دية المرأة
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالمرأة لها مكانة عظيمة في الإسلام، فهي مخلوق مكرّم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد أوصى بها كثيراً، فقال: «استوصوا بالنساء؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء»(1)، وأعطاها من الحقوق ما يكن يخطر على بالها في أيام الجاهلية، فحرم وأدها وهي حية، وأوجب لها النفقة والسكنى على وليها، سواء كان أباً أو أخاً أو زوجاً... وجعل أمر نكاحها في يدها، وجعل لها الحق في مقاضاة والدها أو وليها إن عضلها في النكاح، وحرم إهانتها، وأمر بمعاشرتها بالمعروف، وجعل المهر لها حقاً واجباً على الرجل، ورفع عنها التعسف الذي كان مسلطاً عليها أيام الجاهلية، من اعتبارها مذمةً وعاراً، ومن إلزامها بالإحداد سنة كاملة على زوجها، لا تمس ماءً ولا تمتشط، ولا تستحد، ولا تُقلِّم ظفراً، ولا تزيل عنها وسخاً، وتحبس في بيتها لا تخرج منه أبداً، حتى تنقضي هذه السنة... وجاء الإسلام وخفف عنها هذا الإحداد إلى أربعة أشهرٍ وعشرٍ، وأجاز لها أن تمس الماء، وتتنظف، وتمتشط، وتستحد، وتقلم أظفارها، وتزيل الوسخ عنها، وأجاز خروجها من بيتها نهاراً، إن وجدت لذلك حاجة أو ضرورة.
ونزلت سورة كاملة في القرآن سُمِّيت بسورة النساء، ولم توجد سورة باسم الرجال، وقدمها الإسلام على الرجل في باب الحضانة للأولاد، وجعل حقها في حسن الصحبة مقدماً على الأب، وجعل الجنة عند رجليها، وليس ذلك للأب.
كما أن الإسلام قد أعطى المرأة من الميراث، في حين أنها كانت محرومة منه، وجعل القصاص على من قتلها عمداً، أو الدية، وهذا ما لم يكن له وجود أيام الجاهلية الأولى.
كما أن المرأة قد شاركت في إبداء رأيها في قضايا الإسلام الكبرى، كما حصل ذلك في حديث أم سلمة المعروف في صلح الحديبية، وشاركت في الجهاد مع المسلمين بمالها، وشاركت بنفسها في مداواة الجرحى والمرضى، وغير ذلك كثير، ليس المجال مجالاً لبسطها.
ولم تزل المرأة المسلمة تفتخر بدينها إلى يومنا هذا -وستظل على ذلك، إن شاء الله تعالى- في حين أنّا نجد المرأة الغربية تعاني الذل والإهانة والعنت والمشقة، بشكل يومي وواضح، لا يكاد يخفى على من تأمل ذلك.
وقد حاول الغرب تسليط سهامه على المرأة المسلمة، ببث الشبهات المتعلقة بمكانتها في الإسلام، وأنه لم يعطها حقها، فأثار بعض القضايا المتعلقة بذلك، كحقها بإمامة الرجال في الصلاة، وفي تولي الولاية العامة، وفي مساواتها بالرجل في الميراث، وفي الدية، وفي القوامة... ومسألتي هذه التي سأتكلم عنها هي أحد هذه المسائل المثارة، وهي دية المرأة المسلمة، وسيكون الكلام في هذه المسألة من خلال النظر في النصوص الشرعية، وما قاله العلماء والفقهاء عند شرحهم لها، وسيكون سير البحث كالآتي:
1. تعريف الدية لغةً.
2. تعريف الدية اصطلاحاً.
3. القول في دية المرأة عند فقهائنا المسلمين.
4. الأدلة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل.
5. حكم العمل بالحديث المرسل.
6. الآثار عن السلف في تنصيف دية المرأة.
7. القائلون بمساواة المرأة للرجل في الدية.
8. دليل المساواة عند القائلين بها.
9. الرد على ابن عليه والأصم القائلين بالمساواة في الدية.
10. الخلاصة.
فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبنا ونِعم الوكيل:
تعريف الدية لغةً:
مصدر ودية القاتل المقتول أي أعطى ديته، وأعطى لوليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك المال الدية تسميةً بالمصدر. قال الفيروز آبادي في القاموس: " الدِّيَةُ بالكسر: حَقُّ القَتيلِ، جمعها: دِياتٌ"(2). وقال زين الدين الرازي: "والدِّيَةُ واحِدَة الدِّيَات والهاءُ عِوَضٌ من الواو. ووَدَيْتُ القَتِيلَ أَدِيهِ دِيَةً أَعْطَيْتُ ديَتَه. واتَّدَيْتُ أَخَذْتُ دِيَتَه. وإذا أَمَرْتَ منه قُلْتَ: دِ فُلاَناً، ولِلاثْنَينِ: دِيَا، وللجماعة: دُوا فُلاناً"(3).وبنحوه قال الجوهري في الصحاح(4). وفي لسان العرب: "الدِّيةُ: حَقُّ القَتـيلِ، وقد وَدَيْتُه وَدْياً. قال الـجوهري: الدِّيةُ واحدة الدِّيات، والهاءُ عوض من الواو، تقول: ودَيْتُ القَتِـيلَ أَدِيه دِيةً إِذا أَعطيت دِيَتَه، و اتَّدَيْتُ أَي أَخذتُ دِيَتَه.. وأَصل الدِّية ودْية فحذفت الواو"(5). وقال ابن دريد:" ووَدَيْتُ القتيلَ أديه دِيَةً، إذا أعطيتَ دِيتَه"(6).
قال السرخسي: "واشتقاق الدية من الأداء؛ لأنها مال مؤدى في مقابلة متلف ليس بمال، وهو النفس، والأرش الواجب في الجناية على ما دون النفس مؤدى أيضاً، وكذلك القيمة الواجبة في سائر المتلفات، إلا أن الدية اسم خاص في بدل النفس؛ لأن أهل اللغة لا يطردون الاشتقاق في جميع مواضعه؛ لقصد التخصيص بالتعريف"(7). وقال ابن نجيم: "وقد صار هذا الاسم علماً على بدل النفوس دون غيرها، وهو الأرش"(8).
تعريف الدية اصطلاحاً:
فالدية عبارة عما يؤدى(9). وعُرفت بأنها: "مقدار معلوم من المال، على عاقلة القاتل في الخطأ، وعليه في العمد؛ بسبب قتل آدمي حر معصوم -ولو بالنسبة لقاتله- عوضاً عن دمه"(10). وقال الشربيني الشافعي: "وهي المال الواجب بجناية على الحر في نفس أو فيما دونها"(11).
القول في دية المرأة عند فقهائنا المسلمين:
وهذا بيان ما قاله أئمة المذاهب الإسلامية المتبوعة في دية المرأة، وذلك كالآتي:
المذهب الحنفي:
نص الحنفية في كتبهم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. قال الكاساني: "وإن كان أنثى، فدية المرأة على النصف من دية الرجل"(12)، وقال في كنـز الدقائق: "ودية المرأة على النصف من دية الرجل، في النفس وفيما دونها"(13)، وقال في تحفة الفقهاء: "وأما حكم النساء - فنقول: إن دية المرأة على النصف من دية الرجل؛ بإجماع الصحابة"(14)، وقال في العناية: "دية المرأة على النصف من دية الرجل"(15).
المذهب المالكي:
نص المالكية في كتبهم أيضاً على أن دية المرأة المسلمة، على النصف من دية الرجل المسلم. قال العدوي: "وأما دية المرأة الحرة المسلمة، فعلى النصف من دية الرجل الحر المسلم، فديتها خمسون من الإبل"(16). وقال في الفواكه الدواني: "ودية المرأة الحرة المسلمة، على النصف من دية الرجل الحر المسلم"(17). وقال ابن رشد الحفيد: "وأما دية المرأة، فإنهم اتفقوا على أنها على النصف من دية الرجل في النفس فقط"(18). وقال في موضع آخر: "واتفقوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل في النفس"(19).
المذهب الشافعي:
والشافعية كالحنفية والمالكية في تنصيف دية المرأة. قال المزني: "ودية المرأة وجراحها على النصف من دية الرجل، فيما قلّ أو كثُر"(20). قال الشيرازي: "ودية المرأة نصف دية الرجل؛ لأنه روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، رضي الله عنهم"(21). وبنحوه قال في كفاية الأخيار.(22)
المذهب الحنبلي:
والحنابلة كغيرهم من المذاهب قالوا بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل. قال ابن قدامة المقدسي: "ودية المرأة نصف دية الرجل، إذا كانت المرأة حرة مسلمة، فديتها نصف دية الحر المسلم، أجمع على ذلك أهل العلم، ذكره ابن المنذر وابن عبد البر"(23). وقال أبو النجا الحجاوي في الإقناع: "ودية المرأة الحرة -سواء أقتلها رجل أم امرأة- على النصف من دية الرجل الحر، ممن هي على دينه، نفساً أو جرحاً؛ لما روى البيهقي خبر: «دية المرأة نصف دية الرجل» وألحق بنفسها جرحها"(24). وقال في شرح منتهى الإرادات: "ودية أنثى بصفته، أي: حرة مسلمة، نصف ديته، حكاه ابن المنذر وابن عبد البر إجماعاً"(25). وبمثله قال في مطالب أولي النهى(26). وقال في كشاف القناع: "ودية المرأة، مسلمة كانت أو كافرة، نصف دية رجل من أهل ديتها، حكاه ابن المنذر، رواه ابن عبد البر إجماعاً"(27).
المذهب الزيدي:
قول الزيدية في مسألة دية المرأة، كقول فقهاء المذاهب الأربعة، فإنهم يقولون بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل، وهو ما نسبه إليهم ابن الأمير الصنعاني، حيث يقول: "وذهب علي -رضي الله عنه- والهادوية والحنفية، إلى أن دية المرأة وجراحاتها، على النصف من دية الرجل"(28). وهو ما أشار إليه القاضي العنسي في شرحه على متن الأزهار.(29)
وقال حسن الجلال في حاشيته على متن الأزهار: "وتلزم (أي الدية) في نفس المسلم الذكر؛ إجماعاً، وأما الأنثى فنصفها... فكان ذلك نصاً وإجماعاً"(30).
وقال في البحر الزخار من كتبهم: "فصل: وفي المرأة نصف دية الرجل؛ إجماعاً"(31).
وقال في موسوعة الفقه الإسلامي: "ودية المرأة على النصف من دية الرجل، فإنه روى عن سيدنا عمر، وسيدنا علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -رضوان الله تعالى عليهم- أنهم قالوا في دية المرأة: أنها على النصف من دية الرجل، ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد، فيكون إجماعاً"(32).
وقال في الفتاوى الهندية: "ودية المرأة في نفسها، وما دونها نصف دية الرجل"(33).
الأدلة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل:
استدل العلماء على تنصيف دية المرأة بأدلة منها:
الحديث الأول:
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»(34). والحديث فيه بكر بن خنيس عن عبادة بن نسي.
قال ابن حجر: "بكر بن خنيس، بالمعجمة والنون وآخره سين، عابد سكن بغداد، صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان"(35).
وقد وثقه العجلي، وضعفه ابن المديني، والعقيلي، وأبو زرعة، والبزار، وابن حبان، وابن أبي شيبة، والدارقطني، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم(36).
وقال الذهبي: "قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: شيخ صالح، لا بأس به. وقال النسائي وغيره: ضعيف. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو حاتم: صالح ليس بقوى. وقال ابن حبان: يروى عن البصريين والكوفيين أشياء موضوعة يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها"(37).
ومما سبق تعلم أن الأكثر على تضعيف بكر بن خنيس هذا.
وأما عبادة بن نسي، فقال عنه ابن حجر: "عبادة بن نسي، بضم النون وفتح المهملة الخفيفة، الكندي، أبو عمر الشامي، قاضي طبرية، ثقة فاضل"(38).
وثقه ابن سعد والعجلي والنسائي وأبو حاتم وابن خراش وابن نمير(39). ووثقه أحمد وابن معين أيضاً(40)، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.(41)
ومما سبق تعلم أن الأكثر على توثيق عبادة بن نسي هذا.
وللحديث طريق آخر. قال البيهقي: وروي ذلك من وجه آخر عن عبادة بن نسي، وفيه ضعف"(42). والحاصل أن الحديث ضعيف.
الحديث الثاني:
عن مكحول وعطاء قالوا: "أدركنا الناس على أن دية المسلم الحر، على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة من الإبل، فقوَّم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، ودية الحرة المسلمة، إذا كانت من أهل القرى، خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الذي أصابها من الأعراب، فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي، خمسون من الإبل، لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق"(43).
والحديث فيه مسلم بن خالد الزنجي.
قال فيه ابن حجر: "فقيه، صدوق كثير الأوهام"(44).
قال الذهبي: "قال ابن معين: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة. وقال مرة: ضعيف. وقال الساجي: كثير الغلط، كان يرى القدر. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وضعفه أبو داود. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به، هو حسن الحديث. وقال الأزرقي: كان فقيهاً عابداً يصوم الدهر. وقال إبراهيم الحربي: كان فقيه أهل مكة. وروى عثمان الدارمي، عن يحيى: ثقة"(45).
وهذا الحديث مرسل؛ لأنه من رواية مكحول وعطاء، وسيأتي الكلام عن الحديث المرسل.
فإن قيل: إن تقدير دية المرأة بخمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، إنما كان من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ولم يكن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
فالجواب عنه: إن الحديث ليس فيه ما يدل على ذلك؛ لأن عمر لم يقدِّر الديات من عند نفسه، وإنما قوَّمها فقط، والفرق بين التقويم والتقدير واضح؛ لأن التقويم -كما هو معلوم- إنما يكون في شيء موجود أصلاً، وليس إيجاد شيء معدوم، وأما التقدير فيكون في شيء مجهول المقدار، وعلى هذا فما فعله عمر -رضي الله عنه- إنما هو التقويم للدية التي قدَّرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
الحديث الثالث:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «عقل المرأة، مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها»(46). ووجه الدلالة من الحديث: أنه قد دل بمفهوم المخالفة، على أن دية المرأة تفترق عن دية الرجل، إذا بلغت الثلث، فإن كانت مساوية لديته في الثلث، فما زاد لا تساويه فيها، فهذا دليل على عدم تساوي الديتين، وليس دليلاً على التنصيف، وإنما التنصيف مستفاد من أحاديث أخرى.
والحديث من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال ابن حجر: "إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، بالنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم"(47).
وقال الذهبي: "قال الفسوى: تكلم قوم في إسماعيل، وهو ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا: يغرب عن ثقات الحجازيين. وقال الهيثم بن خارجة: سمعت يزيد بن هارون يقول: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، ما أدرى ما الثوري. وقال عباس عن يحيى: ثقة. وروى ابن أبى خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس في أهل الشام. وقال البخاري: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر"(48). وهو هنا قد حدث عن ابن جريج، وهو حجازي، وعليه: فرواية إسماعيل عنه ضعيفة.
وأما ابن جريج، فقال ابن حجر العسقلاني في اللسان: "عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي مولاهم، أبو الوليد أو أبو خالد المكي، الفقيه أحد الأعلام"(49).
وقال في التقريب: "ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل"(50).
وقال أيضاً في طبقات المدلسين: "فقيه الحجاز، مشهور بالعلم والثبت، كثير الحديث، وصفه النسائي وغيره بالتدليس. قال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح"(51)، وهو هنا قد عنعن، ولم يصرح بالسماع، فحديث ضعيف.
وأما عمرو بن شعيب فهو ثقة. قال العجلي: "عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ثقة"(52). وقال عنه ابن حجر: صدوق(53).
قال ابن حبان: "سمعت الحنبلي يقول: سمعت أحمد بن زهير يقول: سئل يحيى بن معين عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده فقال: ليس بذاك. قال أبو حاتم: إذا روى عمرو بن شعيب عن طاوس وابن المسيب عن الثقات غير أبيه، فهو ثقة، يجوز الاحتجاج بما يروى عن هؤلاء. وإذا روى عن أبيه عن جده، ففيه مناكير كثيرة، لا يجوز الاحتجاج عندي بشيء رواه عن أبيه عن جده، لأن هذا الإسناد لا يخلو من أن يكون مرسلاً أو منقطعاً؛ لأن عمرو بن شعيب بن محمد ابن عبد الله بن عمرو. فإذا روى عن أبيه، فأبوه شعيب، وإذا روى عن جده، وأراد عبد الله بن عمرو جد شعيب، فإن شعيباً لم يلق عبد الله بن عمرو. والخبر بنقله هذا منقطع، وإن أراد بقوله عن جده، جدُه الأدنى، فهو محمد بن عبد الله بن عمرو، ومحمد بن عبد الله لا صحبة له، فالخبر بهذا النقل يكون مرسلاً. فلا تخلو رواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده من أن يكون مرسلاً، أو منقطعاً، والمرسل والمنقطع من الأخبار، لا يقوم بها حجة"(54). وقال ابن حجر: "وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاءوا تركوه. وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي ابن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد وعامة أصحابنا، يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. قال البخاري: من الناس بعدهم. وقال إسحاق ابن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه... وقال محمد بن علي الجوزجاني: قلت لأحمد: عمرو سمع من أبيه شيئاً؟ قال: يقول: حدثني أبي. قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو. قال: نعم، أراه قد سمع منه. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عمرو بن شعيب عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة، وقال جرير: كان مغيرة لا يعبأ بصحيفة عبد الله بن عمرو. وقال الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. قال أيوب ابن سويد عن الأوزاعي: ما رأيت قرشياً أفضل -وفي رواية أكمل- من عمرو بن شعيب... وقال أبو بكر ابن زياد النيسابوري: صح سماع عمرو من أبيه، وصح سماع شعيب من جده. وقال الدوري: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد، الأدنى منهم: محمد، ومحمد لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن جده عبد الله، فإذا بيَّنه وكشفه، فهو صحيح حينئذ، ولم يترك حديثه أحد من الأئمة"(55).
إلا أن ابن حجر مال في نهاية المطاف إلى تصحيح رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال رحمه الله: "قلت: عمرو بن شعيب ضعفه ناس مطلقاً، ووثقه الجمهور، وضعف بعضهم روايته عن أبيه عن جده فحسب، ومن ضعفه مطلقاً فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه، فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ عن، فإذا قال: حدثني أبي. فلا ريب في صحتها، كما يقتضيه كلام أبي زرعة المتقدم، وأما رواية أبيه عن جده، فإنما يعني بها الجد الأعلى عبد الله ابن عمرو، لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن، وصح سماعه منه، كما تقدم، ثم أورد بعض الأحاديث التي صرح فيها شعيب بسماعه من عبد الله"(56).
وقد أطال القاضي الرباعي تلميذ الشوكاني في كتابه المشهور فتح الغفار الكلام عن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأفاد وأجاد، ونقل كلام العلماء فيه، وخلص في النهاية إلى تحسين هذه الرواية.(57)
وقال ابن حجر في التهذيب: "وقال الدارقطني لما حكى كلام ابن حبان: هذا خطأ قد روى عبيد الله بن عمر العُمري، وهو من الأئمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال كنت عند عبد الله بن عمرو، فجاء رجل فاستفتاه في مسألة، فقال لي: يا شعيب! إمض معه إلى ابن عباس، فذكر الحديث. قلت: وقد أسند ذلك الدارقطني في السنن قال ثنا أبو بكر بن زياد النيسابوري ثنا محمد بن يحيى الذهلي وغيره قالوا ثنا محمد بن عبيد ثنا عبيد الله بن عمر. ورواه الحاكم أيضاً من هذا الوجه... وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح، يعني المصري: عمرو سمع من أبيه عن جده، وكله سماع عمرو، يثبت أحاديثه مقام التثبت"(58).
وقال الذهبي: "وصرح البخاري في ترجمة شعيب بأنه سمع من جده عبد الله، وهذا لا ريب فيه. أما رواية شعيب، عن أبيه محمد بن عبد الله فما علمتها صحت، فإن محمداً قديم الوفاة، وكأنه مات شاباً"(59).
والخلاصة: أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من قسم الحديث الحسن. ولكن الحديث ضعيف؛ لضعف إسماعيل بن عياش في الحجازيين، ولتدليس ابن جريج.
الحديث الرابع:
عن الشعبي -رضي الله عنه- قال: "كان بين حيين من العرب قتال، فقتل من هؤلاء ومن هؤلاء، فقال إحدى الحيين: لا نرضى، حتى يقتل بالمرأة الرجل، وبالرجل الرجلين، قال: فأبى عليهم الآخرون، فارتفعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: فقال النبي عليه السلام: «القتل براء -أي سواء-» قال: فاصطلح القوم بينهم على الديات، قال: فحسبوا للرجل دية الرجل، وللمرأة دية المرأة، وللعبد دية العبد فقط، لإحدى الحيين على الآخرين، قال: فهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: 178]"(60). ففي هذا الحديث دلالة على أن دية المرأة تختلف عن دية الرجل، وهذا يدل على أن الفرق بين الديتين، كان أمراً مستقراً في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي زمن أصحابه. وقد بين مقدار هذا الفرق الأحاديث الأخرى، وأنه مقدر بالنصف.
ولكن هذا الحديث -كما ترى- حديث مرسل -وسيأتي الكلام عن المرسل- ولم أجد من تكلم على هذا الحديث لا بالتصحيح ولا بالتضعيف، ولكن سنده هكذا: حدثنا أبو بكر قال حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن ابن أشوع. وأما حال هؤلاء الرواة، فكالآتي:
أما أبو بكر، فهو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (إبراهيم) بن عثمان بن خواستي العبسي، مولاهم أبو بكر الكوفي الحافظ الكبير الحجة. قال عنه ابن حجر في التهذيب: "قال العجلي: ثقة، وكان حافظاً للحديث. وقال أبو حاتم وابن خراش: ثقة. وقال محمد بن عمر بن العلاء الجرجاني: سألت ابن معين عن سماع أبي بكر من شريك، فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادعى السماع من أجلَّ من شريك، لكان مصدقاً فيه... وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة"(61). وقال عنه الذهبي: "أبو بكر ممن قفز القنطرة، وإليه المنتهى في الثقة"(62).
عباد بن العوام: وثقه ابن حجر في التقريب(63)، وقال عنه في التهذيب: "عن أحمد: مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة. وقال ابن معين، والعجلي، وأبو داود والنسائي، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق"(64).
سفيان بن حسين: وثقه ابن حجر في التقريب في غير الزهري(65)، وقال عنه في التهذيب: "قال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة في غير الزهري لا يُدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك؛ إنما سمع منه بالموسم. وقال الدوري عن ابن معين نحواً منه، وقال المروزي عن أحمد: ليس بذاك في حديثه عن الزهري، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وفي حديثه ضعف، وقال النسائي ليس به بأس، إلا في الزهري. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، إلا أنه كان مضطرباً في الحديث قليلاً، وقال العجلي: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة يخطئ في حديثه كثيراً، وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح، وفي الزهري يروي أشياء خالف الناس"(66). وقال عنه الذهبي: صدوق مشهور(67)".
ابن أشوع: هو سعيــد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي القاضي، كنيته أبو محمد. قال عنه ابن حبان: "كان من عباد أهل الشام، وفقهائهم، ومتقنيهم في الرواية.(68)"وقد وثقه ابن حجر في التقريب(69)، وقال عنه في التهذيب: "قال ابن معين: مشهور. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: ثقة. وقال البخاري في التاريخ الأوسط: رأيت إسحاق ابن راهويه، يحتج بحديثه، وقال الحاكم هو شيخ من ثقات الكوفيين، يجمع حديثه. وقال الجوزجاني: غال زائغ، يعني في التشيع"(70).
وأما الشعبي، فهو عامر بن شراحيل أبو عمرو. قال عنه ابن حجر: "ثقة مشهور فقيه فاضل"(71). وعن ابن عنبسة: كان في الناس ثلاثة بعد أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس -رضي الله عنهما- في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه.(72)
وهؤلاء الرواة -كما ترى- ثقات عدول، يُحتج بحديثهم.
الحديث الخامس:
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قلت: لسعيد بن المسيب: كم في هذه من المرأة الخنصر؟ فقال: عشر من الإبل، قال: قلت: في هذين -يعني الخنصر والتي تليها- فقال: عشرون، قال: قلت: ففي هؤلاء -يعني الثلاثة، قال: ثلاثون قال: قلت: ففي هؤلاء- وأومأ إلى الأربع قال: عشرون. قال: قلت: حين آلمت جراحها، وعظمت مصيبتها، كان الأقل لأرشها، قال: أعراقي أنت؟ قال: قلت: عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال: يا ابن أخي! السنة.(73)
وهذا الحديث حديث مرسل؛ لأن سعيد بن المسيب من التابعين، وليس من الحديث المنقطع؛ لأن سعيداً رفع الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد عُلِم أن قول الراوي: من السنة كذا. أن له حكم الرفع، كما هو معلوم في موضعه من علم المصطلح، فسعيدٌ رفع الحديث، وهو تابعي، وما رفعه التابعي إلى النبي من قبيل المرسل.
وقد عُلِم أيضاً أن من العلماء من صحح مراسيل سعيد بن المسيب. قال الشافعي -رحمه الله- تعالى: "ولهذا جعلت مراسيل سعيد بن المسيب حجة؛ لأني اتبعتها فوجدتها مسانيد"(74). وقال أيضاً: "وأقبل مراسيل سعيد بن المسيب، لأني اعتبرتها فوجدتها بهذه الشرائط. قال: ومن هذا حاله، أحب قبول مراسيله، ولا أستطيع أن أقول: إن الحجة ثبتت به، كثبوتها بالمتصل"(75).
وقال الغزالي: "المراسيل مردودة عند الشافعي -رضي الله عنه- إلا مراسيل سعيد ابن المسيب"(76). وقال الزركشي الشافعي: "قال أحمد بن حنبل: أصح المراسيل مراسيل سعيد، وقال الشافعي: إرسال سعيد عندنا حسن"(77). وهنا أوان الكلام عن الحديث المرسل.
حكم العمل بالحديث المرسل:
ذكر الزركشي الشافعي ثمانية عشر مذهباً في قبول رواية المرسل(78)، وليس المقام مقاماً لبسطها، ولكن الذي يهمنا في هذا المقام هو أن الأحاديث المرسلة المتقدمة عن مكحول وعطاء والشعبي وسعيد بن المسيب، مقبولة عند من قال من المحدثين، بأحد هذه الأقوال الآتية، في قبول الحديث المرسل:
1. قبول المرسل من العدل مطلقاً، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة. ولا شك أن مكحولاً وعطاءً والشعبي، وسعيداً من العدول.
2. قبول مراسيل الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن هو أئمة النقل دون غيرهم. وهؤلاء من التابعين.
3. قبول المرسل إن اعتضد بأمر خارج، كأن يرسله صحابي آخر، أو يسنده عمن يرسله، أو يرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول، أو عضده قول صحابي أو فعله، أو قول أكثر أهل العلم أو القياس، أو عرف من حال المرسل أنه لا يروي عن غير عدل، فالمرسل هنا حجة، وهذا قول الشافعي، وأكثر أصحابه، ووافقه القاضي أبو بكر. قلت: وقد اعتضدت هذه المراسيل ببعضها، كما اعتضدت بأقوال الصحابة وبأفعالهم -كما سيأتي- وكما اعتضدت أيضاً بقول العلماء كافة، كما تقدم...
4. قبول مراسيل كبار التابعين دون من صغر عنهم. وهؤلاء المرسِلين من كبار التابعين.
5. قبول مراسيل الصحابة والتابعين مطلقاً؛ لأنهم يروون عن الصحابة.
6. قبول مرسل الصحابي والتابعي إذا عرف بصريح خبره، أو عادته أنه لا يروي، إلا عن صحابي. وهؤلاء في غالب حالهم يروون عن الصحابة.
7. قبول مراسيل من عرف منه النظر في أحوال شيوخه، والتحري في الرواية عنهم، دون من لم يعرف بذلك.
8. قبول مرسل سعيد بن المسيب دون غيره.
9. قبول ما أرسله الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، على من ليس في درجتهم. حكاه القاضي أبو بكر.
10. قبول مراسيل الثقات، وتقديمها على المسندات. وهؤلاء من الثقات.
11. قبول مراسيل الثقات، والمسندات على حد سواء، في وجوب الحجة والاستعمال.
12. قبول المرسل إن عضده إجماع.(79)
قال الزركشي: "ولا خلاف أن المرسِل إذا كان غير ثقة، لا يقبل إرساله، فإن كان ثقة، وعرف أنه يأخذ عن الضعفاء، فلا يحتج بما أرسله، سواء التابعي وغيره، وكذا من عرف بالتدليس المجمع عليه، حتى يصرح بالتحديث، وإن كان لا يروي إلا عن ثقة، فمرسله وتدليسه، هل يقبل؟ فيه الخلاف... وكذلك قال أبو الوليد الباجي منهم: المرسِل عندنا إنما يحتج به، إذا كان من عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة". ثم نقل عن أبي بكر الرازي الحنفي، والقرطبي المالكي ما يدل على الاحتجاج بالمرسل الذي يرسله الثقة، والذي لا يروي إلا عن الثقات.(80)
ومن هنا يُعلم أن الإرسال الوارد في حديث مكحول، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن المسيب لا يضعف هذه الأحاديث.
الآثار عن السلف في تنصيف دية المرأة:
والآثار الواردة عن السلف الصالح -رضي الله عنهم- في تنصيف دية المرأة كثيرة، منها:
1. عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "عقل المرأة على النصف من دية الرجل، في النفس وفيما دونها"(81).
2. وعن شريح قال: أتاني عروة البارقي من عند عمر: أن جراحات والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك، فدية المرأة على نصف من دية الرجل.(82)
3. وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "عقل المرأة على النصف من عقل الرجل، والمرأة في العقل إلى الثلث، ثم النصف فيما بقي"(83). قال في العناية من كتب الحنفية: "دية المرأة على النصف من دية الرجل، وقد ورد هذا اللفظ موقوفاً على علي، ومرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- والموقوف في مثله كالمرفوع، إذ لا مدخل للرأي فيه"(84).
4. وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: في دية المرأة في الخطأ، على النصف من دية الرجال، إلا السن والموضحة، فهما فيه سواء.(85)
5. وكان زيد بن ثابت -رضي الله عنه- يقول: دية المرأة في الخطأ مثل دية الرجل حتى تبلغ ثلث الدية، فما زاد، فهو على النصف(86). وعنه أيضاً أنه قال: يستوون إلى الثلث.(87)
6. وعن شريح أن هشام بن هبيرة كتب إليه يسأله، فكتب إليه أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، فيما دق وجل(88)، وعنه أيضاً قال: إن دية المرأة على النصف من دية الرجل، إلا السن والموضحة.(89)
7. وعن الحسن -رضي الله عنه- قال: يستوي جراحات الرجال، والنساء على النصف، فإذا بلغت النصف، فهي على النصف.(90)
8. وعن سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- قال: تعاقل المرأة الرجل إلى الثلث، إصبعها كإصبعه، وسنها كسنه، وموضحتها كموضحته، ومنقلتها كمنقلته(91).
9. وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز -رضي الله عنهما- أنهما قالا: يعاقل الرجل المرأة في ثلث ديتها، ثم يختلفان.(92)
أدلة أخرى:
وقد استدل العلماء أيضاً، على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، بأدلة أخرى منها:
1. الإجماع: وقد حكى وقوع الإجماع على هذا التنصيف، من الحنفية: الكاساني، والسمرقندي، ومن الشافعية: النووي، وزكريا الأنصاري(93)، ومن المالكية ابن رشد الحفيد وابن عبد البر، ونقله من الحنابلة ابن قدامة المقدسي. قال الكاساني: "وإن كان أنثى، فدية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإنه روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت رضوان الله تعالى عليهم أنهم قالوا في دية المرأة: إنها على النصف من دية الرجل، ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد، فيكون إجماعاً"(94). وقال السمرقندي: "إن دية المرأة على النصف من دية الرجل؛ بإجماع الصحابة، مثل عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- وغيرهم: فإنهم قالوا: دية المرأة على النصف من دية الرجل"(95). وقال النووي: "دليلنا ما سقناه من كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل اليمن، وفيه: «أن دية المرأة نصف دية الرجل»، وما حكاه المصنف عن عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وابن عمرو ابن عباس وزيد ابن ثابت أنهم قالوا: دية المرأة نصف دية الرجل، ولا مخالف لهم في الصحابة، فدل على أنه إجماع"(96)، وقال ابن رشد المالكي: "وأما دية المرأة، فإنهم اتفقوا على أنها على النصف من دية الرجل في النفس فقط"(97). وقال ابن قدامة الحنبلي: "ودية المرأة نصف دية الرجل، إذا كانت المرأة حرة مسلمة، فديتها نصف دية الحر المسلم؛ أجمع على ذلك أهل العلم، ذكره ابن المنذر، وابن عبد البر"(98).
قلت: أما حكاية الإجماع عن الصحابة، وأنه لم ينقل لهم مخالف، فهو إجماع عملي، وأما قول ابن رشد، فهو من باب نقل الاتفاق على عدم وجود خلاف معتبر في هذه المسألة، وقول ابن رشد أقوى في الدلالة على عدم الخلاف المنقول عن الصحابة، وأقوى من ذلك كله ما نقله ابن قدامة عن ابن المنذر، وابن عبد البر من حكاية الإجماع على التنصيف، وهذا صريح في الإجماع على تنصيف دية المرأة. وبهذا يُعلم أن حكاية الإجماع على التنصيف، ورد بصيغ متعددة، وهذا ما يؤكد وقوع الإجماع على التنصيف.
2. واستدل العلماء أيضاً، على تنصيف دية المرأة، بالقياس على ميراثها وشهادتها. قال الكاساني: "ولأن المرأة في ميراثها، وشهادتها على النصف من الرجل، فكذلك في ديتها"(99). فالأصل الميراث والشهادة، والفرع الدية والعلة الجامعة بين الفرع والأصل، هي الأنوثة؛ والحكمة من التنصيف: هو أن الرجل مكلف بأعباء مالية أكثر من المرأة، فالرجل ملزم بالنفقة والسكنى لها، وهي من لوازم الذكورة، والأنثى غير مكلفة بذلك، ولذا ناسب أن يكون الأصل في ميراث المرأة، هو أنها على النصف من ميراث الرجل.
وإنما كانت العلة الجامعة بين الفرع والأصل هي الأنوثة؛ فذلك لأنها وصف ظاهر منضبط، ورد منصوصاً عليه في الأحاديث المتقدمة الدالة على التنصيف، والتي ربطت التنصيف بالأنوثة، وربطت عدمه بالذكورة، وهذا يدل على أن هذا الوصف المؤثر في الحكم، هو الأنوثة، وهو سبب الحكم وعلته.
القائلون بمساواة المرأة للرجل في الدية:
نسب الماوردي الخلاف في هذه المسألة للأصم وابن علية، حيث قالا بمساواة المرأة بالرجل في الدية. قال الماوردي: "دية المرأة في نفسها على النصف من دية الرجل، وهو قول الجمهور، وقال الأصم وابن علية: ديتها كدية الرجل"(100).
وقال النووي: "دية المرأة نصف دية الرجل، هذا قول العلماء كافة، إلا الأصم وابن علية فإنهما قالا: ديتها مثل دية الرجل"(101). وقال ابن قدامة المقدسي: "وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل"(102).
دليل المساواة عند القائلين بها:
ذكر ابن قدامة المقدسي(103) أن الأصم وابن عُلية، قد استدلا على المساواة بين دية الرجل والمرأة بدليل، هو:
1. حديث النبي -صلى الله عليه مسلم- الذي فيه: «في النفس المؤمنة، مائة من الإبل»(104).
وذكر الماوردي(105) أنهما قد استدلا أيضاً بدليلين، هما:
2. القياس على القصاص؛ لأن كلاً منهما يقتل بالآخر، فكما أنهما متساويان في القصاص، فذلك يوجب أن يتساويا في الدية.
3. استواء الغرة في الجنين الذكر والأنثى، وهذا يوجب تساوي الدية في الرجل والمرأة؛ لأن الغرة هي دية أيضاً.
الرد على ابن علية والأصم القائلين بالمساواة في الدية:
رد فقهاء المذاهب على قول ابن علية والأصم، القائلين بمساواة دية الرجل بدية المرأة، بردود منها:
1. إن هذا القول شاذ؛ لأنه قد خالف صريح الأحاديث النبوية المصرحة بالتنصيف، وبأنه قد سُبِق بإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على خلافه.
قلت: ولا يجوز مخالفة صريح السنة النبوية، كما لا يجوز مخالفة الإجماع، والإجماع قد انعقد قبل أن يأتي ابن علية والأصم، على التنصيف، كما انعقد الإجماع بعدهما أيضاً على التنصيف.
2. أن الحديث الذي استدلوا به -وهو حديث عمرو بن حزم- حديث عام أو مجمل، والأحاديث التي تقضي بالتنصيف، أحاديث خاصةٌ مفسرة، والخاص يقضي على العام، والمفسر يقضي على المجمل.
قال ابن قدامة: "وهذا قول شاذ، يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن في كتاب عمرو بن حزم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وهو أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسراً لما ذكروه، مخصصاً له"(106).
وقال البهوتي الحنبلي: "وفي كتاب عمرو بن حزم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وهو مخصص للخبر السابق"(107)، يريد بالخبر حديث عمرو بن حزم.
الخلاصة:
دية المرأة نصف دية الرجل، هو ما ذهب إليه المذاهب الإسلامية المتبوعة، وهو ما نصت عليه الموسوعات الفقهية والفتاوى الإسلامية. ولم يخالف في هذه المسألة، إلا ابن عليه والأصم.
استدل العلماء على التنصيف بالأحاديث النبوية، والآثار عن بعض السلف، والإجماع، والقياس. فأما الأحاديث، فكثيرة ذكرتُ منها خمسة أحاديث فقط، وهي عن معاذ، وعن عطاء ومكحول، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن الشعبي، وعن سعيد بن المسيب، بعض هذه الأحاديث مرفوع ضعيف، وبعضها مرسل ضعيف، وبعضها مرسل صحيح، وبعضها صريح في ذكر التنصيف وبعضها غير صريح في ذلك، وهذه الأحاديث وإن كان في أفرادها مقال، إلا أنها بمجموعها تتقوى ببعضها إلى درجة الاحتجاج، فهي من قبيل الحسن، أو الحسن لغيره؛ لأن الضعف الوارد فيها من الضعف الذي ينجبر، إن جاء ما يؤيده من طرق أخرى، وهذا ما هو واقع هنا، كما أن هؤلاء الرواة المضعَّفين، لم يتفق العلماء على ضعفهم، بل قد ضعفهم قوم، ووثقهم آخرون، فليس ضعف هؤلاء الرواة أمراً متفقاً عليه.
وأما الآثار الواردة عن السلف في التنصيف، فقد ذكرتُ منها تسعة آثار عن الصحابة والتابعين، ولم يُنقل ما يخالف ذلك عنهم.
وأما الإجماع على تنصيف دية المرأة، فقد ذكرت أقوال ثمانية من العلماء فقط، ممن حكى الإجماع أو نقله، وهم الكاساني، والسمرقندي، والنووي، وزكريا الأنصاري، وابن رشد الحفيد، وابن عبد البر، وابن المنذر، وابن قدامة المقدسي.
كما استدل العلماء أيضاً على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل بالقياس، حيث قالوا بقياس ديتها في التنصيف، على تنصيف ميراثها وشهادتها، والعلة الجامعة بينهما هي الأنوثة، والأنوثة كما يقول العلماء عجز حكمي.
لم يخالف في هذه المسألة، إلا الأصم وابن علية، حيث قالا: إن دية المرأة مثل دية الرجل، وقد استدلا على ذلك بحديث وقياسين، فأما الحديث، فهو: «في النفس المؤمنة، مائة من الإبل»، وأما القياسان، فالقياس على القصاص، فالذكر والأنثى فيه سواء، وكذا القياس على الغرة في الجنين، فالذكر والأنثى فيه سواء. وقد رد العلماء على ذلك بالآتي:
1. إن هذا القول شاذ، للآتي:
أ- لأنه قد خالف صريح الأحاديث النبوية المصرحة بالتنصيف.
ب- ولأنهما قد سُبقا بإجماع الصحابة. قلت: وكذا قد تُبعا بالإجماع على التنصيف.
2. كما رد العلماء عن استدلالهما بالحديث، بأنه حديث عام أو مجمل، والأحاديث التي تقضي بالتنصيف، أحاديث خاصةٌ ومفسرة، وقد عُلِم من علم أصول الفقه أنه لا تعارض بين عام وخاص، فيعمل بالخاص فيما تناوله، وبالعام في الباقي. وعليه يقال: إن الأصل في الدية هو أنها مائة من الإبل، إلا ما ورد استثناؤه في مسألة المرأة، فإنها على النصف من دية الرجل.
كما عُلِم أيضاً من علم أصول الفقه، أنه لا تعارض بين مجمل ومفسر، فالإجمال الواقع في عدم تعيين المقصود بالمائة من الإبل، هل هو الذكر أم الأنثى؟ قد جاء بيانه في الأحاديث الأخرى التي استدل بها أئمة المذاهب، وهو أن المقصود بها هو الذكر وليس الأنثى؛ لأن الأنثى قد جاء بيان ديتها -وأنه على النصف- في أحاديث أخرى.
3. وأما استدلالهما بالقياس على القصاص، وعلى الغرة في الجنين، فلم يُجِب عن ذلك العلماء؛ لظهور ضعف هذين القياسين؛ لأنهما قياسان فاسدان، لمصادمتهما للأحاديث الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تنصيف دية المرأة، وكذا لمصادمتهما لما أجمع عليه العلماء، وقد عُلِم من علم أصول الفقه أنه لا يُلجأ إلى القياس، إلا عند عدم وجود نص أو إجماع في المسألة، وقد ورد النص هنا، وكذا الإجماع.
بعض الإشكالات على ما سبق:
فإن قيل: كيف يقال بالتنصيف مع أن الأحاديث الواردة به ضعيفة؟
فالجواب عنه، أن الأحاديث، وإن كان في أفرادها مقال، إلا أنها تتقوى بمجموع طرقها إلى مرتبة الاحتجاج، وقد عُلِم من علم الحديث أن الحديث قد يُضعَّف بلفظه، ولكنه يصح بمعناه؛ لوروده من طرق أخرى، وبألفاظ متعددة، فالأحاديث تتقوى ببعضها إلى درجة الاحتجاج، لا سيما والضعف الوارد فيها من الضعف المحتمل؛ لأنها ضُعِّفت إما بالإرسال -عند من ضعف به- أو ببعض الرواة الذين قد وثقهم قوم، وضعفهم آخرون. كما أن هذه الأحاديث قد تأيدت أيضاً بفعل الصحابة، الذي لم ينقل خلافه، كما تأيدت بأقوال العلماء كافة إلا من شذ.
فإن قيل: كيف يقال إن في المسألة إجماع مع أن الأصم وابن علية قد خالفا؟
فالجواب عن ذلك، أن خلافهم هنا ليس خلافاً معتبراً، وإنما الخلاف الذي يخرم الإجماع هو الخلاف المعتبر، قال الناظم:
وليس كل خلاف جاء معتبراً *** إلا خلاف له حظ من النظر
والدليل أن هذا الخلاف غير معتبر، أن هذا القول قد خالف صريح النصوص الشرعية الواردة على التنصيف، كما أن خلافهما، لم يبن على أدلة واضحة، وإنما بني على شبه أدلة؛ ولذلك فقد اعتبر العلماء قولهما هذا خلافاً شاذاً.
كما أن الخلاف يكون غير معتبر، إذا كان قد عارض نقل العلماء الصريح للإجماع في المسألة، وهذا ما هو واقع في مسألتنا هذه.
فإن قيل: هل يمكن أن نأخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ [النساء: 92] مساواة دية المرأة للرجل، لأنه لم يفرق بين دية ودية؟
فالجواب عن ذلك، أن الآية فيها إجمال بينه النصوص الشرعية القاضية بالتنصيف، ولا تعارض بين مجمل ومفسر؛ لأن معنى الآية ودية مسلمة إلى أهله، الرجل تسلّم عنه دية رجل والمرأة تسلّم عنها دية امرأة. قال الشوكاني: "الدية: ما تعطي عوضاً عن دم المقتول إلى ورثته، والمسلَّمة: المدفوعة المؤداة، والأهل المراد بهم: الورثة، وأجناس الدية، وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة"(108).
فإن قيل: هل يمكن أن نأخذ من قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32] مساواة دية المرأة للرجل لأنه اعتبر قتل النفس عموما كقتل الناس جميعا من دون فرق بين الرجل والمرأة؟
فالجواب عن ذلك، أن هذه الآية تتكلم عن حرمة القتل، وليس عن الدية، فليست هذه الآية في مسألتنا التي نتكلم عنها.
فإن قيل: إن استدلال العلماء على التنصيف بالقياس على الميراث، والشهادة استدلال منقوض، بأن هناك حالات لا يكون للرجل فيها مثل حظ الأنثيين، بل تكون المرأة فيها مساوية للرجل، فالتنصيف غير مطرد، وبأن هناك حالات تقبل فيها شهادة المرأة وحدها وعليه فالتنصيف في الشهادة غير مطرد أيضاً؟
فالجواب عن ذلك، أن قولنا: إن التنصيف غير مطرد غير منافٍ لما نقول؛ لأن اشتراط الاطراد في القياس، إنما يكون في علة القياس، والتنصيف هنا حكمٌ، وليس علةً.
فإن قيل: لِمَ لا يمكن قياس الدية على الحالات التي تتساوى فيها المرأة مع الرجل في الميراث؟
فالجواب عن ذلك، أن الآية الواردة في تنصيف ميراث المرأة، وهي قوله تعالى: ﴿يـُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، جاءت بلفظ الذكر والأنثى، وهذه أوصاف قد ربط الحكم بها، فالذكر استحق ضعف ما للأنثى؛ لأنه ذكر، بغض النظر عن كونه ابناً، أو أباً، أو جداً، أو أخاً...، كما أن المرأة استحقت نصف ما للذكر؛ لكونها أنثى، بغض النظر عن كونها بنتاً، أو أماً، أو جدةً، أو أختاً... وهذا الوصف العام هو نفسه الوصف الذي ورد في تنصيف دية المرأة، حيث ربط هذا التنصيف بكون المقتول امرأة، بغض النظر عن كونها بنتاً، أو أماً، أو جدةً، أو أختاً... ومعلوم أن الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل، ليس لكونها أنثى، بل لكونها أماً، أو جدة، أو أختا لأم... وهذه أوصاف أخص من وصف الأنوثة، ولا تعارض بين عام وخاص، فيعمل بالخاص فيما تناوله، وهو إرثها كالرجل لكونها أماً أو جدة... وبالعام في الباقي، وهو إرثها على النصف من الرجل، لكونها أنثى.
ومن هنا لا يصح القياس هنا؛ لأن علل الحكم مختلفة، فعلة تنصيف الدية عامة، وعلة تنصيف الميراث علة خاصة.
ومما سبق تعلم أن قتل السفيه والمجنون والصبي، فيه دية كاملة؛ لأنهم ذكور، كما أن قتل السفيهة والمجنونة والصبية فيه نصف دية؛ لأنهن إناث، وأما وصف السفه والجنون والصبا، فهي أوصاف غير مؤثرة في الحكم؛ لأن التنصيف لم يُربط بها، وإنما رُبط الحكم بالذكورة والأنوثة، كما في النصوص المتقدمة، والله أعلم.
فإن قيل: إن عدم مساواة المرأة بالرجل في الدية يُربي التفرقة والعنصرية بين جنس الرجال والنساء، لا سيما وهن يشتركن مع الرجال في الإنسانية. فهل يمكن القول بالمساواة سداً لهذه الذريعة؟
فالجواب عن ذلك، أن هذا لا يكون إلا عند من أساء الظن بربه وبشريعته؛ لأن هذا التشريع من عند الله تعالى، وهو أعلم ما يحتاج إليه العبد، وهو الأعلم بما يصلحه، فما على العبد إلا أن يسلم الأمر لربه. ثم إن العمل بسد الذرائع في الشريعة، إنما يكون فيما ليس في نص ولا إجماع، والنص والإجماع هنا واردان.
فإن قيل: كيف لم يرد حكم هذه المسألة -على أهميتها- في نص صحيح عن النبي-صلى الله عليه وسلم- كما أن الأحاديث الواردة في التنصيف، أحاديث ظنية على فرض صحة الاحتجاج بها، فكيف تكون حجة في هذه المسألة الهامة؟
فالجواب عن ذلك، أن تسمية الحديث بكونه صحيحاً أو ضعيفاً، اصطلاح لم يكن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما ظهر هذا الاصطلاح فيما بعد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يكفيه أن يوضح الحكم بقوله أو فعله أو تقريره، وهذا ما وقع هنا، وليس النبي -صلى الله عليه وسلم- مسئولاً عن تصحيح الحديث أو تضعيفه عند المحدثين؛ لأن التصحيح والتضعيف مسألة أخضعها العلماء لشروط وضوابط بعد عهده- صلى الله عليه وسلم- كما أن ثبوت الحكم الشرعي في أي مسألة ليس محصوراً في ثبوت النصوص الشرعية؛ لأن هنا طرق أخرى يُعرف بها الحكم الشرعي، وهي: الإجماع والقياس، وقول الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب... بشروطها المعروفة في موضعه من كتب العلماء.
وأما أن هذه الأحاديث الدالة على تنصيف دية المرأة أحاديث ظنية، فليس في هذا دليل على المساواة في الدية؛ لأنه لا يشترط لثبوت الحكم الشرعي أن يكون الحديث الثابت به حديثاً قطعياً أو متواتراً، وغالب الأحكام الشرعية ثبتت بأحاديث ظنية، والقول باشتراط التواتر يفضي إلى نسف كثير من الأحكام الشرعية، والله سبحانه قد أقام الحجة على الناس بالأنبياء، وهم أفراد، ولم يكن هذا مبرراً لأقوامهم العصاة في تكذيبهم لهم، بحجة أنهم يريدون رسلاً يبلغون حد التواتر! فإذا كان التواتر ليس شرطاً في الرسالة برمتها، فكيف يكون شرطاً في الأحكام الجزئية أو الفرعية!
فإن قيل: كيف يقال إن قول سعيد بن المسيب: هي السنة، يريد به سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لاسيما وقد أطلق بعض السلف لفظ السنة، وأراد بها سنة أهل المدينة فقط؟
فالجواب عن ذلك، أن إطلاق بعض السلف للفظ السنة، وأراد بها سنة أهل المدينة فقط، هو اصطلاح الإمام مالك وهو اصطلاح خاص به، فلا ينبغي أن يُعمَّم هذا الاصطلاح على غيره، والغالب من حال السلف أنهم عندما يطلقون هذا اللفظ، يريدون به سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإذا أرادوا غير ذلك فإنهم يقيدون ذلك ويبينونه.
فإن قيل: إن من العلماء من خالف في حجية الإجماع، فكيف يحتج به؟
فالجواب عن ذلك، أن من خالف في هذه المسألة خلافه غير معتبر؛ لأنه لم يخالف فيه إلا من شذ من المعتزلة والخوارج والشيعة، والشوكاني وإن كان يميل إلى ذلك إلا أنه في مسألة تنصيف الدية أورد الأحاديث ونقل تضعيفها، وحكى الإجماع على التنصيف، ثم لم يُعقِّب على هذا الإجماع، بل وذهب كغيره من العلماء إلى التنصيف، وذلك إما لأنه يرى أن الإجماع هنا واقع، أو أنه ذهب إلى التنصيف بالأدلة الأخرى.
كما أن الدليل على التنصيف في دية المرأة ليس هو الدليل الوحيد في هذه المسألة، فهناك أدلة أخرى دلت على التنصيف، وهي النصوص الشرعية والقياس، كما تقدم.
فإن قيل: إن المرأة أصبحت تنافس الرجل في شتى مجالات الحياة، كما أن بعضهن ينفقن على أنفسهن، أو على أسرهن، فما دام وقد ساوت الرجل في هذه المسائل، فلماذا لا تساويه في الدية؟
فالجواب عن ذلك، أن هذه الأمور كلها ليست مبرراً للمساواة في الدية؛ لأنها أوصاف غير معتبرة، والوصف المعتبر الذي دلت عليه النصوص في هذه المسألة هو الأنوثة، والمرأة حتى لو زاحمت الرجل في مجالات الحياة، أو أنفقت عل نفسها أو على أسرتها... إلا أن هذه الأعمال لا يغير من أنوثتها شيئاً، فهي أنثى على كل الأحوال، فعلت هذه الأعمال أو لم تفعلها، وليس هذا إنقاصاً للمرأة أو تقليلاً من شأنها، فالحياة بدون وجود الأنثى لا قيمة لها، والحياة بدون وجود الذكر لا معنى لها، وليس إثبات صفة الأنوثة للمرأة تحقيراً لها، كما أن إثبات صفة الذكورة للرجل ليس مفخرة له، وإنما هو نظر إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، حتى يتم التعامل مع هذه الفطرة وفق مراد الشرع، والشرع لله وليس للرجل كما أنه ليس للمرأة أيضاً.
والله تعالى أعلى وأعلم. وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.
الثلاثاء - 17 من شهر الله المحرم رجب 1428هـ، 31/ 7/ 2007م.
راجعه: عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.
______________________
(1) صحيح البخاري 11/ 112، برقم: 3084، صحيح مسلم 7/ 401، برقم: 2671 عن أبي هريرة.
(2) القاموس المحيط 3/ 484.
(3) مختار الصحاح 1/ 338.
(4) الصحاح في اللغة 2/ 273.
(5) لسان العرب 15/ 383.
(6) جمهرة اللغة 1/ 87.
(7) المبسوط 29/ 161.
(8) البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 23/ 229.
(9) المصدر السابق.
(10) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني 7/ 55.
(11) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 15/ 408.
(12) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 16/ 352.
(13) انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 17/ 389، البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 23/ 241.
(14) تحفة الفقهاء 3/ 113.
(15) العناية شرح الهداية 15/ 256.
(16) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 7/ 26.
(17) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني 7/ 65.
(18) بداية المجتهد 2/ 338.
(19) المصدر السابق 2/ 348.
(20) مختصر المزني 1/ 258، وانظر: الحاوي الكبير للماوردي 12/ 650.
(21) المهذب 3/ 210.
(22) انظر: كفاية الأخيار 1/ 602.
(23) الشرح الكبير لابن قدامة 9/ 518.
(24) الإقناع 2/ 163. والحديث سيأتي تخريجه.
(25) شرح منتهى الإرادات 10/ 430.
(26) انظر: مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 17/ 368.
(27) كشاف القناع عن متن الإقناع 20/ 245.
(28) سبل السلام 5/ 432.
(29) انظر: التاج المذهب لأحكام المذهب - زيدية 7/ 70.
(30) ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار 4/ 2402.
(31) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار 15/ 216.
(32) موسوعة الفقه الإسلامي 1/ 36.
(33) الفتاوى الهندية 46/ 416.
(34) السنن الكبرى للبيهقي 8/ 95،96، وقال: "وروي عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسناد لا يثبت مثله". والحديث ضعفه الألباني، انظر: إرواء الغليل 7/ 306، برقم: 2250.
(35) تقريب التهذيب 1/ 135.
(36) انظر: تهذيب التهذيب 1/ 422، برقم: 885.
(37) ميزان الاعتدال 1/ 344، برقم: 1278.
(38) تقريب التهذيب 1/ 471.
(39) تهذيب التهذيب 5/ 99.
(40) تهذيب التهذيب 5/ 99، الجرح والتعديل للرازي 6/ 96.
(41) انظر: ثقات ابن حبان 7/ 162.
(42) السنن الكبرى للبيهقي 8/ 95.
(43) السنن الكبرى للبيهقي 8/ 95. قال الألباني: ورجاله ثقات غير مسلم، وهو ابن خالد الزنجي، وفيه ضعف. انظر: إرواء الغليل 7/ 306، برقم: 2248.
(44) تقريب التهذيب 2/ 178، وانظر: تهذيب التهذيب 10/ 116.
(45) ميزان الاعتدال 4/ 102، برقم: 8485.
(46) سنن النسائي 14/ 456، برقم: 4723. قال البيهقي: "وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسناد ضعيف. انظر: السنن الكبرى للبيهقي 8/ 96. والحديث ضعفه الألباني، وقال: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان: الأولى: عنعنة ابن جريج فإنه مدلس. والأخرى: ضعف إسماعيل بن عياش في روايته عن الحجازيين، وهذه منها". انظر: إرواء الغليل 7/ 308، برقم: 2254.
(47) تقريب التهذيب 1/ 98، برقم: 474.
(48) ميزان الاعتدال 1/ 241.
(49) لسان الميزان 3/ 222.
(50) تقريب التهذيب 1/ 617.
(51) طبقات المدلسين 1/ 41.
(52) معرفة الثقات 2/ 178.
(53) تقريب التهذيب 1/ 737.
(54) المجروحين 2/ 72.
(55) تهذيب التهذيب 8/ 44.
(56) انظر: تهذيب التهذيب 8/ 45 وما بعدها.
(57) انظر: فتح الغفار 1/ 61.
(58) تهذيب التهذيب 8/ 47.
(59) ميزان الاعتدال 3/ 266.
(60) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 441،، برقم: 6.
(61) تهذيب التهذيب 6/ 4.
(62) ميزان الاعتدال 2/ 490، برقم: 4549.
(63) تقريب التهذيب 1/ 468.
(64) تهذيب التهذيب 5/ 87، برقم: 168.
(65) تقريب التهذيب 1/ 370.
(66) تهذيب التهذيب 4/ 96.
(67) ميزان الاعتدال 2/ 165.
(68) ثقات ابن حبان 6/ 369.
(69) تقريب التهذيب 1/ 360.
(70) تهذيب التهذيب 4/ 59، برقم: 113.
(71) تقريب التهذيب 1/ 461.
(72) التاريخ الكبير 6/ 451.
(73) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 368، برقم: 10. قال الألباني: صحيح. انظر: إرواء الغليل 7/ 309، برقم: 2555.
(74) أصول السرخسي 1/ 360. كشف الأسرار 4/ 476.
(75) كشف الأسرار 4/ 476.
(76) المنخول 1/ 364.
(77) البحر المحيط 6/ 3.
(78) انظر: البحر المحيط 6/ 3.
(79) انظر: البحر المحيط 6/ 3 وما بعدها.
(80) انظر: البحر المحيط 6/ 3.
(81) معرفة السنن والآثار للبيهقي 13/ 279، برقم: 5172.
(82) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 366. قال الألباني: وإسناده صحيح. انظر: إرواء الغليل 7/ 307.
(83) معرفة السنن والآثار للبيهقي 13/ 278، برقم: 5171، وصحح الألباني إسناده. انظر: إرواء الغليل 7/ 307.
(84) العناية شرح الهداية 15/ 256.
(85) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 367، برقم: 3 وصحح الألباني إسناده. انظر: إرواء الغليل 7/ 307.
(86) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 367، برقم: 3.
(87) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 367، برقم: 4.
(88) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 367، برقم: 3.
(89) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 368، برقم: 11.
(90) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 367، برقم: 5.
(91) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 367، برقم: 6.
(92) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 368، برقم: 12.
(93) أسنى المطالب 18/ 498.
(94) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 16/ 352.
(95) تحفة الفقهاء 3/ 114.
(96) المجموع 19/ 54. ويقصد النووي بالحديث الذي أورده حديث عمرو بن جزم، وسيأتي الكلام عنه. قال الألباني: "في كتاب عمرو بن حزم: "دية المرأة على النصف من دية الرجل". ضعيف. وعزوه إلى كتاب عمرو بن حزم خطأ، تبع المصنف فيه الإمام الرافعي! فقال الحافظ ابن حجر في تخريجه: "هذه الجملة ليست في حديث عمر بن حزم الطويل، وإنما أخرجها البيهقي من حديث معاذ بن جبل، وقال: إسناده لا يثبت مثله". انظر: إرواء الغليل 7/ 306.
(97) بداية المجتهد 2/ 338.
(98) الشرح الكبير لابن قدامة 9/ 518.
(99) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 16/ 352.
(100) الحاوي الكبير للماوردي 12/ 651.
(101) المجموع 19/ 54.
(102) الشرح الكبير لابن قدامة 9/ 518، المغني 19/ 115.
(103) الشرح الكبير لابن قدامة 9/ 518، المغني 19/ 115.
(104) والحديث هو حديث عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن «وأن في النفس مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار» رواه النسائي في سننه 15/ 13،، برقم: 4770، قال الألباني: ضعيف. انظر: الجامع الصغير وزيادته 1/ 609، برقم: 2333 في ضعيف الجامع؛ والحديث فيه سليمان بن أرقم. قال النسائي: وسليمان بن أرقم متروك؛ لكن قال الشافعي رحمه الله: لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال أحمد رحمه الله: أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحاً، وقال يعقوب بن سفيان الفسوى: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه، كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم. انظر: نصب الراية 2/ 237، 238.
(105) الحاوي الكبير للماوردي 12/ 651.
(106) الشرح الكبير لابن قدامة 9/ 518، المغني 19/ 115.
(107) شرح منتهى الإرادات 10/ 430.
(108) فتح القدير 2/ 18.