مركز البحوث
   
الفقه
   
معاملات
   
أحكام الذبائح واللحوم المستوردة
أحكام الذبائح واللحوم المستوردة
عادل البعداني
الجمعة 11 يناير 2013

أحكام الذبائح واللحوم المستوردة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن الحكم على واقعة ما يتوقف على معرفة جزئياتها ومكوناتها وحيثياتها، وشرح حالاتها، وعرضها على معاني الشريعة وقواعدها، ومبادئها ثمَّ تطبيق القواعد الكلية التي تناسبها، ومن ثمَّ إبداء الحكم عليها؛ لأن للشريعة حكماً في كل واقعة تحدث من هذه الوقائع، فما وافقها ولم يخالفها كان مقبولاً سائغاً، أما إذا خالفها فمردود، ولا يقال إن في هذا حرج وضيق؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11]، ولا بد على العالم أن يبن حكم الشرع في أي مسألة حادثة ويتحرى حكم الشارع فيها ولا يكون همه إيجاد مخارج، إلا أن يصل الأمر إلى حد يعتبره الشرع ضرورة.

ومن القضايا الهامة التي فشت وانتشرت في بلاد المسلمين قضية اللحوم المستوردة من خارج بلاد المسلمين، فقد أصبح المسلمون اليوم، يستوردون من بلاد الكفرة كميات كبيرة من هذه اللحوم -معلبة كانت أو غير معلبة- الذي يتوقف حِلُّها على توفر الصفة المشروعة في ذبحها، كلحوم الأبقار والأغنام والدجاج، وقد وقع المسلمون -لاسيما المحتاطون لدينهم- في تردد وحيرة من أمر هذه اللحوم، هل توفرت فيها شروط وضوابط التذكية الشرعية أم لا؟!

وحُق لهم أن يقعوا في هذه الحيرة وهذا التردد في قضية كهذه لا شك أن لها أهميتها في حياة المسلمين، لكونها تتعلق بالغذاء، لذا فقد كثر انتشارها في المدن والقرى وعمت بها البلوى، فلا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين، ولهذا نجد الإسلام قد أولى هذه القضية اهتماماً كبيراً، فوضع حدوداً وضوابط للأطعمة، فبين ما يحل منها وما ُيحرَم، بل وحذر المسلمين من تناول هذه المحرمات، لما لها من آثار سيئة ومخاطر بالغة على صحة وسلامة الإنسان.

هذه اللحوم الوافدة على بلادنا الإسلامية من هنا وهناك، أهي حلال أم حرام؟

هذا السؤال الذي تردد في أذهان كثير من المسلمين وجرى على ألسنتهم، الأمر الذي جعلهم يستفتون العلماء بكثرة عن هذه القضية، وقد اختلفت وتباينت أقوال المجيبين على هذا السؤال مما زاد في حيرة السائلين، بل لربما زاد القضية غموضاً وتعقيداً وسنتحدث -بعون الله وتوفيقه ومدده- في هذا البحث عن هذه القضية من خلال عدة محاور:

المحور الأول: تعريف الذكاة، وبيان حكمها.

المحور الثاني: ضوابط وشروط الذبح الشرعي.

المحور الثالث: ضوابط من تحل لنا ذبيحته من غير المسلمين.

المحور الرابع: الضوابط الشرعية في حل ذبائح أهل الكتاب.

المحور الخامس: تطبيق ضوابط الذبح الشرعي على واقع اللحوم المستوردة.

المحور السادس: الحكم الشرعي في اللحوم المستوردة.

الخاتمة والتوصيات.

المحور الأول: تعريف الذكاة وحكمها:

لمَّا كان من شرط حِل الحيوان البري أن يكون مذكى ذكاة شرعية- وإن لم تجر عليه تلك الذكاة يكون ميتة محرمة أكلها -كان ما يتعلق بمسألة الذكاة، ومعرفة ما يلزم لها من الأهمية بمكان.

الذكاة في اللغة:

يقول ابن منظور: التذكية الذبح والنحر، يقال ذكية الشاة تذكية، وذكاء الحيوان ذبحه وأصل الذكاة في اللغة: إتمام الشيء(1)، ويقول الدكتور وهبة الزحيلي التذكية لغة: القطع أو الشق وإزهاق الحيوان(2)، إذاً الذكاة في اللغة تمام الشيء لأن ذبح الحيوان معناه إتمام زهوقه.

الذكاة في الاصطلاح:

عرفها الفقهاء بعدة تعاريف اختار منها هذا التعريف: بأنها ذبح الحيوان البري بقطع حلقومه ومريئه أو عقر الممتنع منه.(3)

حكمها:

الذكاة لازمة ولا يحل شيء من الحيوان البري المأكول المقدور عليه بغير ذكاة؛ لأن غير المذكى يكون ميتة، وقد وقع الإجماع على حرمة أكل الميتة إلا للمضطر ويستثنى من الميتة ميتة السمك والجراد لحديث ابن عمر مرفوعاً «أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال»(4).

المحور الثاني: في بيان ضوابط الذبح الشرعي وشروطه والحكمة منه:

عن شداد بن أوس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»(5)، ولما كان لهذا الحديث الشريف من علاقة وطيدة فيما نتحدث عنه في هذا المحور حَسُن بنا أن نتصدر به موضوعنا.

ضوابط وشروط الذبح الشرعي:

اعلم أن الذكاة المشروعة لها شروط يجب تحقيقها عند ذبح الحيوان، وهي:

1- النية، والقصد عند الذبح.

2- أهلية المذكي، بأن يكون مميزاً عاقلاً، مسلماً، أو كتابياً، ذمياً أو حربياًُ، قاصد التذكية ولو كان مكرهاً على الذبح، ذكراً أو أنثى، طاهراً أو حائضاً، أو جنباً، بصيراً أو أعمى، عدلاً أو فاسقاً، لعموم الأدلة وعدم المخصص.(6)

3- آلة الذبح: لابد أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها، سواء كانت حديداً أو حجراً أو خشباً أو زجاجة، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- بكل ما أنهر الدم بحد إلا السن والظفر، لحديث رافع بن خديج أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر»(7).

4- قطع الحلقوم(8) والمريء(9)، والودجين(10)، فقد اتفق العلماء: على أن الذبح الذي يقطع فيه الودجان والمريء والحلقوم مبيح للأكل، ومحل القطع الحلق واللَّبة وهي الوهدة بين أصل العنق والصدر، ولا يجوز في غير ذلك بالإجماع.(11)

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء على جمل أورق يصيح في فجاج مكة: ألا إن الذكاة في الحلق واللُّبة»(12).

5- التسمية عند الذبح:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجب للذكاة الشرعية أن يذكر الذابح اسم الله تعالى عند الذبح، فإن ترك التسمية عمداً فلا تحل ذبيحته عند أبي حنيفة،ومالك، وأحمد،وجمهور الفقهاء، وأما إذا نسيها، فالذكاة معتبرة عند الحنفية، والمالكية، ولا فرق عندهم في هذا بين الذبيحة والصيد، أما عند الحنابلة فالنسيان معفوٌ عنه في الذكاة الاختيارية فقط، أما في الصيد فلا تعتبر الذكاة إذا لم يذكر اسم الله عند إرسال السهم أو الكلب، سواء أتركها عمداً أو نسياناً.

أما الإمام الشافعي -رحمه الله-، فالمشهور عنه أن التسمية ليست واجبة عنده، وإنما هي سنة(13)، فتحل الذبيحة وإن تركها الذابح عمداً، ولكن الذي يظهر من مراجعة كتاب الأم للشافعي أنه لم يصرح بحل متروك التسمية عمداً، إنما صرح بحل ما نسى الذابح ذكر الله عليه، وعبارته ما يلي: (وإذا أرسل الرجل المسلم كلبه أو طائره المعلمين أحببت له أن يسمي، فإن لم يسم ناسياً فقتل أكل، لأنهما إذا كان قتلهما كالذكاة، فهو لو نسي التسمية في الذبيحة أكل، لإن المسلم يذبح على اسم الله وإن نسي)(14).

ثم إن الإمام الشافعي -رحمه الله- صرح فيما بعد بإن من يترك التسمية عند الذبح استخفافاً، لا يحل أكل ذبيحته، فقد ذكر-رحمه الله- في معرض ما هو مُسلًم عنده:(أن المسلم إن نسي اسم الله تعالى أكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافاً لم تؤكل ذبيحته)(15)، وقد صرح بعض العلماء بإن الفقهاء أجمعوا على ذلك، فقد جاء في التفسير المظهري نقلاً عن شرح المقدمة المالكية: (وكل هذا في غير المتهاون، أما المتهاون فلا خلاف أنها لا تؤكل ذبيحته تحريماً، قاله ابن الحارث والبشير، والمتهاون هو الذي يتكرر منه ذلك كثيراً، والله أعلم)(16).

وهذه العبارات تدل على أن مذهب الشافعي -رحمه الله- ليس على إطلاق الحل فيما تعمد ترك التسمية عليه، وإنما تحريم الذبيحة عنده إذا ترك عليها التسمية تهاونا واستخفافا، وجعله الرجل عادة له، ومفاد ذلك: أن حكم الحل مقتصر عنده على من ترك التسمية مرة أو مرتين اتفاقاً، لا تهاوناً واستخفافاً، وفي تلك الصورة أيضا لا يخلو ذلك من كراهة، لأنه قال: (أحببت له أن يسمى) وقد صرح الفقهاء الشافعية بأن ترك التسمية عمداً مكروه، وأنه يأثم به التارك.(17)

وبهذا ظهر أن متروك التسمية عمدا حرام عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وحرام عند الشافعي -رحمه الله- أيضا، إذا كان ذلك استخفافاً وتهاوناً، وصار كالعادة للذابح، وما وقع اتفاقا فإنه لا يحكم بحرمته عنده، ولكنه لا يخلو من كراهة، وهذه الرخصة أيضا لا تساندها نصوص القرآن والسنة، حيث تظافرت الآيات والأحاديث على اعتبار التسمية ركنا من أركان الذكاة الشرعية، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ [الأنعام: 121].

وأية عبارة أصرح على كون متروك التسمية حراما من هذه الآية الكريمة الواضحة التي ليس فيها إجمال ولا خفاء؟ فإن فيه نهيا صريحا، والنهي يقتضي التحريم، ولم يكتف القرآن بصيغة النهي، بل أتبعها بقوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ بما يقطع كل شبهة في هذا الباب)(18).

الحكمة من الذبح واشتراط إنهار الدم:

تظهر الحكمة من الذبح لمراعاة صحة الإنسان ودفع الضرر عنه، بفصل الدم عن اللحم، فالدم المسفوح له ضرره على صحة الإنسان، فهو مرتع خصب للميكروبات والجراثيم، يقول الإمام النووي في الحكمة في اشتراط أنهار الدم: تميز اللحم والشحم من حرامهما وتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها القبيح فيها(19).اهـ.

والحكمة في تخصيص الذكاة في المحل المذكور، وفي قطع هذه الأشياء الحلقوم، والمريء، والودجان خاصة، لأن هذا المحل هو مجمع العروق، فيخرج الدم السيال من جسم المذبوح بغزارة، ومن الحكمة أيضاً أن هذه الكيفية لها أثر في سرعة إزهاق الروح فيكون اللحم طيباً، وهذه الطريقة هي أخف على الحيوان.(20).

المحور الثالث: معرفة من تحل لنا ذبيحته من غير المسلمين:

يقول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾ [المائدة: 5].

وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم: قال ابن عباس: يعني ذبائحهم وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله(21)، ويقول ابن عطية: الطعام في هذه الآية الذبائح كذا قال أهل التفسير.(22)

قال صاحب المنار وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح واللحوم، لأن غيرها حلال بقاعدة "أصل الحل" ولم تُحرم من المشركين.(23)

إذاً فقد أخبرنا الله عز وجل بأن لحوم أهل الكتاب وذبائحهم حِلٌ لنا معشر المسلمين، وتخصيص أهل الكتاب في هذه الآية يدل على أن من سواهم من الكفار لا تحل لنا ذبائحهم، كما أن حصر الحِل في ذبائح أهل الكتاب على غيرهم من الطوائف يدل على أن تحليل ذبائح من سواهم من الكفار يحتاج إلى دليل.

ومن الأدلة أيضاً على أن ذبائح أهل الكتاب حل لنا:

أَكلُ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الشاة التي أهدته إياها يهودية، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أن يهودية أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- بشاة مسمومة، فأكل منها فجئ بها: فقيل ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»(24).

وحديث عبد الله بن مغفل قال: «أصبت جراباً من شحم يوم خيبر قال فالتزمته لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، قال فالتفت فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبتسماً»(25). فهذا يدل على إقرار من النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فخلاصة الأمر:

أن ذبائح أهل الكتاب حلال للمسلمين، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.

يقول ابن عثيمين: وقد حكى إجماع المسلمين على حل ذبائح أهل الكتاب غير واحد من أهل العلم، منهم صاحب المغني وشيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ونسائهم ثابت في الكتاب والسنة والإجماع.(26)

ومادام الأمر كذلك فلا بد لنا من ضبط مدلول أهل الكتاب وتحديدهم، يقول الإمام القرطبي ولفظ الذين أوتوا الكتاب يعمّ اليهود والنصارى.(27)

فعلى هذا نقول أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى الذين لهم كتاب ودين سماوي. وكل ما عداهم من الكفرة لا تحل لنا ذبائحهم، فالمجوس: أمَّة من الناس، ومجوس كلمة فارسية(28) ومجوس كصبور، رجل صغير الأذنين، وضع ديناً ودعا إليه العرب منج كوش(29)، وهم يدعون نبوة زراد شت ونزول الوحي عليه(30)، والمجوس ليسوا أهل كتاب بالإجماع، وشذ من جعلهم كأهل الكتاب، وهو خلاف لا يعتمد ولا يعول ولا يلتفت إليه، ومما يدل على أنهم ليسوا أهل كتاب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»(31) فهذا يدل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب، إنما يفعل بهم في الجزية كما فُعل بأهل الكتاب، أما أن تؤكل ذبائحهم وتُنكح نسائهم فلا، لذلك قال الشافعي، -رضي الله عنه- ولم أعلم مخالفاً في أن لا تُنكح نساء المجوس ولا تؤكل ذبائحهم.(32)

كذلك الوثني: وهو الذي يعبد الوثن الصنم سواء كان هذا الصنم حجراً أو شجراً أو قبراً، أو أشخاصاً، فهذا مشرك بالله شركاً أكبر أياً كان معبوده، فمن كان هذا حاله فذبيحته حرام.

وتحرم ذبيحة الدهري نسبة إلى الدهر ويطلق على من يقول بقدم الدهر ولا يؤمن بالبعث، فيشمل كل من لا يؤمن بوجود الخالق من الماديين كالشيوعيين وأشكالهم من الملاحدة، ومن ارتد عن الإسلام فكفر بعد إسلامه بارتكابه ناقض من نواقض الإسلام فذبيحته حرام مطلقاً عند الجمهور، لأن المرتد كافر لا يُقَّرُ على دينه الذي ارتد إليه، فلم تحل ذبيحته كالوثني، ولا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم، فلا يقر بالجزية ولا يُسترق ولا يحل له نكاح المرتدة.(33)

وخلاصة الأمر:

إن الذابح الذي لا تؤكل ذبيحته وتحرم بالاتفاق، هو الكافر من غير أهل الكتاب كالمشرك والوثني عابد الصنم والملحد الذي لا يدين بدين، والمرتد وإن تدين بدين أهل الكتاب، والزنديق،والمتوجه بالذبح لغير الله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب﴾ [المائدة: 3]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِه﴾ [المائدة: 3] لأنه يحرم الاتجاه بالذبح إلى غير الله تعالى.

والمرتد لا يقر على الدين الذي انتقل إليه، وبناء عليه: تحرم اللحوم المستوردة من البلاد الوثنية كاليابان والشيوعية، كروسيا والصين أو التي لا تدين بدين سماوي كالهند، كما تحرم ذبيحة الباطنية إلا من ثبت إيمانه بالإسلام وترك ملته.(34)

الحكمة من تحريم ذبائح المجوس والوثنيين والمرتدين:

لعل سائل أن يسأل فيقول:

لماذا أحل الله لنا ذبائح أهل الكتاب، وحرم علينا ذبائح من سواهم من الكفار كالوثنيين والمجوس والمرتدين؟!

وأراني هنا أتوقف عن إبداء ما أراه تأدباً مع الإمام ابن القيم رحمه الله، حيث ذكر ما يغني ويفيد، وإذا جاء نهر الله بَطَل نهر مَعْقِل، يقول -رحمه الله- في الحكمة من تحريم ذبائح المجوس والمرتدين:

إن ذبائح هؤلاء يكسب المذبوح خبثاً أوجب تحريمه... لأن ذكر اسم الأوثان والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها خبثاً.. وذكر اسم الله وحده يكسبها طيباً، وقد جعل -الله سبحانه- ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح فسقاً وهو الخبيث ولا ريب أن ذكر اسم الله على الذبيحة يطيبها ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح فإذا أخل بذكر اسمه لابس الشيطان الذابح والمذبوح فأثر ذلك خبثاً في الحيوان، والشيطان يجري في مجاري الدم من الحيوان، والدم مركبه وحامله وهو أخبث الخبائث، فإذا ذكر الذابح اسم الله خرج الشيطان من الدم فطابت الذبيحة وإذا لم يذكر اسم الله لم يخرج الخبث، وإذا ذكر اسم غير الله من الشياطين والأوثان فإن ذلك يكسب الذبيحة خبثاً آخر، والذبح يجري مجرى العبادة، ولهذا يقرن الله بينها كقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2]، وقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحيايَّ ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: 162]، وقاله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: 36].

فأخبر أنه إنما سخرها لمن يذكر اسم الله عليها، وأنه إنما يناله التقوى وهي التقرب إليه بها، وذكر اسمه عليها، فإذا لم يذكر اسم الله عليها كان ممنوعاً أو ذكر عليها اسم غيره-وصف الخبيث- فكانت بمنزلة الميتة، وإذا كان هذا في متروك التسمية وما ذكر عليه اسم غير الله، فما ذبحه عدوه المشرك به الذي هو من أخبث البرية أولى بالتحريم، فإذا فعل الذابح وقصده وخبثه لا ينكر أن يؤثر في المذبوح.(35)

وفي هذا المعنى يقول السعدي رحمه الله:

وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله لأنه شرك، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله فلذلك أبيحت ذبائح الكتابيين دون غيرهم.(36)

ثم إن هناك فرقاً واضحاً بين عُبَّاد الأوثان وبين أهل الكتاب، فكفر الوثنيين أشد وأغلظ من كفر أهل الكتاب، فأهل الكتاب معهم بعض من آثار التوحيد ويؤمنون بالمعاد وبأصل النبوات، وبالجنة والنار بخلاف عباد الأوثان الذين أنكروا المعاد والجزاء، وتاريخهم حافلٌ بالتكذيب ومحاربة الأنبياء.

ولعل من الحكمة في تحريم ذبائح الوثنيين وغيرهم من الكفرة وتحليل ذبائح أهل الكتاب، ما ذكره محمد رشيد رضا في تفسيره حيث قال: كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة منهم أحد إلا ويدخل الإسلام، وخفف في معاملة أهل الكتاب استمالة لهم.(37)

المحور الرابع: الضوابط الشرعية في حل ذبائح أهل الكتاب:

بعد هذه المحاولة للتعريف بأهل الكتاب وتحديدهم، وتظافر النصوص على حل ذبائحهم، فهل يا ترى هذا الحل على عمومه؟ أم أن ثمة قيود وضوابط تخصص هذا العموم أعني عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾.

فأقول إن فقهاء المالكية قالوا: يشترط لحل ذبيحة الكتابي يهودياً كان أو نصرانياً شروط:

أولاً: أن لا يذبح الكتابي ذبيحته لصنم.

ثانيا: ألا يغيب الكتابي حال ذبحها عنا، بل لابد من حضور مسلم عارف بالذكاة الشرعية، خشية أن يكون الكتابي قد قتلها، فإن غاب لم تؤكل، وهذا التفصيل هو المشهور من المذهب، قال ابن راشد:

القياس أنه إذا كان يستحل الميتة لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها لأن الذكاة لابد فيها من النية، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة.

ثالثاً: أن يكون ما ذبحوه مما يحل لهم في شريعة الإسلام وهذا خاص باليهود فإن كان ما ذبحه اليهود مما لا يحل له في شرعنا من ذي الظفر أو المخلب أو الحافر وكل ما ليس مشقوق الظلف ولا منفرج القوائم، فلا يحل لنا أكله إن ذبحه اليهودي.

ودليل حرمة ذي الظفر على اليهودي في شرعنا، قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر...﴾ [الأنعام: 146]، وليس من ذي الظفر الدجاج والحمام إذ هما مشقوقا الأصابع، وليس بينها اتصال.

وأما النصارى فلم يحرم عليهم شيء في شرعنا الإسلامي.

رابعاً: أن يكون ما ذبحه الكتابي ملكاً له، فإن كان ملكاً لمسلم أو مشتركاً بينهما فيكره أكله على أرجح الأقوال.(38)

خامساً: أن لا يكون ما ذبحه الكتابي مما حرمه الله علينا بعينه كالخنزير والدم، أو مما حرمه علينا بوصفه كالميتة، إذا كانوا يستحلون ذلك فلا يباح لنا أكله بذكاتهم.(39)

أقول: وكذلك إذا أزهق الكتابي روح الحيوان بطريقة غير شرعية كالخنق، والضرب، وما في معناه، لا يجوز لنا أكله، لأن الله حرم علينا ذلك، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ..﴾ [المائدة: 3].

أما ما ذبحه الكتابي على اسم غير الله كالمسيح وغيره فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:

أ- التحريم وهو قول الشافعية(40) والحنفية(41)، وأصح الروايتين عن أحمد(42)، لأن القرآن قد صرح بالتحريم بما أهل لغير الله به، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِه...﴾ [النحل: 115].

وهذا عام في ذبيحة الوثني والكتابي إذا هما أهلا لغير الله به.

ب- من العلماء من قال بالإباحة وهم جماعة من السلف ورواية عن أحمد.(43)

قالوا لأن هذا من طعامهم، وقد أباح الله لنا طعامهم من غير تخصيص.

ج- وقال المالكية: إذا ذبح أهل الكتاب وقصدوا به التقرب لآلهتهم وتركوه لا ينتفعون به فلا يحل لنا أكله إذ ليس من طعامهم، وأما ما ذبحوه لأنفسهم بقصد أكلهم ولو في أعيادهم وسموا عليه آلهتهم تبركاً، فهذا يؤكل بكره، لأنه تناول عموم، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾(44).

والذي يرجح من هذه الأقوال: القول الأول وهو التحريم مطلقاً، وذلك لعموم الآية: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِه﴾(45).

والذبح باسم الآلهة أو المسيح مما أهل لغير الله به، وكذلك ما أزهقه أهل الكتاب من روح الحيوان، بالخنق، والضرب، فهو ميتة لا تحل لنا لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَة...﴾ [المائدة: 3].

فالآية وإن كانت مطلقة في حل ذبائح أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾ إلا إن هذا الإطلاق ليس على عمومه، بل هو مقيد بما لم يهلوا به لغير الله، وما لم يكن ميتة أو دم أو لحم خنزير، أو كان مخنوقاً أو مضروباً، فمن قال أن الآية في حل طعام أهل الكتاب على الإطلاق أياً كان فقد حاد عن الصواب، وكذلك إذا لم يذكر الكتابي على ذبيحته اسم الله تعالى -التي هى شرط في التذكية- فلا يجوز الأكل منها،لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ [الأنعام: 121].

يقول الإمام الشافعي: فإن قال قائل: وكيف زعمت أن ذبائحهم صنفان وقد أبيحت مطلقة، قيل قد يباح الشيء مطلقاً، وإنما يراد بعضه دون بعض، فإذا زعم زاعم أن المسلم إذا نسي اسم الله أكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافاً لم تؤكل ذبيحته وهو لا يدعه للشرك، كان من يدعه للشرك أولى أن تترك ذبيحته،وقد أحل الله عز وجل لحوم البدن الإبل مطلقة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ أي سقطت جنوبها فكلوا منها، ووجدنا بعض المسلمين يذهب إلى أنه لا يؤكل من البدنة التي هي نذر، ولا جزاء صيد ولا فدية، فلما احتملت هذه الآية ذهبنا إليه وتركنا الجملة لا لأنها خلاف للقرآن ولكنها محتملة، ومعقول أن من وجب عليه شيء في ماله لم يكن له أن يأخذ منه شيئاً، لأنا إذا جعلنا له أن يأخذ منه شيئاً فلم نجعل عليه الكل إنما جعلنا عليه البعض الذي أعطى، فهكذا ذبائح أهل الكتاب بالدلالة على شبيه ما قلناه(46).أهـ

وهذا ما يرشد إليه العقل السليم، فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾ مطلقة فيما أهل به لله، وما أهل به لغيره، وبما توفرت فيه الصفة المشروعة في الذبح أو لم تتوفر، أما ما أهل به لغير الله، وما لم تتوفر فيه الصفة الشرعية في الذبح، فهما قيد منه، فلا يجوز تعطيل القيد وإلغاؤه، بل يحمل المطلق على المقيد حتى ولو أدعى المخالفون عكس ذلك، فإن الله-تعالى- قد نص على تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية والنطيحة..، حتى ولو كان المزهق لروح الحيوان مسلم فلا يباح أكله، فكيف نستبيحه إن وقع من الكفرة أهل الكتاب، وقد نهى الله عن أكل ما لم يذكرا اسم الله عليه، فقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121].

فبين حرمته، ووصفه بأنه فسق، وفي هذا إشارة على أن ما ذُكر عليه أسم غير أسم الله فهو أشد تحريماً، وأحرىُ بأن يوصف بالفسق، فلا يكون حلالاً.

المحور الخامس: تطبيق ضوابط الذبح الشرعي على واقع اللحوم المستوردة:

ذكرنا فيما مضى أنه لا بد من توفر ضوابط وشروط في التذكية، بحيث يكون ذبحها مستكملاً شروط إباحتها للأكل حسبما ذكره أهل العلم في باب التذكية، فإذا تخلفت شروط التذكية عن ذبح الذبيحة، فذبحت بطريقة غير شرعية، فإن أكلها غير مباح وتكون في حكم الميتة المحرمة، فإذا كان ذلك كذلك فلا بد لنا ديانةً وشرعاً من الاطمئنان على توفر هذه الضوابط والشروط في الذبائح التي تورد إلى بلاد المسلمين من الدول غير الإسلامية معلبة كانت أو غيرها بما تسمى "باللحوم المستوردة"، وهي إما أن تكون:

1. مستوردة من بلاد كافرة أهلها، من غير أهل الكتاب، أو ذبحها كافر غير كتابي في أي بلد، فهذه اللحوم يحرم أكلها.

2. ما كان من هذه اللحوم مستورداً من بلاد كافرة لكن أهلها أهل كتاب أو كان الذابح كتابي في أي بلد وعُلِمَ يقيناً في هذا النوع أنه ذبح على الطريقة المشروعة فهو حلال.

3. ما كان منها مستورداً من بلاد كافرة أهلها أهل الكتاب لكن كثر القول بأنهم يذبحون على غير الطريقة المشروعة فهنا محل الأشكال.

ولا بد لنا حين ذلك من تطبيق ضوابط الذبح الشرعي على هذه الذبائح ولا يكفي أنها من أهل الكتاب فيكون ذلك حجة أو مبرر يمنع من النظر في توفر الصبغة الشرعية في ذبحها، أو عدمها.

فقد أفتى بحل ذلك بعض العلماء -كما ذكر ذلك- الشيخ الفوزان.(47)

واحتج هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾، قال القاضي ابن العربي المالكي في تفسير هذه الآية ما نصه: (هذا دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله وهو الحلال المطلق.. ولقد سئلت عن النصراني يقتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاماً..؟ فقلت تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله أباح لنا طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه. أهـ)(48).وقد استند إلى هذه الفتوى الشيخ/ محمد عبده فأباح هذه النوع من فتواه حيث قال ما نصه: (وأما الذبائح فالذي أراه أن يأخذ المسلمون في تلك الأطراف بنص كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾، وأن يعولوا على ما قال الأمام الجليل أبو بكر بن العربي المالكي: من أن المدار على أن يكون ما يذبح مأكول أهل الكتاب -قسيسهم وعامتهم- ويعد طعاماً لهم كافة)(49).

وقد أحدثت هذه الفتوى ضجة كبرى بين العلماء في ذلك الوقت ما بين مستنكر لها ومؤيد لها، وممن أيدهما وتحمس لها تلميذه محمد رشيد رضا وأطال الكلام في تأييدها والدفاع عنها في مجلة المنار(50)، وتفسير المنار(51).

ويرد على هذه الفتوى من وجوه:

الوجه الأول: أن ابن العربي قد نقض فتواه هذه بما جاء في موضع آخر من تفسيره حيث قال: فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة، كالخنق وحطم الرأس، فالجواب: أن هذه ميتة وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير، فإنه حلال لهم، ومن طعامهم وهو حرام علينا أهـ.(52)

فكلامه هنا واضح في أنه يرى تحريم ما ذكاه أهل الكتاب على غير الصفة المشروعة في الذكاة، كالخنق وحطم الرأس، ولا شك أن فتل العنق خنق، فهو يرى تحريمه علينا، وإن أكلوه هم واعتبروه طعاماً لهم.

الوجه الثاني: أن المراد بطعام أهل الكتاب ما ذكوه من الذبائح على الصفة المشروعة، فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، لأن غاية الكتابي أن تكون ذكاته كذكاة المسلم، والمسلم لو ذكى على غير الصفة المشروعة لم تبح ذبيحته، فالكتابي من باب أولى، وكيف يتشدد في ذبيحته المسلم ويتساهل في ذبيحة الكافر الكتابي والمسلم أعلى من الكافر.

الوجه الثالث: أن طعام أهل الكتاب قد خص منه ما استباحوه كالخنزير، فيخص منه ما ذبحوه على غير الصفة المشروعة في الذكاة.

الوجه الرابع: أن ما ذبح بفتل عنقه يدخل في المنخنقة، وما ذبح بضربة بالبلطة ونحوها موقوذ، وقد حرم الله المنخنقة، والموقوذة بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَة.﴾، فيكون ذلك مخصصاً لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾.

الوجه الخامس: أن ما ذكي على غير الصفة المشروعة يفتقد فوائد الذكاة من استخراج دمه وتطيب لحمه، والذكاة لا ينظر فيها إلى وصف المذكي فقط، بل ينظر فيها إلى وصف المذكى وصفة الذكاة معاً، فلو وجد أمامنا ذبيحتان كل منها ذكي على غير الصفة المشروعة، إحداهما ذكاها مسلم، والأخرى ذكاها كتابي، فكيف تحرم ذبيحة المسلم ونبيح ذبيحة الكافر في هذه الحالة، إن في هذا رفعاً لشأن الكافر على المسلم، ثم إن هذه اللحوم الواردة إلينا لن نبني حكمنا عليها بمجردة الظن والإحتمال والشك، إنما سنذكرهنا شهادات ممن ذهبوا إلى تلك البلاد الكافرة الكتابية، وقاموا بزيارات لتلك المواقع، ورأوا بأعينهم كيف تتم عملية إزهاق روح الحيوان حتى نكون على بينة من الأمر، ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي على بينة.

يقول الأستاذ/ عبد الله على حسين(53) في كتابه "اللحوم -أبحاث مختلفة في الذبح والصيد واللحوم المحفوظة-.

وأما اللحوم المحفوظة في العلب مثل "بولي بيف" ومرقة الثور وهي المسماة (كيف أكسو) وشوربة الفراخ بالشعيرية، وهكذا من اللحوم المحفوظة في علب صفيح وما يشتق منها أياُ كان نوعها الذي يصدر إلى مصر من أوربا واستراليا وأمريكا: أن يحرم استعمالها قطعاً، لأنها لحم حيوان موقوذ مضروب حتى مات، فإن طريقة الذبح في جميع هذه البلاد تكاد تكون واحدة، وهي ضرب الحيوان في مخه فيخر صريعاً بلا حركة، لأنها تصيب المخ ومتى ما وقع حُمل إلى التقطيع بعد السلخ فيعمل من هذا الحيوان كافة أنواع اللحوم المحفوظة وما يخرج عنها..وقد أردت أن أعرف طريقة ذبحهم بطريقة رسمية لا تقبل الجدل أو الشك في تطبيق الأحكام الشرعية، فكتبت كتاباً دورياً أرسلته لقناصل 14 دولة 1- انجلترا 2- فرنسا 3- أسبانيا 4- هولندا 5- إيطاليا 6- روسيا 12- الدانمرك 13- سويسرا 14- رومانيا.

ويتضمن هذا الكتاب ثلاثة أسئلة:

أولاً: ما هي طرق الذبح في بلادكم،أو قتل الحيوان عندكم؟

ثانياً: ما هو المكان الأول الذي يضرب فيه الحيوان من جسمه لقتله في بلادكم؟

ثالثاً: ما هي الصناعات المختلفة من اللحوم المحفوظة التي تصنع وتصدر من بلادكم؟

ثم ذكر أن الذي أجابت من تلك الدول هي تركيا، واليونان، وهولندا، وأسبانيا و الدنمرك والذي يبدوا واضحاً في المخالفة للطريقة الشرعية ما جاء في إجابة هولندا والدنمرك.

1- طريقة هولندا في إجابتها:

قالت تقتل البهائم بعد تدويخها بأسرع ما يمكن بإسالة دمها، وتحصل عملية التدويخ بواسطة آلات تغُيب المخ، فتفقد البهيمة وعيها في الحال وقطع الرأس أو الرقبة ممنوع، وكذلك الذبح بسكين بموجب مرسوم ملكي.

2- وطريقة الدانمارك كما جاء في نص إجابتها:

الخيول والثيران والعجول الكبيرة تذبح بطريقة صعقها بإطلاق الرصاص على رأسها في موضع المخ بالمسدس برصاص خاص لهذه العملية..والعجول الصغيرة والأغنام تذبح بطريقة الصعق، إما بالرصاص، أو بالضرب الشديد على جهتها الأمامية بمطرقة، أما الدواجن، فإنه يشترط في ذبحها أن يكون ذلك بطريقة الصعق السريع بالضرب الشديد بالمطرقة على رأسها، أو بقتلها قتلاً سريعاً بفصل رأسها، وعند ذبح الخيل والثيران والعجول الكبيرة بالطريقة المذكورة تصفى ماؤها بإدخال سكين في أسفل رقبتها في الشريان الكبيرة الوقع في مدخل الصدر من أعلى، وتستعمل لهذا الغرض السكين العادية، أما العجول الصغيرة والأغنام فتصفى دماؤها بتشريطها من الجانب الأسفل من رقبتها في الشريان الكبير الواقع خلف الرأس حول الرقبة فتفصل شرايينها.أهـ.

ثم علق المؤلف بقوله: وكل هذه أدلة رسمية قاطعة في صدق ما ندعيه من أن ذبائحهم موقوذة مقتولة نجسه محرمة لا يصح لمسلم أن يتعاطاها، أو يحملها أو يبيعها، ثم قال: وقد كنت أكتفي بما أعلمه شخصياً وأنا طالب بأوروبا خمس سنوات من أن طريقة ذبح الحيوانات عندهم في المجازر هي القتل بضربها على رأسها على المخ من مقدم الرأس بين القرنين في الجبهة، وهي ضربة واحدة بآلة خصصت لذلك، فيخرالحيوان صريعاً لوقته، ولكن خشية ادعاء مالا أعرف أقمت الدليل الكتابي من حكوماتهم أنفسهم، ثم قال: وقد أرسلت إلى الدكتور العلامة الأستاذ/ عبد الحميد مصطفى فرغلي المتخصص في وظائف أعضاء الحيوان بأمريكا -جامعة جونس هوبكنز بمدينة بلتمور أسأله عن كيفية قتل حيوانات الأكل عندهم في أمريكا، فورد منه جواب في 15- 7 سنة 1947م يقول: سألتَ عن طريقة الذبح، الطريقة: أن يضربوا الحيوان بمطرقة مدببة في مخه فيموت وبعد ذلك يقطعون رقبته...، ثم ختم الأستاذ/ عبد الله حسين كتابه بقوله:

وإني أشهد الله وحده أني لم أدخر وسعاً في البحث والتقصي عن المعلومات المفيدة وأشهد الله أني بلغت والله خير الشاهدين.

ونشرت مجلة الدعوة بالرياض مقالاً للدكتور/ محمود الطباع في عددها 673 بتاريخ 21/ ذي القعدة 1398. تحت عنوان "لئلا نأكل حراماً" جاء فيه ما نصه: أنا الدكتور محمود الطباع طبيب بيطري، درست في ألمانيا الغربية، وفي بدء دارستي تعرضت مع إخوتي المسلمين لمشكلة اللحوم المذبوحة، وهل يجوز الأكل منها، وحتى نتأكد من طريقة الذبح، ذهبت مع عدد من الإخوان لزيارة المسلخ في مدينة هانوفر، فشاهدنا الجزارين يحضرون قطيعاً من الأبقار يطلقون على رأسها من مسدس خاص، وبعد أن وقعت جميعها على الأرض بدون حراك أخذ العمال استراحة يأكلون فيها ما يقارب الثلث ساعة، ثم قاموا وعلقوا الأرجل الخلفية في الرافعات المتحركة، وقطعوا الرأس ثم نزعوا الجلد، وشقوا البقرة إلى نصفين، وغسلوها بالماء بعد إخراج الأعضاء والأمعاء، فكانت مياه الغسيل بلون الدم، وقبل أن ينتهي العمال من فترة الاستراحة ويبدءون بقطع رأس الأبقار، تأكدنا أن جميع الأبقار كانت ميتة، ولا يحل أكلها في ديننا الحنيف.

وهذا تقرير(54) من الداعية الأستاذ/ أحمد بن صالح محايري عن اللحوم المستوردة من البرازيل إلى المملكة العربية السعودية نصه: (الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

معالي الرئيس العلامة الوالد الشيخ/ عبد العزيز بن باز المحترم حفظه الله تعالى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...وبعد:

فتنفيذاً لما جاء في رسالة سماحتكم رقم 3442/ 4 بشأن التحري عن كيفية ذبح الطيور والمواشي الموردة إلى المملكة، فيشرفني أن أرفع لمعاليكم ما يلي: ثم ذكر أنه قام بجولة عن طريق البر إلى سبع مدن برازيلية فيها شركات مصدرة للحوم والدواجن واطلع على كيفية الذبح فيها منها: (شركة بربنسيسا للدجاج والدواجن)، وذكر أن هذه الشركة تذبح من الدواجن ما ينوف عن 150 طن في الشهر، وتقوم بتغليفها وتصديرها إلى عدة بلدان عربية، وذلك ضمن أكياس وكراتين كتب عليها باللغة العربية: (ذبح على الطريقة الإسلامية)، ولما طلبت وزارة الخارجية من بعض الدول الإسلامية من المستوردين أن يكون مع أوراق الاستيراد ما يثبت أن اللحم المورد ذبح على الطريقة الإسلامية، قامت هذه الشركة بالاتصال برئيس الجمعية الإسلامية في مدينة كورتيبا الغربية منها واتفقت معه أن يشهد خطياً عند كل شحنة أن الذبح جرى وتم على الطريقة الإسلامية وذلك لقاء نسبة 1% من قيمة الشحن تدفعها الشركة له مقابل شهادته هذه.

ثم ذكر الأستاذ "محايري" أنه ذهب مع رئيس الجمعية الإسلامية إلى مقر الشركة وطلب من المسئولين عن هذه الشركة مشاهدة عملية الذبح فقال: لقد رأيت بنفسي أن الطيور تعلق من أرجلها حية منكوسة الرأس على آلة متحركة تسوقها إلى مكان فيه رجل قائم بسكينة يقطع بها وريد كل دجاجة، ويبالغ في السرعة ليتمكن من قطع وريد الطير الذي يليه وهكذا.. ونفس الآلة تسوق الطير المعلق بعد عملية الذبح إلى مكان فيه ماء ساخن لتغمسه فيه، كي يتم نتفه وتنظيفه وتعبئته بالأكياس الآنفة الذكر، والمحظور في عملية الذبح المذكورة وأنه لا يتحقق في الغالب قطع الوريدين لعامل السرعة المفروضة على الذابح، كما أن الدجاج المذبوح يغمس في الماء المغلي بعد مدة وجيزة من الذبح قد لا يكون الطير خلالها فارق الحياة، فيحصل أنه يموت خنقاً، كما يجب التأكد من عقيدة الذابح، هل هو كتابي أم وثني؟

أم شركة "أويسته" للبقر والدواجن وهي من أكبر الشركات العالمية للحوم البقر والدواجن، فإن الآلة تغمس الذبيحة في الماء الساخن المغلي في الغالب قبل أن يفارق الحياة، ويُساق الثور إلى مكان ضيق ويغلق عليه، ثم يضرب بمطرقة على رأسه بقصد أن يغيب وعيه فيسقط على الأرض، فيأتي رجل بسكين فيشق حلق الرقبة ليصل إلى الوريد، والمهم في هذه الطريقة مسألة الضرب على الرأس قبل الذبح، وهل يجوز شق جلد الرقبة قبل الذبح -أعني قبل قطع الوريد- ثم إن الذي يباشر الذبح كتابي أم وثني؟!

ولما طلبنا من مدير الشركة أن يطلعنا على كيفية حصولهم على الشهادة الخطية التي تشهد بأن الذبح تم على الطريقة الإسلامية قال: نحصل عليها من بعض الجمعيات الإسلامية في سان باولو فقلت له: وكيف ذلك وبينكم وبين ساند باولو 1800 كيلو متراً؟!!!.

الشركة الدانماركية للحوم:

هذه الشركة الدانماركية بأوروبا وليست في البرازيل، ولكن إتماماً للفائدة أدرج طية قصاصة من مجلة الوطن العربي التي تصدر عن الجالية العربية في فرنسا، وتجدون في القصاصة مقابلة أجرتها الصحيفة مع أحد العمال العرب في الدانمارك المدعو/ "محمد الأبيض المغربي" الذي يعمل في مصنع لتعليب اللحوم فيقول عن اللحوم والدواجن المصدرة إلى البلاد العربية: إنهم يكتبون عليها ذبحت على الطريقة الإسلامية، وهذا غير صحيح،لأن القتل يتم كهربائياً في كل الحالات، ويكتبون على صناديقها مذبوحة على الطريقة الإسلامية.

وأخيراً يقول الأستاذ الداعية/ أحمد صالح محايري: بعد أن عرضت صورة من عملية الذبح في البرازيل، يشرفني أن أرفع أن المركز الإسلامي في البرازيل تم تأسيسه بعضوية السفراء العرب والمسلمين، والذي ليس له حتى الآن منفذ معتمد أو مدير دائم، هذا المركز الإسلامي، بنى مدرسة للمسلمين في برازيليا، سرعان ما أغلقها ثم سلمها دون قيد أو شرط لبعض البرازيليين ليفتحها مدرسة برازيلية -نعم برازيلية المنهج والإدارة- وذلك لفشله في اتخاذ ولو قرار واحد فيما يتعلق بالمسلمين في المنطقة، هذا المركز الإسلامي قد اتخذ قراراً ليشرف بنفسه على عملية الذبح وهذه خطوة جيدة لو تحققت، ولكن كيف يشرف على عملية الذبح وبينه وبين أماكن الذبح مئات الأميال، وليس عنده موظفون ليستخدمهم في هذا؟!!.

وهذا تقرير(55) من الشيخ/ "عبدالله بن علي الغضية" -مرشد الرئاسة بالقصيم عن اللحوم المستوردة من لندن وفرنسا- نصه: (أما عن موضوع الدجاج المستورد وذبحه، فقد حاولت في لندن التعرف على طريقة الذبح، فاتصلت بمدير شركة مكائن الذبح، متظاهراً أني أريد إقامة مصنع ذبح دجاج في المملكة، فأعطاني كتلوجاً مصوراً عن المصنع الذي تنتجه شركته فلما قام يشرح لي كيفية العملية، قلت له إن الدجاج ظهرت لجهاز التغليف دون قطع رأسها، فسألني مستفهماً ولماذا قطع الرأس؟! فقلت إننا في الشرق الأوسط لا نأكل رؤوس الطيور، ثم ذكر الشيخ عبدالله الغضية: وأرفق لسماحتكم صورة فوتوغرافية للمصنع وفيه أولاً تقف السيارة عند باب المصنع كما يتضح لكم في الرسم المترجم، ثم ينزل الدجاج منها فيعلق بأرجله، ثم يمر بآلة مستديرة تنفتح مع النصف، فيدخل به رأس الدجاجة، ومكتوب عليه الذبح بطريقة التدويخ لأنه يضرب رأس الدجاجة هواء شديد الانفجار، فتصبح الدجاجة بعد لا تسمع ولا ترى وتنتظر الموت بعد لحظات، ثم تمر بجهاز آخر يقطر فيه إن ظهر منها سائل دم أو غيره، بعده تمر على جهاز يعمل بالبخار، أو الماء الحار جداً،وفيه تموت إن كان بها حياة، وتخرج منه لأجهزة النتف والتنظيف إلى أن تخرج لأكياس النايلون، ثم للكرتون الذي كتب عليه باللغة العربية "ذبح على الطريقة الإسلامية"، وهذا المصنع صغير، وينتج في الساعة ألفين دجاجة 2000 ويقول من سألت: أن في فرنسا نفس الطريقة، إلا أنهم يزيدون أن الدجاج إذا اكتمل نموه فإنهم يضعونه في مستودعات شديدة البرودة، ويسحب منها حسب طلب الأسواق، وبالطبع تخرج الدجاجة من هذه المستودعات ميتة، ثم توضع في برك حارة استعداداً للنتف والتصدير، وهذا ذكره بعض من سافر لفرنسا وأمريكا اهـ. ويقول وأنا أكتب هذا المقال اطلعت على ما نشر في مجلة المجتمع بعددها "414 صفحة 20" بعنوان حول شرعية ذبح الدجاج في الدانمرك والذي وجهته جمعية الشباب المسلم، وخلاصته: أن الدجاج هناك لا يذبح على الطريقة الإسلامية المشروعة، ولا يحل لمسلم أن يأكله... ولو كتب على الكرتون "ذبح على الطريقة الإسلامية"، ومن المعلوم أن الدجاج يذبح هناك بالآلاف.

ثم ذكر الشيخ صورة عن مصنع لذبح الدجاج من المصانع الأوربية، قام بزيارة إليه، لكنهم خدعوه عن المذبح الأتوماتيكي، وأروه مذبحاً فيه قلة من المسلمين، -يذبحون لمسلمين في الداخل- ولم يمكنوه من الإطلاع على المذبح الأتوماتيكي، كما حدث للشباب المسلمين في الدنمارك، فقد حاولوا عدة مرات الاطلاع على طريقة الذبح، فلم يسمح لهم بذلك، ولو كان موافقاً للطريقة الإسلامية كما يقولون لمكنوهم من مشاهدته.

نبذة عن هذا المصنع:

1- تحضر السيارة الدجاجة من الحظائر التي ربما مات بعضه فيها قبل أن ينزل، أو نتيجة البرد الشديد، أو التحميل أو التنزيل، ومعروف سرعة موت الدجاج.

2- كما يتضح من الصور في كتلوج المصنع تعليق الدجاجة بأرجلها، ثم يحيط بها حزام متحرك فوق الرأس، فتذهب بطريقة آلية حيث تمر بجهاز كتب تحته الذبح بطريقة التدويخ.

3- هناك حوض يستقبل السوائل من الدجاج إن سقط منها شيء.

4- وهو بيت القصيد، مغطس ضخم كتب عليه جهاز محرق جداً، يعمل بالبخار، أو بالماء الحار، فتغطس فيه الدجاجة المسكينة، لتفقد فيه آخر رمق من حياة، ثم بعد ذلك تخرج منه جثة هامدة، بعد أن تعرضت للخنق والوقذ والتردي، ثم بعد نتفه وتنظيفه من الرأس، يغلف بكراتين كتب عليها: ذبح على الطريقة الإسلامية.

وتلاحظ أخي القارئ: أن الدجاجة دخلت المذبح وخرجت منه ميتة، منتوفة الرأس منظفة الأحشاء، ومقطعة الأرجل، إلا أن رأسها قد صحبها منذ أن خلقها الله، ولا يقطع رأسها بعد ذلك إلا إذا كانت سوف تصدر للشرق الأوسط، وقد سألت الإنجليزي لماذا خرجت من المذبح ورأسها موجود فيها؟. فقال لي: أما رأيت أن الطيور عندنا والذبائح رؤوسها موجودة لا تقطع، وفعلاً رأيت الطيور والذبائح بأسواقهم رؤوسها معلقة فيها، وهي معروضة للبيع دون أن ترى في رقابها أثراً للذبح، وهذا يشاهده كل من زار لندن، أو غيرها من البلاد الأوربية.

الآثار المتربة على هذه الطريقة:

أراني قد أطلت في النقل عن هذه المشاهدات والشهادات التي تبين كيفية إزهاق الحيوان في البلاد الغربية التي تورد لنا هذه اللحوم لكني أرى أنها إطالة لابد منها لما اشتملت عليه من حقائق تهمنا في هذا الموضوع.

إن المجازر الغربية اتخذت الطرق المذكورة للذبح رحمة بالحيوان، حسب ادعاء جمعيات الرفق بالحيوان، ولكن من البديهي أن الغربيين اختاروا هذه الطرق للحصول على أكبر كمية من اللحم في مدة قصيرة، أو بعبارة أخرى، لأجل تحقيق مكاسب تجارية، خصوصاً وأن بقاء الدم في لحم الحيوان يزيد من وزنه، فيكون الربح أكبر، وهذا ما نشاهده خاصة في لحوم الدجاج المستوردة على مستوى واسع، وقد قام عدد من الأطباء المسلمين بإجراء تحقيق كامل في مثل هذه اللحوم ووصلوا إلى النتائج التالية:

كما ورد في كتاب الدكتور/ غلام مصطفى خان رئيس جمعية أطباء المسلمين في بريطانيا، وتقرير الدكتور/ محمد نسيم رئيس وقف المسجد الجامع في مدينة برمنجهام:

أولاً: تخدير الحيوان قبل الذبح يسبب فتوراً لدى الحيوان وانكماشاً في قلبه، فلا يخرج منه الدم عند الذبح بالكمية التي تخرج عادة.

ومن المشاهد أن طعم اللحم الذي خرج منه الدم كاملاً، غير طعم الحيوان الذي بقيت فيه كمية من الدم، وأخبرني أحد المستشرقين على مجزرة إسلامية كبرى في برمنجهام،أن من الإنجليز من يفضل أكل الحيوان المذبوح بالطريقة الإسلامية، وذلك لأجل طعمه المتميز عن بقية اللحوم.

ثانياً: أن الصدمة الكهربائية لا تؤدي مقصودها في جميع الأحوال، فإذا كانت الصدمة مثلاً خفيفة بالنسبة لضخامة الحيوان، بقي مفلوجاً بدون أن يفقد الحواس ويشعر بالألم مرتين، الأولى بالصدمة الكهربائية أو بضربة المسدس، والثانية عند الذبح، أما إذا كانت الصدمة الكهربائية شديدة لا يحتملها الحيوان أدت إلى موته بتوقف القلب، فيصير ميتة لا يجوز أكلها بحال من الأحوال.

ثالثاً: أن الطريقة المتبعة لدى المسلمين أرحم بالحيوانات حقيقية، وذلك لأن الذبح بسكين حاد وبسرعة فائقة، ومن الثابت أن الشعور بالألم ناتج عن تأثير الأعصاب الخاصة بالألم تحت الجلد، وكلما كان الذبح بالطريقة المذكورة خف الشعور بالألم أيضاً، ومن المعلوم أن قلب الحيوان الذي لم يفقد حسه أكثر مساعدة على إخراج الدم كما مر آنفاً.

رسالة من جمعية الشباب المسلم بالدانمرك للمسلمين:(56)

نظراً للاستفسارات العديدة التي وردت إلى جمعيتنا من المسلمين المقيمين في الدول العربية للتأكد من كيفية ذبح اللحوم والدجاج المُصدَّر من الدانمرك، فأننا قد انتهينا بعد بحث هذا الأمر والتحقق منه في دائرة الدانمرك، إلى عدة نتائج نوردها فيما يلي:

لقد علمنا من مصادر رسمية أن الفئة القاديانية بالدانمرك قامت منذ تأسيسها عام 1967م، بتمثيل الإسلام والمسلمين في هذه البلاد، فكانت تصادق على شهادات تصدير اللحوم والدجاج إلى الدول الإسلامية، وهي تتقاضى مقابل ذلك من الشركات المصدرة رسوماً مقابل هذا التصديق، وعلمنا كذلك، أن السفارات الإسلامية هناك كغيرها من السفارات في العالم، لا تمثل الإسلام من قريب أو بعيد، بل تمثل الحكام الذين يرفعون ويخفضون، فضلاً عن حرص هذه السفارات البالغ على اتباع السنن الدبلوماسية في حفلاتها وسهراتها، هذا إذا استثنينا -خشية التعميم- بعض الأفراد القلائل العاملين في هذه السفارات، والذين هداهم الله إلى التمسك بالدين بعيداً عن المؤثرات المهنية وهم قلة، وعلمنا كذلك من خلال الأعوام الماضية، أن بعض هذه الشركات يتحايل لكي يبيع الدجاج الدانمركي للدولة الإسلامية، ومن صور هذا التحايل: تشغيل تسجيل عليه أشرطة القرآن الكريم داخل المجازر، ظناً منهم أن مثل هذه الطقوس تحل لنا أكل هذه اللحوم، كما يقوم بعضهم ذرا للرماد في العيون بتعيين عامل مسلم أو أكثر في المصنع يقوم بمهام عادية ليس لها علاقة بالذبح، وحتى لو قام بالذبح فعلاً، فلا يعقل أن يتمكن من ذبح الآلاف من الدجاج المنتج كل يوم، بل قل كل ساعة...، وقد كانت ليبيا من أول الدول التي اكتشفت هذه المهزلة في الدانمرك وخارج الدانمرك فقررت منع استيراد اللحوم والدجاج من أوربا بالمرة..، والله أعلم إن كان هذا المنع ما زال ساري المفعول أم لا..؟.

أما من جانب المستهلك المسلم فخلال الأعوام العشرة الماضية، كانت مشكلة الدجاج المستوردة من أوروبا لا تكاد تشغل بال السواد الأعظم من المسلمين لصغر حجمها بالقياس إلى المصائب والمؤامرات التي كانت وما زالت تحاك ضد المسلمين، ولكن من بينهم من يحاول ترويج هذه الذبائح بحجة أنها من طعام أهل الكتاب، ونحن لا نقر هذا الرأي لأنه يكفي أن ننظر من حولنا لنجد الزنا والخمر والعري والشذوذ الجنسي وقطع الأرحام وعقوق الوالدين والربا وغيرها من الموبقات والكبائر مباحة بنص القانون في التشريعات المحلية الوضعية، فلا مجال هنا لتسميتهم بأهل الكتاب بحال من الأحوال، بل هم أقرب إلى الشيوعيين والوثنيين منهم إلى النصارى، وكنتيجة طبيعية للغموض المكثف لهذا الأمر ولشعورنا بمسئولية التحقق من هذا الأمر، قامت جمعيتنا بتوجيه خطاب إلى جميع المجازر الدانمركية التي تقوم بتصدير الدجاج إلى الخارج، وعددها 35 مجزرة للدجاج والطيور، وفيما يلي ترجمة للخطاب: (وصلتنا في الشهور الماضية، بصفتنا منظمة إسلامية ثقافية بالدانمارك، عدة استفسارات من مسلمين مقيمين داخل الدانمارك وخارجها، عن الطريق المتبعة لذبح الدجاج والطيور، المعدة للتصدير إلى الدول العربية، حيث أن الإجابة على هذه الاستفسارات تعتبر ذات أهمية كبيرة لنا نحن المسلمين، إذ أن طريقة الذبح يجب أن تكون تبعاً لما ورد في القرآن الكريم من أحكام، لهذا نرجوا منكم السماح لمجموعة من جمعيتنا حوالي 3-4 أشخاص، بزيارة مجزرتكم، للاطلاع على طريقة الذبح..، كما نود مستقبلاً نشر هذا التحقيق في مجلتنا الشهرية -الصراط- حتى يطلع المسلمون عليها، مع مراعاة عدم التعرض لاسم شركتكم بسوء، راجين أن يصلنا ردكم في أقرب فرصة.

وعند استلامنا الردود، اتضح لنا أن بعض هذه المجازر لا يصدر إلى الدول العربية بالمرة، وهذا النوع من المجازر لم يمانع من زيارتنا لأماكن الذبح، لكن الشركات التي تصدر إلى الدول الإسلامية لم توافق على الزيارة بالمرة، وبعضها أبدى صراحة عدم ترحيبه بقدومنا، وأحال البعض الآخر نظر القضية إلى لجنة مهنية خاصة بتصدير الدجاج والطيور، بحجة أنها الجهة الممثلة لهم، والمتكلفة ببحث مشكلة الذبح الإسلامي، وباتصالنا بهذه اللجنة -بعد محاولات استمرت فترة طويلة- رفضت السماح بأي نوع من المعاينة، بحجة أنها لا تجد أن منظمتنا تمثل الإسلام والمسلمين في الدانمرك، وأن هذه اللجنة على اتصال مع جهة إسلامية بالدانمرك تمثل الإسلام -في نظرهم- لاتصالها بعدد من السفارات العربية، وأن هذه الجهة الإسلامية توافق على طريقة الذبح، وتصادق على شهادات التصدير، مع علمها التام بأن الدجاج المصدر لا يفترق عن غيره من الدجاج المنتج، باستثناء المغلف المطبوع عليه عبارة ذبح على الطريقة الإسلامية.

وبقيامنا بمزيد من التحريات وجدنا أن الجهة الإسلامية القائمة على التصديق ليست هي الفئة القاديانية كما جرت العادة خلال العشر السنوات الماضية، لكنها جهة إسلامية انتزعت من القاديانية مهمة التصديق على شهادات التصدير، وما يتبعها من مهام أخرى كالدفاع عن مصالح شركات الدجاج، ومصالح المستوردين العرب، ومصالح السفارات العربية الواقفة وراءها، وبحديث هاتفي مع مدير لجنة التصدير الدانمركية المذكورة اتضح لنا الآتي:

أولاً: ليس لدى المذابح الدانمركية أي فكرة عن متطلبات الذبح الإسلامي، والمعلومات التي لديها لا تعد أن تكون شائعات، وردت إليهم بطريق الحديث العفوي مع فئات من المسلمين -بعض هذه المعلومات متضاربة- مما جعل الأمر في النهاية -في نظر المجازر الدانمركية- ليس له ضابط ديني محكم.

ثانياً: أن المستورد العربي هو الذي يطلب وضع عبارة ذبح إسلامي، ويجهزها له، والمصدر الدانمركي يوافق طالما أن البيع في ازدياد، والجهات الرسمية تصادق على شهادات التصدير.

ثالثاً: أن الذي يهم الشركات الدانمركية في الوقت الحاضر هو موقف السفارات التي تتبع الدول المستوردة، لأنها هي التي تصدق على توقيع الجهة الإسلامية التي تعاين الذبح، وطالما أن هذه الجهات متفقة فليس لأحد -في نظرهم- مصلحة في التدخل، وطلبنا من مدير اللجنة الرد كتابة على هذه النقاط، فوعد بذلك ثم تأخر في الرد مدة طويلة، وفي النهاية وصلنا منه رد دبلوماسي بعيد عن النقاط التي تحدثنا عنها هاتفياً.

مما سبق يتبين أن المسؤول الأول عن هذه المهزلة ليس هو المصدر الدانمركي، بل هو بالدرجة الأولى المستورد العربي التاجر، ومن ورائه السفارات التي تصدق على جريمته.

وعليه: فنحن جمعية الشباب المسلم بالدانمرك نعلن من هنا إلى كافة المسلمين أينما وجدوا: (أن الذبائح التي تصدر إليهم من الدانمرك ليست مذبوحة بطريقة خاصة إسلامية، ولا تختلف عن الذبائح التي تصدر إلى الدول الأخرى الكافرة، وأن الذبح يتم بطريقة قص الرأس بعد التحذير، والفارق الوحيد هو في الأغلفة التي تحمل عبارات عربية لخداع المستهلك والمسلم.

وبقية كلمة أخيرة لا تتعلق بالدجاج ذاته ولكن تتعلق بمن يأكله من المسلمين، فالمعروف أن القلة من الناس هي التي تتحرى الحلال.. والأغلبية لا تفكر في ذلك.. بل تظن التحري في بعض الأحيان عسراً ومشقة.. وهي للأسف سمة العصر الذي نعيش فيه..، الاهتمام بإشباع الغرائز، والميول أولاً، ثم بعد ذلك يساء استخدام -إن الله غفور رحيم-.

كما يريد أغلبنا دخول الجنة ولقاء الله تعالى دون علم أو عمل.. أو تضحية ولو بسيطة، فقد يلجأ الكثير من المسلمين إلى قطع مسافات طويلة، قد تصل إلى السفر في سبيل الحصول على سلعة، أو طعام معين بمواصفات معينة، والتكبد في سبيل ذلك المشاق الكثيرة، ليس إرضاءً لله وللرسول.. ولكن إرضاء للهوى...، فإذا تعلق الأمر بحكم شرعي تحايلوا أو تهربوا بحجة أن الدين يسر.

ولنضرب مثلاً يتعلق بفئة النباتيين الذين يمنعون أنفسهم من أكل اللحوم ومشتقاتها، فهؤلاء معروفون في العالم كله... وحرصهم على تحري ما يأكلون، حتى إن منهم من يبلغ به حد الورع مبلغا، فلا يأكل الكعك والمربى المطروحة في الأسواق، خشية أن تكون مصنوعة من دهون الحيوانات، ويسألون قبل الشراء عن مكونات الطعام، ولهم حوانيت خاصة بهم في كل مكان.

فهؤلاء وضعوا قوانينهم بأنفسهم ويحترمونها، ولا يعتبرون الدقة والتحري ضرباً من التعصب، أو تضييع الوقت والجهد، فما بال المسلمين ينزل عليهم كتاب من الله وتصلهم سنة نبيهم فلا يهتمون ولا يتحرون!!، عسى أن ينفعنا الله بما قلنا.. وأن يكون ما بلغنا إبراء لذمتنا يوم القيامة، وأن يتقبل عملنا خالصاً لوجهه تعالى.

"جمعية الشباب المسلم بالدانمرك"

وقد يقول قائل: إن هذه المعلومات عن الذبح في هذه البلدان منذو سنين، ولربما قد تغير الوضع في طريقة الذبح، فنقول: الأصل استصحاب الحال، وبقاء الشيء على ما كان،ومن ادعى تغير الحال،فعليه بالدليل المقابل لمقام المشاهدة والعيان.

وبقي أن أستعرض في نهاية هذا المحور مسألة هي محل نظر واجتهاد وهي: هل يعتبر اليهود والنصارى في عصرنا هذا أهل كتاب أم لا؟

أقول وعلى الله التوفيق: من العلماء من يقول: بأنهم أهل كتاب، وإن حرَّفوا وبدَّلوا وأشركوا، فقد كان هذا حالهم حتى في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك سماهم القرآن ووسمهم بأهل الكتاب.

ومن العلماء من يقول: إنهم ليسوا بأهل كتاب، إذ قد كثرت في العالم الغربي الانحرافات، وانتشرت المذاهب المعارضة لكل الديانات، مثل الشيوعية الخبيثة التي تنكر وجود الله، وجميع الديانات السماوية، فهذه الدول في الوقت الحاضر قد نبذت الأديان، وخرجت عليها، وكون الشخص يهودياً أو نصرانيا، يكون بتمسكه بأحكام ذلك الدين، إما ذا تركة ونبذه وراء ظهره فلا يعد كتابياً، أرأيت المسلم لو ارتكب ناقض من نواقض الإسلام، كان سبباً في ردته لا يكون مسلما، ولا يشفع له كونه في بلاد المسلمين أن يُحكم بإسلامه، والانتساب فقط دون العمل لا ينفع.

وقد روي عن علي-رضي الله عنه- في نصارى بني تغلب:

أنهم لم يأخذوا من دين النصارى إلا شرب الخمر فلم يجز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية.في مجموع الفتاوى: وكون الرجل كتابياً أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه لا بنسبه...(57).

بمعنى أنه إذا لم يلتزم بديانته، ولم يكن محافظاً على معتقده، لا ينفعه ذلك في ادعائه أنه من أهل الكتاب ولو كان من نسلهم.

واليوم لا يوجد في اليهود والنصارى الذين أبيح لنا ذبائحهم من هو محافظ على معتقده، إلا شرذمة قليلة يدعون برجال الدين، وهم بعيدون كل البعد عن الذبح والذبائح، إذ أن لهم مناصب رفيعة ومكانة عالية فلا يتولَ الذبح إلا بعض صغار العمال، من الشباب المنحرف الذين لا يلتزمون بدين ومعظمهم دهري، ووثني وبوذي.

والذي يبدو لي التفصيل في المسألة:

فمن كان من اليهود والنصارى اليوم معترف بالله تعالى، وكذلك بالمسيح -عليه السلام- وكان مؤمن بالجنة والنار والمعاد فهو كتابي، وإن اعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أما من كان منهم كافرٌ بالله وبالنبوات والجنة والنار والمعاد، كالشيوعيين الإلحاديين، والوثنيون، والبوذيون، والدهريون، والعلمانيون، وكل من اعتقد ذلك منهم فليسوا من أهل الكتاب في شيء وإن وُجدوا فيهم، والله أعلم.

المحور السادس: الحكم الشرعي للحوم المستوردة:

مر بنا -آنفاً- في هذا المبحث، تعريف الذكاة وحكمها، وتطرقنا لضوابط وشروط الذبح الشرعي، وكذا ضوابط من تحل لنا ذبيحته من غير أبناء المسلمين، ثم قمنا بشيء من التركيز وتسليط الضوء على واقع اللحوم المستوردة، ثم قمنا باستطراد -بصورة أوسع- في نقل بعض التقارير، والمقالات والمشاهدات الموثقة، لما يحدث في المجازر الغربية، التي تصدر لنا هذه اللحوم -وكان هذا الاستطراد لابد منه في بابه- حتى يتضح الأمر، وتتبين الحقائق، فنقول وبالله التوفيق:

إن هذه اللحوم المستوردة:

1- إما أن تكون من بلاد كافرة -غير كتابية- كالبلاد الوثنية والشيوعية الإلحادية والبوذية كما ذكرنا سابقاً، فهذه اللحوم حرام شرعاً، لأن الأصل في ذبائحهم التحريم، ولم يخصص القرآن من ذبائح غير المسلمين بالحل إلا ذبائح أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾.

فالحكم بإباحة ذبائح من سوى أهل الكتاب -للمسلمين- يحتاج إلى دليل.

2- وإما أن تكون هذه اللحوم من بلاد كافرة أهلها أهل كتاب فهي إما:

أ- أن تستخدم الطريقة الشرعية في الذبح، بالتزامها بشروط وضوابط التذكية فهذه اللحوم عند ذلك حلال، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾.

ب- وإما أن يثبت أن هذه البلاد لا تستخدم الطريقة المشروعة في الذبح، بل انتشر عنها وشاع، أنها تستخدم الصعق بالكهرباء، أو الضرب على رأس الحيوان، أو الخنق، أو عُلم أنهم يذبحون باسم غير اسم الله، كالمسيح وغيره، فهذه اللحوم في حكم الميتة، حرام على المسلم تعاطيها، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ...﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾، ولا يتمسك بعموم: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾ كما وضحنا ذلك وفصلناه سابقاً.

ج- أن تكون هذه اللحوم الواردة من بلاد الكفرة من أهل الكتاب مجهولة الحال، والشك فها قائم، هل ذبحت على الطريقة الإسلامية، أم لا؟

فحكمها أنها محرمة -للاشتباه الحاصل- لا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية، متيقنة، تنقلها من التحريم إلى الإباحة، فحصول الذكاة على الوجه الشرعي في هذه اللحوم مشكوك فيه، فيبقى على أصله وهو التحريم، ومما يستدل به على التحريم في موضع الاشتباه: حديث عدي -رضي الله عنه-: «إذا أرسلت كلبك المعلم فوجدت معه كلباً آخر فلا تأكل فإنك سميت على كلبك ولم تسم على غيره»(58) وفي رواية «فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله»(59)، ثم إن الأصل في الذبائح التحريم إلا ما أباحه الله ورسوله، فلو قدر تعارض دليلي الحظر والإباحة، لكان العمل بدليل الحظر أولى لثلاثة أوجه:

أحدهما: تأييده بالأصل الحاضر.

الثاني: أنه أحوط.

الثالث: أن الدليلين إذا تعارضا تساقطا ورجع إلى أصل التحريم(60)، ومما يدل على أن الأصل في الذبائح التحريم قوله -صلى الله عليه وسلم-: في كلاب الصيد «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره»(61)، فدل على أن الأصل في الذبائح التحريم حتى يثبت الدليل الناقل(62).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: (فلما تعارض العموم الحاظر وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِه﴾، والعموم المبيح وهو قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾، اختلف العلماء في ذلك، والأشبه بالكتاب والسنة ما دل عليه أكثر كلام الإمام أحمد من الحظر، وإن كان من متأخري أصحابنا من لا يذكرهذه الرواية بحال، وذلك لأن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِه﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ..﴾ عموم محفوظ لم تخص منه صورة. بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة، فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، لأن غاية الكتابي أن تكون ذكاته كالمسلم، و المسلم لو ذبح لغير الله أو ذبح باسم غير الله لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمي لأن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ سواء، وهم إن كانوا يستحلون هذا ونحن لا نستحله، فليس كل ما استحلوه يحل لنا، ولأنه قد تعارض حظر ومبيح، فالحظر أولى أن يقدم، ولأن الذبح لغير الله أو باسم غيره قد علمنا يقيناً أنه ليس من دين الأنبياء عليهم السلام، فهو من الشرك الذي أحدثوه، فالمعنى الذي لإجله حلت ذبائحهم منتفٍ في هذا والله اعلم.(63) وهذا ما رجحه شيخ الإسلام في هذا الموضوع وهو ترجيح على ضوء الكتاب والسنة والقواعد الشرعية.

وهذا ما أراه في هذه المسألة وما توصلت إليه في هذا البحث.

وأوافق الأستاذ الأزهري/ عبد الله علي حسين، حينما ذكر في آخر كتابه الموسوم بـاللحوم: أبحاث مختلفة في الذبح والصيد واللحوم المحفوظة، وقال في خاتمة هذا الكتاب: (وإني أشهد الله وحده أني لم أدخر وسعاً في البحث والتقصي عن المعلومات المفيدة، وأشهد الله أني بلغت والله خير الشاهدين.

وإليك أخي الكريم: فتوى مخطوطة في هذا الموضوع لسماحة/ رئيس المجلس الأعلى للقضاء في المملكة العربية السعودية الشيخ/ عبد الله بن محمد بن حميد عن سؤال هذا نصه: (ما حكم اللحوم المستوردة من الخارج -معلبة وغير معلبة- والتي كثر انتشارها في المدن والقرى وعمت البلوى بها، فلا يكاد بيت يسلم منها، هل الأصل فيها الإباحة أم الحظر؟ نرجو بيان ذلك مفصلاً ولكم الأجر).

وهذا نص الفتوى: (الأصل في الأبضاع والحيوانات التحريم، فلا يحل البضع إلا بعقد صحيح مستجمع لأركانه وشروطه، كما لا يباح أكل لحوم الحيوانات إلا بعد تحقق تذكيتها من أهل التذكية، فإن الله -سبحانه وتعالى- حرم الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إلا ما ذكي، فهذا يدل على أن الأصل في الحيوان التحريم إلا ما ذكاه المسلمون أو أهل الكتاب، بقطع الحلقوم وهو مجرى النفس، والمريء وهو مجرى الطعام والماء، مع قطع الودجين في قول طائفة من أهل العلم، فما يرد من اللحوم المعلبة إن كان استيراده من بلاد إسلامية، أو من بلاد أهل الكتاب أو معظمهم وأكثرهم أهل كتاب، وعادتهم يذبحون بالطريقة الشرعية فلا شك في حله.

وإن كانت تلك اللحوم تستورد من بلاد جرت عادتهم أو أكثرهم أنهم يذبحون بالخنق أو بضرب الرأس وبالصاعقة الكهربائية، ونحو ذلك فلا شك في تحريمها وكذلك ما يذبحه غير المسلمين وغير أهل الكتاب، من وثني أو مجوسي أو قادياني أو شيوعي ونحوهم، فلا يباح ما ذكوه، لان التذكية المبيحة لأكل ما ذكي لابد أن تكون من مسلم أو كتابي عاقل له قصد وإرادة، وغير هؤلاء لا يباح تذكيتهم، أما إذا جهل الأمر في تلك اللحوم ولم يعلم عن حالة أهل البلد التي وردت منها تلك اللحوم، هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم بغيرها؟، ولم يعلم حال المذكين وجهل الأمر، فلا شك في تحريم ما يرد من تلك البلاد المجهولة أمر عادتهم في الذبح تغليباً لجانب الحظر، وهو أنه إذا اجتمع مبيح وحاضر، فيغلب جانب الحظر سواء أكان في الذبائح أو الصيد، ومثله النكاح كما قرره أهل العلم،ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، والحافظ ابن رجب وغيرهم من الحنابلة، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي وغيرهم كثير مستدلين بما في الصحيحين وغيرهما من حديث عدي بن حاتم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، فإن وجدت معه كلباً آخر فلا تأكل».

فالحديث يدل على: أنه إذا وجد مع كلبه المعلم كلباً آخر أنه لا يأكله تغليباً لجانب الحظر، فقد اجتمع في هذا الصيد مبيح وهو إرسال الكلب المعلم إليه، وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر، لذا منع الرسول من أكله وقال: -صلى الله عليه وسلم- أيضاً: «إذا أصبته بسهمك فوقع في الماء فلا تأكله»(64) وفي رواية: «إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثرر سبع فكل»(65)، قال ابن حجر في الصيد: إن الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رام آخر، أو غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد،

وقال ذلك أيضاً عند قوله: «وإن وقع في الماء فلا تأكل»، لأنه يقع حينئذ التردد هل قتله السهم، أو الغرق في الماء، فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم فهذا يحل أكله، قال النووي في شرح مسلم: إذا وجد الصيد في الماء غريقاً حرم باتفاق.اهـ.

وقد صرح الرافعي: بأن محله ما لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم مثلاً فقد تمت ذكاته، ويؤيد قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك»(66) فدل على أنه إذا علم أن سهمه هو الذي قتله أنه يحل.(67)

قال الخطابي: إنما نهاه عن أكله إذا وجده في الماء، لا مكان أن يكون الماء قد غرقه، فيكون هلاكه من الماء لا من قبل الكلب الذي هو آلة الذكاة، وكذلك إذا وجد فيه أثر لغير سهمه.

والأصل أن الرخص تراعى شرائطها التي بها وقعت الإباحة فمهما أخل بشيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي.

ومما تقدم يتضح تحريم اللحوم المستوردة من الخارج على الصفة التي سبق بيانها، وأن مقتضى قواعد الشرع يدل على تحريمها، كما في حديث عدي وغيره في اشتراك الكلب المعلم معه غيره، وفيما رماه الصائد بسهمه فوقع في الماء لاحتمال أن الماء قتله، وفيما رواه الترمذي وصححه: «إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل»، فدل الحديث بمفهومه: على أنه لو وجد فيه أثر سبع أنه لا يأكله، فإنك ترى من هذا أنه إذا تردد الأمر بين شيئين مبيح وحظر فيغلب جانب الحظر، وليس ذلك في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما: «أن قوماً حديثي عهد بإسلام يأتوننا باللحوم فلا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- سموا الله أنتم وكلوا»(68) لأن الحديث في قوم مسلمين إلا أنهم حديثوا عهد بكفر، بخلاف تلك اللحوم المستوردة من الخارج فإن الذابح لها ليس بمسلم ولا كتابي، بل مجهول الحال كما بينا فيما تقدم من أن أهل البلد إذا كانت حالتهم أو معظمهم يذبحون بالطريقة الشرعية وهم مسلمون أو أهل كتاب فيباح لنا ما ذبحوه، وإن كانوا يذبحون بغير الطريقة الشرعية بل بخنق أو بضرب رأس أو بصاعقة كهربائية فهو محرم، وإن جهل أمرهم ولم تعلم حالتهم بما يذبحونه فلا يحل ما ذبحوه تغليباً لجانب الحظر، ولا عبرة بما عليه أكثر الناس اليوم من أكلهم لتلك اللحوم من غير مبالاة بتذكيتها من عدمها -والله المستعان-(69).

ومن هنا يتضح رجحان القول بالتحريم لقوة مبناه ووضح أدلته وذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن الله حرم لحوم الحيوانات التي تموت بغير ذكاة شرعية في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فما لم تتحقق في هذه اللحوم الذكاة الشرعية فهي محرمة بناء على الأصل.

الوجه الثاني: أن النصوص الشرعية التي ساقها فضيلة الشيخ في فتواه تبين بوضوح أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر، وهذه اللحوم كذلك ترددت بين كونها مذكاة الذكاة المبيحة فتحل، وكونها غير مذكاة فلا تحل فيغلب جانب التحريم، وكما قرر ذلك كبار الأئمة الذين ساق الشيخ أقوالهم في الفتوى.

الوجه الثالث: أن هذه الكميات الهائلة التي تمتلئ بها الأسواق العالمية من الدجاج وغيره يستبعد أن تأتي الذكاة الشرعية بشروطها على أفرادها كلها لأنها تذبح وتعلب آلياً.

الوجه الرابع: أن الإلحاد والتحلل من العهد الدينية والأحكام الشرعية، قد غلب على الناس في هذا الزمان وقلت الأمانة والصدق، فلا يعتمد على أقوال هؤلاء المصدرين لهذه اللحوم ولا على كتابتهم على ظهر أغلفتها بأنها ذكيت على الطريقة الإسلامية، لاسيما وقد وجد بعض الدجاج برأسه لم يقطع شيء من رقبته كما وجدت هذه العبارة "ذبح على الطريقة الإسلامية" مكتوبة على أغلفة ما لا يحتاج إلى ذكاة كالسمك!!،‍‍‍‍‍‍‍‍ مما يدل على أن هذه الكتابة إنما هي عبارة عن دعاية مكذوبة يقصد بها مجرد ترويج هذه اللحوم وابتزاز الأموال بالباطل.

الوجه الخامس: أن الثابت يقينا أن النصارى لا يذكرون اسم الله عند الذبح، والـقول الراجح المنصور عند أهل العلم: أن التسمية شرط لحل ذبائح أهل الكتاب أيضا.

الوجه السادس: أنه لم يكن لقول من أباح هذا النوع من اللحوم من مستند سوى التمسك بعموم الآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾ وهذا العموم مخصوص بالنصوص الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ..﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ [الأنعام: 121]، وبالنصوص التي تدل على أنه إذا اجتمع حظر وإباحة غلب جانب الحظر.

فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بشأن اللحوم المستوردة(70):

إن مجرد البيان لطريقة الذبح الشرعي، دون الحكم بها على واقع اللحوم المستوردة من دول أوروبا وأمريكا وغيرها، لا تفيد من يتحرى الحلال فيما يأكل ويجتهد في اجتناب ما حرم الله عليه من ذلك، إلا إذا عرف أحوال التذكية وأحوال المذكين في تلك الشركات الغربية وغيرها التي تستورد منها اللحوم إلى المملكة العربية السعودية وغيرها وأنى له ذلك، فإن السفر إلى تلك البلاد فيه كلفة لبعد الشقة، فلا يتيسر إلا للنزر اليسير، وأكثر من يسافر إليها، يكون سفره لضرورة من علاج ونحوه، أو لإشباع رغبة حب استطلاع، ولا يعني هذا الأمر، ولا يكلف نفسه البحث عنه والوقف على حقيقته، ولذا كتبت الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء إلى المسئولين عن استيراد اللحوم وغيرها من المأكولات تستفسر منها عن الواقع، وتوصيها بالعناية بما تستورده من ذلك، من الجهة الشرعية محافظة على الدين، وعلى سلامة الرعية من تناول ما حرم الله عليهم من الأطعمة، وتوفير ما تحتاج إليه الأمة مما أحل الله.

وجاء منهم إجابة مجملة لا تكفي لإزالة الشك وطمأنينة النفس، فكتبت إلى دعاتها في أوروبا وأمريكا ليطلعوا على كيفية الذبح وديانة الذابحين هناك، فأجاب منهم جماعة، إجابة في بعضها إجمال، وكتب جماعة من أهل الغيرة في المجلات عن صفة الذبح والذابحين جزى الله الجميع خيراً، واللجنة تعرض خلاصة ما جاءها من التقارير، وما اطلعت عليه في المجلات على ما تقدم من طريقة الذبح الشرعية وما صدر في الموضوع من فتاوى كلية ليتبين الحكم على اللحوم المستوردة من تلك البلاد.

وعلى هذا يمكن أن يقال:

أولاً: بناء على ما جاء في كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، من أنه قد وردت إلى معاليه تقارير تفيد أن بعض الشركات الأسترالية التي تصدر اللحوم للأقطار الإسلامية وخاصة شركة الحلال الصادق والتي يمتلكها القادياني حلال صادق لا تتبع الطريقة الإسلامية في ذبح الأبقار والأغنام والطيور يحرم الأكل من ذبائح هذه الشركات، وتجب مراعاة ما قررته الرابطة وأوصت به في كتابها.(71)

ثانياً: بناء على ما جاء في تقرير الأستاذ أحمد بن صالح: مما يرى في طريقة الذبح في شركة برنسيسا من أن الذابح لا يدري عنه هل هو مسلم أو كتابي أو وثني أو ملحد، ومن الشك في قطع الوريدين أو أحدهما، ومن أن شهادة المصدق على الشحنة لم تبن على معاينة بنفسه أو بنائبه للذبح، ولا على معرفته بالذابح لا يجوز الأكل من هذه الذبائح، ويؤكد كون التذكية غير شرعية موافقة مدير الشركة على تعديل طريقة الذبح لتكون شرعية، بشرط بيان الكمية اللازمة للجهة المستوردة أولاً.(72)

ثالثاً: وبناء على ما جاء عنه أيضاً في طريقة ذبح الدجاج والبقر في شركة ساديا أو يسته من أن الذابح مشكوك في ديانته هل هو كتابي أو وثني، ومن أن الأبقار تصعق بكهرباء، فإذا سقطعت رفعت من أرجلها بآلة ثم شق جلد رقبتها بسكين، ثم قطع الوريد بسكين آخر، فينزل الدم بغزارة لا يجوز الأكل من هذه الذبائح.(73)

رابعاً: بناء على ما جاء في تقرير الشيخ/ عبد الله الغضية عن الذبح في لندن، من أن الذابحين من الشباب المنحرف الوثني أو الدهري، ومن أن الدجاجة تخرج من الجهاز ميتة منتوفة ورأسها لم يقطع بل لم يظهر في رقبتها أثر للذبح، وإقرار إنجليزي من أهل المذبح بذلك، ومن خداع -القائمين على المذبح- من أراد الاطلاع على طريقة الذبح عن المذبح الأتوماتيكي الذي يذبح فيه للتصدير واطلاعهم على مذبح يذبح فيه قلة من المسلمين بالداخل، وذلك مما يبعث في النفس ريبة في كيفية الذبح وديانة الذابح، لذلك لا يجوز الأكل من هذه الذبائح.(74)

خامساً: بناء على ما جاء في تقرير الأستاذ حافظ: عن طريقة الذبح في بعض الأمكنة المشهورة في اليونان، من أن ذبح الحيوان الكبير يكون بعد سقوطه من ضرب رأسه بمسدس، ومن الشك في كون الذبح حصل بعد موته من المسدس أو قبل موته، لا يجوز الأكل منه، وهناك طريقة أخرى قال فيها صاحب التقرير: إن الذبح فيها على الطريق الإسلامية ولم يبين كيفية الذبح ولا ديانة الذابح، كما أنه لم يبين أماكن الذبح ولا شركاته في اليونان.(75)

سادساً: بناء على ما جاء في تقرير الشيخ عبدالقادر الأرناؤط: عن طريقة الذبح في يوغسلافيا، من أن الذبح في القرى وفي سيراجيفوا على الطريقة الشرعية والذابح مسلم، يجوز الأكل مما ذبح فيها وبناء على ما جاء فيه عن الذبح في غيرها من مدن يوغسلافيا من أن الذابح قد يكون غير مسلم كتابياً أو شيوعياً ظاهراً لا في حقيقة الأمر، لا يجوز الأكل من ذبائح هذه المدن للشك في أهلية الذابح.

سابعاً: بناء على ما جاء في تقرير الدكتور الطباع عن طريقة الذبح في ألمانيا الغربية: من أن الأبقار تضرب بمسدس في رؤوسها أولاً ثم لا تذبح إلا بعد أن تصير ميتة، لا تؤكل هذه الذبائح.(76)

ثامناً: بناء على ما جاء في المقال الذي نشرته مجلة المجتمع -عدد 314- عن طريقة الذبح بالدانمرك، من أن الذابح إلى الشيوعيين والوثنيين أقرب منه إلى النصارى، ومن أن الشركة هناك ليست عندها معلومات عن طريقة الذبح الإسلامي إلا من جهة الإشاعات، حتى يتأتى لها أن تراعي في ذبحها الطريقة الإسلامية، وأن تكتب على الطرود ذبح على الطريقة الإسلامية، وإنما تكتب هذه الصيغة الجهة المستوردة، ليصدق عليها هناك من لا يُؤمَن، مع امتناعهم من تمكين من يريد معرفة كيفية الذبح من الشركة المصدرة من الاطلاع على ذلك.(77)

وبناء على ما جاء أيضاً عن الأستاذ/ أحمد صالح محايري عن محمد الأبيض المغربي، الذي يعمل في تعليب اللحوم بالدنمرك، من أنهم يكتبون عليها ذبحت على الطريقة الإسلامية وهذا غير صحيح، لأن قتل الحيوان يتم كهربائياً على كل حال، بناء على هذا وذاك لا يجوز الأكل من تلك الذبائح.

تاسعاً: ما ذكر عن ابن العربي من إباحة الأكل مما ذكاه أهل الكتاب من الأنعام والطيور ونحوها مطلقاً، وإن لم توافق تذكيتهم التذكية عندنا وأن كل ما يرونه حلالاً في دينهم فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه مردود بما تقدم في بيان طريقة الذبح وفي الفتاوى وقد تراجع ابن العربي عن قوله.

عاشراً: مما تقدم في بيان كيفية الذبح وديانة الذابحين، يتبين لنا أن ما ذكر في كتب وزارة التجارة والصناعة إلى الرئاسة لا يقوى على بعث الاطمئنان في النفس إلى أن الذبائح المستوردة يحل الأكل منها، بل يبقى الشك على الأقل يساور النفوس في موافقة ذبحها للطريقة الإسلامية، والأصل المنع وعلى هذا لابد من البحث عن طريق لحل المشكلة: مشكلة اللحوم المستوردة.

الخاتمة والتوصيات:

يمكن تخليص ذلك فيما يأتي:

1- الإكثار من تربية الحيوانات والدواجن، والتشجيع من قبل حكومات الدول الإسلامية، والدعم لمن يقوم على تربية هذه الحيوانات، سواء كانت شركات أو أفراد، والعمل على تسهيل، وتوفير العلف الجيد لهذه الحيوانات.

2- الاعتناء بالجانب الصحي في هذه الحظائر والمزارع وتوجيه الإرشادات للعاملين فيها لتمام جانب العناية بها.

3- استيراد ما كان من هذه الحيوانات والدواجن حياً عند الضرورة والاحتياج.

4- نشر التوعية في وسائل الإعلام بأضرار هذه اللحوم الواردة، التي لم تتوفر فيها شروط الذكاة الشرعية.

5- أن يعمل المسلمون على إقامة مجازر في البلاد الغربية التي تستورد منها هذه اللحوم، ويكون العمال فيها مسلمون، وعلى قدر من الأمانة والعلم بطريقة الذبح الشرعي، ويتم اختيار المشرفين الأمناء الخبراء بأحكام التذكية الشرعية، للإشراف على تذكية الحيوانات، وعلى مصانع تعليب اللحوم والأجبان.

والأمر هنا يتطلب إخلاصاً وتفانياً من بعض المسلمين لإنجاز هذا المشروع على الوجه المطلوب، كما يتطلب تخصيص ميزانية مناسبة لإنشاء مجزرة إسلامية للتصدير إلى الدول الإسلامية تتوفر فيها الشروط الشرعية والعصرية في آن واحد، ويمكن الاستعانة بالجمعيات الإسلامية في تلك البلاد للمساعدة في الاتصالات التمهيدية مع الشركات التي تصنع آلات الذبح، والاتفاق مع إحدى شركات الاستشارة والتخطيط لعمل دراسة مستوفية لتكاليف المشروع واحتياجاته.

ولقد ذكر الشيخ/ محمد تقي العثماني في قضايا فقهية معاصرة بعض التوصيات في هذا الشأن ولأهميتها أسوقها على النحو التالي:

1- أن تعنى البلاد الإسلامية بالإكثار من إنتاج الثروة الحيوانية بحيث لا تحتاج إلى استيراد اللحوم من البلاد المسلمة.

2- ولئن احتاجت دولة إلى استيراد اللحوم، فلتحاول أن يقتصر الاستيراد من البلاد المسلمة.

3- وإلى أن تصل البلاد الإسلامية في إنتاجها إلى هذا المستوى، فلتفرض الحكومة على شركات الاستيراد أن تبعث وفوداً من علماء الشريعة والخبراء إلى الشركات المصدرة، لتطلب منها التعديل في طريق الذبح بما يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، وتعين في بلدها رجالاً من ذوي الغيرة من المسلمين، يراقبون طريقة ذبحهم بصفة دائمة بطريق يوثق به، ولا يصدرون شهادتهم على التذكية الشرعية، إلا بعد الطمأنينة الكاملة على حصولها، ولا يصدرون شهادتهم بصفة إجمالية من أن هذا اللحم حلال، وأنه مذبوح بالطريقة الإسلامية، بل تكون شهادتهم على التصريح بجميع العناصر اللازمة للتذكية الشرعية، من أن الحيوان ذبح بيد مسلم أو كتابي سمى عند الذبح وقطع العروق اللازمة لحلة الحيوان.

4- أن تمنع الحكومات الإسلامية الشركات المستوردة من استيراد اللحوم من بلاد غير إسلامية، ومن استخدام العبارات المجملة من كون اللحم حلالاً، إلا بعد إنجاز ما سبق في الفقرة السابقة من الشروط.

5- أن يعقد مجمع الفقه الإسلامي ندوة يُدعى إليها المسؤولون من الشركات المستوردة للحوم وممثليهم من شتى مناطق الوطن الإسلامي بقدر الإمكان لتشرح لهم أهمية القضية، وطريق التعامل المشروع، والتقيد بتوصيات المجمع في هذا الصَّدد.(78)

تأليف: عادل البعداني.

مراجعة عبد الوهاب الشرعبي.

_______________________

(1) لسان العرب لابن منظور 14/ 288.

(2) الفقه الإسلامي وأدلته 3/ 648- 649، د/ وهبة الزحيلي.

(3) الملخص الفقهي للفوزان 2/ 467.

(4) رواه أحمد 2/ 97،برقم 5723، وابن ماجه ج2/ 232، برقم 2679، وصححه الألباني في الإرواء المختصر 1/ 503، برقم 2526.

(5) رواه مسلم 3/ 1548، برقم 1955.

(6) الفقه الإسلامي وأدلته د/ وهبة الزحيلي 3/ 649.

(7) صحيح البخاري 5/ 2098، برقم 5190.

(8) وهو الحلق.

(9) مجرى الطعام والشراب.

(10) عرقان عظيمان في جانبي العنق.

(11) فتاوى اللجنة الدائمة: مجلة البحوث الإسلامية العدد السادس، المغني مع الشرح الكبير11/ 44.

(12) سنن الدارقطني بإسناد جيد 4/ 283، برقم 45، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة 1/ 254.

(13) قيلوبي وعميرة ص 245.

(14) ألأم للشافعي: 2/ 227 كتاب التسمية والذبائح، باب تسمية الله عز وجل عند إرسال ما يصطاد.

(15) كتاب الأم للشافعي 2/ 131 باب ذبائح أهل الكتاب.

(16) التفسير المظهري 3/ 318.

(17) انظر روضة الطالبين 3/ 205، ورحمة الأمة ص118.

(18) بحوث في قضايا فقهية معاصرة،للعثماني ص393-395.

(19) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم3/ 123 باختصار.

(20) الملخص الفقهي بتصرف، للفوزان 2/ 469.

(21) تفسير ابن كثير ج1/ 486.

(22) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 2/ 158.

(23) تفسير المنار 6/ 146.

(24) أخرجه البخاري 2/ 923/ 2474.

(25) صحيح مسلم3/ 1393، برقم 1772.

(26) موقع أهل الحديث: www.ahlalhdeeth.com.

(27) الجامع لأحكام القرآن34/ 44.

(28) المصباح المنير/ 229.

(29) القاموس المحيط2/ 250.

(30) تفسير المنار 6/ 186.

(31) من حديث عبدالرحمن بن عوف موطأ مالك 1/ 278، برقم 616، ومسند البزار 3/ 264، برقم 1056. وضعفه الألباني في إرواء الغليل ج5/ 88.

(32) الأم4/ 258.

(33) الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح للفوزان/ 148 - 149.

(34) الفقه الإسلامي وأدلته ص650.

(35) إعلام الموقعين 2/ 154- 155.

(36) تفسير السعدي 2/ 117.

(37) تفسير المنار 6/ 147.

(38) انظر: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 2/ 130.

(39) المختصر ص 33.

(40) المجموع 9/ 78.

(41) بدائع الصنائع 1/ 46.

(42) أحكام أهل الذمة 1/ 249، وانظر حاشية المقنع 3/ 541.

(43) أحكام أهل الذمة 1/ 249250.

(44) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 110.

(45) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 110.

(46) الأم 2/ 196.

(47) الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح.

(48) أحكام القرآن 2/ 554.

(49) تاريخ الأستاذ الأمام 1/ 682.

(50) مجلة المنار 6/ 771، 812، 927.

(51) تفسير المنار 2/ 200ـ 217.

(52) أحكام القرآن 5/ 532.

(53) من علماء الأزهر، ليسانس في الحقوق.

(54) مجلة البحوث الإسلامية العدد 6.

(55) مجلة البحوث الإسلامية، العدد السادس.

(56) مقالاً نشرته مجلة المجتمع الكويتية يوم الثلاثاء الموافق 1/ ذي القعدة سنة 1398م ـ العدد 414.

(57) مجموع الفتاوى 35/ 223-224.

(58) ا لبخا ري 1/ 76، برقم 137.

(59) مسلم 3/ 1529، برقم 1929.

(60) أحكام أهل الذمة 1/ 253.

(61) رواه البخاري 1/ 76، برقم 173، انظر المجموع شرح المهذب 9/ 99.

(62) الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح للفوزان 110 -111.

(63) اقتضاء الصراط المستقيم ص256.

(64) البخاري 5/ 2089، برقم 5167.

(65) سنن الترمذي 4/ 67/ 1468، وصححه ألألباني في المشكاة 2/ 429، برقم 4084.

(66) مسلم 3/ 1529، برقم 1929.

(67) فتح الباري 9/ 611.

(68) البخاري 2/ 726، برقم 1952.

(69) الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح للفوزان ص 162.

(70) مجلة البحوث الإسلامية، العدد السادس ص 183.

(71) مجلة البحوث الإسلامية ص 44 من الأعداد.

(72) مجلة البحوث الإسلامية ص 4550 من الأعداد.

(73) مجلة البحوث الإسلامية ص 4550 من الأعداد.

(74) مجلة البحوث الإسلامية ص 156 من الأعداد.

(75) مجلة البحوث الإسلامية ص 54 من الأعداد.

(76) مجلة البحوث الإسلامية ص 6367 من الأعداد.

(77) مجلة البحوث الإسلامية ص 50 من الأعداد.

(78) محمد تقي العثماني قضايا فقهية معاصرة ص: 444445.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: