أهمية الإعجاز بين المسلمين
المطلب الثالث: دمغ الشبهات
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين المؤيد بالوحي والقائل صلى الله عليه وسلم: «ما من الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إلا أُعْطِيَ ما مِثْلهُ آمَنَ عليه الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كان الذي أوتيته وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إلي فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يوم الْقِيَامَةِ»(1).
والمزكى من الله بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3،4]. وبعد:
فعنوان بحثنا هذا دمغ الشبهات:
والمقصود بالدمغ "القهر والأخذ من فوق دمغ كما يدمغ الحق الباطل. ودمغه يدمغه دمغا: غلبه وأخذه من فوق. وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: 18] أي يعلوه ويغلبه ويبطله قال الأزهري: فيدمغه فيذهب به ذهاب الصغار والذل"(2).
والشبهات منها "(اشتبهت) الأمور و(تشابهت) التبست فلم تتميز ولم تظهر ومنه (اشتبهت) القبلة ونحوها و(الشبهة) في العقيدة المأخذ الملبس سميت شبهة لأنها (تشبه) الحق"(3).
فمن التعريف السابق يتضح أن المقصود بالشبهة الالتباس. والشبهات ما يلتبس فيه الحق بالباطل والحلال بالحرام على بعض الناس.
ويتضح أن المقصود بدمغ الشبهات قهر وعلو وغلبة الباطل وكشف ما يلتبس فيه الحق بالباطل.
وهذه الشبهات سواء كان مصدرها خارجي أو من تأثر بهذا المصدر.
والشبهات هذه تأتي لمن لم يثق بما أخبر الله به أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم أو تلقاها من أعداء الإسلام وتأثر بها فقد تأتي شبهة حول حديث ويحاول صاحب هذه الشبهة بمبررات لرد هذا الحديث برغم صحته.
وقد تأتي آية ومفهومها واضح لدى علماء المسلمين فيأتي بأشياء غريبة تخالف مراد الله عز وجل إرضاء لهواه أو لفئة معينة فيحاول جاهداً رد هذا الحديث أو تأويل معناه وكذلك الآيات، لكن شاء الله عز وجل في عصرنا أن يكون هنالك دور للأبحاث العلمية لرد بعض هذه الشبهات والتي أظهرت صدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ألأمثلة لهذه الشبهات.
مثال ذلك شبهة حديث الذباب:
رد بعضهم هذا الحديث وشكك فيه لحجج واهية.
هذا الحديث عنون له الإمام البخاري في صحيحة بقوله: "بَاب إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فإن في إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الْأُخْرَى شِفَاءً"
فقال: وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فإن في إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً»(4).
وقد خرج ابن الملقن في البدر المنير طرق هذا الحديث فقال: هذا الحديث صحيح يُروى من طريقين:
أحدهما: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه والطريق الثاني: من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
وقد خرج هذا الحديث في صحيح البخاري وفي سنن أبي داوود وابن خزيمة وابن حبان وابن ماجة وعند غيرهما(5).
وقد تنوعت ألفاظ هذا الحديث منها:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري في صحيحه عنه مرفوعًا وهذا لفظه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فإن في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفي الْآخَرِ دَاءً»(6).
وعن أبي هُرَيْرَةَ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ فإن في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفي الآخَرِ دَاءً»(7).
وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فأمقلوه فإن في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الْآخَرِ شِفَاءً وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الذي فيه الدَّاءُ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ»(8).
وعن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فيه ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فإن في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الْآخَرِ شِفَاءً»(9).
معنى امقلوه: أغمسوه كما في الرواية الأخرى
جاء في فتح الباري(10) بيان سبب رد هذا الحديث في زمنه فجاء فيه: وقال الخطابي: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء وما ألجأه إلى ذلك قال وهذا سؤال جاهل أو متجاهل فإن كثيراً من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع وجعل منها قوي الحيوان وأن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه وألهم النملة أن تدخر قوتها أو حاجتها وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحا وتؤخر آخر.
وقال بن الجوزي: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب فإن النحلة تعسل من أعلاها وتلقى السم من أسفلها والحية القاتل سمها تدخل لحومها في الترياق الذي يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر وذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه وهي بمنزلة السلاح له فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء فتتقابل المادتان فيزول الضرر بإذن الله تعالى.
فيما مضى عرفنا كيف رد الخطابي وابن الجوزي محاولا تبسيط الجواب بضرب الأمثلة لمن استبعد ذلك، وعلى كل فهذا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم في أمور الغيب لا ينطق إلا بما أوحى الله إليه؛ لأنه بشر، والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50]. هذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخلق، وحسن الخلق نحو هذا الخبر أن نتلقى هذا الخبر بالقبول، وأن نجزم بأن ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو حق وصدق وإن اعترض عليه معترض. ونعلم علم اليقين أن ما خالف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه باطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32](11).
وهذا ملخص الشبه حول هذا الحديث، والتي رددها أعداء السنة والجهلة(12):
يحاول من ابتلي بمرض الشبهات أن يأتي بمبررات لشبهته ويظن أنه على الحق والسبب في ذلك الجهل ولو أنه سأل العلماء والمتخصصين لأوضحوا له الحقائق وأزالوا عنه الشبه قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: 83].
وهذا ملخص الشبه التي قيلت حول هذا الحديث:
أولاً: الحديث من رواية أبى هريرة وقد ردوا له أحاديث كثيرة، وقد انفرد به ابن حُنَين.
ثانياً: أنه حديث آحاد يفيد الظن، فلا إشكال في رده، وهو غريب عن التشريع، لأنه ينافي قاعدة تحريم الضار، واجتناب النجاسة، وغريب عن الرأي لأنه يفرق بين جناحي الذباب فيدعى أن أحدهما به سم ضار، والآخر ترياق نافع.
ثالثاً: أثبت العلم بطلانه، لأن العلم يقطع بمضار الذباب.
رابعاً: موضوع متنه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته، ولا من شرائعه، ولم يعمل به أحد من المسلمين وهو في أمر من أمور الدنيا كحديث "تأبير النخل" وبالتالي من ارتاب فيه لم يضع من دينه شيئاً.
خامساً: تصحيحه من المطاعن التي تنفر عن الإسلام، ويفتح على الدين شبهة يستغلها أعداء الإسلام.
سادساً: البحث فيه عقيم، لا يجب أن يشغل الناس به، وقد وصلوا إلى مخترعات ومكتشفات من العلوم. ولذا يجب ترك البحث فيه إلى ما وصل إليه العلم من أحكام لا تنقض ولا ترد(13).
ويجاب على هذه الشبه بما يلي(14):
أولاً: لم ينفرد البخاري رحمه الله بإخراج هذا الحديث، كما أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعُبيد بن حُنين، لم ينفرد بروايته عن أبى هريرة أيضاً كما مر معنا
ولو لم يرد هذا الحديث إلا في صحيح البخاري، لكان صحيحاً مقبولاً، إذ البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله وأحاديثه في أعلى درجات الصحة.
ولو تفرّد به أبو هريرة رضي الله عنه لما وجدوا إلى الطعن في صحته سبيلاً. خلافاً لبعض غلاة الشيعة الجعفرية، ومن تبعهم من الزائغين، حين طعنوا في الصحابي الجليل لأن الحديث من روايته واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشاه من ذلك.
وما سيأتي يثبت صدق أبى هريرة، وأنه برئ من طعن الطاعنين، وأن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه، لأنهم رموا صحابياً بالبهت، وردوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة! وقد رواه غيره من الصحابة كما علمت.
وعُبَيد بن حُنَين ثقة لا مطعن فيه، ولم يذكره الحافظ فيمن تكلم فيهم من رجال البخاري في هدى الساري، ولم أقف على من طعن في توثيقه من العلماء، ولعمري لو تفرد برواية الحديث عن أبى هريرة لقبل تفرده، فإن تفرد مثله لا يقدح في صحة الحديث.كما هو مقرر في علم مصطلح الحديث
ثانياً: وكون الحديث آحاداً ومن أجل ذلك سهل رده، قول مردود، وحجة داحضة، فأغلب أحاديث الشريعة أحاديث آحاد وقد تلقت الأمة أحاديث الآحاد بالقبول إذا جاءت من طريق صحيح وإلا لزم رد أغلب الشرائع.
وقول بأنه: غريب عن التشريع؛ لأنه ينافي قاعدة تحريم الضار، واجتناب النجاسة.
يرد عليه: بأن الحديث لم ينف ضرر الذباب بل أثبت ذلك، فذكر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه زاد ببيان أن في الآخر شفاء، وأن ذلك الضرر يزول إذا غمس الذباب كله.
يقول الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: "وأعلم أن في الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم، والحكمة العارضة عن لسعة، وهى بمنزلة السلاح، فإذا أسقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء، فيغمس كله في الماء والطعام، فيقابل المادة السمية المادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به، بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوة البشرية"(15).
وقال الشوكاني رحمه الله: "والفائدة في الأمر بغمسه جميعاً هي أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب كما اتصل به الداء، فيتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر"(16).
والقول بأنه: لا فرق بين جناحي الذباب بأن يحمل أحدهما سماً، والآخر شفاء.
قول يناهض العلم بل ويخالف الواقع من اجتماع كثير من المتضادات في الجسم الواحد كما هو مشاهد معروف. وقد أجاب عن ذلك العلماء في السابق(17).
ثالثاً: والقول بأن العلم يثبت بطلانه لأنه قطع بمضار الذباب:
هذا قول من جهل معنى الحديث، وعجز عن فهمه. والحديث كما أسلفت لم ينف ضرر الذباب بل نص على ذلك صراحة، وهل علماء الطب وغيرهم أحاطوا بكل شيء علماً حتى يصبح قولهم هو الفصل الذي لا يجوز مخالفته؟!!. بل هم معترفون كل الاعتراف بأنهم عاجزون عن الإحاطة بكثير من الأمور.
وهنالك نظريات كانت تؤخذ على وجه التسليم تبين فسادها فيما بعد، إذ علومهم خاضعة للتجارب والاختبارات.
بينما الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي من عند الله تعالى، العليم بخفاء ما غاب عن الخلق جميعاً، ولا زال علماء الطب يطِلّون على العالم في كل يوم باكتشافات جديدة لعقاقير طبية وأدوية واقية لم تكن عُرفت من قبل.
ثم هل يتوقف إيماننا بصدق كل حديث ورد فيه أمر طبي عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكشف لنا الأطباء بتجاربهم صدقه أو بطلانه؟
وأين إيماننا إذن بصدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووحي الله إليه؟!
إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، برهان قائم بنفسه لا يحتاج إلى دعم خارج عنه، فعلى الأطباء بل والناس جميعاً التسليم بما جاء في هذا الحديث والتصديق به إن كانوا مسلمين، وإن لم يكونوا كذلك فليلزمهم التوقف إن كانوا عقلاء.
قال الإمام ابن قتيبة: "أن هذا الحديث صحيح ومن حمل أمر الدين على ما شاهد، فجعل البهيمة لا تقول، والطائر لا يسبح...والذباب لا يعلم موضع السم، وموضع الشفاء، واعترض على ما جاء في الحديث، مما لا يفهمه، فإنه منسلخ من الإسلام، معطل … مخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما درج عليه الخيار من صحابته، والتابعين لهم بإحسان" (18).
والمسلم لا يهمه كثيراً ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب ما دام ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كله يقال على فرض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة.
ومع ذلك فسيأتي توضيح الاكتشافات العلمية لهذا الحديث لأنه لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العلم الصحيح وبين قول الله وفعله.
رابعاً: الزعم بأن موضوعه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته(19)… إلخ
"زعم قُصِدَ من وراءه، تحقير الحديث وتهوين لأمره، وتنفير الناس عنه، وهى دعوى تتردد وتتكرر كلما عجزوا عن إقامة الدليل على عدم صحة حديث ما، ولذلك يكثرون من ذكر هذه العبارات التي لا تدل إلا على تنصل صاحبها من إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل بها والإسلام دين كامل، بعقائده، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، لا يُحقر جزء من جزئياته، ولا فرع من فروعه، ولا يستهان به، وقد أمر الله المؤمنين بالتمسك بكل شعب الإيمان وشرائع الإسلام من غير تفريط في جانب منها مع القدرة على ذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208].
قال الحافظ ابن كثير في معنى هذه الآية: "يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك"(20).
والقول بأنه: لم يعمل به أحد من المسلمين، قول عار عن الصحة، ودعوى جريئة جاء الحق بخلافها.
روى عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامه؛ أنه حدثه(21) قال: "كنا عند أنس، فوقع ذباب في إناء فقال أنس بأصبعه فغمسه في ذلك الإناء ثلاثاً ثم قال: بسم الله، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم أن يفعلوا ذلك".
قوله: "فقال أنس": يراد به الفعل؛ لأن العرب تجعل القول عبارة لجميع الأفعال، وتطلقه على غير اللسان والكلام فتقول: قال بيده: أي أخذ، وقال برجله: أي مشى … إلخ كما جاء في النهاية في غريب الأثر(22).
وروى أحمد من طريق سعيد بن خالد قال: "دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ فَأَتَانَا بِزُبْدٍ وَكُتْلَةٍ فَأُسْقِطَ ذُبَابٌ فِي الطَّعَامِ فَجَعَلَ أَبُو سَلَمَةَ يَمْقُلُهُ بِأُصْبُعِهِ فِيهِ فَقُلْتُ يَا خَالُ مَا تَصْنَعُ فَقَالَ إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيْ الذُّبَابِ سُمٌّ وَالْآخَرَ شِفَاءٌ فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ»(23).
فأنس صحابي، وأبو سلمة تابعي، وقد عملا بمضمون هذا الحديث، فكيف يزعم بأن أحداً من المسلمين لم يعمل به؟.
هذه دعوى، وغيرها كثير، يطلقها أولئك القوم من غير علم ولا تحقيق؛ ليخدعوا بها السذج من الناس، ويحدث من جرائها شر وفساد عريض.
والقول بأن: الحديث لا دخل له في التشريع، وأنه من أمور الدنيا.
قول يحتاج إلى ما يدل عليه، فالحديث فيه أمر إرشادي من النبي صلى الله عليه وسلم، لعلاج حالة إذا وقعت ولا حيلة للمرء في دفعها، وهى "إذا وقع الذباب" أي رغماً عنكم، ولم يكن لكم حيلة في دفعة، وأردتم الانتفاع بما وقع فيه من طعام أو شراب، فعليكم بغمسه كله.
فالأمر بالغمس أمر إرشاد لا أمر إ يجاب يأثم تاركه إذ لم يقل بذلك أحد(24).
أما قياس حديث الذباب بحديث تأبير النخل فغير صحيح، فحديث الذباب حديث تشريعي، وأفاد حكماً شرعياً، أفاد جواز أكل أو شرب ما وقع فيه الذباب بعد غمسه كله لمن شاء ورغب في ذلك.
خامساً: أما القول بأن تصحيح الحديث من المطاعن التي تنفر عن الإسلام…إلخ ما ذكروه(25)
فقول ساقط يحمل بين طياته استدراكاً على النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان أحرص الناس على دين الله عز وجل، وسد كل منافذ الطعن والقدح فيه.
وكيف يكون في شريعة الله ما ينفر وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا»(26).
وهل يعقل أن تكون أقواله التي نطق بها، وأفعاله التي فعلها منفرة للناس؟!
وأين موضع التنفير في هذا الحديث؟ إلا أنه أثبت أن في جناح الذباب شفاء؟ أيكون هذا تنفيراً؟ يا لخفة العقول!
وأين هذه الشبهة التي يفتحها على الدين حتى يستغلها أعداء الإسلام؟
وهل وقف أعداء الإسلام فيما يثيرونه من شبه عند حديث الذباب وحده؟
بل قد أثاروا شبهاً لا حصر لها في أمور لا تخفي على أحد، بل حتى القرآن الذي نقل بالتواتر جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر؛ هل سلم وسلمت أحكامه من شبه أعداء الإسلام؟
وهل إذا رددنا حديث الذباب، بل ورددنا السنة كلها، يكف ذلك شبههم عنا؟! ويستجيبون بعد ذلك لديننا ويلتزمون بشريعتنا؟
بل لو تتبعنا شبههم -قاتلهم الله- ورددنا كل أمر اشتبهوا فيه لضاعت أعمارنا في الرد والأخذ
ولماذا هذه المجاملة، وهذا التنازل لأعداء الإسلام على حساب ديننا؟
وما الذي يضرنا من شبههم، ونحن موقنون بأن ما جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مريه فيه، وما يقذف به أعداء الإسلام شبه باطلة داحضة لا قيمة لها من الصحة، وهل بعد ظهور ما يؤيد صدق الحديث من الناحية الطبية، تظل شبههم عالقة به؟(27).
سادساً: أن العقل يردها والجواب على ذلك
أننا لا يمكن أن نجعل عقولنا حكماً على ما أخبرنا الله عز وجل به لمحدودية علومنا.
سابعاً: أما القول بأن البحث في الحديث عقيم (28)… إلخ.
فهو قول من جهل مقام النصوص، وضعف احترامه لها، ومن ذلك قول أحدهم بوجوب ترك البحث في هذا الحديث إلى ما وصل إليه العلم بأبحاثه الدقيقة، وتجاربه الصحيحة التي لا يمكن نقضها، ولا يرد حكمها؟؟.
والحقيقة أن هذه البحوث وإن كانت تزيد الإنسان إيماناً بصدق الحديث، إلا أن الإيمان لا يتوقف عليها، إذ الحديث حجة قائمة بنفسه.
ويكفي في هذا البحث أنه نقض الذي طبل من أجله أعداء السنن والمستشرقين، والعلمانيين وغلاه الشيعة، وأتباعهم وبعض الجهلة في الدين.
الأبحاث العلمية في القرن العشرين تظهر صدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم:
ملخص البحث:(29)
تم إجراء هذا البحث للتعرف على الداء والدواء في حديث الذباب للرسول صلى الله عليه وسلم؛ للرد على المتشككين في هذا الحديث، إذ تم عزل 9 أنواع من البكتريا موجبة وسالبة الجرام، بالإضافة إلى نوعين من الخميرة (فطريات).
الطرق والوسائل المستخدمة في البحث:
1- جمع الذباب:
تم جمع نوعين من الذباب غير الماص للدم هما: الذبابة المنزلية، وذبابة الاصطبل الكاذبة، كما تم تجميع ذباب الرمل التي تمص دم الإنسان والحيوان وأيضا تم جمع البعوضة المنزلية التي تتغذى على دم الإنسان والحيوان.هذه الحشرات تم جمعها من محافظات القاهرة، الجيزة، وجنوب سيناء، وتم نقل الحشرات في أنابيب معقمة إلى المختبر لتشريحها وعزل الكائنات الدقيقة منها.
2- تشريح الذباب:
تم تشريح الذباب لفصل كل من الجناح الأيمن والجناح الأيسر لكل ذبابة وذلك بأدوات تشريح دقيقة ومعقمة وذلك لعدد 20 حشرة من كل نوع، بعد ذلك تم وضع كل من الجناح الأيمن والجناح الأيسر كل على حده لكل ذبابة في محلول فسيولوجي معقم (0.9 شلامين).
3- عزل الكائنات الدقيقة الموجودة على الذباب:
ثم وضع الأوساط البكتيرية السابقة في حضانة درجة حرارتها 30°م تحت ظروف هوائية.
تم عد البكتريا (الوحدات المكونة للمستعمرة (CFU بعد 48 ساعة بعد ذلك تم تعريف البكتريا حتى مستوي النوع.
4- التحليل الحصري للنشاط ضد الميكروبي:
تم ذلك بواسطة أقراص الورق التحليلية وذلك لدراسة النشاط ضد الميكروبي لأنواع البكتريا المختلفة ضد بعضها.
5- عملية التخمر:
تم دراسة تأثير أقوى مزارع بكتيرية تم عزلها من الطريقة السابقة ضد بعضها من أجل الحصول على أقوى نوع من البكتريا ذات فاعلية ضد الأنواع الأخرى.
6- استخلاص وتنقية المركب الأيضي.
7- تقييم أقل تركيز مثبط للبكتريا (MIC):
وذلك للحصول على أقل تركيز مثبط للمركب النشط ضد الأنواع المختلفة من البكتريا، الخميرة والفطريات المعزولة من الذباب ومن خارج الذباب.
النتائج والمناقشة:
أسفر فحص جناحي كل من الذبابة المنزلية، وذبابة الاصطبل الكاذبة، ذبابة الرمل والبعوضة عن وجود تنوع كثيف وعديد لأنواع الكائنات الدقيقة المتواجدة عليها، ولقد سجلت أعلى كثافة عددية وتعدد لأنواع البكتريا والفطريات على جناحي ذبابة الاصطبل الكاذبة والذبابة المنزلية.
تواجدت البكتريا موجبة الجرام بكثافة عددية أكبر من مثيلتها في البكتريا سالبة الجرام.
سجل الجناح الأيمن أعلى كثافة عددية من البكتريا موجبة الجرام في كل أنواع الذباب، والتنوع الميكروبي على الذباب يعكس البيئة التي يعيش فيها الذباب أي: أن لكل بيئة أنواع معينة من الكائنات الدقيقة تختلف عن أية بيئة أخرى.
لوحظ أن البكتريا موجبة الجرام قد سجلت أعلى كثافة عددية من البكتريا سالبة الجرام وهذا يوضح قدرتها على المعيشة في الظروف الصعبة، حيث إنها تتحمل الحرارة والبرودة.
لوحظ أن بعض أنواع البكتريا لها تأثير ضعيف ضد أنواع البكتريا الأخرى، بينما هناك خمسة أنواع من البكتريا لها كفاءة عالية في القضاء على أنواع البكتريا الأخرى هي: B.circulans))، (L.animalis)، (B.subtilis)، (P.aeruginosa) و(S.aureus).
ولقد تم تخمير هذه البكتريا وحللت لمعرفة تأثيرها ضد بعضها وأوضحت أن أكثر أنواع البكتريا فاعلية هي (B.Circulans) وكانت أقوى كائن من بين كل الأنواع ولقد لوحظ تواجد هذا النوع من البكتريا على الجناح الأيمن للذباب وهي تتحمل درجات الحرارة العالية، الاشعاع، تأثير المواد الكيميائية والبرودة.
بعد أن تم إثبات أن B.Circulans هي أقوى أنواع البكتريا المتواجدة والمعزولة من الجناح الأيمن للذباب، تم إخضاعها لعزل المادة الفعالة منها، ولقد تم تحضيرها في صورة بودرة، ليس لها شكل معين ولونها ابيض مصفر، ولوحظ أن درجة انصهارها 185°م وتذوب في الكحول والكلورفورم كما أنها تذوب في الماء ولكنها لا تذوب في أثير البترول.
تم تحليل المادة الفعالة وأسفر ذلك عن وجود 5 أحماض أمينية كما أوضح التحليل وجود نسبة عالية من المحتوى النيتروجيني في المادة.
وتم التحليل بمواد أخرى فاتضح أن المادة الفعالة مضادة للحيوية لها تركيب أروماتي وتشابه في طبيعتها مركبات أخرى لها طبيعة حلقية
واتضح أن أقل تركيز كاف لتثبيط نمو الكائنات الدقيقة.
واتضح أن أقل تركيز من المادة الفعالة المعزولة كان لها تأثير قاتل ضد كثير من أنواع البكتريا سالبة أو موجبة الجرام، ضد الخميرة ضد الفطريات الخيطية، وقد وجد أن أقل تركيز هو 5 mg/mlكاف لقتل أنواع كثيرة من البكتريا.
واتضح أن المادة الفعالة المعزولة لها تأثير نشط في هذا المجال، حيث إن أعداد البكتريا قد اختزلت إلى حوالي 0.01 % في وقت قصير ولقد كانت أكثر أنواع البكتريا تأثرا هي: (B.subtilis) و(S.aureus) وهما من أكثر أنواع البكتريا الممرضة للإنسان وتسبب العديد من الأمراض مثل: التهابات العين، خراج أو دمامل، الحصف (داء جلدي)، التهاب المثانة، التهاب المعدة والقولون، التهاب العظام، إصابة الجهاز البولي التناسلي، الجهاز العصبي المركزي وفساد الأطعمة وغيرها....
وجه الإعجاز العلمي:
يتضح من النتائج السابقة وجود كثافة عددية عالية من أنواع عديدة من البكتريا على جناحي الذباب، كما أتضح أن أكثر أنواع البكتريا شراسة هو نوع B.circulans الذي يفرز مادة مضادة لكثير من أنواع البكتريا الأخرى سواء سالبة أو موجبة الجرام، ولقد لوحظ تواجد هذه البكتريا بكثافة عالية على الجناح الأيمن للذباب،كما لوحظ وجود أنواع من الفطريات التي تفرز أيضا مواد مضادة للحيوية لكثير من أنواع البكتريا،كما أتضح قدرة البكتريا B.circulans على قتل الأنواع الأخرى من البكتريا في زمن قصير جدا، وهي البكتريا التي تنقل العديد من الأمراض للإنسان والتي تم ذكرها.
إذا رجعنا إلى نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء».
نجد أن حرف الفاء في «فليغمسه» يفيد السرعة، بينما «ثم» تفيد التراخي والبطء، لذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بغمس الذباب بسرعة؛ لأنه يتعلق على سطح السائل لوجود التوتر السطحي.
وكلمة: «ثم» بعد الغمس تعطي فرصة للأنواع المفيدة من البكتريا والفطريات لكي تفرز المواد المضادة أو الدواء أو الشفاء) لكي تقضي على البكتريا الضارة (الداء)، ولقد ثبت أنه حتى لو أكل الإنسان أو شرب من الإناء فإن المادة الفعالة تظل نشطه في أمعاء الإنسان؛ لأن هذه البكتريا في حالة معايشه في أمعاء العائل، كما أنها تتحمل: درجات الحرارة العالية، تأثير الإشعاع، تأثير المواد الكيميائية والبرودة أي: أن الذباب حتى لو سقط في إناء به طعام أو شراب ساخن أو بارد فإن البكتريا المفيدة (الدواء) تظل نشطة وتفرز المادة الفعالة القاتلة لأنواع الميكروبات الأخرى بأقل تركيز وهو 5 mg/ml أي: أن 5جم من المادة كافية لتعقيم 1000 لتر من اللبن أو أي سائل أو طعام.
ولعل عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر بغمس الذباب تتضح في ميكانيكية إفراز المادة الفعالة (الدواء) حيث إن إفراز أنواع البكتريا النافعة والفطريات لهذه المواد لا يتم إلا في وجود وسط وهو هنا الطعام أو الشراب الموجود داخل الإناء حيث يسمح هذا الوسط لأنْ يتقابل كل من الداء والدواء وجها لوجه بدون عوائق ويتم الالتحام وعند ذلك تقوم الكائنات المفيدة بالقضاء على الكائنات الضارة.
لقد وجد أن المادة المضادة والتي تقتل البكتريا سالبة أو موجبة الجرام لا تتحرر من الخلايا الفطرية إلا إذا امتصت السائل وعند ذلك فإنه بواسطة خاصية الضغط الاسموزي تنتفخ ثم تتفجر وتطلق محتوياتها التي تعتبر كالقنابل وتقوم بالقضاء على البكتريا الضارة، ولوحظ أن هذه القنابل تقذف لمسافة 2 مم داخل السائل وهي مسافة تعتبر عظيمة بالنسبة لحجم الكائنات الدقيقة.
وفي أبحاث كثيرة سابقة قام بها الباحث الحالي(30) مع آخرين، تم فيها عزل معظم البكتريا الممرضة من على السطح الخارجي للذباب وخاصة من على الأرجل والبطن مثل بكتريا: الخمرة الخبيثة، التيفود، الباراتيفويد، الدوسنتاريا، أمراض العيون، الجهاز التنفسي، الجهاز الهضمي، الجهاز العصبي، الجهاز البولي، والتناسلي وغيرها كثير لذلك فإنه عند غمس الذباب في الإناء فإن البكتريا المفيدة والتي تم استخلاص المادة الفعالة منها بالإضافة إلى المواد ضد الحيوية المفرزة من الفطريات تقوم بالقضاء على كل هذه الأنواع الضارة، ولعلنا فهمنا الحكمة من قول سيد الخلق صلى الله عليه وسلم «فليغمسه» وفي أحاديث أخرى «فامقلوه» أي: فاغمسوه.
لقد لوحظ أن أعداد البكتريا بعد غمس الذبابة تتناقص كثيراً عما كانت عليه قبل الغمس وذلك لأن البكتريا المفيدة والفطريات تفرز المواد المضادة للحيوية التي تقتل البكتريا الضارة بعد سقوطها في السائل، وهذا البحث يفسر النتائج التي توصل إليها د/ نبيه عبد الرحمن باعشن والمشاركون معه في تناقص أعداد البكتريا في السائل بعد غمس الذبابة وليس زيادتها كما هو متوقع ولعلنا في هذا البحث(31) (من الناحية العلمية) قد القينا الضوء على الداء والدواء في جناحي الذباب ورددنا على المتشككين في الحديث الشريف، وبعد هذه النتائج فليس هناك أي مجال للاستبعاد بعدما صارت الحقيقة جلية واضحة.
والبحث الحالي أثبت بأن المادة المضادة المعزولة من جناحي الذباب تستطيع أن تقضي على كثير من المسببات المرضية الأخرى غير المتواجدة على الذباب.
إن الحديث الشريف يفتح المجال لاكتشاف عشرات المضادات الحيوية من الذباب خاصة إذا عرفنا أن هناك 64000 نوعا من الذباب منتشرة في جميع أنحاء العالم وأن الكائنات الدقيقة المتواجدة على الذباب تعكس البيئة التي يعيش فيها الذباب أي أن الأمراض التي ينقلها الذباب في منطقة ما تختلف عن تلك التي ينقلها الذباب في منطقة أخرى أي أننا نستطيع أن نحصل على علاج أو دواء لكل الأمراض التي ينقلها الذباب في مناطق العالم المختلفة، حيث إن الداء والدواء متلازمان في جناحي الذباب والأحرى أن يتم اكتشاف تلك المضادات الحيوية بواسطة علماء المسلمين، ولعل هذا البحث هو الأول من نوعه في هذا المجال وربما يفتح الطريق لتحقيق مزيد من الانتصارات العلمية لعلماء المسلمين.
فيتضح من الأبحاث السابقة والردود على كل الشبهات الموضوعة حول هذا الحديث بأنه لا يتقبلها وأمثالها إلا من جهل هذا الدين ويكفينا أن تقدم العلوم يزيد إيضاحاً وبياناً بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4](32).
إعداد الباحث: عبد الكريم علي الفهدي
مراجعة: د. قسطاس إبراهيم
__________________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، 4/ 1905برقم: 4696.
(2) لسان العرب،8/ 425.
(3) المصباح المنير،1/ 304.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه،3/ 1206 برقم: 3142.
(5) للتفصيل انظر البدر المنير: 1/ 452.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه،5/ 2180، برقم: 5445.
(7) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، 2/ 398 برقم 9157.
(8) أخرجه أبو داود في سننه، 3/ 365، برقم: 3844.
(9) أخرجه ابن ماجه في سننه، 2/ 1159، برقم: 3505.
(10) فتح الباري: 10/ 251.
(11) العلم لابن عثيمين الرسالة الأولى.
(12) المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام علي بن نايف الشحود 10 وما بعدها بتصرف.
(13) المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام علي بن نايف الشحود 10 وما بعدها بتصرف.
(14) المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام علي بن نايف الشحود 10 وما بعدها بتصرف.
(15) زاد المعاد: 4/ 112.
(16) نيل الأوطار: 1/ 68.
(17) انظر: فتح الباري: 10/ 251،252 وقد سبق ذكره في الصفحات الأولى.
(18) تأويل مختلف الحديث: 1/ 229.
(19) كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها: عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى: 1/ 1107، بتصرف.
(20) تفسير القرآن العظيم: 1/ 248.
(21) ذكره الحافظ في الفتح: وقال أخرجه البزار ورجاله ثقات، ورواه حماد بن سلمة، عن ثمامه فقال "عن أبى هريرة" ورجحها أبو حاتم، وأما الدارقطنى: فقال: "الطريقان محتملان" انظر: فتح البارى 10/ 250.
(22) انظر: النهاية في غريب الأثر: 4/ 124، والقاموس المحيط 4/ 41، 42.
(23) أخرجه أحمد في مسنده،18/ 86، برقم: 11643.
(24)كتابات أعداء الإسلام نقلاً عن: السنة والتشريع لفضيلة الدكتور موسى شاهين: 54، 55، ودفاع عن السنة لفضيلة الدكتور محمد أبو شهبة: 352.
(25) كتابات أعداء الإسلام: 1/ 1110.
(26) أخرجه البخاري في صحيحه،1/ 38، برقم: 69.
(27) كتابات أعداء الإسلام: 1/ 1111.نقلاً عن موقف المدرسة العقلية من السنة 2/ 277، 278.
(28) كتابات أعداء الإسلام: 1/ 1111.
(29) بحث للأستاذ الدكتور/ مصطفى إبراهيم حسن أستاذ الحشرات الطبية ومدير مركز أبحاث ودراسات الحشرات الناقلة للأمراض كلية العلوم (بنين) جامعة الأزهر - القاهرة - مصر بتصرف.
(30) الأستاذ الدكتور/ مصطفى إبراهيم حسن أستاذ الحشرات الطبية ومدير مركز أبحاث ودراسات الحشرات الناقلة للأمراض.
(31) للأستاذ الدكتور/ مصطفى إبراهيم حسن أستاذ الحشرات الطبية ومدير مركز أبحاث ودراسات الحشرات الناقلة للأمراض.
(32) بحث للأستاذ الدكتور/ مصطفى إبراهيم حسن أستاذ الحشرات الطبية ومدير مركز أبحاث ودراسات الحشرات الناقلة للأمراض كلية العلوم (بنين) جامعة الأزهر -القاهرة- مصر، بتصرف ومن أراد الفائدة فعليه بالإطلاع الكامل على البحث للأستاذ الدكتور.