الإعجاز العلمي في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32]
مقدمة:
توحي تتمة الآية التي هي عنوان بحثنا هذا أن هناك إعراضا مقصودا من فئة من الناس عن آيات الله المبثوثة في هذا الكون، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 32] وإن كانت الآية تتحدث عن حفظ السماء إلا أن ما قبلها من الآيات كان يتحدث عن قدرة الله في ملكوته، ففي الآيات التي قبلها مباشرة يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 30-32] والإعراض المراد هنا هو إعراض عن التفكر والتأمل الذي يأخذ بصاحبه إلى الإذعان والإيمان الراسخ بأن لهذا العالم خالقا حكيما ومدبرا عليما ومهيمنا على ملكه.
فهم يعرضون عن التفكر في السماء وما حوته من كواكب وأقمار ونجوم وغفلوا عن تدبر ما فيها من حجج الله عليهم ودلالتها على وحدانية خالقها وأنه لا ينبغي أن تكون العبادة إلا لمن دبرها وسواها ولا تصلح إلا له، ولعل إعراضهم المذكور لم يأت صدفة أو من غير قصد لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105] فهذه الآية تفيد مرور تلك الطائفة من الناس على كثير من الآيات ولكنهم لا يؤمنون.
يقول ابن كثير رحمه الله: أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكامله في يوم وليلة فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها(1).
إذن هو إعراض متعمد ومقصود ناتج من جحود واستكبار لا يتناسب مع من آتاه الله القدرة على التفكر والاستنباط والتجربة والتحليل والاستنتاج، ولهذا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14], ولا يعني هذا أن الجميع هم على نفس هذه الشاكلة! لا بل إن الله أثنى على قسم منهم فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]ولعل مناسبة هذه الآية في القران جاءت بعد أن ذكر قبلها نماذج مما اشتمل عليه هذا الكون من الآيات الدالة على عظمة خالق هذا الكون، فانظر للآية التي قبلها وتأمل تجد ذلك واضحا جليا.
يتجلى هذا اليقين عند العلماء المتخصصين الذين رسخوا في العلم التجريبي وأحاطوا بما لم يحط به غيرهم من الناس، فتراهم يتدبرون ويتأملون في عظمة الخالق سبحانه وفي قدرته وحكمته وخبرته التي تتجلى في ترابط هذا الكون الواسع الفسيح المحكم، مما يجعله سببا لإيمانهم بالله سبحانه وتعالى إيمانا ينتشلهم من ظلمات التيه والضلال إلى نور الإيمان واليقين والخشية والاستسلام لرب السماوات والأرض.
من هنا يتبين أن الله سبحانه قد سخر لدينه من العلماء الكونيين والمتخصصين التجريبيين مَن سيقوم بحمل أعباء الدعوة لهذا الدين والذود عنه ومنافحة مناوئيه من الصنف الأول الذين جحدوا واستكبروا مستخدمين وسائل جديدة وأساليب حديثة وأدلة مشاهدة تتناسب والعصر الذي يعيشه والإمكانيات التي أوتيها أصحابه.
والآية التي سنتحدث عنها هنا هي عن السماء التي فوقنا، وكيف أن الله سبحانه جعلها بهذه الكيفية بحيث أن كل من استكشف كنهها يذهل لهذا الذي يراه، ولن أسهب هنا في تفاصيل هذه الآية ولنترك البحث يطوف بنا في ماهية هذه السماء الزرقاء.
بيان ألفاظ الآية:
يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 32].
في هذه الآية ثلاثة ألفاظ تحتاج إلى شيء من البيان من الناحية اللغوية، وهذه الألفاظ هي: (جعلنا - السماء - محفوظا).
1- جعلنا: جعل في اللغة تعني التصيير والتهيييء والتكييف، وقد وردت هذه اللفظة بنسبتها إلى (نا) العظمة ثمانية وأربعون مرة، كلها تفيد المعنى المذكور، قال الرازي في مختار الصحاح: جَعَلَ كذا من باب قطع وجَعَلَهُ نبيا صيره وجعلوا الملائكة إناثا سموهم(2).
وقال ابن منظور: جَعَلَه يَجْعَلُه جَعْلاً صَنَعه وجَعَله صَيَّرَه قال سيبويه جَعَلْت مَتاعَكَ بَعْضه فَوْقَ بَعْضٍ أَلقيته وقال مرة عَمِلْته وجَعَل الطينَ خَزَفاً والقَبِيحَ حَسَناً صيَّرَه إِياه وقال الزجاج جَعَلْت زيداً أَخاك نَسَبْته إِليك وجَعَل عَمِلَ وهَيَّأَ وجَعَلَ خَلَق وجَعَلَ قال ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:3] معناه إِنا بَيَّنَّاه قرآناً عربيّاً حكاه الزجاج, وقيل: صَيَّرناه ومن هذا قوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:30] ويقال جَعَلَ فلان يصنع كذا وكذا كقولك طَفِقَ وعَلِقَ يفعل كذا وكذا ويقال جَعَلْته أَحذق الناس بعمله أَي صَيَّرته وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:30] أَي خَلَقْنا وإِذا قال المخلوق جَعَلْتُ هذا الباب من شجرة كذا فمعناه صَنَعْتَه(3).
2- السماء: في اللغة كل ما على فوق الرأس من سقف أو هواء أو بنيان، قال في مختار الصحاح: السَّمَاءُ يذكّر ويؤنث وجمعه أَسْمِيَةٌ وسَمَوَاتٌ والسَّمَاء كل ما علاك فأظلك ومنه قيل لسقف البيت سماء، والسًّمُوُّ الارتفاع والعلو ومنه سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مثل عَلَوْتُ وعَلَيْتُ(4)، والسماء تسمى سقفا لأنها فوق الأرض قال تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 5] وقال ابن منظور: والسماء سَقْفٌ على الأَرض ولذلك ذكِّر في قوله تعالى: ﴿السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل:18]، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:32](5).
3- محفوظا: حفظ يحفظ حفظا فهو حافظ من اسم الفاعل ومحفوظ من اسم المفعول، والحفظ يعني التعاهد والحراسة والمراقبة والرعاية، والحِفْظ: نقيض النِّسيان وهو التَّعاهدُ وقلّة الغَفْلة والحَفيظ: المُوَكَّل بالشيء يحفَظُه والاحتفاظ: خُصُوص الحفظ تقول: احتفظت به لنفسي واستَحْفَظْتُه كذا أي: سألتَه أن يحفَظه عليك والتَحَفُّظ: قِلّة الغَفْلة حَذَراً من السَّقْطة في الكلام والأمور(6).
وحَفِظَ الشيء بالكسر حفظا حرسه وحفظه أيضا استظهره والحَفَظَةُ الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم والمُحافَظَةُ المراقبة والحَفِيظُ المحافظ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام:104] ويقال احْتَفِظْ بهذا الشيء أي أحفظه(7).
وحَفِظَ القُرْآنَ: اسْتَظْهَرَهُ وحَفِظَ المَالَ والسِّرَّ: رَعاهُ وحَفِظَ الشَّيْءَ حِفْظاً فهو حَفِيظٌ ورَجُلٌ حافِظٌ مِنْ قَوْمٍ حُفَّاظٍ وهُمْ الَّذِينَ رُزِقُوا حِفْظَ ما سَمِعُوا وقَلَّمَا يَنْسَوْنَ شَيْئاً يَعُونَهُ ورَجُلٌ حَافِظُ العَيْنِ أَيْ لا يَغْلِبُه النَّوْمُ لأَنَّ العَيْنَ تَحْفَظُ صاحِبَها إِذا لَمْ يَغْلِبْهَا النَّوْمُ(8).
أقوال المفسرين:
الآية التي نحن بصدد تفسيرها تتكون من شطرين الشطر الأول عبارة عن خبر بلفظ مجمل يتضمن ماهية السماء وكيفية خلقها قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:32] والشطر الثاني لنفس الآية هو خبر أيضا ولكنه نتيجة تكونت بسبب سلوك طائفة من الناس هذا السلوك تمثل في إعراضهم عن آيات السماء التي بمجموعها تشكل سقفا محفوظا، قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:32] لذا سنقسم هذا المبحث إلى شطرين وكما يلي:
1- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:32] تقاربت أقوال المفسرين لهذه الآية، وكلها تشير إلى حفظ السماء من السقوط على الأرض، ومن الشياطين من أن تخترق السمع، ولهم أدلتهم من القرآن على ذلك، وهناك قول ثالث وهو حفظ السماء من الفساد والانحلال ولكنه كلام عام غير محدد أي لم يحددوا نوع ذلك الفساد والانحلال، فهو معنى غير دقيق يدخل فيه كل فساد يطرأ عليها، سواء من داخلها أو من شيء يطرأ عليها من الخارج، وسواء كان ذلك الفساد كبيرا واضحا أو هو فساد دقيق غير ملحوظ.
يقول علماء التفسير في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:32] أي: محفوظا من أن يقع ويسقط على الأرض دليله قوله تعالى: ﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه﴾ [الحج: 65].
وقيل: محفوظا بالنجوم من الشياطين قاله الفراء دليله قوله تعالى: ﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم﴾ [الحجر: 17] وقيل: محفوظا من الهدم والنقض وعن أن يبلغه أحد بحيلة وقيل: محفوظا فلا يحتاج إلى عماد.
وقال مجاهد: مرفوعاً وقيل: محفوظاً من الشرك والمعاصي(9)، فهي أي السماء للأرض كالسقف للبيت ﴿محفوظا﴾ عن الوقوع(10)، أو من الوقوع بقدرتنا القاهرة أو الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئتنا أو من استراق السمع بالشهب(11) وكذا يقول ابن كثير: أي على الأرض وهي كالقبة عليها كما قال: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:47].
وقال: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:5]، ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق:6] والبناء هو نصب القبة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [بني الإسلام على خمس] أي خمس دعائم وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب ﴿محفوظا﴾ أي: عاليا محروسا أن ينال وقال مجاهد: مرفوعا(12).
وقال الآلوسي رحمه الله تعالى: :من البلى والتغير على طول الدهر كما روي عن قتادة والمراد أنها جعلت محفوظة عن ذلك الدهر الطويل ولا ينافيه أنها تطوى يوم القيامة طي السجل للكتب وإلى تغيرها ودثورها، وقيل: من الوقوع وقال الفراء: من استراق السمع بالرجوم(13).
ومثل ما تقدم يقول البيضاوي: أي عن الوقوع بقدرته أو الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته أو استراق السمع بالشهب(14).
2- ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 32] يقول القرطبي: يعني الكفار، قال مجاهد يعني الشمس والقمر وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع لأنه الفاعل لها، بيّن أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها من ليلها ونهارها وشمسها وقمرها وأفلاكها ورياحها وسحابها وما فيها من قدرة الله تعالى إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا واحدا فيستحيل أن يكون له شريك(15).
ويضيف أبو السعود قائلا: وهم عن آياتها الدالة على وحدانيته تعالى وعلمه وحكمته وقدرته وإرادته التي بعضها محسوس وبعضها معلوم بالبحث عنه في علمي الطبيعة والهيئة معرضون لا يتدبرون فيها فيبقون على ما هم عليه من الكفر والضلال(16).
وهكذا تدور عبارات المفسرين رحمهم الله إلى نفس المعنى حيث يقول الآلوسي: وهم عن آياتها الدالة على وحدانيتنا وعلمنا وحكمنا وقدرتنا وإرادتنا التي بعضها ظاهر كالشمس وبعضها معلوم بالبحث عنه معرضون ذاهلون عنها لا يجيلون قداح الفكر فيها وجعل الإعراض بمعنى إنكار كونها آية بينة دالة على الخالق أي هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع وهم عن كونها آية بينة على الخالق معرضون(17).
الغلاف الجوي وحزام فان ألن:
لا شك أن الله سبحانه عندما خلق الكون جعله محكوما بعالم الأسباب والمسببات، وإن الكون يشمل كل موجود من أدق جسيم دون ذري إلى الحشود المجرية الفائقة، ولا أحد يعرف مدى كبر الكون إلا الله, وإن كل أثر أو نتيجة في هذا الكون لا بد لها من سبب يحكمه وكل ظاهرة لا بد لها من قانون يحكمها ويسير وفقها، وهو ما يسمى باللفظ الشرعي (السنة) وأعني بالسنة: القانون الرباني الذي خلقه الله وجعل نواميس الكون تسير وفقه، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح: 23].
ومن هنا نستطيع أن نعزو حفظ السماء للأرض هو من باب عالم ألأسباب والمسببات التي أراد الله تعالى أن تكون بمثابة قوانين متكاملة تحكم هذا الكون، فإن كنا نتكلم عن الأرض في هذا البحث فإن كل ما تراه أعيننا وتلمسه حواسنا وتحس به عقولنا مما في هذا العالم إنما هو بفعل إرادة خالقها سبحانه.
يقول دكتور هوغ روس عن أهمية حزام فان ألن ما يأتي: إن الأرض تملك كثافة أعلى من كل ما تملكه باقي الكواكب في النظام الشمسي، وهذا القلب العظيم للأرض المكون من الحديد والنيكل هو المسؤول عن الحقل المغناطيسي الكبير، وهذا الحقل المغناطيسي هو الذي ينتج عنه درع إشعاعات فان ألن الذي يحمي الأرض من الانفجارات الإشعاعية، ولو لم يكن هذا الدرع موجوداً لما كانت الحياة ممكنة على سطح الأرض، ولا يملك مثل هذا الدرع سوى الأرض وكوكب المريخ الصخري، ولكن قوة حقله المغناطيسي أقل بمائة مرة من قوة الحقل الأرض المغناطيسي، وحتى كوكب الزهرة المشابه لكوكبنا ليس لديه حقل مغناطيسي، إن درع فان ألن الإشعاعي هو تصميم فريد خاص بالأرض.
إن الطاقة التي ينقلها انفجار واحد فقط من هذه الانفجاريات التي تم حساب قوتها مؤخراً والتي تعادل قوة مائة بليون قنبلة ذرية شبيهة بتلك التي ألقيت فوق هيروشيما، بعد خمس وثمانين ساعة من انفجارها لوحظ أن الإبر المغناطيسية في البوصلة أظهرت حركة غير عادية، ووصلت الحرارة فوق الغلاف الجوي على ارتفاع مائتين وخمسين كيلومتراً إلى 1500درجة مئوية.
وحين ننتقل بالحديث عن الأرض نجدها ملائمة تماماً للحياة البشرية، لأننا عندما ننفذ من الغلاف الجوي إلى الفضاء الخارجي نصادف فيه برودة شديدة تصل 270 درجة تحت الصفر، (حمى الله الأرض منها بما هيئه لها من الغلاف الجوي)، كما إن الطاقة التي تنتجها الشمس تتفجر كقنبلة هائلة يصعب على العقل البشري تصور مداها، فانفجار واحد يساوي مائة بليون قنبلة ذرية مشابهة لتلك التي ألقيت على مدينة هيروشيما، إن العالم محمي من الآثار الهدامة لمثل هذه الطاقة بفضل الغلاف الجوي وحزام فان ألن(18).
حفظ السماء من منظور علمي:
في هذه الفقرة سنبين ما كتبه علماء الفلك المتخصصون بالسماء وما فيها من مكونات وخصائص يمكن أن نعتبرها أسرارا بل هي حقا كذلك، كانت خافية عنا حتى وقت قريب، اكتشفها العلماء واكتشفوا ما فيها من فوائد مهمة تقي الأرض وتحافظ عليها.
ويمكننا تبعا لذلك أن نقسم تلك الفوائد إلى ما يلي:
1- حماية الأرض من النيازك:
يقول الأستاذ هارون يحيى وهو يتحدث عن طبقات الأرض العليا التي تحيط بكوكب الأرض وهي إحدى الطبقات المسماة (الماغناتوسفير): إن طبقة الماغناتوسفير تتشكل من حقول الأرض المغناطيسية وتشكل درعاً واقيا للأرض من الأجرام السماوية والأشعة الكونية والجزيئات الضارة.
في الصورة أعلاه يمكن مشاهدة طبقة الماغناتوسفير وحزام فان ألن. هذه الأحزمة التي تعلو الأرض بمسافة آلاف الكيومترات تحمي الكائنات الحية، فالغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض يؤدي وظائف ضرورية لاستمرارية الحياة، فهو حين يدمر الكثير من النيازك الكبيرة والصغيرة فإنه يمنعها من السقوط على سطح الأرض وإيذاء الكائنات الحية.
هذه الصورة التوضيحية تظهر النيازك وهي على وشك الارتطام بالأرض، إن كل الأجرام السماوية التي تسبح في الفضاء قد تشكل تهديداً خطيراً على الأرض ولكن الله سبحانه وتعالى الذي خلقها بأكمل خلق فجعل الغلاف الجوي سقفاً حامياً لها، وبفضل هذه الحماية الخاصة فإن معظم النيازك لا تؤذي الأرض إذ أنها تتفتت في الغلاف الجوي.
2- تصفية الشعاع القادم للأرض من الفضاء:
وفائدة أخرى للغلاف الجوي تتجلى في عصر العلم، فبالإضافة إلى حماية الأرض من النيازك فإن الغلاف الجوي يصفي شعاع الضوء الآتي من الفضاء المؤذي للكائنات الحية، والملفت أن الغلاف الجوي لا يسمح إلا للإشعاعات غير الضارة مثل الضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية وموجات الراديو بالمرور، وكل هذه الإشعاعات أساسية للحياة.
فالأشعة فوق البنفسجية التي يسمح بمرورها بشكل جزئي فقط عبر الغلاف الجوي، ضروري جداً لعملية التمثيل في النباتات ولبقاء الكائنات الحية على قيد الحياة، كما أن غالبية الإشعاعات فوق البنفسجية المركزة التي تنبعث من الشمس يتم تصفيتها من خلال طبقة الأوزون في الغلاف الجوي ولا تصل إلا كمية محدودة وضرورية من الطيف فوق البنفسجي إلى الأرض.
3- حماية الأرض من زمهرير الفضاء:
إن درجة حرارة الفضاء المحيط بالأرض ليست كدرجة حرارة الأرض التي قد لا تزيد عن خمسين درجة مئوية في المتوسط ولا تقل عن سالب 10 في أقصى حالات البرودة، وهذا بالطبع فيما عدا القطب المتجمد الشمالي والجنوبي فربما تزيد أو تنقص عما ذكرنا، وكل هذا التناسق في درجات الحرارة هو بسبب تسخير الله سبحانه للشمس لنا مما يتسبب من وجودها الفصول الأربعة وما يتبعه من تنوع المواسم على سطح الأرض وبالتالي كل هذه الخيرات المتنوعة من الخضروات والثمار والفواكه وغيرها، أما الفضاء الخارجي والذي تكون الشمس فيه أشبه بذرة من الغبار تسبح فيه فلا نجد الحرارة المطلوبة ليعيش الإنسان فيه ولو دقائق معدودة.
إن الغلاف الجوي يحمي الأرض من برد الفضاء المجمد الذي يصل إلى 270 درجة مئوية تحت الصفر، وليس الغلاف الجوي فقط هو الذي يحمي الأرض من التأثيرات الضارة، فكذلك فإن ما يعرف بحزام فان ألن وهو طبقة نتجت عن حقول الأرض المغناطيسية، تشكل درعاً واقياً من الإشعاعات الضارة التي تهدد كوكبنا، هذه الإشعاعات (التي تصدر عن الشمس وغيرها من النجوم باستمرار) مميتة للكائنات الحية، ولولا وجود حزام فان ألن، لكانت الانفجاريات العظيمة للطاقة المسماة التموجات أو الانفجارات الشمسية (التي تحدث بشكل دائم في الشمس) قد دمرت الأرض
والصورة المجاورة تعود إلى فجوة أحدثها سقوط أحد النيازك في أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية، ولولا وجود الغلاف الجوي لسقطت ملايين النيازك على الأرض جاعلة منها مكاناً غير قابل للعيش فيه، ولكن خاصية الحماية التي يتمتع بها الغلاف الجوي تسمح للكائنات بالبقاء آمنة على قيد الحياة(19).
وجه الإعجاز:
أنت تتفق معي أنه لم يكن قبل ألف وأربعمائة سنة بل ولا حتى قبل ثلاثمائة عام من استطاع أن يطير في الهواء فضلا عن أن يقتحم الغلاف الجوي المحيط بالأرض ليرى ما رآه العلماء اليوم من أسرار السماء، وإن شئت أن تكون مستيقنا أكثر فاعلم أنه لم يكن هناك ما يسمى بالتلسكوبات أو المناظير العملاقة القادرة على استكشاف البعيد إلا قبل ثلاثمائة عام تقريبا أو أقل، فمن يا ترى أخبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن السماء فيها ما فيها من تلك الخصائص التي بها صارت السماء الدرع الحصين الأول للأرض؟ لا شك أنه من الذي يعلم السر وأخفى فسبحان من قدس نفسه ونزل القرآن على عبده نورا وجعله لنا برهانا ساطعا وحجة دامغة: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى* إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى* تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى* الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى* لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: 1-6].
لقد رأينا أن هناك نظاماً متكاملاً يعمل فوق الأرض وهو يحيط عالمنا ويحميه من التهديدات الخارجية، يديره مدبر خالق عليم، يقول تعالى منكرا على من عبد غير الله وحده لا شريك له الذي أسلم له من في السموات والأرض (أي استسلم له من فيهما طوعا وكرها) ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83] ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله والكافر مستسلم لله كرها فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع(20)
إن معظم الناس ينظرون إلى السماء دون أن يتفكروا بأوجه الحماية التي يوفرها الغلاف الجوي، وعادة لا يفكرون في الحال التي يكون عليها العالم لولا وجود هذا الغلاف، إلا أن العلماء لم يعلموا بوجود هذا إلا مؤخراً ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 32] ولكن الله سبحانه وتعالى أخبرنا منذ قرون بعيدة من خلال القرآن الكريم عن غلاف الأرض الجوي الذي يشكل درعاً واقياً بألفاظ وجيزة تفيد هذا المعنى للمتفكر بها تفكرا يخرج به من عالم المألوف إلى رؤية ملكوت السماوات والأرض.
إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي
(6/ 11/ 2008م)
مراجعة: عبد الكريم الفهدي، ورياض عيدروس.
_____________________
(1) تفسير ابن كثير: 3/ 238.
(2) مختار الصحاح: 1/ 119.
(3) لسان العرب: 11/ 110.
(4) مختار الصحاح: 1/ 326.
(5) لسان العرب: 9/ 155.
(6) كتاب العين: 3/ 198.
(7) مختار الصحاح: 1/ 167.
(8) تاج العروس: 1/ 5053.
(9) تفسير القرطبي: 11/ 251.
(10) تفسير الجلالين: 1/ 423.
(11) تفسير أبي السعود: 6/ 65.
(12) تفسير ابن كثير: 3/ 238.
(13) روح المعاني: 17/ 38.
(14) تفسير البيضاوي: 1/ 92.
(15) تفسير القرطبي: 11/ 251.
(16) تفسير أبي السعود: 6/ 65.
(17) روح المعاني: 17/ 38.
(18) كتاب معجزة القرآن الكريم تأليف هارون يحيى.
(19) كتاب معجزة القرآن الكريم تأليف هارون يحيى.
(20) مختصر ابن كثير: 1/ 232.