مركز البحوث
   
الفقه
   
عبادات
   
الفور والتراخي في الحج
الفور والتراخي في الحج
يونس عبد الرب فاضل الطلول
الجمعة 11 يناير 2013

الفور والتراخي في الحج

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الله تعالى فرض الحج على المستطيع بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97].

وجعله النبي-عليه الصلاة والسلام- ركناً من أركان الإسلام، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»(1).

وركن الحج مفروض في العمرة مرة واحدة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت. حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتم»(2).

ولما كان الحج مفروضاً في العمر مرة واحدة، فهل يجب أداؤه على الفور ويكون في أول سنة للمكلف إن وجدت الاستطاعة، بمعنى: إن أخره عن أول وقت بعد الإمكان يأثم؟

أو أنَّ وجوبه على التراخي فله تأخيره عن أول أوقات الإمكان فيؤديه إن كان مستطيعاً في أول العمر أو في وسطه أو في آخره، بمعنى: أن يؤديه في العمر متى أراد ذلك؟

وهذا ما سأذكره في هذا البحث في هذه المسألة وهي: (الفور والتراخي في الحج).

سائلاً المولى عز وجل التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

أولاً: تعريف معنى الفور والتراخي:

الفور: (هو استعمال الشيء بلا مهلة، ولكن على أثر ورود الأمر به، والتراخي: تأخير إنفاذ الواجب)(3).

وقيل: (الفور: الشروع في الامتثال عقب الأمر من غير فصل، والتراخي: تأخير الامتثال عن الأمر زمناً يمكن إيقاع الفعل فيه صاعداً)(4).

فالفور إذن: هو التعجل في إيقاع الفعل، والتراخي التأخير في إيقاعه، وعدم تحديد وقت بعينه.

ثانياً: أقوال الفقهاء في هذه المسألة:

اختلف الفقهاء على قولين:

القول الأول: إنه يجب أداء الحج على الفور، وإلى هذا القول ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة(5)، ومالك(6)، وأحمد(7)، وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية(8)، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم(9).

القول الثاني: إنه يجب على التراخي، وإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي(10)، والأوزاعي(11) ومحمد بن الحنفية(12) وغيرهم(13).

ثالثاً: أدلة أقوال الفقهاء:

1- أدلة القول الأول: استدل القائلون بالفور بأدلة من الكتاب ومن السنة ومن أقوال الصحابة، وهذه الأدلة هي:

- من الكتاب، قول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97], وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].

- من السنة، حديث علي-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً»(14).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعارض له»(15), «من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً»(16).

وإنما شبهه باليهودي والنصراني، وشبّه تارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون(17).

- من أقوال الصحابة قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كل له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين"(18)، وقوله: "من مات وهو موسر لم يحج فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً"(19).

- وأجابوا عن فعله عليه الصلاة والسلام وهو التراخي في الحج بأنه كان لعذر.

وجه الدلالة من أدلة أصحاب القول الأول:

في الآية الأولى: ورد الأمر من الشارع بالحج، والأمر بالحج في وقت مطلق يحتمل الفور ويحتمل التراخي والحمل على الفور أولى خوفاً من الإثم بسبب التأخير.

وفي الآية الثانية: بيان أن للحج وقت معين، ووقته أشهر الحجر من السنة، ويفوت وقته بفوات السنة، فالأمر بأدائه ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج.

وأما وجه الدلالة من الأحاديث:

في الحديث الأول: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ألحق الوعيد لمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان لأن الشرط ملك الزاد والراحلة، وذلك في قوله: «من ملك زاداً وراحلة» فمن توفر فيه الشرط فلم يحج لحقه الوعيد، والفاء في قوله: «فلم يحج» للتعقيب بلا فصل أي: لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة.

وفي الحديث الثاني: لفظ: «تعجلوا»، والتعجيل يقتضي المبادرة وعدم التأخير، والسبب في التعجيل: احتمال الفوات، وعدم معرفة ما يعارض له.

وفي الحديث الثالث: الموانع والعوائق التي ورد الترخيص بها عن أداء الحج على الفور، فإن انعدمت هذه الأمور الأربعة، وهي: (المرض، والحاجة الظاهرة، والمشقة الظاهرة، والسلطان الجائر) ولم يحج، لزمه ما ورد في الحديث.

مناقشة أدلة القول الأول:

استدل أصحاب القول الأول بالآية الكريمة ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97], فهذه الآية تبين أن الله فرض الحج في وقت مطلقاً، ولما كان مطلقاً عن الوقت فلا يقيد إلا بدليل.

وأما دليلهم بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات﴾ [البقرة: 197], بأن للحج وقت معين من السنة يفوت بفوات السنة، فالجواب: بأن وقت الحج أشهر معلومات فيؤدي في أشهر الحج مطلقاً من العمر.

وأما الأحاديث التي استدلوا بها فإن فيها مقالاً عند المحدثين.

ولقد عدها ابن الجودي من الأحاديث الموضوعة.

وقال العقيلي والدار قطني: لا يصح في الباب شيء.(20)

ومع التسليم بقبولها، فلقد ورد في بعض الروايات من حديث ابن عباس أو الفضل بن العباس أو أحدهما عن صاحبه -رضي الله عنهما- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يحج فليتعجل فإنه قد تضل الضالة ويمرض المريض وتكون الحاجة»(21).

وعند النظر إلى مجمل أدلة القول الأول من الآيات والأحاديث.

أجد أن في الآيات احتمالاً لما استدلوا به، وذلك لأن الأمر المطلق عن الوقت يكون على التراخي ويكون على الفور، والأمر بالحج هو مؤقت بأشهر الحج يفوت الحج بفوات السنة، فعند التأخير إلى السنة الثانية قد يعش وقد لا يعش، فتأخيره من السنة الأولى تفويت له، وفي إدراكه السنة الثانية شك،فلا يرتفع الفوات الثابت للحال بالشك.(22)

وأما الأحاديث التي استدلوا بها، فلقد وردت روايات متعددة وكثيرة فيها الأمر بالتعجل وبيان الوعيد لمن أخرها بدون سبب، (وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً وبذلك يتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذه الأحاديث من الموضوعات فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسن لغيره وهو محتج به عند الجمهور...قال الحافظ: وإذ انضم هذا الموقوف إلى المرسل لابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلاً ومحمله على من استحل الترك ويتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع.(23)

وكذلك في حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل»(24)، ولو كان على التراخي لم يعين العام القابل.

وأما قول بعض الصحابة بالفور فيستأنس بأقوالهم، إن صحت الروايات عنهم.

- و أما إجابتهم(25) عن تراخي النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحج وتأخيره الحج إلى العام العاشر: بأن في تأخيره عليه الصلاة والسلام عذر، وإذا علم أن التعجيل أفضل فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يترك الأفضل إلا لعذر وهذا العذر هوما يلي:

1ـ أن المانع من التأخير هو احتمال الفوات، ولم يكن في تأخيره ذلك فوات، لعلمه من طريق الوحي أن يحج قبل موته،قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: 27].

2. وتراخيه صلى الله عليه وسلم إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك، لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة ففي تأخيره العذر.

3. ولخوفه على نفسه وعلى المدينة، ولهذا كان يحترس حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].

4ـ ولاشتغاله بتمهيد قواعد الدين وتعليم العبادات والجهاد.

5ـ ولظهور المشركين على مكة، فلما نادى: لا يحج البيت بعد العام مشرك حَجَّ.

2 ـ أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني: بالكتاب، والسنة الفعلية للرسول صلى الله عليه وسلم.

- من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97].

وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات﴾ [البقرة: 197].

- من السنة: تأخيره عليه الصلاة والسلام الحج إلى سنة العشر، مع أن الحج فرض بعد الهجرة، وفتح مكة كان لسنة ثمان من الهجرة، ولو كان وجوبه على الفور لما احتمل التأخير منه.(26)

وجه الدلالة من أدلة أصحاب القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني القائلون بالتراخي: بالآيتين الكريمتين التي استدل بها أصحاب القول الأول،

ففي الآية الأولى: بيان أن الله تعالى فرض الحج في وقت مطلقاً للمستطيع لذلك، ثم بين في الآية الثانية: أن وقته في أشهر معلومات، فيؤدى الحج في أشهر معلومات مطلقاً من العمر، فوقته هو العمر مطلقاً.(27)

وأما استدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام: فهو دال على التراخي، والأصل في تأخيره عليه الصلاة والسلام عدم العذر، ولو كان لعذر لبينه.

قال الشافعي: (أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة، وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر على الحج، وتخلف في المدينة بعد منصرفه من تبوك لا محارباً ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، وأزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان كمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفرض ولا ترك المتخلفون عنه،فوقت الحج ما بين أن يجب عليه إلى أن يموت)(28).

فمتى ما أدى الإنسان الحج سواء في السنة الأولى أو الثانية فهو أداء، فالمعتبر: هو الأداء في العمر.

مناقشة أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني: بالآيتين الكريمتين المقتضيتان الأداء في العمر طالما أن الأمر بأداء الحج مطلق، والأمر المطلق عن الوقت يقتضي التراخي لكن بشرط الأداء.

- والمأمور به من الشارع نوعان:

1- مطلق عن الوقت.

2- مقيد به.

- وحكم المطلق: أن يكون الأداء واجبا على التراخي بشرط أن لا يفوته في العمر، فلو نذر أن يعتكف ليلة فله أن يعتكف أي ليلة شاء.

- والمقيد نوعان:

أ- ما يكون الوقت ظرفاً للفعل: فوجوب الفعل فيه لا ينافي وجوب فعل آخر فيه من جنسه، وذلك كالصلاة: كأن ينذر أن يصلي في وقت الظهر عشر ركعات فيلزمه، فوجوب صلاة الظهر لا ينافي وجوب صلاة النذر فيصلي الجميع، وهنا تعتبر النية المعينة، وذلك لاعتبار المزاحم.

ب- ما يكون الوقت معياراً له: بمعنى: تعيين الوقت المخصص له، وذلك مثل شهر الصوم، فإذا عين الشارع له وقتاً لا يجب غيره في ذلك الوقت.(29)

وأنبه إلى الفرق بين من يقول: يجوز التراخي، ومن يقول: يقتضي التراخي، ففي الأولى: يجوز الفور أو التراخي، وفي الثانية: لا يجوز الفور.

فإذا كان الأمر بأداء الحج يجوز فيه التراخي بشرط الأداء وعدم الفوات، فمن يضمن الأداء وعدم الفوات، فقد يعش وقد لا يعش، والموت خلال سنة غير نادر بل هو كثير.

ولهذا فمن مات قبل أداء الحج مع القدرة عليه قبل الموت: إما أن يكون مات عن وصية أو عن غير وصية، فإن مات من غير وصية يأثم، فعلى القول بالوجوب على الفور فلا إشكال فيه، لأنه سيؤديه عاجلاً.

وعلى القول بالتراخي: فلأن الوجوب يضيق عليه في آخر عمره في وقت ليس له التأخير فيه، فيجب عليه أن يفعله بنفسه إن كان قادراً على الفعل، وإن كان عاجزاً عن الفعل فيمكنه الأداء بما له بإنابة غيره منابه، ووجب عليه أن يوصي به، فإن لم يوص به حتى مات أثم بتفويته الفرض عن وقته مع إمكان الأداء.(30)

وهذا الإثم الذي لحقه إنما هو بسبب التراخي حتى أدركه الموت قبل أدائه،ودون وصية به.

قال ابن حزم: (وحكم أوامر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- كلها على الفور إلا أن يأتي نص بإباحة التراخي في شيء ما فيوقف عنده)(31).

والقائلون بالتراخي: لم يقولوا به مطلقا بل قيدوه بشروط: أن لا يخشى المرض، وأن لا يفوته في العمر.

لكن الأجل عرض، وما يحصل للإنسان في مستقبل عمره غيب.(32)

وأما استدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام فقد تقدم الجواب عنه.

سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة:

بعد أن ذكرت أقوال الفقهاء، وأدلتهم، ووجه الدلالة، ومناقشة الأدلة، أستطيع أن أحصر سبب الخلاف بين الفقهاء إلى أمرين اثنين:

1- قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفعله، حيث ورد القول بالتعجل،والفعل دل على التراخي.

2- الأمر المطلق عن الوقت، هل يحمل على الفور أم يحمل على التراخي(33)، وذلك أن الأمر بأداء الحج مطلق على الوقت وذلك في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات﴾ [البقرة: 197]. فالذين قالوا بالفور، قالوا: لما كان مختصاً بوقت وهو العام بعد التمكن كان الأصل تأثيم تاركه حتى يذهب الوقت، والذين قالوا بالتراخي، قالوا: إنها أشهر معلومات من العمر، فهي على التوسعة.

واعتبر الإمام السرخسي: أن الأمر بأداء الحج ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج، فتكون أشهر الحج من السنة الأولى بعد الإمكان متعينة ولا مزاحم له، ولا يدري هل يبقى أم لا؟وهذا محتمل ولا يعارض المتحقق، فإذا ثبت انتفاء المزاحمة كانت هذه الأشهر متعينة للأداء، فالتأخير عنها تفويتاً كتأخير الصلاة عن الوقت، والصوم عن الشهر.(34)

- وقياساً على وقت الصلاة حيث أن للصلاة وقت أول وآخر، فمن شبهه بآخر الوقت قال: على الفور، ومن شبهه بأول الوقت قال: على التراخي.

وتشبيه الحج بآخر الوقت:

أ - لأن الحج يأتي بعده وقت لا يجوز فيه فعله،كما أن وقت الصلاة إذا انقضى يدخل بعده وقت لا يكون المصلي فيه مؤدياً.

ب- وبما يغلب على الظن من وقوع الموت في خلال فترة العام بخلاف تأخير الصلاة من أول الوقت إلى آخره فالغالب أن الموت في مقدار هذا الوقت نادر لأنه وقت قصير.

ج- ولأن التأخير في الصلاة مع مصاحبة الوقت، والتأخير في الحج مع دخول وقت لا تصح فيه العبادة، إلا على القول بأن وقته أشهر معلومات من العمر مطلقاً.

د- ولأن التراخي معناه: الأداء في الوقت، وليس معناه: دخول وقت لا يصح فيه وقوع المأمور،كما يؤدي التراخي في الحج إذا دخل وقته فأخره المكلف.(35)

الترجيح وسببه:

الذي يبدو لي -والله أعلم- هو القول الأول، وهو: أن الأمر بأداء الحج يحمل على الفور.

السبب: أن الأمر بالحج في وقته مطلق يحمل على الفور ويحمل على التراخي،والحمل على الفور أحوط لأن معنى الحمل عليه: الإتيان بالفعل عاجلاً خوفاً من الإثم بالتأخير،ويكون قد أدى ما أمر به،فحصل الأمن من الضرر، حتى وإن أريد به التراخي وأداه على الفور لا يضره الفعل بل ينفعه لمسارعته إلى الخير.

والحمل على التراخي: قد يحصل بذلك التأخير فتلحقه المضرة،فكان الحمل على الفور حملاً على أحوط الوجهين فكان أولى.(36)

ولأن التراخي معناه: التأخير، ويكون إما إلى وقت محدد فهذا يصير من المقيد، أو إلى وقت مطلق، والشرط: ظن لمأمور الأداء وعدم الفوات وهذا قد لا يقع لكثرة هجوم الأجل.(37)

ثمرة الخلاف:

وتكمن ثمرة الخلاف: في أنّ القائلين بالفور وعدم التأخير: إنما هو لخوف الفوات ولحوق الإثم إن لم يفعل، والقائلين بالتراخي قيدوه بشروط: أن لا يفوته في العمر، وأن لا يخش المرض، وأن يعزم العزم الصادق على الفعل فيما بعد.(38)

فالواجب على التراخي يصير واجباً على الفور: إذا ضاق وقته، وإذا شرع في الفعل.(39)

جمع وترتيب/ يونس عبد الرب فاضل الطلول.

مراجعة: عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.

_______________________

(1) أخرجه البخاري 1/ 12، برقم: (8)، ومسلم 1/ 45، برقم: (21).

(2) أخرجه مسلم 2/ 975، برقم: (1337).

(3) الإحكام لابن حزم (1/ 50).

(4) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران (1/ 227).

(5) بدائع الصنائع للكاساني (2/ 291)، فقه العبادات حنفي (1/ 176).

(6) أشرف المسالك (1/ 93)، بداية المجتهد لابن رشد (1/ 449).

(7) المغني لابن قدامة (3/ 203)، الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل (1/ 463).

(8) فقه العبادات حنفي (1/ 176).

(9) الروضة الندية (1/ 238).

(10) مختصر المزني (1/ 71)، المهذب للشيرازي (1/ 358)، مغني المحتاج للشربيني (3/ 139)، فقه العبادات شافعي (1/ 673).

(11) الروضة الندية (1/ 238).

(12) بدائع الصنائع (2/ 291).

(13) نيل الأوطار للشوكاني (5/ 6).

(14) أخرجه الترمذي (3/ 176) قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا تعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال، قال الألباني ضعيف،انظر: ضعيف الجامع الصغير(1/ 1264)، برقم: (5860).

(15) أخرجه أحمد في مسنده (1/ 313) قال الأرناؤوط: حسن، قال الألباني: حسن، انظر: الجامع الصغير وزيادته (1/ 1095)، برقم: (10947)، وانظر: صحيح أبي داود (1325)، برقم: (1524).

(16) أخرجه الدارمي (2/ 45) قال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 305).

وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/ 430)، قال: وهذا إن صح فإنما أراد إذا لم يحج وأخرج كذلك في السنن الكبرى (4/ 334).

(17) الروضة الندية (1/ 238).

(18) الروضة الندية (1/ 238).

(19) مصنف بن أبي شيبة (3/ 306)، برقم: (14455).

(20) نيل الأوطار (5/ 6).

(21) أخرجه أحمد في مسنده (1/ 214) تعليق الأرناؤوط: حسن وهذا إسناد ضعيف، وحسنه الألباني، انظر: الجامع الصغير وزيادته (1/ 1095)، برقم: (10947)، وانظر: صحيح أبي داود (1325)، برقم: (1524).

(22) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (2/ 291).

(23) نيل الأوطار (5/ 6).

(24) أبو داود (1/ 575)، الترمذي (3/ 277) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، النسائي (5/ 198)، ابن ماجه (2/ 1028) وغيرهم، قال الألباني صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته (1/ 1147) برقم (11467).

(25) انظر هذه الأجوبة في: (بدائع الصنائع) (2/ 291)، (نيل الأوطار) للشوكاني (5/ 6)، (إيثار الإنصاف) سبط ابن الجوزي (1/ 100).

(26) مختصر المزني (1/ 71)، بداية المجتهد لابن رشد (1/ 449).

(27) مغني المحتاج للشربيني (3/ 139)، كفاية الأخيار (1/ 300) فقه العبادات شافعي (1/ 673).

(28) مختصر المزني (1/ 71).

(29) انظر: أصول الشاشي (1/ 131، 135).

(30) بدائع الصنائع (2/ 469).

(31) الإحكام لابن حزم (1/ 50).

(32) فقه العبادات شافعي (1/ 673)، الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري (1/ 997).

(33) أصول السرخسي (1/ 26)، أصول الشاسي (1/ 131)، الإحكام للآمدي (2/ 184).

(34) الأصول (1/ 29).

(35) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (1/ 449).

(36) بدائع الصنائع (2/ 291).

(37) إجابة السائل شرح بغية الأمل (1/ 281).

(38) فقه العبادات شافعي (1/ 673)، الفقه على المذاهب الأربعة (1/ 997).

(39) المنثور في القواعد للزركشي (3/ 321)، المغني لابن قدامة (3/ 383)، وقد تقدم قوله -عليه الصلاة والسلام- (وعليه الحج من قابل)، وهذا لمن أحصر.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: