفمبر 2012

 

 

 

 

الوضوء لكل صلاة

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد سؤالي هو: هل يجوز أن أصلي الظهر وأنا على وضوء من الساعة الثامنة صباحاً مع العلم أني أعمل في عمل إلى الساعة الواحدة ظهراً، وأنني أصلي في الساعة الواحدة والنصف أو الثانية ظهراً، فأرجوا منكم جواباً وجزاكم الله خيراً؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين الهادي إلى سواء السبيل، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، وبعد الأخ السائل الكريم بارك الله فيك وزادك من خيري الدنيا والآخرة وبعد، فالذي عليه جمهور الأمة وعامة السلف والخلف أن الأمر بالوضوء إنما هو لمن لم يكن على وضوء وأما من حضره وقت الصلاة وهو على وضوء فلا يجب عليه أن يتوضأ مرة أخرى(1)، واستدلوا على جواز أكثر من صلاة بوضوء ما لم يحدث بمجموعة من الأدلة منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»(2).

وحديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر رضي الله عنه: «لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه. قال: عمداً صنعته يا عمر»(3).

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح «أنه صلى الظهر ثم قدم عليه وفد عبد القيس فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر ولم يحدث وضوءً»(4)، وسائر أحاديث الجمع بين الصلوات الثابتة في الصحيحين وغيرهما كلها تقتضي أنه هو والمسلمون خلفه صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى لم يحدثوا لها وضوءً، وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة وتارة النافلة ثم الفريضة وتارةً فريضة ثم فريضة كل ذلك بوضوءٍ واحد(5).

أيضاً قد أقر الصحابة على ذلك فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد»(6)، وعنه رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث»(7)، بل قد حكي الإجماع على ذلك، قال ابن عبد البر: (قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد وأجمعت الأمة على أن ذلك جائز وفي ذلك كفاية عن كل قول)(8)، وقال ابن قدامة: (يجوز أن يصلي بالوضوء ما لم يحدث ولا نعلم في هذا خلافا)(9). وهذا الإجماع المحكي يقصد به أن الخلاف في المسألة شاذ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية(10)، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على الوضوء لكل صلاة عملاً بالأفضل(11).

وبالتالي يجوز للسائل الكريم أن يصلي الظهر على وضوء من الساعة الثامنة صباحاً، وعليه أن يحرص كل الحرص على الجماعة في المسجد والصلاة مع الناس، وإذا أراد الأخ السائل المزيد من التفصيل في المسألة فليراجع موقع جامعة الإيمان فقد أعددت بحثاً بذلك.

والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

إعداد/ محمد نعمان محمد علي البعداني

ربيع ثاني/ 1430هـ

_______________

 (1) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (21/ 371)، والمجموع للنووي (1/ 532).

(2) رواه الترمذي (1/ 109) برقم: (74)، وابن ماجه (1/ 172) رقم: (515)، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1/ 84) برقم: (416، 417).

(3) أخرجه مسلم (1/ 232) رقم: (277).

(4) أخرجه البخاري (4/ 1589) برقم: (4112).

(5) مجموع الفتاوى (21/ 372).

(6) أخرجه أبو داود (1/ 92) برقم: (171)، وابن ماجه (1/ 170) برقم: (509)، صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/ 35) برقم: (156).

(7) أخرجه البخاري (1/ 87) برقم: (211).

(8) التمهيد لابن عبد البر (18/  238 و241).

(9) المغني (1/ 95).

(10) مجموع الفتاوى (21/ 371).

(11) شرح النووي على صحيح مسلم (3/ 178).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
تعميم البدن بالماء في الغسل
الثلاثاء 6 نوفمبر 2012

تعميم البدن بالماء في الغسل

السؤال: ما حكم من اغتسل من الجنابة، واكتفى بالوضوء، ثم حثى ثلاث حثيات على رأسه، واكتفى بذلك؛ ظناً منه أن الماء لا يشترط أن يصيب كل موضع في بدنه، ما دام أنه قد حثى الماء على رأسه؟

وما معنى الإفاضة في الحديث لغة وشرعاً، وهل يلزم منها تعميم الماء على سائر البدن؟

والجواب والله الموفق للصواب: الحديث الوارد في كيفية غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ورد بألفاظ متعددة منها:

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت ميمونة رضي الله عنها: «وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماء، يغتسل به، فأفرغ على يديه، فغسلهما مرتين مرتين، أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينه على شماله، فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، وغسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه، فغسل قدميه»(1).

2- وعنه رضي الله عنهما قال: حدثتني خالتي ميمونة رضي الله عنها قالت: «أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوؤه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده»(2).

3- وعنه أيضاً رضي الله عنهما عن خالته ميمونة رضي الله عنها قالت: «وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلاً، فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه ثلاثاً، ثم أفاض على فرجه، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه»(3).

4- وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله»(4).

وأنت تلاحظ في هذه الألفاظ أن رواية البخاري الأولى جاءت بلفظ: «أفرغ على جسده»، وروايته الثانية فجاءت بلفظ: «ثم يفيض الماء على جلده كله» وهي أصرح روايات الحديث في المراد، وأما رواية مسلم والنسائي، فجاءت بلفظ: «غسل سائر جسده»، كما أن رواية ابن ماجه جاءت بلفظ: «ثم أفاض الماء على سائر جسده».

وإليك بيان معنى الإفراغ والغسل والإفاضة:

معنى الإفراغ:

قال الأزهري: (والإفراغ: الصب. قال الله جل وعز: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾[البقرة:250] أي: أصبب. ويقال: افترغت. إذا صببت على نفسك ماء)(5).

وقال ابن منظور الأفريقي: (والإفراغ: الصب، وفرغ عليه الماء، وأفرغه صبه، حكى الأول ثعلب... وفي التنـزيل: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾[البقرة:250] أي: أصبب، وقيل: أي أنزل علينا صبراً، يشتمل علينا، وهو على المثل، وافترغ: أفرغ على نفسه الماء وصبه عليه، وفرغ الماء - بالكسر - يفرغ فراغاً، مثال: سمع يسمع سماعاً، أي انصب، وأفرغته أنا، وفي حديث الغسل: «كان يفرغ على رأسه ثلاث إفراغات» وهي المرة الواحدة، من الإفراغ، يقال: أفرغت الإناء، إفراغاً، وفرغته تفريغاً، إذا قلبت ما فيه)(6).

 معنى الغسل:

قال الأزهري: (قال الليث: الغسل: تمام غسل الجسم كله، والمصدر: الغسل)(7).

وقال زين الدين الرازي: (غسل الشيء، من باب ضرب، والاسم الغَسل، والغسل، بضم السين وسكونها. والغِسل - بالكسر - ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره... والغسول: الماء الذي يغتسل به، وكذا المغتسل)(8).

وقال الصاحب بن عباد: (الغسل: معروف، والمصدر: الغسل. والغسل: الماء أيضاً. والغسول: ما غسلت به، والغسل: الخطمي)(9).

وقال ابن منظور الأفريقي: (والغسل تمام غسل الجسد كله... قال ابن الأثير: الغسل -بالضم- الماء القليل الذي يغتسل به، كالأكل لما يؤكل، وهو الاسم أيضاً من غسلته)(10).

معنى الإفاضة:

قال ابن الأثير: (يفيض المال: أي يكثُر. من قولهم: فاض الماء والدمع وغيرهما، يفيض فيضاً، إذا كثر، ومنه أنه قال لطلحة: (أنت الفياض) سُمِّي به؛ لسعة عطائه وكثرته، وكان قسم في قومه أربعمائة ألف، وكان جواداً... الإفاضة: الزحف والدفع في السير بكثرة، ولا يكون إلا عن تفرق وجمع. وأصل الإفاضة: الصب، فاستعيرت للدفع في السير. وأصله: أفاض نفسه أو راحلته فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدي)(11)، وبمثل ذلك قال الزمخشري في الفائق(12).

وقال ابن منظور الأفريقي: (وفاض الماء والمطر والخير، إذا كثر. وفي الحديث: «ويفيض المال» أي: يكثر، من فاض الماء والدمع وغيرهما، يفيض فيضاً، إذا كثر. قيل: فاض تدفق، وأفاضه هو وأفاض إناءه، أي: ملأه حتى فاض، وأفاض دموعه، وأفاض الماء على نفسه، أي: أفرغه، وفاض صدره بسره، إذا امتلأ وباح به ولم يطق كتمه، وكذلك النهر بمائه، والإناء بما فيه، وماء فيض: كثير، والحوض فائض، أي: ممتلئ... ونهر فياض، أي: كثير الماء، ورجل فياض، أي: وهاب جواد، وأرض ذات فيوض، إذا كان فيها ماء يفيض حتى يعلو، وفاض اللئام: كثروا، وفرس فيض: جواد كثير العدو، ورجل فيض وفياض: كثير المعروف)(13).

وقال الصاحب بن عباد: (وفاض الماء، أي: كثر حتى سال على ضفة الوادي)(14).

ومن خلال ما سبق يتلخص لنا الآتي:

إن الإفراغ بمعنى الصب المجرد.

والغسل فيه معنى زائد عن مجرد الصب، وهو غسل الجسد كله تماماً.

والإفاضة فيها معنى زائد عن مجرد الصب، وعن مجرد غسل الجسد كله، وهو صب الماء بكثرة على الجسد كله.

وعليه؛ فلفظ الإفاضة قد أعطى معنى زائداً على المعنيين الآخرين؛ لأنه قد دل على ثلاثة معانٍ، هي:

1- صب الماء على الجسد.

2- تعميم الجسد كله - لا بعضه – بالماء.

3- الإكثار من الماء وتعميم الجسد كله به.

ومن هنا نعلم أن الحديث بألفاظه، قد دلنا على اشتراط أن يصيب الماء كل موضع في بدن المغتسل، كما دلنا الحديث أيضاً - بألفاظه - على اشتراط تعميم الماء على سائر البدن، في الغسل من الجنابة.

وبعد أن عرفنا معنى الإفراغ والغسل والإفاضة عند علماء اللغة، لا بد أن نعرج على أقوال شرَّاح الحديث في فهم هذا الحديث، وكذا أقوال فقهاء المذاهب في هذه المسألة، وذلك كالآتي:

أولاً: أقوال شرَّاح الحديث في فهم هذا الحديث:

قال ابن بطال: (والمراد بذلك: الغسل لما بقى من الجسد دون أعضاء الوضوء)(15).

وإنما قال: دون أعضاء الوضوء. على اعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بدأ غسله بغسل أعضاء الوضوء، ما ورد في الحديث.

وقال النووي: (ويتعاهد معاطف بدنه، كالإبطين وداخل الأذنين والسرة، وما بين الأليتين وأصابع الرجلين، وعكن البطن، وغير ذلك، فيوصل الماء إلى جميع ذلك، ثم يفيض على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على جسده ثلاث مرات، يدلك في كل مرة ما تصل إليه يداه من بدنه، وإن كان يغتسل في نهر أو بركة انغمس فيها ثلاث مرات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته)(16).

ثم قال: (والواجب من هذا كله: النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء، وتعميم البدن شعره وبشره بالماء)(17).

وقال أيضاً: (أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل، وهو جريان الماء على الأعضاء)(18).

ومن خلال أقوال شرَّاح الحديث هذه في فهم هذا الحديث، يتبين لنا أيضاً، أن تعميم البدن كله بالماء، وإيصاله إلى جميع الأعضاء، هو ما فهمه علماء الحديث أيضاً من هذا الحديث.

ثانياً: أقوال فقهاء المذاهب في هذه المسألة:

وبيان أقوال العلماء في هذه المسألة، سيكون على حسب مذاهبهم، كالآتي:

مذهب الحنفية:

نص الحنفية في كتبهم على أن تعميم جميع البدن بالماء، من فرائض الغسل عندهم.

قال في فقه العبادات من كتبهم: (وعلى هذا فرائض الغسل هي: تعميم ما أمكن من البدن شعره وبشره بالماء الطاهر؛ لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر، فيجب تعهد ثنايا الجسم، وتحت الإبطين والشعر بالغسل)(19).

وقال السرخسي في المبسوط: (فالحاصل أن إمرار الماء على جميع البدن فرض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة»(20).

ويؤكد هذا أنهم اعتبروا غسل تحت الشعر، وتبليغ الماء إلى أصول الشعر، من فروض الغسل. قال في فقه العبادات من كتبهم، في سياق تعدداه لفروض الغسل: (غسل تحت الشعر، وتبليغ الماء إلى أصول الشعر، ويفترض نقض المضفور، من شعر الرجل للغسل، وتنقض المرأة ضفائرها، إذا لم تتأكد من وصول الماء إلى أصل الشعر)(21).

بل قد نص الحنفية على اعتبار تعميم البدن بالماء، هو ركن الغسل الوحيد. قال في فقه العبادات من كتبهم: (للغسل ركن واحد وهو تعميم البدن بالماء)(22). ومعنى أنه ركن: أن الغسل ينعدم عند انعدام الركن، فلا قيام للغسل بدونه، كما هو معلوم في موضعه من كتب الأصول.

والحاصل: أن الحنفية يرون أن تعميم البدن بالماء، هو ركن الغسل الوحيد، ومعنى ذلك عندهم، بطلان غسل من لم يعم الماء بدنه.

مذهب المالكية:

والمالكية يرون فرضية تعميم الجسد بالماء، كالحنفية. قال في الفواكه الدواني: (وفرائضه خمسة: تعميم الجسد بالماء، والنية، والموالاة كالوضوء، والدلك)(23).

وقال عبد الوهاب بن علي البغدادي في سياق ذكره لمفروضات الوضوء: (فمفروضات ثلاث: وهي النية، وتعميم ظاهر البدن، وإمرار اليد على البدن مع الماء، وهذا عندنا من شرط كونه غسلاً)(24).

وقال في فقه العبادات من كتبهم: (أما ظاهر الأذنين وباطنهما، فمن ظاهر الجسد، الذي يجب غسله)(25).

ومن خلال تعريف المالكية للغسل، يتبين لنا أن الغسل الذي لم يصل فيه الماء إلى جميع الجسد، ليس غسلاً شرعياً عندهم. قال في فقه العبادات من كتبهم: (الغسل لغة: سيلان الماء على البدن مع الدلك، وشرعاً: إيصال الماء الطهور إلى جميع البدن، بنية استباحة الصلاة مع الدلك)(26).

وقال في الفواكه الدواني أيضاً: (وتقدم تعريفه الغسل بأنه إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد بنية استباحة الصلاة مع الدلك)(27).

والحاصل: أن المالكية يرون أن عدم تعميم الجسد بالماء في الغسل، ليس غسلاً شرعياً، ومعنى ذلك عندهم أنه باطل، وزادوا على الجمهور اشتراط الدلك باليد.  

مذهب الشافعية:

والشافعية كالمالكية اعتبروا تعميم الجسد بالماء من الواجبات في الغسل.

قال الشيرازي في المهذب: (والواجب من ذلك -أي: الغسل- ثلاثة أشياء: النية، وإزالة النجاسة - إن كانت - وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة، وما عليها من الشعر، حتى يصل الماء إلى ما تحته. وما زاد على ذلك سنة؛ لما روى جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثاً، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي)(28).

قال النووي في المجموع: (وأما النية وإفاضة الماء على جميع البدن شعره وبشره فواجبان، بلا خلاف، وسواء كان الشعر الذي على البشرة خفيفاً أو كثيفاً، يجب إيصال الماء إلى جميعه، وجميع البشرة تحته بلا خلاف...)(29).

وقال في فقه العبادات من كتبهم: (فرائض الغسل: أمران فقط: النية وإيصال الماء إلى البشرة والشعر)(30).

ومما يؤكد اشتراط الشافعية إيصال الماء إلى جميع البدن في الغسل، قول الشافعي في الأم، حيث يقول رحمه الله: (ولو كان من وجب عليه الغسل ذا شعر طويل، فغسل ما على رأسه منه وجميع بدنه، وترك ما استرخى منه، فلم يغسله، لم يُجْزِه؛ لأن عليه طهارة شعره وبشره، ولو ترك لمعة من جسده تقل أو تكثر، إذا احتاط أنه قد ترك من جسده شيئاً، فصلى، أعاد غسل ما ترك من جسده ثم أعاد الصلاة بعد غسله)(31).

وقال في فقه العبادات أيضاً: (أما البشرة، فيجب إيصال الماء إلى جميع أجزائها، فيتعهد الغضون، وداخل السرة، وتجاعيد الأذن، وما ظهر من صماخها، والإبطين والعكن -العكن والأعكان: جمع عكنة، وهي: الطي الذي في البطن من السمن- وما بين الأليين، وأصابع الرجلين، وحمرة الشفة، وغير ذلك مما له حكم الظاهر، ولو انشق جلده بجراحة، وانفتح فمها، وانقطع دمها، وأمكن إيصال الماء إلى باطنها الذي يشاهد، بلا ضرر، وجب إيصاله في الغسل والوضوء؛ لأنه صار لها حكم الظاهر)(32).

والحاصل: أن الشافعية يرون اشتراط إيصال الماء إلى جميع البدن في الغسل، ومعنى ذلك عندهم بطلان غسل من لم يعم الماء جميع بدنه.

مذهب الحنابلة:

نص ابن قدامة في المغني أن غسل جميع البدن من واجبات الغسل عندهم. قال رحمه الله تعالى: (فعلى هذا تكون واجبات الغسل شيئين لا غير: النية، وغسل جميع البدن)(33).

وقد ذكر الحنابلة في صفة الغسل التي لا يُجزئ غيرها، تعميم البدن بالماء. قال في شرح منتهى الإرادات: (وصفة الغسل المجزئ: أن ينوي ويسمي - كما مر - ويعم بالماء بدنه جميعه، سوى داخل عين، فلا يجب ولا يسن، حتى ما يظهر من فرج امرأة عند قعودها؛ لقضاء حاجة بول أو غائط، وحتى باطن شعر خفيف وكثيف من ذكر وأنثى؛ لأنه جزء من البدن لا مشقة في غسله. فوجب كباقيه، ويتفقد أصول شعره. وغضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطيه، وعمق سرته وبين أليتيه، وطي ركبتيه)(34).

وقال ابن قدامة في المغني: (وإن غسل مرة، وعم بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضأ، أجزأه، بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء... هذا المذكور صفة الاجزاء)(35).

ثم نقل عن ابن عبد البر قوله: (المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع جسده، فقد أدى ما عليه)(36).

والحاصل: أن الحنابلة يرون أن عدم تعميم الجسد بالماء في الغسل، لا يُجزئ عن الغسل الشرعي، ومعنى ذلك عندهم بطلان غسل من لم يعم جسده الماء.

مذهب الظاهرية:

نص ابن حزم الظاهري على لزوم تعميم الجسد بالماء ولا بد. قال رحمه الله: (ثم يفيض الماء على رأسه، ثم جسده بعد رأسه، ولا بد من إفاضة يوقن أنه قد وصل الماء إلى بشرة رأسه، وجميع شعره، وجميع جسده)(37).

ومن خلال هذا العرض لأقوال فقهاء المذاهب الإسلامية المتبوعة، يتبين لنا الآتي:

1- المذاهب الأربعة مع الظاهرية يعتبرون تعميم جميع البدن بالماء، من فرائض الغسل.

2-  كما يرون بطلان غسل من لم يعمم بدنه بالماء.

خلاصة الجواب:

من خلال ما تقدم ذكره يمكن أن يتلخص لنا الآتي:

1- اشتراط أن يصيب الماء كل موضع في بدن المغتسل، وعدم الاكتفاء بوصول الماء إلى بعض البدن هو ما دلت عليه ألفاظ أحاديث الغسل.

2- كما دلنا الحديث أيضاً - بألفاظه - على اشتراط تعميم الماء على سائر البدن، في الغسل من الجنابة.

3- تعميم البدن كله بالماء، وإيصاله إلى جميع الأعضاء، هو ما فهمه علماء الحديث أيضاً من هذا الحديث.

4- تعميم جميع البدن بالماء، من فرائض الغسل، عند فقهاء المذاهب، من لم يفعله فغسله باطل.

ولعل السائل قد التبست عليه هذه المسألة مع مسألة أخرى هي، مسألة الدلك حال غسل الجنابة، والتي وقع فيها خلاف بين العلماء. قال الأمير الصنعاني: (واختلف في وجوب الدلك، فقيل: يجب، وقيل: لا يجب)(38). وقد أشار الشوكاني إلى هذا الخلاف في كتابه نيل الأوطار (39).

والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونِعم الوكيل.

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

غفر الله له ولوالديه ومشايخه في الدين

الإثنين 3 جماد الآخر 1428هـ، 18/ 6/ 2007م

________________

(1) صحيح البخاري (1/ 441)، برقم (257).

(2) صحيح مسلم (2/ 194)، برقم (476)، سنن النسائي (1/ 416)، برقم (253).

(3) سنن ابن ماجة (2/ 209)، برقم (566). قال الألباني صحيح. انظر: صحيح ابن ماجة (1/ 94)، برقم (465).

(4) صحيح البخاري (1/ 415)، برقم (240)، موطأ مالك (1/ 132)، برقم (89).

(5) تهذيب اللغة (3/ 75).

(6) لسان العرب (8/ 444).

(7) تهذيب اللغة (3/ 54).

(8) مختار الصحاح (1/ 226).

(9) المحيط في اللغة (1/ 398).

(10) لسان العرب (11/ 494).

(11) النهاية في غريب الأثر (3/ 958)، وانظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (7/ 280).

(12) انظر: الفائق في غريب الحديث و الأثر (1/ 355)، وما بعدها.

(13) لسان العرب (7/ 210)، وانظر: تهذيب اللغة (4/ 171).

(14) مختار الصحاح (1/ 246).

(15) شرح ابن بطال (1/ 419).

(16) شرح النووي على مسلم (2/ 15).

(17) المصدر السابق.

(18) شرح النووي على مسلم (2/ 20).

(19) فقه العبادات - حنفي (1/ 50).

(20) المبسوط (1/ 126).

(21) فقه العبادات - حنفي (1/ 50).

(22) المصدر السابق.

(23) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 100).

(24) التلقين (1/ 52).

(25) فقه العبادات - مالكي (1/ 85).

(26) المصدر السابق (1/ 80).    

(27) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 100).   

(28) المهذب (1/ 64).

(29) المجموع (2/ 184).

(30) فقه العبادات - شافعي (1/ 142).

(31) الأم (1/ 58).

(32) فقه العبادات - شافعي (1/ 142).

(33) المغني (1/ 371).

(34) شرح منتهى الإرادات (1/ 207).

(35) المغني (1/ 367).

(36) المصدر السابق.

(37) المحلى (2/ 28).

(38) سبل السلام (1/ 271).

(39) نيل الأوطار (2/ 71).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
متى يبدأ الليل؟
الثلاثاء 6 نوفمبر 2012

السؤال: متى يبدأ الليل؟ هل من بعد أذان المغرب، أم من بعد أذان العشاء، وهل يمتد إلى أذان الفجر؟

الجواب: الليل ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، هذا هو الليل، فالليل والنهار آية من آيات الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[فصلت: 37].

من فضل الله تعالى علينا أن سخر الليل والنهار لعباده ولكل من الليل والنهار بداية ونهاية فبداية الليل من غروب قرص الشمس وغياب الشفق الأحمر الذي يشاهد بعد غروب قرص الشمس مع الأفق في حالة كون الأرض مستوية ولا يوجد غيم في السماء، فإذا غابت الشمس والشفق بدأ الليل وجاز للصائم أن يفطر، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾[البقرة: 187]، ولا عبرة بظهور النجوم لأننا نعبد الله بما أمر قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الحشر: 7].

ولم يرد عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث صحيح أنه أمر أصحابه بالصيام حتى طلوع النجوم ولا غير ذلك بل أمر بتعجيل الإفطار صيانة منه لجناب الشرع وسدا للذريعة وقطعا للشك باليقين ولئلا يتلاعب به متلاعب ذو هوى، عن سهل بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»(1).

قال في تعليقه على هذا الحديث: أي يبقون في سعة وراحة إذا هم أفطروا عقب تحقق الغروب لأنه أرفق بهم وأقوى لهم على العبادة وكذلك يحصل لهم مزيد من الأجر والمثوبة لتمسكهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والليل ليس من جنس النهار فهما جنسان متغايران فلا يدخل النهار في الليل ولا في جزء منه.

وكذا القول بالنسبة للفجر فعلامته تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الليل، قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾[البقرة: 187] أي: بياض النهار من سواد الليل؛ لأن الفجر هو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المستنير المنتشر تسميه العرب الخيط الأبيض، أي حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار، فلا يجوز الأكل لمن أراد الصيام بعد طلوع الفجر الصادق.

والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.

 

قسطاس إبراهيم النعيمي

مراجعة: رياض عيدروس وعبد الكريم الفهدي

________________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار: (2/ 692)، برقم: (1856).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أسئلة متفرقة عن الصلاة والسباب والتكفير والتوسع في الملبس والمطعم
الخميس 8 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

أسئلة متفرقة عن الصلاة والسباب والتكفير والتوسع في الملبس والمطعم

فهذه أخت تسأل وتقول:

أولاً: لقد رأيت بعض الناس يصلون، وفي فمهم شيء -أكلٌ أو ما شابهه- وعندما سألتهم، قالوا: المهم أن لا يصل الأكل إلى البلعوم وقت الصلاة فقط. هل هذا صحيح؟ وقالوا أن مضغ اللبان أو ما يسمى بالعلكة لا يبطل الصلاة؟

ثانياً: ما حكم تداول بعض الألفاظ فيما بيننا في سبيل المداعبة والمزاح، كمثل: كاذب، كافر، أو أسلوب الصراخ بالألفاظ غير لائقة فقط للشتم لا بالمعنى المقصود بها؟

ثالثاً: هناك بعض الناس يقولون التجمل والتحسن من الشيطان؟ فمنهم من لا يحبذ اللبس الأنيق ولا الجميل؟ فما حكم من يرتدي الملابس الجميلة الغالية؟ وما حكم الاهتمام بالمظهر؟ بمعني هل الإنفاق البالغ أو غير البالغ بالمظهر لا يجوز؟

وكما وقع السؤال على المظهر، يأتي السؤال عن الأكل والتمتع بالأكل، وإنفاق مبالغ عالية للطعام، والذهاب إلى المطاعم الفاخرة؛ للترفيه والتمتع والاستمتاع, هل يجوز أم لا يجوز؟

فالجواب على هذه الأسئلة، والله الموفق للصواب، وهو حسبنا ونِعم الوكيل:

أما السؤال الأول:

فأبدأ فيه بأقوال بعض أهل العلم، ثم أذكر فتواي في ذلك وأطلب من الله التوفيق للصواب:

ذهب الإمام النووي الشافعي إلى بطلان صلاة من ابتلع طعاماً كان في فمه بعد شروعه في الصلاة ولو كان الطعام يسيراً، في الأصح في مذهب الشافعية فقال: (وتبطل بقليل الأكل. قلت -القائل هو النووي-: إلا أن يكون ناسياً، أو جاهلاً تحريمه، والله أعلم. فلو كان بفمه سكرةٌ فبلع ذوبها بطلت في الأصح)(1).  

فيعلم من كلامه رحمه الله أن الجاهل والناسي غير العامد إذا ابتلع يسير الطعام، فلا تبطل صلاته للجهل والنسيان، ومفهوم ذلك أن العامد العالم تبطل صلاته بهذا الفعل، ويفهم من ذلك أيضاً أن من ترك شيئاً من الطعام في فمه ولم يبتلعه ولم يدخل جوفه لم تبطل صلاته، وهذا المفهوم نجده واضحاً من صريح قول ابن قدامة المقدسي الحنبلي:

إذ ذهب إلى عدم البطلان فقال: (إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شيء فابتلعه أفسد صلاته؛ لأنه أكل وإن بقي بين أسنانه أو في فيه من بقايا الطعام يسيرٌ يجري به الريق فابتلعه لم تفسد صلاته؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وإن ترك في فيه لقمة ولم يبتلعها كره؛ لأنه يشغله عن خشوع الصلاة والذكر والقراءة فيها، ولا يبطلها؛ لأنه عمل يسير فأشبه ما لو أمسك شيئاً في يده(2).

وذهب الكاساني الحنفي إلى بطلان صلاته سواء ابتلع الطعام أو أبقاه في فمه، فقال: (وإن كان في فيه سكرةٌ لا تجوز صلاته؛ لأنه أكلٌ)(3).

قلت (الباحث): ولأن السكر من عوائده الذوبان، ويتعذر التحرز من بلعه مع الريق لسهولة جريانه معه ودخوله الجوف، وفي معناه ما كان من العلك ذو طعم حلو ومذاق، فهو كالسكر في المعنى والحكم.

 وقال الكاساني أيضاً: (ولو مضغ العلك في الصلاة فسدت صلاته، كذا ذكره محمدٌ -المقصود به ابن الحسن الشيباني-؛ لأن الناظر إليه من بُعد لا يشك أنه في غير الصلاة(4).

وهذا الذي أراه راجحاً، للآتي:

أولاً: لقوة تعليل الكاساني رحمه الله تعالى.

ثانياً: للقاعدة الفقهية التي قررها العلماء "يغتفر في الدوام والبقاء ما لا يغتفر في الابتداء"، والمعنى أننا يمكن أن نغتفر لهذا المصلي بقاء شيء من الطعام في فمه دون قصد منه لإبقائه، ما دام قد دخل في الصلاة، وهذا هو المتيسر في حقه، وبالنسبة له ،الدوام في الصلاة كان سبباً لاغتفار اليسير من بقايا الطعام في فمه، أما أن يبتدأ اختزان الطعام في فمه ويشرع في الصلاة، فلا يغتفر ذلك لفاعله لأنه في الابتداء؛ ولأنه ترك طعاماً كثيراً في فمه يخرج عن اليسير الذي يعفى عن مثله مراعاةً لرفع المشقة فيما لا يمكن التحرز من مثله عادةً.

ثالثاً: لا عذر له في ترك المضمضة على اعتبارها سنة عند الجمهور، أو واجبة على قول الظاهرية ومن وافقهم من الفقهاء، وللمضمضة مقصد للشارع، وهو خلو فم المصلي ونظافته من الطعام، وعدم انشغاله بغير الصلاة ، وأين ذلك ممن اختزن العلك أو الطعام في فمه، وفوّت مقصد الشارع من المضمضة عامداً ذلك.

رابعاً: على المسلم الخروج من الخلاف، والعمل بالأحوط لصيانة العبادة من الفساد.

خامساً: في تعمد اختزان الطعام في الفم ما يشعر بالسخرية، التي لا يتجرأ الفرد أن يفعلها في مقام العظماء من بني جنسه، فلا يليق فعل ذلك بين يدي المولى سبحانه؛ لأن هذا الفعل يتنافى مع تعظيم الله تعالى، وينبغي للمسلم أن يعلم أن أمر الصلاة عظيم، وهي عمود الدين وأحد أركانه التي لا يقوم إلا بها، والمقصود الأسمى منها أن يُظهر العبد خضوعه وذله، وانقياده لربه، وألا شيء يشغله عنه، ولذا فإنها قد سُبقت بأمور تدل على تعظيم شأنها، ورفعت مكانتها، من خلال الاستعداد لها بطهارة الثوب والبدن والمكان، وإزالة للنجس، ورفع الحدث، واستقبال القبلة، ثم الإقبال عليها بثوب ومكان غير مغصوبة، مع تفريغ القلب من علائق الدنيا وزخارفها، ثم ما يلازمها من الأمر بتجنب المبطلات: كالأكل، والشرب، والحركة الكثيرة...، ثم ما يتبعها من ذكرٍِ، واستغفارٍ، ودعاء.. فهذا وغيره يدل على عظم أمرها. ومن المعاني التي أحب التوقف عندها فيما يتعلق بمقدمات الصلاة هو المعنى الحاصل من النظر في شأن الوضوء فإن الإسلام أوجب على المسلم المريد للصلاة أن يتوضأ وجعل ذلك شرطاً، وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه»(5).

والوضوء سببه الحدث الخارج من القبل أو الدبر، ولكن مع ذلك فإن المأمور به عند الوضوء هو: غسل اليد والرجل والوجه، وغسل داخل الفم والأنف (المضمضة والاستنشاق)، ومسح الرأس، وغسل القدم. مع أن غسل هذه الأعضاء كلها لا علاقة له بما خرج من القبل أو الدبر وإنما هو لأمر تعبدي لم تدركه عقول المكلفين، يظهر فيه ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من تعظيم للصلاة واستسلام في الامتثال.

وما ذكرته في السؤال من تناول بعض الأطعمة أو بقائها في أفواههم حتى ولو لم تصل إلى أجوافهم ومثله مضغ العلكة ونحوها كل هذا منافٍ لهذه الحكم المتقدمة كلها؛ وعليه فالذي يظهر لي هو بطلان صلاة من كان هذا حاله، لمخالفته لمقصود الشارع الحكيم، ولما في هذا الفعل من إشعار بالاستهتار واستنقاص لأمر الصلاة.

وأما جواب السؤال الثاني:

فينبغي على المسلم أن يكون على درجة عالية من الخلق الرفيع، لحديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما – قال: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم- فاحشاً، ولا متفحشاً، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً»(6).

ومما يتنافى مع حسن الخلق، الفحش والتفحش في العبارات والألفاظ، ولا فرق في أن يكون القائل جاداً فيها أو مازحاً، إلاّ من ناحية الإثم وعدمه، وهذا أمره لله تعالى، أما فيما يظهر لنا أن هذا سوء خلق يجب على المسلم تركه، والتنـزه عن مثله لقول الله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾[الإسراء:53].

ولقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾[البقرة:83].

وفي حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»(7).

وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه –أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما»(8).

وهذه الأحاديث قد دلت بعمومها على تحريم السب والتكفير، سواء كان المرء جادّاً في ذلك أو هازلاً، والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[البقرة:231].

ولابد أن يعلم المسلم أن التكفير من حدود الله التي لا يجوز أن يتناولها المسلم مستهيناً بها، لا على سبيل الجد ولا المزاح، وإن أطلقها مازحاً استغفر الله على ذلك وأقلع عنه، وإن أطلق التكفير جاداً لزمه التوبة من هذا الذنب بالإقلاع والاستغفار والندم وعدم العودة لمثله.

وأما جواب السؤال الثالث:

فقد ورد في حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق، وغمط الناس»(9).

فعدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رد الحق وعدم الإذعان له، وانتقاص الناس وإنكار ما هم عليه من فضل وخير، هو الكبر المنهي عنه.

أما أخذ الزينة والتجمل فمباح شرعاً؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[الأعراف:32]، وللحديث السابق ذكره.

بل قد يكون التجمل مندوباً إليه ومستحباً، كأخذ الزينة عند كل مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأعراف:31].

وفي الجمعة لحديث سلمان الفارسي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادهن أو مس من طيب، ثم راح، فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى»(10).

وفي العيدين لحديث عبد الله بن عمر قال: «أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق، فأخذها، فأتى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما هذه لباس من لا خلاق له. فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث ثم أرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجبة ديباج فأقبل بها عمر فأتى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله! إنك قلت إنما هذه لباس من لا خلاق له وأرسلت إلي بهذه الجبة فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: تبيعها أو تصيب بها حاجتك»(11).

وإنما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم – على عمر لأن الإستبرق من الحرير المنهي عنه، ولكنه أقره على التجمل للعيد ولذلك بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: باب في العيدين والتجمل فيه.

ولكن الإباحة الشرعية مشروطة بشروط من خرج عنها دخل في المحظور المنهي عنه شرعاً ومنها:

1- أن لا يكون اللباس فيه إسراف ولا تبذير ولا بذخ.

ولا حد للإسراف عند العلماء إلاّ ما خرج عن المألوف والمعتاد، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فقد يكون لباس زيد من الناس في عُرف من كانوا في مستواه المعيشي تبذيراً لأنه جاوز به العُرف، ولباس عمرو من الناس وقيمته تفوق لباس زيد بأضعاف لا يُعَد تبذيراً في عرف من كانوا في طبقته ومستواه المعيشي، فيراعى هذا الأمر.

2- أن لا يؤدي ذلك إلى التفريط في الواجبات كلها أو بعضها.

3- أن يتجنب المسلم - ذكراً كان أو أنثى - في لباسه التشبه بالكافرين والكافرات في لباسهم.

4- أن يتجنب المسلم - خاصة النساء - التبرج بلبس الملابس الضيقة، أو الشفافة، أو ما كان منها لا يستر العورة.

5- ألا تكون ملابس حرير للرجال، لما تقدم في حديث ابن عمر، وألا تكون ملابس شهرة للرجال والنساء على السواء، قال السندي في تفسير معنى ثوب الشهرة: (أي من لبس ثوباً يقصد به الاشتهار بين الناس سواء كان الثوب نفيسًا يلبسه تفاخرًا بالدنيا وزينتها، أو خسيسًا يلبسه إظهارًا للزهد والرياء)(12).

وقال الشوكاني: (والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والتكبر)(13).

وسؤال السائلة عن التوسع في المأكل والمشرب وهو مباح أيضاً ما دام حلالاً، ومن مال حلال، مالم يبلغ حد الإسراف والتبذير.

وينبغي للمسلم من باب الورع أن لا يكثر من هذه المباحات، وأن يحمل نفسه على التقشف، وإن لم يكن فالتوسط، وأن لم يكن فالتوسع غير المطغي ولا المنسي، وأن يتذكر أن هناك طائفة كبيرة من الفقراء والمساكين والأيتام يبحثون عن لقمة العيش، فليجعل لهم في ماله الذي أعطاه الله قدراً، عن عطية السعدي – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس»(14).

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

أجاب عنه الفقير إلى عفو ربه

علي عبد الرحمن دبيس

قسم الفقه

راجعه الفقير إلى عفو الله

صفوان البارقي.

________________

(1) منهاج الطالبين (1/ 14).

(2)  المغني (1/ 400).

(3) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 449).

(4) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 450). 

(5) رواه أبو داود (1/ 73) برقم (101) صححه الألباني.

(6) رواه البخاري (3/ 1305) برقم (3366)، ومسلم (4/ 1810) برقم (2321).

 (7) رواه البخاري (1/ 27) برقم (48)، ومسلم (1/ 81) برقم (64).

 (8) رواه البخاري (5 / 2263) برقم (5752)، وفي رواية (مسلم (1/ 79) برقم (60). 

(9) صحيح مسلم (1/ 93) برقم (91). 

(10) صحيح البخاري (3 / 436) برقم (859).

(11) صحيح البخاري (4/ 4) برقم (896).

(12) حاشية السندي على ابن ماجه (7 / 23).

(13) نيل الأوطار (3/ 100).

(14) رواه الترمذي (4/ 634) برقم (2451).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الدعاء على الوالد
الخميس 8 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الدعاء على الوالد

السؤال: تقول السائلة: ما حكم الدعاء على أب ظالم هل يعد عقوقا؟ الرجاء الإفادة ودمتم نصرة للإسلام والمسلمين، وبارك الله فيكم، وأسألكم الدعاء وجزأكم الله خيرا.

الجواب: أولاً: ينبغي أن يعلم أن الأصل العام في الشريعة أن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب، التي توعد الله العقاب عليها، ووصى الأبناء بالبعد عنها والإحسان كل الإحسان إلى الأبوين - حيين كانا أو ميتين- و ذلك كون الآباء سبباً في وجود الأبناء في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾[لقمان:14].

وفي الحديث عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكبائر قال: «الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزور»(1).

ثانياً: إذا حدث ظلم من الوالدين تجاه الأبناء، يكون أمراً مذموماً يجب على الوالدين تركه خاصة إذا كان في أمر حرمه الشارع الحكيم، فالظلم ظلمات يوم القيامة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الظلم ظلمات يوم القيامة»(2)، فالظلم: هو الجور والتعدي على الحق.

ولا يعفى منه أحد حتى وإن كان والداً، بل يكون الظلم أقبح إن كان ممن ينبغي أن يكون شفيقاً عطوفا، مثل الوالدين.

ثالثاً: إذا حدث ظلم من والد لولده هل يحق للولد الانتصاف لنفسه؟! بالدعاء والطلب من الله أن ينزل على والديه النقمة أو المصيبة، والذي يظهر لي أنه لا يجوز للابن أن يدعو على والده مهما كانت المظلمة التي نزلت به لأسباب الآتية:

1- مصاحبة الولد لأبويه بالمعروف واجبة حتى ولو كانا كافرين، فبالأولى والأحرى إن كانا مسلمين  قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[لقمان:15]، فالدعاء عليهما ليس من المصاحبة بالمعروف حتى ولو ظلما الولد.

2- كونه من العقوق، فالعقوق مأخوذ من العق وهو القطع يقال: عق والده يعقه عقاً وعقوقاً إذا قطعه ولم يصل رحمه، والعاق: هو الذي شق عصا الطاعة لوالده(3).

ومن القطيعة والعقوق أن يطلب مدد الله على والديه وهما سبب وجوده.

3- كون الشريعة تحبذ للمؤمن الصبر على ظلم غيره، قال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾[الشورى:43]، فمن باب أولى في حق الوالدين أن يصبر الولد ويحتسب أجره في هذا الصبر عند الله تعالى وهو سبحانه سيكفيه.

4- يجب على الابن النصح للوالدين إذا ظهر منهما الظلم، والدعاء لهما بالهداية، ويتمنى لهما الخير في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾[ الإسراء24].

5- فضل الوالدين على الابن كبير في الشريعة مراعاة لفضلهما على الأولاد؛ حتى أنه جاء في الشريعة أن الأب إذا قتل ابنه، لا يقاد به، ويبقى عقابه على الله في الآخرة، وفي الحديث عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: «لا يقاد الوالد بالولد»(4).

6- من الأمور التي لابد أن يتربى عليها الأبناء مراعاة الفضل للوالدين وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة والاغتفار للوالدين والأعذار لهما وترك المعاملة بالمثل وهذا من تمام الإحسان إليهما، وهو طريق التوفيق في الدنيا والآخرة.

هذا والله أعلم بالصواب.

 أجاب عنه الشيخ

عبد الوهاب الشرعبي

قسم الفقه

راجعه الفقير إلى عفو الله

صفوان البارقي

________________

(1) صحيح مسلم (1/ 91)، برقم (88).

(2) صحيح البخاري (2/ 864)، برقم (2315).

(3) بتصرف: صحيح مسلم (1/ 91).

(4) سنن الترمذي (4/ 18)، برقم (1400)، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته (1/ 1371)، برقم (13702).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم البيرة الخالية من الكحول
الخميس 8 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

البيرة الخالية من الكحول

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

فقد جاءني سؤال عبر مركز البحوث التابع لجامعة الإيمان، والسؤال هو: توجد أنواع من البيرة مكتوب عليها خالي من الكحول. قرأت فتوى لمجلس الإفتاء الأوروبي يبيح فيها هذا النوع؛ لان العبرة ليست في المسمَّى، ولكن في المضمون، ولكن البعض يقول كذلك الألمان بأن خلوها من الكحول لا يعني بالضرورة الخلو تماما من الكحول، ولكن بها نسبة لا تكاد تذكر 0.001 على سبيل المثال، وكما اذكر أن لم تخني ذاكرتي بأنه في نفس الفتوى السابقة قيل بأنه حتى و لو كان بها نسبة بسيطة جدا من الكحول، فهي حلال كما الكوكا كولا، والتي من المؤكد أن بها أيضا نسبة ضئيلة من الكحول.

والجواب والله الموفق للصّواب: أنّ النبي عليه الصلاة والسلام، قد أعطى حكماً عاماً منضبطاً في تحريم كلّ مُسكِر.

فعن عائشة - رضي الله عنها- قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن البتع؟ وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «كل شراب أسكر، فهو حرام»(1).

 ومعنى "أسكر"، أي من شأنه الاسكار، وهو تغطية العقل، وإذهاب الوعي(2).

وكما في حديث أبي بردة عن أبيه قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ومعاذا إلى اليمن فقال: «ادعوا الناس وبشِّرا ولا تنفِّرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا. قال: فقلت: يا رسول الله! أفتِنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن، البتع: وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر: وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد. قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه. فقال: أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة»(3).

فقوله صلى الله عليه وسلم: «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة» حكم عامٌّ منضبط، يشمل تحريم كل ما من شأنه أن يحدث منه السكر.

وأعطى النبي عليه الصلاة والسلام قيداً وضابطاً آخر، في تحريم المسكر، وهو أنَّ ما أسكر كثيره فالقليل منه حرام .

فعن عائشة - رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرق، فملء الكف منه حرام»(4).

والفرق يساوي: سِتّة عشر رطلاً(5).

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام»(6).

والمعنى: أنَّ ما يحصل السُّكر بشرب كثير منه، فإنّ القليل يأخذ نفس الحكم، وهو التحريم، وإن كان هذا القليل غير مسكر(7).

وعليه: فأقول لأخي السائل وفق ما تمَّ إيراده من الضوابط:

المشروبات بالنسبة للإسكار وعدمه، ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ما يسكر قليله وكثيره، فهذا مُحرَّم.

النوع الثاني: ما يسكر كثيره، ولا يسكر قليله، فهو مُحرَّم أيضاً.

النوع الثالث: ما لا يسكر كثيره، ولا قليله، فهو مُباح.

وكلُّ شراب من المشروبات، لا يخلو أن يندرج تحت نوعٍ من هذه الأنواع، وشراب البيرة الذي سألت عنه لا يخلو عن التفصيل الآتي:

1. إن كانت هذه البيرة مُسكرة، فهذه البيرة خمر، فيحرم بيعها وشراؤها وشربها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: « كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكل مُسْكِرٍ حرامٌ».

2. وإن كانت البيرة مسكرة بشرب الكثير منها، لا بشرب القليل، فيحرم بيعها وشراؤها ويحرم شرب الكثير والقليل منها، ولو قطرة واحدة، لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: «وما أسكر كثيره، فقليله حرام».

 3. وإن كانت البيرة غير مسكرة، وغير مُسكرٍ شرب الكثير منها، فهي مباحة، إذ الأصل في الأشياء الإباحة، إلا إذا ورد النص بالنهي عن الشيء، فحينئذٍ يكون منهياً عنه.

ونظراً لاختلاف مشروب البيرة، من حيث مكان صنعه، ومن حيث السكر وعدمه، إلا أنَّ الحكم الشرعي ثابتٌ لا يتَغيَّر، ولذلك لما سُئِل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن شرابٍ يصنعه أهل اليمن؟ كان جوابه، أن قال لهم: أمسكرٌ هو؟ كما في حديث جابر -رضي الله عنه-: «أن رجلا من جيشان -وجيشان من اليمن- قدم فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أمسكر هو؟ قال: نعم. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كل مسكر حرام، إن الله عز وجل عهد لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عَرَق أهل النار، أو قال: عُصَارة أهل النار»(8).

وليس من مهمة أهل الفتوى أن يحلَّلوا كل مشروبٍ إلى عناصره الأولية حتى يعرفوا علام يشتمل، وأن يعطوا حكماً لمشروب البيرة بالمنع، أو الإباحة، مع أنَّه يختلف هذا المشروب من حيث السكر وعدمه، وذلك من بلدٍ إلى آخر، ولكن على أهل الفتوى أن يبيِّنوا الحكم المنضبط الذي يتجاوز المسميات، إلى المعاني والعِلَل الشرعية الثابتة، بمعنى إن كان الشراب مسكراً فَيحرُم، وإن كان مسكراً في حالة كون المشروب منه كثيراً، فَيحرُم أيضاً، وما سوى ذلك مباح، ولا ينخدع المسلم بسبب التسميات المتنوعة للمشروبات، فإنه لا عبرة بالأسماء متى وضحت المسمَّيات.

فقد جاء في حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها»(9).

وقول أخي السائل: إذا كان في مشروب البيرة نسبة من الكحول لا تكاد تذكر 0.001 على سبيل المثال؟

فالجواب: إذا كانت البيرة فيها بما يساوي 0.001 فهذه النسبة البسيطة قد تتلاشى وتستحيل، وتعتبر البيرة بهذه النسبة البسيطة غير مُسكِرة، ولكن الأولى من المسلم تورعاً واحتياطاً لدينه، أن يبتعد عن هذا المشروب لمعنيين:

المعنى الأول: ربما تزيد نسبة الكحول في المشروب، فتؤدي إلى السكر، وخاصّة عندما يكون صانع هذا المشروب من الكفار.

المعنى الثاني: أن مشرب البيرة عندما يخالطه الكحول يعتبر شبهةً من الشبهات، والمطلوب من المسلم أن يتقي الشبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه.

فقد روى النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «... فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»(10).

قال الإمام النووي: (فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة، ولم يكن فيه نصٌّ ولا إجماعٌ اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا الحقه به صار حلالاً، وقد يكون دليله غير خال من الاحتمال البيِّن، فيكون الورع تركه، ويكون داخلا في قوله - صلى الله عليه وسلم-: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»)(11).

ومن فضل الله على عباده، أن يسّر لهم من ألوان الحلال الطيب ما يغني عن المشتبهات، فهناك من أنواع المياه الغازية المباحة، ما يغني عن البيرة إذا اشتبه أمرها.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أجاب عنه الفقير إلى عفو ربه

يونس عبد الرب فاضل الطول

بتاريخ 27ربيع الأول 1428هـ

الموافق 14/ 4/ 2007م

________________

(1) صحيح البخاري (5/ 2122)، برقم: (5264).

(2) صحيح البخاري (1/ 95)، برقم: (239).

(3) صحيح مسلم (3/ 1585)، برقم:(2001).

(4) سنن أبي داود (2/ 354)، برقم: (3687). قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته (1/ 869)، برقم: (8681).

(5) سنن أبي داود (2/ 354).

(6) سنن ابن ماجه (2/ 1124)، برقم: (3392). قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته (1/ 1047)، برقم: (10467).

(7) سنن ابن ماجه (2/ 1124)، برقم: (3392).

(8) سنن النسائي (8/ 327)، برقم: (5709). قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته (1/ 868)، برقم: (8680).

(9) سنن أبي داود (2/ 354)، برقم: (3688). قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته (1/ 959)، برقم: (9584).

(10) صحيح مسلم (3/ 1219)، برقم: (1599).

(11) شرح النووي على مسلم (11/ 28).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
صفة الاغتسال من الجنابة
الخميس 8 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

صفة الاغتسال من الجنابة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين محمد صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 فقد جاءني سؤال عبر مركز البحوث التابع لجامعة الإيمان، وقد طلب المركز مني الإجابة على هذا السؤال، والسؤال هو: أريد أن أسأل وأريد التأكد من صفة الاغتسال من الجنابة؟

والجواب وبالله التوفيق:

تعريف الجنابة:

الجنابة: هي حالة من ينـزل منه منيٌ، أو يكون منه جماع(1).

قال النووي: (أصل الجنابة في اللغة: البعد وتطلق على الذي وجب عليه غسل بجماع، أو خروج منيٌ؛ لأنه يجتنب الصلاة والقراءة والمسجد ويتباعد منها)(2).

تعريف الغسل:

الغسل: هو إمرار الماء على جميع البدن، قال ابن منظور: (والغُسْل بالضم، الاسم من الاغتسال... والغُسْل تمام غَسل الجسد كله)(3)، وفي عرف الفقهاء، هو غسل البدن كله(4).

واجبات الغسل من الجنابة:

للغسل من الجنابة واجبان اثنان، وهما:

1- النية.

2- غسل جميع البدن(5).

قال ابن قدامة: (واجبات الغسل شيئين لا غير: النية، وغسل جميع البدن)(6).

المقصود بالنية في الغسل:

أن ينوي المغتسل بقلبه رفع الحدث الموجب للغسل من الجنابة(7).

المقصود بغسل جميع البدن:

أن يسيل المغتسل الماء على جميع بدنه، وتطهير ما يمكنه تطهيره، بلا حرج(8)، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾، والمعنى: طهروا أبدانكم، واسم البدن يقع على الظاهر والباطن(9)، ولكن يجوز للضرورة، عدم غسل جميع البدن، إذا كان فيه جراحة، أو كسر، فيكتفي بالمسح على موضع الجراحة، أو الكسر، ولا يلزمه الغسل، ودليله حديث جابر - رضي الله عنه- قال: «خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشده في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم- أُخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب - شك موسى- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده»(10).

أفاد هذا الحديث: جواز المسح على موضع الجرح، وغسل ما بقي من الجسد.

سنن الغسل من الجنابة:

للغسل من الجنابة، تسع سُنَن، وهي:

1 - غسل اليدين ثلاثا قبل إدخالهما إلى الإناء.

2 - إزالة الأذى عن الجسم وغسل الفرج وما يليه.

3 - الوضوء قبله.

4 – التيامن، وهو تقديم غسل الشق الأيمن على الأيسر.

5 – الموالاة، وهي أن لا تجف بعض أعضائه قبل غسل الباقي.

6 – الدلك، وهو إمرار اليد على الجسد.

7 - إعادة غسل الرجلين بمكان آخر.

8 - تثليث غسل الأعضاء.

9- أن يكون الوضوء بمد، والغسل بصاع(11)، لحديث سفينة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُغَسِّله الصاع(12) من الماء من الجنابة، ويُوضِّؤه المد»(13)(14).

وبعد بيان واجبات الغسل من الجنابة وسننه، بقي أن أذكر للسائل صفة الغسل من الجنابة على شكل نقاط مرتبة، مع بيان الأدلة الصحيحة عن النبي – صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فأقول:

صفة الغسل من الجنابة(15):

1- أن ينوي بغسله، رفع حدث الجنابة، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى...»(16).

2- يبدأ من يريد الغسل من الجنابة، بغسل يديه إلى الرسغين ثلاثاً، لحديث عائشة –رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- : «كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله»(17).

أفاد الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام ابتدأ غسله للجنابة بغسل يده.

وعن عائشة – رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- : «اغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثا»(18).

أفاد الحديث: تحديد العدد في غسل اليدين، وهو ثلاث مرات.

وعن عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة»(19).

أفاد الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يده، قبل أن يدخلها في الإناء.

3- ثم يغسل فرجه، ويزيل ما على بدنه من أذى، لحديث ميمونة –رضي الله عنها- قالت: «توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وضوؤه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما، هذه غسله من الجنابة»(20).

4- ثم يتوضأ وضوؤه للصلاة، ما عدا غسل الرجلين، فيؤخرهما إلى ما بعد تمام الغسل، لحديث ميمونة السابق، والذي فيه أنه عليه الصلاة والسلام، توضأ وضوؤه للصلاة غير رجليه، ولحديثها أيضا قالت: «صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم- غسلاً، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها، ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه، وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها»(21).

أفاد الحديث: أن -النبي صلى الله عليه وسلم- توضأ وضوؤه للصلاة، ما عدا رجليه، فلم يغسلهما إلا بعد أن أفاض الماء على رأسه، ويؤيد هذا الترتيب حديث ميمونة – رضي الله عنها- وفيه «...فلما فرغ من غسله، غسل رجليه»(22).

5- ثم يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بالماء، لحديث عائشة المتقدم، وفيه: «... ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره»، ولحديثها – رضي الله عنها- أيضاً: قالت: « كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوؤه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل(23) بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد نغرف منه جميعا»(24).

أفاد الحديث: أن الذي يغتسل من الجنابة، عليه أن يخلل شَعره -سواء كان شعر الرأس أو اللحية- حتى يغلب على ظنه، أنه قد أروى بشرته، وفي هذا المعنى، حديث عائشة، وفيه: «... ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ»(25)(26)، وكذلك حديث أسماء –رضي الله عنها- في غسل المرأة من الجنابة، وفيه: «... ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها»(27).

ولا يلزم المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة، لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين»(28).

6- ثم يفيض الماء على رأسه، وسائر بدنه ثلاثا، مع البدء بالشق الأيمن، ثم الأيسر، لحديث جابر –رضي الله عنه- قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ ثلاثة أكف، ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده. فقال لي الحسن: إني رجل كثير الشَّعر؟ فقلت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر منك شَعراً»(29)، ولحديث ميمونة –رضي الله عنها- قالت: «... ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات(30) ملء كفه»(31)، ولحديث عائشة –رضي الله عنها- قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا اغتسل من الجنابة، ودعا بشيء نحو الحِلاب(32)، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على رأسه»(33).

7- ثم يدلك بدنه بيده، إلا إذا تيقن، أو غلب على ظنه، أن يصل الماء إلى جميع بدنه، فلا يلزمه دلك بدنه وإمرار يده عليه(34)، لحديث جابر –رضي الله عنه- وفيه: «... ثم يفيض على سائر جسده». فالعبرة في الغسل، هي في وصول الماء إلى الجسد كاملا، وفي هذا المعنى الرواية المتقدمة: «... ثم يفيض الماء على جلده كله».

8- ثم ينتقل من موضع غسله، فيغسل رجليه إلى الكعبين، لحديث ميمونة –رضي الله عنها- بعد أن ذكرت اغتسال النبي –صلى الله عليه وسلم- قالت: «... ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه»(35).

فهذه أخي السائل هي صفة الغسل من الجنابة كاملاً، لكن من هذه الصفات، ما هو واجب، ومنها ما هو سنة، كما تقدم بيانه.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أجاب عنه الفقير إلى عفو ربه

يونس عبد الرب فاضل الطول

بتاريخ 10 صفر 1428هـ

الموافق 28 / 2 / 2007م

راجعه/ عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

________________

 (1) المعجم الوسيط (1/ 129).

(2) صحيح مسلم (1/ 256).

(3) لسان العرب (11/ 494).

(4) الشرح الكبير (1/ 247).

(5) بدائع الصنائع (1/ 34).

(6) المغني (1/ 253).

(7) الشرح الكبير (1/ 247).

(8) انظر: الهداية (1/ 336).

(9) انظر: تفسير القرطبي (6/ 93).

(10) سنن أبي داود (1/ 145)، برقم (336). قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح أبي داود (1/ 68)، برقم (325).

(11) فقه العبادات – حنبلي (1/ 95).

(12) الصاع: خمسة أرطال وثلث، فتح الباري (1/ 364).

(13) المد: رطل وثلث، شرح النووي على مسلم (4/ 2).

(14) صحيح مسلم (1/ 258)، برقم (326).

(15) انظر: بدائع الصنائع (1/ 34)، المدونة الكبرى (1/ 134)، الأم (1/ 102)، المغني (1/ 217)، فقه العبادات (1/ 95).

(16) صحيح البخاري (1/ 3)، برقم (1)، صحيح مسلم (10/ 14)، برقم (3530).

(17) صحيح البخاري (1/ 99)، برقم (245).

(18) صحيح مسلم (1/ 253)، برقم (316).

(19) صحيح مسلم (1/ 253)، برقم (316).

(20) صحيح البخاري (1/ 100)، برقم (246).

(21) صحيح البخاري (1/ 102)، برقم (256).

(22) صحيح البخاري (1/ 102)، برقم (257).

 (23) يُخَلِّل، المعنى: إدخال الماء بين الشَّعر، وإيصال الماء إِلى البشرة، انظر: لسان العرب (11/ 211).

(24) صحيح البخاري (1/ 105)، برقم (269).

(25) استبرأ: أي أوصل البلل إلى جميع الشَّعر، انظر: صحيح مسلم (1/ 253).

(26) صحيح مسلم (1/ 253)، برقم (316).

(27) صحيح مسلم (1/ 260)، برقم (332).

(28) صحيح مسلم (1/ 259)، برقم (330).

(29) صحيح البخاري (1/ 101)، برقم (235).

(30) الحفن، المعنى: أخذ الماء بيده جميعا ملء الكفين، انظر: صحيح مسلم (1/ 253).

(31) صحيح مسلم (1/ 254)، برقم (317).

(32) الحلاب: إناء يحلب فيه، ويقال له المِحلب. قال الخطابي: هو إناء يسع قدر حلبة ناقة، صحيح مسلم (1/ 255).

(33) صحيح البخاري (1/ 100)، برقم (248)، صحيح مسلم (1/ 255)، برقم (318).

(34) الشرح الكبير (1/ 247).

(35) صحيح مسلم (1/ 254)، برقم (317).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
ما مدى صحة حديث رمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار
الخميس 8 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال: ما مدى صحة حديث رمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

السائل وفقه الله يسأل عن مدى صحة الحديث المذكور فيه أن رمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، وبعض من العلماء والدعاة يستدلون بهذا الحديث على فضائل شهر رمضان، ويردده الكثير من المسلمين، وقد تجد ذلك في ملصقات حائطية، أو في لا فتات إعلانية، فما مدى صحة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبين ذلك بعون الله من خلال الآتي:

الحديث أخرجه ابن خزيمة (1) والبيهقي(2) والبغوي(3)، قال ابن خزيمة رحمه الله: ثنا علي بن حجر السعدي ثنا يوسف بن زياد ثنا همام بن يحيى عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة و قيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء، قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم و خصلتين لا غنى بكم عنهما: فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله و تستغفرونه، و أما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائماً سقاه الله من حوضي شربةً لا يظمأ حتى يدخل الجنة».

وأورده السيوطي في الدر المنثور، وقال: أخرجه العقيلي وضعفه، وابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي والخطيب والأصبهاني في الترغيب عن سلمان الفارسي(4).

والحديث كما ذكر العلماء ضعيف:

 1 قال الحافظ ابن حجر في أطرافه: مداره على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ويوسف ابن زياد الراوي عنه ضعيف جداً، وتابعه إياس بن عبد الغفار عن علي بن زيد...قال ابن حجر: وإياس ما عرفته انتهى(5).

2 قال العيني في عمدة القاري: ولا يصح إسناده وفي سنده إياس، قال شيخنا: الظاهر أنه ابن أبي إياس، قال صاحب الميزان: إياس بن أبي إياس عن سعيد بن المسيب لا يعرف والخبر منكر(6).

3 ذكر السيوطي في الدر المنثور أن العقيلي ضعَّف الحديث(7).

4 وقال الشيخ الألباني في حكمه على الحديث: منكر(8).

وخلاصة الكلام أن الحديث منكر وهو شديد الضعف.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن للأخذ بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها عند من سوغ ذلك ثلاثة شروط:

أحدها: أن يكون الضعيف غير شديد الضعف فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه، وقد نقل بعضهم الاتفاق على ذلك.

الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.

الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط(9).

ومدار الحديث على علي بن زيد بن جدعان كما ذكر ابن حجر(10) ولم يثبت من طريق أخرى، وقد ضعف العلماء علي بن زيد بن جدعان قال ابن حبان: كان شيخاً جليلاً وكان يهم في الأخبار ويخطئ في الآثار حتى كثر ذلك في أخباره، وتبين فيها المناكير التي يرويها عن المشاهير، فاستحق ترك الاحتجاج به(11)، وقد ضعفه ابن عيينة، وقال حماد بن زيد: كان يقلب الأحاديث، وذكر شعبة أنه اختلط، وقال أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقال يحيى مرة: ضعيف في كل شيء، وقال الرازي: لا يحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بقوي يهم ويخطئ، فكثر ذلك فاستحق الترك(12).

وقد خالف الحديث الأحاديث الصحاح التي تبين أن رحمة الله ومغفرته لا تختص بالعشر الأولى أو الوسطى من شهر رمضان، وأن لله في كل ليلة من ليالي رمضان عتقاء، فتبين لنا ضعف الحديث سنداً ومتناً.

تنبيه:

قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال: صح الخبر(13).

وقوله رحمه الله: رواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال صح الخبر، ليس صحيحاً، بل الذي قاله ابن خزيمة إن صح الخبر، وقول ابن خزيمة عند روايته للحديث باب فضل رمضان إن صح الخبر يدل على:

1 روايته للحديث في صحيحه لا يعد تصحيحا له؛ لقوله إن صح الخبر، ولو اكتفى بإيراد الحديث لكان تصحيحا منه للحديث المذكور، لاحتواء صحيحه على ما يراه صحيحاً.

2 قوله إن صح الخبر فيه دلالة بينة على أنه لم يقف على صحته، بل قد يكون ثبت ضعفه وقصد بقوله إن صح الخبر أي من طريقٍ أخرى.

والله أعلم.

 

مرفق ناجي مصلح ياسين

22/ 10/ 2008م

مراجعة/ رياض + عبد الكريم الفهدي

________________

(1) صحيح ابن خزيمة (3/ 191)، برقم: (1887).

(2) شعب الإيمان، البيهقي (3/ 305)، برقم: (3608)، فضائل الأوقات للبيهقي (1/ 148).

(3) تفسير البغوي (1/ 198).

(4) الدر المنثور (1/ 446).

(5) كنز العمال (8/ 757)، برقم: (2371)4.

(6) عمدة القاري (10/ 269).

(7) الدر المنثور (1/ 446).

(8) ضعيف الترغيب والترهيب (1/ 148)، برقم: (589)، السلسلة الضعيفة (2/ 262)، برقم: (871).

(9) توجيه النظر إلى أصول الأثر (2/ 653).

(10) كنز العمال (8/ 757)، برقم: (23714).

(11) المجروحين (2/ 103).

(12) الضعفاء والمتروكين ابن الجوزي (2/ 193).

(13) الترغيب والترهيب (2/ 58).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
هل يجوز قراءة القران للحايض
الخميس 8 نوفمبر 2012

السؤال: هل يجوز قراءة القران للحائض؟ وهل يجوز أيضا لمس الكتاب والقراءة فيه بعازل يعني بلبس قفازات؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا السؤال مكون من فقرتين:

الفقرة الأولى: هل يجوز قراءة القران للحائض؟

والجواب وبالله التوفيق:

أولاً: قراءة القرآن للحائض:

اختلف أهل العلم في حكم قراءة القرآن للحائض على قولين:

الأول: المنع مطلقاً:

ذهب الجمهور من الحنفية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3): إلى أنه لا يجوز للحائض أن تقرأ القرآن (4).

الثاني: الجواز للحاجة:

وذهبت إليه المالكية، لمن كانت تخشى النسيان لما حفظت من القرآن.

الثالث: الجواز مطلقاً:

وهو رواية عن أحمد (5) على خلاف المعتمد في المذهب، والظاهرية (6)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (7)، والإمام الشوكاني(8).

من أدلة الجمهور على المنع:

1- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن» (9).

2- عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا» (10).

3- وعن أبي وائل قال: (كان يقال لا يقرأ الجنب ولا الحائض...) (11).

4- وعن الحسن قال: (الجنب لا يقرأ من القرآن شيئاً) (12).

5- وعن الأوزاعي قال: سئل الزهري عن الجنب والنفساء والحائض يقرؤون القرآن؟ فقال: (لم يرخص لهم أن يقرؤوا من القرآن شيئاً) (13).

2- دليل المالكية:

عللت المالكية الجواز عند الحاجة: بأن أيامها في الحيض تطول، فإن منعت من ذلك يخشى عليها نسيان القراءة (14)، وضعفوا الأحاديث في هذا الباب.

3- دليل المجيزين مطلقاً:

قالوا: لا تشترط الطهارة لقارئ القرآن، فتجوز قراءة القرآن على أي حال، وعلل ابن حزم ذلك بقوله: إن قراءة القرآن من أفعال الخير، ولا يوجد مانع من الشرع يمنع الحائض من قراءة القرآن (15).

فكأن الأحاديث التي استدل بها الجمهور لم تصح عند ابن حزم، وعند ابن تيمية كما سبق في النقل عنه، وعند الشوكاني ومن وافقهم، فذهبوا إلى تضعيف الأحاديث ولم يعتبروها حجة على منع الحائض من قراءة القرآن.

قال الإمام البخاري: حديث ابن عمر إنما جاء من طريق إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق (16).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: حديث منع الجنب والحائض من قراءة القرآن حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، حيث رواه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر، وأحاديثه عن أهل الحجاز يغلط فيها كثيراً، وليس لهذا أصل عن النبي ولا حدث به عن ابن عمر ولا عن نافع ولا عن موسى بن عقبه أصحابهم المعروفون بنقل السنن عنهم (17).

وقال الشوكاني: وهذا الحديث لا ينتهض للاحتجاج به، فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا بدليل (18).

وذهب إلى ضعف تلك الأحاديث المحدث الألباني كما تقدم.

والذي يظهر لي راجحاً من هذه الأقوال هو المنع مطلقاً إلاّ لمن خشيت على نفسها نسيان ما حفظت من كتاب الله تعالى وهو مذهب المالكية، ويتفق مع مذهب الجمهور في أن الأصل هو المنع، ويفترق معه في تجويز القراءة للحائض إذا خشيت النسيان، وهذا فقه جيد حسن، يجمع بين النصوص، ويراعي الضرورة ويقدر لها قدرها، ومن الصور التي يشملها الجواز التعلُّمٍ والتعليمٍ والاختبار -والله أعلم–.

ومن أدلة الترجيح:

 أن المنع هو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (19).

وبالنسبة لما ذهب إليه المجيزون من تضعيف الأحاديث فيجاب عنه بأن أقوالهم متضافرة على ضعف حديث ابن عمر، والضعف فيه منجبر ببقية الروايات الضعيفة على ما ذهب إليه واعتمده المباركفوري رحمه الله قال: (وهذه الأحاديث الواردة في منع الحائض من قراءة القرآن فيها مقال، لكن تحصل القوة بانضمام بعضها إلى بعض، ومجموعها يصلح لأن يتمسك بها) (20).

وممن أفتى بهذا القول من العلماء المعاصرين:

1- شيخنا العلامة محمد بن إسماعيل العمراني، فقال: لا تجوز قراءة القرآن للحائض إلا للضرورة، على أن تكون القراءة غيباً، وذلك لطول المدة (21).

2- فتاوى الأزهر، فقال: إن أدلة المنع من القراءة قوية، ولا أرى جوازها إلا للضرورة القصوى (22).

3- الشيخ ابن باز -رحمه الله- فقال: ولا حرج على الحائض والنفساء في أصح قولي العلماء في قراءة القرآن عن ظهر قلب، سواء كان في الورد أو غيره (23).

4- الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:

والسؤال هو: ما حكم قراءة الحائض والنفساء للقرآن نظرًا وحفظًا في حالة الضرورة كأن تكون طالبة أو معلمة؟

فأجاب: لا حرج على المرأة الحائض أو النفساء في قراءة القرآن إذا كان لحاجة كالمرأة المعلمة أو الدارسة التي تقرأ وردها في ليل أو نهار، وأما القراءة أعني قراءة القرآن لطلب الأجر وثواب التلاوة فالأفضل ألا تفعل لأن كثيرًا من أهل العلم أو أكثرهم يرون أن الحائض لا يحل لها قراءة القرآن (24).

5- الشيخ عبد الله الجبرين فقال: ومن تعظيم كتاب الله أن لا تقرأه المرأة وهي حائض إلا ما دعت إليه الحاجة مثل أن تقرأ أورادها في الصباح أوفي المساء أو تكون مدرسة تدرس الطالبات أو متعلمة تحتاج إلى حفظ القرآن أو ما أشبه ذلك من الحاجة وذلك لأن الأحاديث الواردة في منع الحائض من قراءة القرآن ليست بتلك الصحيحة.

الفقرة الثانية: هل يجوز لمس الكتاب القرآن والقراءة فيه بعازل يعني بلبس قفازات؟

والجواب: اختلف الفقهاء في مسِّ المصحف للحائض على ثلاثةِ أقوال:

1- القول الأول:

المنع مطلقاً، وإليه ذهب الجمهور (25).

2- القول الثاني:

الجواز مطلقاً، وإليه ذهب الظاهرية (26).

3- القول الثالث:

الجواز للحائض المعلِّمة أو المتعلِّمة، وإليه ذهب المالكية (27).

أدلة الجمهور:

1- قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾[الواقعة77- 79]. على أن المراد بالكتاب: هو المصحف، وأن المس: هو اللمس الحسي المعروف.

2- حديث عمرو بن حزم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم-: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (28).

فقالوا: تشترط الطهارة الصغرى والكبرى لمن أراد مس المصحف؛ تعظيماً لكتاب الله. وأجابوا على ما ورد في حديث ابن عباسٍ- رضي الله عنهما- الذي ورد فيه إرسال آيةٍ إلى هرقل: بأن الرسالة لا تسمى مصحفاً (29).

3- حديث ابن عمر مرفوعا: «لا يمسَّ القرآن إلا طاهر» (30).

أدلة الظاهرية:

1- قول الله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾[الواقعة:79].

على أن الكتاب: هو اللوح المحفوظ، وأن الذي يمسه: هم الملائكة، وصحح هذا القول ابن القيم (31)، أو أن الكتاب لو أريد به المصحف، فالذي يمسه: هم المؤمنون المطهرون من الشرك، وإليه ذهب المحدث الألباني، وقال: الطاهر هو المؤمن، وهذا لا يدل على تحريم مس القرآن على المؤمن مطلقا (32).

2- حديث ابن عباس- ضي الله عنهما- أن أبا سفيان ابن حرب أخبره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث كتاباً إلى هرقل عظيم الروم، وفيه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:64] (33).

وعلق ابن حزمٍ على هذا الحديث فقال: فهذا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد بعث كتاباً وفيه هذه الآية إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك(34).

تعليل المالكية:

اتفقت المالكية مع الجمهور على أن الأصل هو المنع، وافترقت معه في مراعاة الضرورة للحائض إن كانت معلِّمة أو متعلِّمة.

ومِمَّن أفتى بجواز مسّ المصحف للحائض من وراء حائل عند الضرورة:

1- فتاوى الأزهر (35).

2- الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله-، فقال: أما إن احتاجت إحداهن إلى القراءة من المصحف، فلا حرج عليها بشرط أن يكون ذلك من وراء حائل كالقفازين ونحوهما.

الخلاصة: جمهور أهل العلم على المنع، والأدلة لم تسلم من المناقشة.

والله تعالى أعلم.

أجاب عنه الفقير إلى عفو ربه

يونس عبد الرب الطلول

قسم الفقه

راجعه الفقير إلى عفو الله

صفوان البارقي

________________

 (1) البدائع (1/ 37).

 (2) حاشية البجيرمي على الخطيب (3/ 259)، شرح النووي على مسلم (4/ 68).

 (3) المغني (1/ 307).

 (4) مجموع الفتاوى لابن تيمية (21/ 459)، الفقه على المذاهب الأربعة (1/ 114).

 (5) حاشية الصاوي (1/ 81)، الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية (1/ 33).

 (6) المحلى لابن حزم (1/ 77).

 (7) قال في مجموع الفتاوى: (وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم- لأمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي في ذلك نهياً لم يجز أن تجعل حراماً، مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم) (26/ 191).

 (8) قال في نيل الأوطار معلقاً على حديث ابن عمر الذي استند عليه الجمهور: (وهذا الحديث لا ينتهض للاحتجاج به، فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا بدليل (1/ 284).

 (9) سنن الترمذي (1/ 236) رقم (131)، وأخرجه ابن ماجه (1/ 195) رقم (595)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (1/ 309) رقم (1375)، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 88) رقم (535). والحديث ضعفه الشيح الألباني، انظر: ضعيف الترمذي (1/ 12) رقم (18)، وأما ما أخرجه ابن ماجه فوصفه بأنه منكر، انظر: ضعيف ابن ماجة (1/ 46) رقم (130)، وضعفه في مختصر إرواء الغليل (1/ 39) رقم (192).

 (10) سنن الدار قطني (2/ 87) رقم (7).

 (11) سنن الدارمي (1/ 253) رقم (998).

 (12) مسند ابن الجعد (1/ 467) رقم (3231).

 (13) سنن البيهقي الكبرى (1/ 309) رقم (1376).

 (14) بداية المجتهد (1/ 56).

 (15) المحلى لابن حزم (1/ 77).

 (16) سنن البيهقي الكبرى (1/ 89) رقم (422).

 (17) مجموع الفتاوى (26/ 191).

 (18) نيل الأوطار (1/ 284).

 (19) سنن الترمذي (1/ 236).

 (20) تحفة الأحوذي (1/ 346).

 (21) من دروسه لطلبة بداية المجتهد ونهاية المقتصد بجامعة الإيمان.

 (22) (8/ 88).

 (23) فتاوى ابن باز (8/ 2).

 (24) رسالة في الدماء الطبيعية للنساء (1/ 66).

 (25) البدائع للكاساني (1/ 44)، المغني والشرح الكبير (1/ 315)، الفتاوى لابن تيمية (21/ 269)، الفقه على المذاهب الأربعة (1/ 48).

 (26) المحلى لابن حزم (1/ 77).

 (27) حاشية الصاوي (1/ 81).

 (28) سنن الدار قطني (2/ 285) رقم (222)، سنن البيهقي الكبرى (1/ 309) رقم (1374)، وقال الألباني: صحيح ،مختصر إرواء الغليل (1/ 25 رقم (22).

 (29) البدائع (1/ 33)، مغني المحتاج (1/ 36).

 (30) سنن الدارقطني (1/ 121) رقم (3)، وقال الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته (1/ 1374) رقم (13738).

 (31) التبيان في أقسام القرآن (141).

 (32) انظر: تمام المنة (1/ 107).

 (33) صحيح البخاري (1/ 7) رقم (79)، صحيح مسلم (3/ 1393) رقم (1773).

 (34) المحلى (1/ 84).

 (35) (1/ 21).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
وجود مادة الجلسرين في المواد الغذائية
الخميس 8 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

وجود مادة الجلسرين في المواد الغذائية

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

 فقد جاءني سؤال عبر مركز البحوث التابع لجامعة الإيمان، والسؤال هو: وجود مادة الجلسرين، والتي يتم عملها من الدهن الحيواني، والذي غالباً ما يكون من الخنزير، وذلك في المواد الغذائية. وجزاكم الله خيراً.

والجواب والله الموفّق للصّواب: أنّ الله سبحانه وتعالى قد حرّم في كتابه لحم الخنزير، فقال سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ... ﴾[المائدة:3].

وتحريم لحم الخنزير يشمل جميع أجزائه.

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾: (يعني إنسيِّه ووحشيِّه، واللحم: يَعُمُّ جميع أجزائه حتى الشحم)(1).

وقال أبو السعود: (إنما خص لحمه -أي الخنزير- مع أن سائر أجزائه أيضاً في حكمه -أي في التحريم- لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه بمنزلة التابع له)(2). وبمثل هذا القول قال البغوي(3)، والبيضاوي(4)، والواحدي(5)، والنسفي(6)، والألوسي(7)، وابن عاشور(8)، وغيرهم من المفسرين.

وقد نقل الإمام القرطبي: إجماع الأمّة على تحريم شحمِ الخنزير، فقال: (أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنـزير)(9).

والنبيّ عليه الصلاة والسلام قد حرَّم الخنزير وثمنه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله حرّم الخمر وثمنها، وحرّم الميتة وثمنها، وحرّم الخنزير وثمنه»(10).

وكذلك فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام التنفير من مَسَّ لحم الخنزير ودَمِه، فعن بريدة الأسلمي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه»(11).

 فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس لِلَحم الخنزير ودمه، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به، سواء كان أكله منفرداً، أو مع اختلاطه بغيره.

وعليه فأقول لأخي السائل: لا يجوز أكل المواد الغذائية، التي أضيفت إليها مادة الجلسرين، والتي قد تبين أن هذه المادة من الخنزير، وذلك لتحريم لحم الخنزير وشحمه كما تقدّم.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

أجاب عنه الفقير إلى عفو ربه

يونس عبد الرب فاضل الطول

بتاريخ / 28 ربيع الأول 1428هـ

 الموافق 15/ 4/ 2007م

________________

(1) تفسير ابن كثير (2/ 11).

(2) تفسير أبي السعود (1/ 191).

(3) تفسير البغوي (1/ 183).

(4) تفسير البيضاوي (1/ 450).

(5) الوجيز (1/ 145).

(6) تفسير النسفي (1/ 85).

(7) روح المعاني (2/ 42).

(8) التحرير والتنوير (1/ 492).

(9) تفسير القرطبي (2/ 210).

(10) سنن أبي داود (2/ 301)، برقم: (3485). قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب (2/ 297)، برقم: (2358).

(11) صحيح مسلم (4/ 1770)، برقم: (2260).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
فتاوى القاضي محمد بن اسماعيل العمراني حول الأضحية
السبت 21 سبتمبر 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

س1: لمن تشرع الأضحية؟ وما حكمها؟ وهل على كل فرد أضحية أم تكفي الأسرة الواحدة أضحية؟

ج 1: تشرع الأضحية على كل بيت وأقلها شاة ؛ لأن الشاة تكفي عن أسرة ، والبقرة تكفي لسبعة بيوت والجمل أو الناقة تكفي لعشرة بيوت ـ أي لعشر أسر ـ والأدلة قد دلت على ذلك لأن النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يضحي عن أسرته بشاة، وأقل الأضحية شاة وأوسطها بقرة وأعلاها جمل أو ناقة.

س2: ماذا ترجحون وجوب الأضحية على القادر أم سنيتها ؟

ج 2: الراجح عندي الوجوب على من كان مستطيعاً.

س3: متى تذبح الأضحية؟ ومتى يبتدأ وقتها؟ ومتى آخر وقت ذبح الأضحية؟

ج 3: يبدأ وقت الأضحية من صباح يوم العيد ولكن بشرط أن تكون بعد صلاة العيد، ولكن اختلفت أنظار العلماء هل المراد بالصلاة صلاة المضحي نفسه أم صلاة الإمام، فالإمام مالك جعل الألف واللام للعهد وهي الصلاة المعهودة في صباح يوم العيد وهي الصلاة الكبرى التي تؤدى في الجبانة التي يصلي فيها رئيس الدولة، ومذهب الجمهور أن المراد بالصلاة صلاة المضحي نفسه وآخر وقت ذبح الأضحية هو غروب يوم رابع العيد أي آخر أيام التشريق.

س4: هل يشترط أن يكون ذبح الأضحية عقب صلاة العيد؟

ج 4: لا يشترط بل يصح الذبح عقب صلاة العيد أو ظهر يوم العيد أو في العصر أو في العشاء أو في يوم ثاني العيد، وسواءً كان الذبح في النهار أو في المساء من أيام التشريق ولا فرق فيمن سيذبح يوم العيد أن يكون الذبح قبل الظهر أو بعد الظهر أو بعد العصر المهم ألا يذبح الأضحية قبل صلاة العيد.

س5:أيهما أفضل أن يذبح الإنسان الأضحية في بيته أم في الجبانة؟

ج 5: كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم يذبح في الجبانة
لكي  يعرف الفقراء والمساكين بالذبيحة ليعطيهم منها،
فالذبيحة في الجبانة أفضل من الذبيحة في البيت لمن كان يريد
أن يتصدق على الفقراء والمساكين إذا كانوا لا يكاد يوجدون
إلا في الجبانة.

س6: هل تجب الأضحية على المرأة إذا كانت الأسرة لا يوجد فيها رجال؟

ج 6: إذ1 كانت المرأة مستطيعة ولا يوجد رجال فيشرع لها أن تضحي لأن النساء شقائق الرجال هذا إذا كانت تملك أضحية أو هي قادرة على شراء أضحية.

س7: ما حكم الذبح ليلاً؟

ج 7: لا مانع من الذبح ليلاً بشرط أن يكون ثاني أو ثالث أو رابع
العيد أما خامسه فليست بأضحية.

س8: ماذا يقول المضحي عندما يذبح الأضحية؟

ج 8: يقل باسم الله، والله أكبر.

س9: ما هو أفضل الأضحية؟ وما الذي لا يجزئ في الأضاحي؟

ج 9: الأفضل استسمان الأضحية لأنها قربة إلى الله تعالى، وأحسن
شئ في الأضحية هي أن تكون من السمان لأن الإنسان
يتقرب إلى الله بأحسن شئ ولأن النبي صلى الله عليه و آله
وآله سلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسمنون ضحاياهم. وأما الذي لا يجزئ
في الأضاحي هو أن تكون ذا عيب وذلك بأن تكون عرجاء
أو عوراء أو كسيرة أو عجفاء أو يكون فيها عيب بحيث
لا تبتاع ، فالتي لا تبتاع لعيبها لا تجوز الأضحية بها،
وكذلك كلما ترد به الماشية من العيوب بعد البيع لا تقبل
في الأضحية.

س10: ما هو الخلاف بين العلماء في عمر الأضحية؟ وما هو الراجح مع الدليل؟

ج10: ورد الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم " أن
الأضحية لا يجزئ
فيها إلا جذع من الضأن" واختلف علماء اللغة
في لفظه "الجذع" بعضهم قال: الجذع هو ابن سنة، وبعضهم
قال: الجذع هو ابن ستة أشهر، وأكثر علماء اللغة على أن
الجذع هو ابن سنة، والجمهور من العلماء عملوا بالأحوط
فقالوا: لا تجزئ الأضحية من الضأن إلا ما كان ابن سنة
لأن أكثر علماء اللغة قالوا: بأن الجذع هو ابن سنة أو
لا يجزئ في الأضحية من الضأن إلا ما قد مضى عليه
سنــة.

س11: هل يجوز للإنسان أن يدخر من الأضحية؟

ج11: يجوز الأكل من الأضحية ويستحب التصدق منها ويجوز الادخار منها، لأن النبي صلى الله عليه و آله و سلم في بعض الأعوام نهى الصحابة عن الادخار وفي العام الذي بعده أجاز لهم الادخار من الأضاحي وإذا قسم الإنسان الأضحية أثلاثاً فهو أفضل فيأكل ثلثاً ويتصدق على الفقراء والمساكين بثلث ويهدي للأقارب والجيران بثلثاً.

س12: ما الحكمة من الأضحية؟ وهل صحيح أنها فداء لأهل البيت؟

ج12: الأضحية شرعها النبي صلى الله عليه و آله و سلم لذكرى
قصة ذبح نبي الله إبراهيم ولده إسماعيل، فقد قال علماء
الهادوية
إن من نذر أن يذبح ولده يجب عليه أن يذبح بدله
كبشاً مثل فعل نبي الله إبراهيم عليه السلام، وقد رد عليهم
بأن قصة ذبح نبي الله إبراهيم ولده إسماعيل من شرع من
قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا وعلى فرض أنه شرع لنا
فقد خالف شريعتنا لأن ذبح الابن معصية لله تعالى ولا نذر
في معصية الله، ولا نذر فيما لا يملك الإنسان والأب
لا يملك حياة ابنه كما أن ذبح الابن معصية فهو نذر
لا ينعقد أبداً لعدم الملك، وللذبح المحرم شرعاً وبناءً عليه
فلا يجب ذبح كبش بل عليه كفارة يمين وهو إطعام
عشرة مساكين.

س13: من يذبح ويضحي في يوم العيد بنية مكافحة الجن فهل يجوز هذا الذبح، وهل يجوز الأكل منها؟

ج13: لا يجوز الذبح لمكافحة الجن لأنه سيكون من باب الذبح
لغير الله.

س14: هناك من يذبح يوم الوقوف بعرفة ويسمونها وقفة ، فهل له أصل في السنة؟

ج14: ليس لها أصل في السنة ولا تسمى أضحية ولكنها نوع من القرب إذا كان يذبح الإنسان ليتصدق منها على الفقراء والمساكين أو يصل بها أرحاماً أو يحسن بها إلى جيرانه.

س15: ما حكم صبغ الثياب وشبابيك البيت بدماء الأضاحي في يوم النحر؟

ج15: هذا من الخرافات التي ليس عليه دليل.

س16: هل من ضحى مرة يلزمه أن يضحي كل السنين؟

ج16: لا يلزم من ضحى مرة أن يضحي في كل السنين، ولكن
يشاع قول بين الناس
إن من ضحى سنة ولم يضح في
السنوات الأخرى أنه سيعمى، وهكذا يقولون
إن من صام
الست من شوال سنة ولم يصم السنوات الأخرى فإنه يعمى،
وكلها من الأباطيل والترهات والخرافات التي لا دليل عليها
لا من العقل ولا من النقل.

س17: هل يندب لمن سيضحي ألا يحلق رأسه أو يقلم
أظافره أم لا؟

ج17: المندوب لمن سيضحي ألا يحلق رأسه ولا يقلم أظافره من
بعد دخول شهر
ذي الحجة حتى يذبح الأضحية ومن يريد أن
يحلق شعر رأسه أو يقلم أظافره فيكون في آخر شهر القعدة
قبل دخول شهر الحجة، لحديث "من أراد أن يضحي فلا
يحلق شعره ولا يقلم أظافره، وهذه سنة قد نسيها الناس، فالناس
لا يقبلون على الحلاقة كثيراً إلا قبل العيد بيومين أو
يوم والشافعي عنده أن الأخذ من الشعر والأظافر مكروه،
وعند أحمد بن حنبل والظاهرية أنه يحرم عيه الأخذ من شعره
أو ظفره والهادوية الأفضل للإنسان عدم الأخذ من شعره
أو ظفره.

س18: هل عدم الأخذ من الشعر والأظافر لمن سيضحي مندوب لكل أفراد الأسرة أم لرب الأسرة فقط؟

ج18: لرب الأسرة فقط لأنه هو من سيشتري الأضحية أو يربيها.

س19: خلاف العلماء في قص أظافر من سيضحي، ما هو الراجح فيه مع الدليل؟

ج19: الظاهر قول من قال بالوجوب، لحديث "من كان سيضحي
فلا يحلق شعره ولا يقص أظافره" ، فالأمر يقتضي
الوجــوب.

س20: هل عدم  الحلق أو قص الأظافر لمن سيضحي يشمل الجزار الذي سيذبح الأضحية أم لا؟

ج20: لا يشمل الجزار لأن الجزار عبارة عن وكيل للمضحي في
الذبح فقط.

س21: شخص أسرته أربعة أشخاص ومعه أمه وأبوه يعيشان معه في بيت واحد ويأكلان من مائدة واحدة، ولكنهما مستطيعان أن يضحيا فهل تجزئ عنهم أضحية واحدة؟

ج21: الظاهر أنهم ما داموا جميعاً ساكنين وعائشين في بيت واحد فيجزئ عنهم أضحية واحدة والله أعلم.

س22: هل تجزئ الشاة عن أسرة الرجل وعن أسرة أبيه وأسرة عمه؟

ج22: إذا كانوا في بيت واحد فيجزئ والمراد بالبيت الواحد أن يكون أكلهم واحداً والمطبخ لهم جميعاً واحداً ويأكلون جميعاً من مائدة واحدة.

س23: هل يجوز للمضحي أن يأكل ويدخر دون أن يتصدق منها؟

ج23: نعم، يجوز له ولكنه خلاف الأفضل والأفضل أن يتصدق
وإلا فيباح له أن يأكل نصفها ويدخر نصفها أو أقل أو أكثر ولكنه خلاف الأفضل.

س24: هل يجوز أكل الأضحية وعدم التصدق منها وما الدليل؟

ج24: يجوز له الأكل من الأضحية ويندب له التصدق منها ندباً فمباح له الأكل منها ويباح له الادخار منها ويندوب له التصدق منها لحديث " كلوا وادخروا وتصدقوا".

س25: رجل اشترى شاة ووجد بطنها محروقاً كأنها كانت مريضة فما حكم هذا الشاة هل تعتبر أضحية مع أن المرض لم يظهر عليها حتى ذبحها؟

ج25: الظاهر أنها  تجزئه لأنه ذبحها معتقداً صحتها.

س26: رجل اشترى كبشاً من السوق، وفي الطريق كسرت رجله، فهل يجزئ عن الأضحية؟

ج26: الأولى أن يبيعه ويشتري كبشاً آخر للأضحية وإن ذبحه فلا يجزئ عن الأضحية لأنه معيب بالكسر.

س27: هل الإخصاء عيب في كبش الأضحية؟

ج27: الإخصاء ليس عيباً في كبش الأضحية لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضحى بكبش خصي والكبش المخصي يكون أسمن وأحسن.

س28: هل مباشرة المضحي ذبح الأضحية بنفسه مندوب أم المباشرة والتوكيل سواء؟

ج28: يذبح المضحي الأضحية بنفسه أو يوكل سواء، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكل الجزار وأعطى أجرته.

س29: ما حكم أخذ الجزار الجلد والرأس أجرة له؟

ج29: الجزار إذا كان فقيراً فيعطى من الأضحية لكونه فقيراً أما الأجرة فيجب إعطاء أجرته من غير الأضحية، وإذا أخذ الجزار الجلد أو الرأس فيأخذها مجاناً باسم صدقة إن كان فقيراً أو هدية إن كان غنياً لا باسم أجرة ؛ لأن الأجرة يجب أن تعطى له من غير الأضحية. والحديث في البخاري يقول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى الجزار أجرته وفيه دليل على مشروعية إعطاء الجزار أجرته وأن أخذه للرأس وللجلد لا يكون أجره.

س30: إذا باع الرجل جلد أضحيته وأخذ ثمنه وتصدق به هل هو جائز؟

ج30: ما دام أنه يسمى بيعاً فهو غير جائز ولكن يعطى الجلد للجمعيات الخيرية التي تستفيد منه.

س31: ما سن الأضحية من الماعز؟ وهل يجزئ منها الجذع؟

ج31: يشترط في الماعز أن تكون ثنية لا جذعه.

س32: من يشتري صغاراً من الضأن ويذبحها في أيام العيد فهل تعتبر أضحية؟

ج32: الأضحية [ من الضأن ] لا بد أن يكون سنها جذعاً، وهذه لا تسمى أضحية وتعتبر أكلاً لأولاد المشتري ، أو صدقه أو نحوه.

س33: شاه عمرها أقل من سنة هل تجزئ أضحية؟

ج33: عند الأمام أبي حنيفة و أحمد  تجزئ الشاة التي عمرها ستة أشهر وعند الهادوية والشافعية و الشوكاني لا بد أن يكون عمرها سنة.

س34: إذا كان الرجل يعيش مع امرأته فقط ، فهل يجزئ عنهما كبش عمره أربعة أشهر؟

ج34: إذا كان سيتصدق منه فله أجر الصدقة أما إنه أضحية فليس بأضحية أبداً.

س35: هل وضع البخور على المجمر تحت الذبيحة قبل الذبح
مشروع أم لا؟

ج35: هذا لا أصل له من الشرع.

س36: يشترك بعض الناس في أضحية ويدعونها تأكل وتشرب عند أحدهم حتى يوم العيد وعند الذبح يأخذ من كانت عنده الأضحية جزءاً من الذبيحة مقابل الإطعام فهل هذا مشروع أم لا؟

ج36: لا يعطى المضحي أحداً من أضحيته بيعاً أو أجرة بل يأكل أو يدخر أو يتصدق أو يصل رحمه.

س37: ما حكم الذبائح التي تذبح في المجازر يوم عرفه ويعتبرها الناس أضاحي؟

ج37: الأضحية يدخل وقتها بعد صلاة العيد لا قبلها.

س38: يشترك بعض الناس في الأضحية الواحدة (البقرة
أو الثور) ثمانية أو أكثر فهل تعتبر هذه أضحية؟

ج38: اشتراك الثمانية في الثور غير شرعي ولا تحسب أضحية، وهذا لحم أكل لا أضحية مسنونة ما دام قد اشترك في الثور ثمانية لا سبعة.

س39: هل تجزئ الأضحية بذبيحة من البقر يبقى عليها شهر واحد حتى تكمل السنتين؟ وبعضها شهر ذي الحجة هو الشهر المكمل للسنتين؟

ج39: الظاهر أنه لا بد من أن يكمل البقر عامين.

س40: ما الحكم فيمن اشتركوا في أضحية لكل واحد منها سبعاً أو ربعاً والسبع السابع أو الربع الرابع اشترك فيه أكثر من واحد حتى صار لكل واحد منهم ثمن أو نصف ثمن فهل يؤثر اشتراك البعض في الثور بالثمن أو بنصف الثمن على من اشترك في نفس الثور بسبع أو ربع وجهونا مأجورين ؟

ج40: هذا لا يصح وإذا كان أحد الشركاء قد أخذ السبع من البقرة فقد صحت أضحيته ولا يؤثر على صحة الأضحية لهذا الرجل أن بعض الشركاء لم يأخذ إلا الثمن.

س41: رجل متزوج بثلاث نساء كل واحدة في بيت منفرد هل يلزمه لكل بيت أضحية أم تجزئه أضحية واحدة عن الجميع ؟

ج41: واحدة عن الجميع.

س42: ما هي العيوب التي تخل بالأضحية وتجعلها غير مجزئه ؟

ج42: لا يضحي المضحي بمكسورة القرن أو مقطوعة الأذن أو كل ما كان فيها عيب.

س43: ما الذي يجزئ من الأضاحي ؟

ج43: لا يجزئ غير الضأن والمعز والبقر والإبل ولا يجزئ الضبي ولا الأرنبة ولا الحمار الوحشي ولا الفرس عند من يجوز أكل لحم الفرس .

س44: نحن أخَوان في بيت واحد وعندي أسرة ثلاثة أولاد وأخي عنده أربعة أولاد فهل يصح أن نذبح شاة لنا جميعاً ؟

ج44: إذا كان الجميع عالة عليك وأنت المنفق عليهم جميعاً فأضحية واحدة وإن كان المنفق متعدد مثل أن يكون النفقة عليك وعلى أخيك فالظاهر أنه لا بد من أن تكون ضحيتين مهما كان واحد منفق وكل واحد له دخل من مرتبه أو تجارته أو عمله الحر في أي مهنه من المهن والعلم عند الله .

س45: أفتونا في صفة التكبير بعد الصلوات ومتى تبدأ التكبيرات ومتى تنتهي ؟

ج45: عند علماء المذهب الهادوي يستحب التكبير عقب كل فرض من فجر عرفه إلى آخر أيام التشريق وذلك خمسة أيام يوم عرفه ويوم النحر وأيام التشريق الثلاثة وآخرها عصر اليوم الرابع من أيام العيد وعند الجماهير من العلماء التكبير مشروع في جميع الأوقات قبل الصلاة وبعد الصلاة ولا سيما عند الخروج لصلاة العيد من صباح يوم النحر على أي صفه من صفات التكبير الواردة في كتب السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

س46: هل زيادة ( والحمد لله على ما هدانا وأولانا وأحل لنا من بهيمة الأنعام ) وردت عن رسول الله r وإذا لم تكن كذالك فمن الذي أضافها للتكبيرات وما دليلهم ؟

ج46: المنصوص عليه في هامش كتاب المنتزع المختار من الغيث المدرار المعروف عند الناس بشرح الأزهار أن هذه الزيادة استحسنها الإمام الهادي رحمه الله أي أنها غير واردة عن النبيr لا بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف .

س47: هل حديث ( لا تأكلوا لحوم الأضاحي بعد ثلاث ) ؟

ج47: هذا الحديث كان بسبب وهو وصول الدافة إلى المدينة النبوية عام المجاعة في أيام الحجة وقد نهى النبي r عن ادخار اللحوم وأمرهم بإعطاء القادمين من البوادي الفقراء والسنة التي بعدها أباح لهم الادخار وقال ( كلوا وتصدقوا وادخروا )  لأنهم أصبحوا في السنة التي بعدها في رخاء لا في مجاعة.

س48: ما حكم الشرع في أب له ثلاثة أبناء، يذبح عنهم كبشاً في يوم العيد ويوزعه بينه وبينهم علماً بأن كل واحد منهم في منزل مستقل؟

ج48: إذا كان يعولهم هو ولم يكن لهم دخل لأنفسهم فلا مانع وإلا فلا.

س49: ما الحكم في أخ يذبح في يوم العيد كبشاً ويوزعه على إخوانه أثلاثاً ، وفي اليوم الثاني أو الثالث يذبح أحد الاخوة كبشاً ويوزعه على بقية إخوانه، وهكذا الأخ الثالث، علماً أن كل واحد من الاخوة في منزل مستقل؟

ج49: لا مانع من ذلك.

س50: ما حكم التضحية بمكسور القرن؟

ج50: هذا من العيوب في الأضحية فلا يجزي أضحية.

س51: ما حكم التضحية بمقطوعة الذنَب؟

ج51:  هذه غير مجزية لوجود العيب وهو كونها مقطوعة الذنب.

س52: ما حكم التضحية بما قُطع جزء من أذنها؟

ج52: مقطوعة الأذن لا تجزي.

س53: ما حكم الشرع في رجل اشترى ثوراً ليضحي به، وفي الطريق ندَّ منه، فأطلق عليه النار في رجله وكسرها، هل يجوز التضحية به؟

ج53: الكسر في الرجل عيب سواء كان حادث من البائع أو من المشتري وهو المضحي.

س54: اشترك سبعة في أضحية (ثور) وعند الذبح، ندّ الثور فأطلقوا عليه النار وأوقعوه ثم ذبحوه، هل يجوز التضحية به؟

ج54: لامانع لكون الذبح كان في أيام الذبح، أما إذا كان قبل أيام الذبح فلا.

س55: هل يجوز بيع الجلد للجزار أو لمؤسسة أو لغيرهما؟

ج55: لا يباع جلد الأضحية ولا جلد الهدي لا للمؤسسة ولا للجزار.

س56: هل يجوز أن نُعطي الأضاحي لجمعية خيرية توزعها على الفقراء والمساكين عبر لجانها الاجتماعية؟

ج56: هذا لا مانع منه ، بل هذا مشروع وفيه خير كثير وتعاون على فعل الخير الذي يثاب الإنسان عليه إن شاء الله.

س57: اشترك مجموعة في أضحية واتفقوا على أن يقوم أحدهم بعلف الأضحية مدة شهر واشترط عليهم أن يعطوه مقابل العلف الرأس والرقبة ووافقوا على ذلك فهل يجوز هذا؟

ج57: لعل هذا غير جائز والله أعلم ، وفوق كل ذي علم عليم.

 

س58: ماذا يندب لمن سيضحي ؟ وهل يندب لأهل بيته ذلك؟

ج58: يندب له أولاً أن ينوي إحياء سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذبح الأضحية إن كانت من البقر أو الغنم أو المعز، أو نحرها إن كانت من الإبل ، ثم يُندب أن يجعل بعضها له ولأهله وبعضها صدقة للفقراء والضعفاء وبعضها للأصدقاء والجيران وبعضها يدخرها إلى أيام أخرى كله جائز.

وبالله تعالى التوفيق.،،

فتاوى القاضي محمد بن اسماعيل العمراني حول الأضحية

من كتاب المسائل الجلية في أحكام الأضحية للشيخ عبد المنان التالبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: